الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جهده، لا من تقادم عهده. وبتنا تلك الليلة نتفكه بأنفاسه، ونتنزه بصهباء كأسه. حتى إذا غمضت الجفون عن الشفون. أدلج على ذلك النجيب، وترك القوم عليه ألهف من قضيب.
المقامة السادسة والأربعون وتعرف بالسخرية
قال سهيل بن عباد: خرجت للصيد في بادية الخلصاء مع بعض الخلصاء الأخصاء. وكنا في عدتنا كنجوم الثريا وفي انتظامنا كحبب الحميا. فاقتنصنا ما شاء الله من سانح وبارح، وقعيد وناطح.
ثم أثقبنا النار في ذلك الحضيض وأخذنا بالمل والتعريض. وجعلنا نختزل الخراذل والأوصال، من كل خنساء وذيال. إلى أن صغت الشمس نحو المغربان، وكادت تلبس حلة الأرجوان. فنهصنا نقتضب تلك الأرض، حتى غشيتنا ظلمات بعضها فوق بعض. فجعلنا نخبط خبط عشواء تحت غشاء ذلك العشاء. وبينما نحن كالآرام في القماص، إذ سمعنا منادياً يقول: القرى يا خماص فخف ما نجد من الكرب، وعجبنا من مكارم العرب. وقصدنا ذلك الصوت على السماع، كما تستروح السباع. فإذا دار قوراء، ونار زهراء، وأوجه غراء. فنزلنا على الرحب والسعة واستقبلنا القوم بالأنس والدعة. وما لبثنا أو وضع الخوان، ورفعت الجفان. فجلسنا مليا. وأكلنا هنياً مرياً. وبتنا ليلتنا في ذلك
الغور، كأننا جلساء قعقاع بن شور. حتى إذا كانت الغداة وقد تألب الحي بمنتداه. وفد شيخ بال، في رثاث أسمال. فبينما حي وجثم وهو قد اشتمل والتثم. أقبل رجل قد تزمل بكساء خلق واعتم بلفائف مكورة كالطبق، قد جمعت ألوان قوس السحاب في الخرق. وأرخى لعمامته عذبة أطول من قصبة. وهو قد كحل إحدى عينيه ولبس خفاً بإحدى رجليه، وأخذ عصاً بكلتا يديه. فلما رآه الشيخ ازمهر وامتقع لونه واكفهر. وقال: أخذتك بالفطسة، بالثؤباء والعطسة. فقال القوم: تبارك اسم ربك الأعلى، من هذا الذي منظره يضحك الثكلى؟ قال: هو أحمق مولع بالفشار، كتلفيق الخنفشار.
ولسانه لا ينطلق، إلا بمثل الخفشلق. وقد قبض الله لي ملتقاه فحيثما سكعت أراه. وأنا أتعوذ من منظره الذميم، كما أتعوذ من الشيطان الرجيم. وهو يداركني سباقاً أو لحاقاً ويفاجني عمداً أو وفاقاً، فلا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقاً. فاقتحم الفتى وهو يرفس برجله الأرض،
ويتهادى بين الطول والعرض. فانتشبت شظية في رجله الحافية، كما أصاب رافس الشنفرى بالبادية. فأعول وولول وحجل بعدما هرول. وقال: قبحك الله يا وجه الغول، وسحنة المغول أتتشاءم بي وبك يتشاءم غراب البين؟ هل تظن أن رزق الله يضيق عن اثنين؟ أم تحسب إن القوم إذا رأوا لين قامتي، ونقش عمامتي. يزدرون بشيبتك، ويعزمون على خيبتك؟ أتخالهم لم يروا بلغتك الزرقاء، والغلماء بين يديك كالأرقاء؟ ولم يشموا عطرك الذي يملأ قطرك؟ ولم ينظروا عمامتك الحانية، وجبتك القانية،
وبردتك اليمانية وأظفارك التي كالمناجل وما تحتها من سخام المراجل؟ فلولا حرمة القوم لجعلت في رأسك العشر الشجاج، وحطمتك كقوارير الزجاج فأرغى الشيخ وأزبد وأبرق وأرعد، وثار إليه كالبعير الأقود. فانهزم الفتى كالبحتري وعدا الشيخ في غثره كالصيمري. والناس من ورائهما ينظرون، والصبيان يصفقون
وينقرون. فتكبكب الفتى وكبا، وانتقضت عمامته فذهبت أيدي سبا. فتجارى الغلمان يتخاطفون منها القطع، ويتقاذفون الرقع. وهو من ورائهم يصيح: المدد ويجمع تلك القدد، ويسرد العدد. وهم يطاردونه عن أخذها، وهو يطاردهم عن نبذها. حتى ضاقت عن الضحك الصدور، وبرزت مقصورات الخدور. فالتظى الفتى واضطرب ونادى بالويل والحرب. وقال: ويل لكل همزة لمزة، لا يعرف حق التاج والخرزة أين بقية القطع الحمراء،
والشظايا الصفراء والخرق الخضراء؟ قد عدتها تسعين، ولا أجد منها غير سبعين، فأين أضعتم الأربعين؟ فضحك القوم من حسابه الذي يفتن كل حاسب، ويضحك مروان الكاتب. وقالوا: لا بأس يا أخا العرب، سنعوض عليك ما ذهب. فقال: شهد الله ما بي هذا الخراب، ولكن تشاؤم هذا الشيخ بي وهو أشأم من سراب. فإنه قد أضاع بذلك خفي الذي هو أغلى من خف حنين، وعمامتي التي جمعتها من آثار حجاج الحرمين، وكنت لا أسمع أن يمسها الحسن والحسين. قالوا: خذ هذا الخف الدارش والعمامة الموشاة، وتنكب الشيخ أن تغشاه أو تهيجه بما يخشاه. فأخذهما ومشى، وقد لاحت عليه