الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة حولي الحريق بمنى في حج عام 1417 ه
ـ
بسم الله الرحمن الرحيم (1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إخواني، في حج هذا العام عام سبعة عشر وأربعمائة وألف حدث حريق في يوم التروية، وكثير من الناس في منى، وكثير من الناس في مكة، وكثير من الناس في عرفة، وكثير من الناس الذين في منى قد أحرموا، وكثير منهم لم يحرموا، وكانت الكارثة عظيمة لولا أن الله تعالى منَّ بتقليلها حتى انحصرت فيما انحصرت فيه، وقد قدرت الخيام التي التهمتها النار بسبعين ألف خيمة، والموتى
بأكثر من ثلاثمائة حاج، والجرحى بنحو ألفين أو يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، والضائعون أيضاً كثيرون، ولا شك أن هذه كارثة، ولكن بسبب الذنوب والمعاصي، لقول الله تعالى:(وَمَآ أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(2)
فيجب علينا أن نتخذ من ذلك عبرة وعظة، ومن أكبر ما ينبغي أن نتعظ فيه أن لا نتخذ من الحج نزهة، لا نريد منه إلا أن نرفه أنفسنا ويجلس بعضنا إلى بعض بالمزح والضحك وإضاعة الوقت، لأن
الحج عبادة، حتى إن الله تعالى سماه نذراً وسماه فرضاً فقال تبارك
(1) جزء من كلمة لفضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- بمناسبة انتهاء العام الهجري 1417 هـ.
(2)
سورة الشورى، الآية:30.
وتعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ)(1) وقال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)(2) فهو عبادة جليلة ليس نزهة، ومن الناس من يتخذه وقتاً للتسول، ومن الناس من يتخذه وقتاً للسرقة والعدوان والعياذ بالله، فالناس يختلفون، فهذه المصائب لا شك أنها بذنوبنا، ولا شك أيضاً أنها قد كتبت علينا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولهذا يجب علينا أن
نتخذ من هذه المصيبة موعظة تتعظ بها القلوب، وأن نتخذ منها رضاءً بقضاء الله وقدره، وأن نقول: الحمد لله على كل حال، والذين أصيبوا بها وماتوا إن كانوا محرمين فإنه يرجى أن يكونوا
شهداء، ويخرجون من قبورهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، فيجتمع لهم الشهادة والموت على الإحرام، والخروج من القبور يلبون، ومن لم يكن أحرم فإنا نرجو أن يكون من الشهداء أيضاً، لأن
الحريق شهيد، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (3) ، ولقد كان في هذه الحادثة عجائب، منها الريح الشديدة التي كانت تنقل اللهب من مكان إلى مكان، فتنقل قطع الخيام
المشتعلة من جهة إلى جهة، ثم إذا وقعت في جهة احترقت الجهات التي انتقلت إليها هذه القطعة، وأخبرني شخص أثق به عن إنسان شاهد بعينه أن حمامة مرت قد أصابها اللهب ففرت من اللهب
(1) سورة البقرة، الآية:197.
(2)
سورة الحج، الآية:29.
(3)
أبو داود، كتاب الجنائز، باب فضل من مات بالطاعون (3111) .
وجناحها وذيلها يلتهب فسقطت ميتة أدركها الاحتراق على خيمة فاشتعلت الخيمة، سبحان الله، هذا مما يدل على أن الله عز وجل ابتلى العباد بهذا الحريق، ثم الرياح الشديدة العاصفة في ذلك اليوم
التي نراها تسوق النيران سوقاً حثيثاً مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى أراد من عباده- وله حكمة- أن يتعظوا بمثل هذه الأمور وحصل فيها من الحريق ما حصل، وحصل فيها أن من الناس من فقد أمه، ومنهم من فقد زوجته، ومنهم من فقد أبناءه، ومنهم من رؤي محترق وهو ساجد- سبحان الله- ساجد لله عز وجل، فأما أن يكون يصلي الظهر أو العصر، وإما أن يكون لما أحس أن النار أدركته قام يصلي وأحب أن يموت على صلاته، وعلى كل حال نسأل الله تعالى لإخواننا الذين ماتوا أن يغفر لهم ويكتبهم من الشهداء، وأن يشفي إخواننا الذين مازالوا على قيد الحياة، ويجعل ما أصابهم في تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم، ونسأل الله تعالى أن يأجر كل من أصيب بهذه المصيبة؛ لأن كل مؤمن مصاب بلا شك بهذه المصيبة، فنسأل الله تعالى أن يجبر كسر الجميع، وأن يعفو عنا، ويغفر لنا، إنه على كل شيء قدير.