الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
(1)
: أنه يتعيَّن قتلُه، ولا يجوز استرقاقُه، ولا المنُّ عليه، ولا فداؤه
أما إن كان مسلمًا فبالإجماع؛ لأنه نوع من المرتدّ أو من الزنديق، والمرتدُّ يتعيَّن قتلُه وكذا الزنديق، وسواء كان رجلًا أو امرأةً، وإن كان معاهدًا يتعين قتله - أيضًا -، سواء كان رجلًا أو امرأة عند عامة الفقهاء من السلف ومن تبعهم، وقد تقدَّم قول
(2)
ابن المنذر: "أجمع عوامُّ أهل العلم على أن على من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم القتل، وممن قاله: مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. وحُكِي عن النعمان: لا يُقْتَل الذِّمِّي"، وهذا اللفظ دليل على وجوب قتلِه عند عامة العلماء، ولقتله مأخذان:
أحدهما: انتقاض عهده.
والثاني: أنه حدٌّ من الحدود، وهو قول فقهاء الحديث.
قال ابن راهوية: إن أظهروا السَّبَّ قُتِلُوا، وأخطأ من قال: "ما هم
(1)
"الصارم": (2/ 467).
(2)
انظر ما تقدم ص/ 31.
فيه من الشرك أعظم من سبِّ النبي صلى الله عليه وسلم". قال إسحاق: يقتلون، لأنه نقض للعهد، وكذلك فعلَ عمر بن عبد العزيز فلا شُبْهة في ذلك، وقد قتل ابنُ عمر الراهبَ الذي سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ما على هذا صالحناهم"
(1)
، وكذلك نصَّ الإمام أحمد على وجوب قتله وانتقاض عهده، وتقدم بعض نصوصه
(2)
، وكذلك نصَّ عامة أصحابه، ذكروه بخصوصه في مواضع، وذكروه - أيضًا - في جملة ناقضي العهد.
ثم المتقدِّمون وطوائف من المتأخرين
(3)
قالوا: يتعيَّن قتله وقتل غيره من ناقضي العهد، كما دلَّ عليه كلام أحمد.
وذكر طوائفُ منهم أن الإمام يُخيَّر فيمن نقضَ العهدَ من أهل الذَّمة، كما يُخَيَّر في الأسير
(4)
، فدخلَ هذا السابُّ في عموم الكلام؛ لكن المحققون منهم كالقاضي
(5)
وغيره قيَّد ذلك بغير السابِّ، وأما السابُّ فيتعيَّن قتله. فإما أن لا يُحْكَى في تعيُّن قتلِه خلافٌ؛ لكون الذين أطلقوا في موضعٍ قيدوه في موضع آخر: بأن السابَّ يتعيَّن قتلُه، فهو غير داخلٍ في العموم، أو يُحْكَى فيه وجهٌ ضعيف؛ لأن الذين قالوا به في موضعٍ نصوا على خلافه في موضعٍ آخر.
واختلف أصحاب الشافعي - أيضًا - فمنهم من قال: يتعين قتلُه، ومنهم من ذكر الخلاف، وقال: هو كغيره
(6)
، والصحيحُ جواز قتله،
(1)
ص (32 - 33).
(2)
انظر ص/ 32 - 34.
(3)
أي: من الحنابلة.
(4)
بين الاسترقاق والقتل والمنّ والفداء.
(5)
أبو يعلى الفرَّاء.
(6)
أي: من الناقضين للعهد.
قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح.
وكلام الشافعي يقتضي أن الناقض حكمه حكم الحربي، وفي موضعٍ أمر بقتله عينًا من غير تخيير
(1)
.
وأما أبو حنيفة
(2)
: فلا تجيءُ هذه المسألة على أصلِه، إذ أصله: لا ينتقض عهد أهل الذمة إلا أن يكونوا أهل شوكة ومَنَعَة، فيمتنعون بذلك على الإمام فلا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم.
ومذهب مالك: لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين مِنَّا، مانعين للجزية من غير ظلمٍ أو يلحقوا بدار الحرب، لكن مالكًا يوجب قتل سابِّ الرسول عينًا، وقال: إذا اسْتَكْرَه الذِّميُّ مسلمةً على الزِّنا قُتِل إن كانت حُرَّة، وإن كانت أمَةً عُوقِبَ العقوبة الشديدة.
فشاتم الرسول
(3)
يتعيَّنُ قتلُه كما نصَّ عليه الأئمة، أما على قول من [يقول]
(4)
: يتعيَّن قتل كلِّ من نقضَ العهد وهو في أيدينا، أو: يتعيَّن قتل كل ناقضٍ للعهد بما فيه ضررٌ على المسلمين وأذى، كما ذكرناه من مذهب الإمام أحمد، وكما دلّ عليه كلام الشافعي، أو يقول: يتعين قتل من نقض العهد بسَبِّ الرسول وحده، كما ذكره القاضي، وكما ذكره طائفةٌ من أصحاب الشافعي، وكما نصَّ عليه عامة الذين ذكروه في نواقض العهد، وذكروا أن الإمام يتخَيَّر فيمن نقض العهد
(1)
انظر كتاب "الأُم": (4/ 208 - 211).
(2)
انظر "الصارم": (2/ 496).
(3)
انظر "الصارم": (2/ 510).
(4)
من "الصارم".
على سبيل الإجمال، فإنهم ذكروا في مواضع أُخَر أنه يقتل من غير تخيير فظاهر.
وأما على قول من يقول: إن كل ناقضٍ للعهد يتخيَّر فيه الإمام؛ فقد ذكرنا أنهم قالوا: إنه يستوفي منه الحقوق كالقتل والحدِّ والتعزير؛ لأن عقد الذِّمة على أن تجري أحكامنا عليهم، وهذه أحكامنا، ثم إذا استوفينا فالإمام مخيَّر فيه، كالأسِيْر.
وعلى هذا القول؛ فيمكنهم القول بقتل السابِّ حدًّا من الحدود، كما لو نقض بزنى أو قطع طريق، فإنه يقتل بذلك إن أوجب القتل، بل قد يقتل الذميُّ حدًّا من الحدود وإن لم ينتقض عهدُه، كما لو قَتَل ذِمٍّيًا، ومذهب مالك يمكن توجيهه على هذا الوجه إن كان فيهم من يقول: لم ينتقض عهدُه.
وبالجملة؛ فالقول بأن الإمام يتخيَّر فيه إنما يدلُّ عليه عموم [كلام]
(1)
بعض الفقهاء أو إطلاقه، وكذلك قولهم: إنه يُلْحق بدار الحرب.
وأخْذُ المذاهب من الإطلاقات يجرُّ إلى غلطٍ عليهم، بل لا بد من أخذ ذلك من كلامهم المفسّر، وبالجملة؛ فإن تقرَّر في هذا خلاف فهو ضعيف نقلًا وتوجيهًا، والدليل على تعيُّن قتله ما قدَّمناه من أقوال الصحابة والتابعين والسنن والآيات
(2)
.
* * *
(1)
في "الأصل": "يدل على عموم بعض الفقهاء
…
" والمثبت من "الصارم" وبه يستقيم السياق.
(2)
انظر "الصارم": (2/ 512 - 541).