الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى إبراهيم عليه السلام من السماء أثناء بناء البيت. ولم تصرح الرواية بأنه جاء به من الجنة.
ولأن بودلي لا يستطيع التفريق بين الروايات الصحيحة والضعيفة، فلذا تراه يبني استنتاجاته على جرف هار. والعلماء المسلمون لا ينكرون وجود الإسرائيليات والأساطير التي أدخلها الإخباريون على السيرة والتاريخ الإسلامي، ولكنهم ينكرون على من يتصدى للتأليف الجهل بمناهج الحكم على الروايات والتفريق بين الصحيح والسقيم. وبودلي وأمثاله يفتقرون إلى هذا العلم والمنهج.
43-
ويقول: إن خبر بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة من أساطير العرب
(1) .
وهذا خطأ كبير. فقد ثبت بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة بنصوص قرآنية، منها قوله:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] .
ومن الأحاديث والأخبار:
يروي أهل الحديث والتفسير والتاريخ أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام شرعا في تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى ببناء البيت. فكان إبراهيم
(1) الرسول، ص 18. ولنا بحث منشور في مجلة "الدارة"، بعنوان: عمارة الكعبة المشرفة عبر العصور، تعرضنا فيه للحكم على الروايات المتعلقة بهذا الموضوع.
يبني (1) وإسماعيل يناوله الحجارة التي كان يأتي بها محمولة على رقبته (2)، ويقولان كما حكى الله عنهما في القرآن الكريم:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (3)[البقرة: 127-129] .
عندما ارتفع البناء وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة إلى مكان البناء، وذلك لكبر سنه (4) ، جاءه ابنه إسماعيل بحجر ليقوم عليه أثناء البناء (5) ، ويحوله في نواحي البيت حتى فرغ من البناء؛ وعرف هذا الحجر بمقام إبراهيم أو حجر المقام، لقيامه عليه أثناء البناء (6) . ولما وصل البناء إلى مكان معين يحتاج إلى حجر معين، طلب إبراهيم من إسماعيل أن يأتيه به، فانطلق يلتمس المطلوب، ولكن عندما عاد بحجر، وجد أن الحجر المطلوب قد ركب في مكانه المطلوب، فقال: يا أبتي: من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من
(1) البخاري / الفتح (13/149/برقم 3364) .
(2)
الطبري: التفسير (3/رقم 3365) ؛ الأزرقي: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار (2/32) .
(3)
البخاري / الفتح (13/151/رقم 3365) ؛ الأزرقي: أخبار مكة (2/32) ، بإسناد صحيح.
(4)
البخاري / الفتح (13/151/رقم 3365) ؛ الأزرقي: أخبار مكة (2/32) ؛ الطبري: التفسير (3/68/رقم2056) .
(5)
البخاري / الفتح (3/151/رقم 3365) ، الأزرقي (2/32) .
(6)
البخاري / الفتح (13/149/رقم 3364) ؛ الأزرقي: أخبار مكة (2/32) .
لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء (1) .
(1) الطبري " التفسير (3/70/برقم 2058) ، وسنده صحيح.
44 -
يقول بودلي (2) عن نساء الرسول صلى الله عليه وسلم: "فقد أحبهن جسمانياً.. وكان آخر شيء يريده لهن هو أن يظللن في حالة الرق التي كن يعشنها لسنين قليلة خلت..".
إذا كان بودلي (3) نفسه يقول عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ".. وكانت عائشة هي البكر الوحيدة التي تزوجها، وكانت الأخريات مطلقات أو أرامل، وكان منهن خمس دميمات". إن الذي قاله بودلي هنا يدحض زعمه المذكور؟ فهل الذي يحب النساء جسمانياً يتزوج الأرامل والمطلقات، ومن في حجورهن الأطفال، والدميمات حسب زعمه؟!
فلو كان حب الرسول صلى الله عليه وسلم لنسائه جسمانياً فقط، ولو كن يعشن معه حياة رق، كما يزعم، لما رغبن كلهن في البقاء معه حين خيرهن بين البقاء معه على شظف العيش أو أن يطلقهن ويسرحهن سراحاً جميلاً. وهذا ثابت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 28-29] .
(2) الرسول /، ص 204.
(3)
الرسول، ص 204.
وثابت في الصحيحين (1) خاصة.
ولو كان الأمر أمر حياة رق، لما اختارت نساؤه حياة الرق، وهن من أشرف قبائل العرب، ومنهن من كان والدها من الزعماء والقادة في الحرب والسلم، أو أصحاب مكانة عالية في أقوامهم، مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وصفية بنت حيي بن أخطب النضري، وجويرية بنت الحارث المصطلقي. فليس هناك ما يجبر أمثال هؤلاء النسوة على البقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم في شظف من العيش اختياراً، على الرغم من أن بيوت آبائهن فيها كل ما يردنه من مُتَع الحياة الدنيا التي طالبن بها.
وقد ذكرنا في كتابنا: "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية"، فصل أمهات المؤمنين (2) ، أسباب زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من كل واحدة من زوجاته رضي الله عنهن وحكمة هذا التعدد، وفيه ما يغني عن الإعادة.
ثم إن حب الرجل للمرأة جسمانياً من كمال رجولته ودليل سلامة فطرته التي فطر الناس عليها لحفظ النوع البشري. وكذلك حب المرأة للرجل جسمانياً من كمال أنوثتها ودليل سلامة فطرتها التي فطر الله النساء عليها لحفظ النوع البشري. ولولا ذلك ما تحمل الرجال أعباء الزوجية. بل العيب أن يصرف الرجل أو المرأة الطاقة الجنسية بطرق محرمة شرعاً وعقلاً وعرفاً.
(1) البخاري / الفتح (18/136ـ139/رقم 4785 وما بعده) ، مسلم (2/1103ـ1113/رقم 1475، 1476، 1477، 1478) .
(2)
ط1، ص 697 ـ 712. وانظر كذلك الجزء الثاني من الطبعة الثانية.
45-
يقول بودلي (1) : "وما كان الذهاب إلى المسجد دليلاً على رسوخ الإيمان..".
إن هذا الكلام ليس على إطلاقه كما يفهم من كلام بودلي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قال:"إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان "، وقال الله عز وجل:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18](2)، وفي رواية أخرى:"إذا رأيتم الرجل يلزم المسجد فلا تحرجوا أن تشهدوا أنه مؤمن، فإن الله يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [التوبة: 18] (3) ".
فالذي يرتاد المساجد لأداء الصلوات الخمس مع أول جماعة وفي جميع الظروف المناخية والعملية ودون رياء أو رجاء أمور دنيوية، لا بد أن يكون راسخ الإيمان. لأنه ليس هناك ما يجبره على ترك كل شهواته الدنيوية لأداء الصلاة في جماعة في المساجد، إلا رسوخ الإيمان.
أما إذا كان بودلي وغيره قد رأى أفراداً من المسلمين يصلون بعض
(1) الرسول، ص 82.
(2)
رواه أحمد: المسند (3/68ـ76) ، وضعف إسناده محققو الموسوعة الحديثية ـ المسند (18/ح11651، 11725)، وممن رواه: ابن خزيمة في صحيحه (1502) ، وابن عدي في الكامل (3/981) ، وهذا يعني أنه مما يحتج به في فضائل الأعمال؛ ابن ماجه (2802) ، ابن خزيمة (1502) ، الترمذي (2617، 3093) وحسنه الدارمي (1226) ؛ الحاكم: المستدرك (1/212) ، وصححه من حديث أبي سعيد الخدري.
(3)
الحاكم (2/332) ، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.