الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4-
زعمه تحرك غرائز الرسول صلى الله عليه وسلم الجنسية في أواخر أيامه:
يزعم بودلي (1) أن غرائز الرسول صلى الله عليه وسلم الجنسية كانت خامدة، ثم تحركت في أواخر أيامه. وهذا الزعم في أصله لشيخه إميل درمنجهم (2)، ونصه:"شعر محمد في العقد الأخير من عمره بميل كبير إلى النساء..".
يستنتج بودلي ومشايخه من المستشرقين (3) مثل هذه المزاعم من حقيقة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، حيث كان عمره حينها خمسين عاماً. ولو كان هؤلاء موضوعيين أو منصفين لنظروا أولاً في سيرة كل واحدة من زوجاته والظروف والبواعث التي أحاطت بزواجه من كل واحدة منهن، قبل أن يروِّجوا لتلك المزاعم. وهذا ما فعلناه في كتابنا "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (4) ".
وخلاصة ذلك:
(1)
زواجه صلى الله عليه وسلم من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها:
إن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج – كغيره – هو عدم اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بأسباب المتعة الجسدية، بدليل أنها كانت أكبر منه سناً بخمس عشرة سنة، ولم يتزوج عليها إلا بعد وفاتها عن خمس وستين سنة، وكان
(1) الرسول، ص 38.
(2)
في كتابه: حياة محمد، ص 299.
(3)
انظر في هذا: د. عبد الحليم محمود: أوروبا والإسلام، ص 121.
(4)
ص 132 ـ 138، ص 697 ـ 712، الطبعة الأولى (1412هـ) ، وانظر كذلك الطبعة الثانية (1424هـ) .
عمره حين وفاتها خمسين عاماً، وكانت ثيباً عندما تزوجها، إذ تزوجت بعتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له بنتاً، وتزوجت أبا هالة بن النباش التميمي، فولدت له ابنها هنداً وبنتاً. وكانت هي التي سعت للزواج من الرسول صلى الله عليه وسلم (1) .
(2)
زواجه صلى الله عليه وسلم من سودة بنت زمعة:
كانت من المؤمنات المهاجرات إلى الحبشة في سبيل الله مع زوجها السكران بن عمرو، الذي توفي عنها، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطش بها قومها الكفار لعدم رضائهم بهجرتها، فتزوجها على الرغم من كبر سنها (2) ، وعندما طعنت في السن، وذهبت حاجتها في الفراش، خشيت أن يطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم وتحرم بذلك من الحشر في أزواجه، وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها (3) .
(3)
زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن رجلاً يحملها إليه في قطعة بيضاء من جيد الحرير، قائلاً:(هذه امرأتك) ، فيكشف فيراها، فيقول:"إن كان هذا من عند الله يمضه. (4) " وكفى بهذا دليلاً على انتفاء
(1) ابن إسحاق: السير والمغازي، ص: 245، ابن سعد: الطبقات (8/15) ، بأسانيد ضعيفة حديثياً وقبلها العلماء تاريخياً، منهم ابن حجر كما في الفتح (14/287) .
(2)
ابن إسحاق: المصدر نفسه، ص:254، ابن سعد: نفسه (8/53) ، ابن هشام (2/9) ، بأسانيد ضعيفة حديثياً، فهي من الأخبار التاريخية التي قبلها العلماء أمثال ابن حجر كما في الإصابة (2/59) وابن عبد البر كما في الاستيعاب (2/125) .
(3)
البخاري، برقم (5212) ، ومسلم، برقم (1463) ؛ وغيرهما.
(4)
البخاري، برقم (5078) ، ومسلم، برقم (2438) .
الشهوانية، ولم يتزوج بكراً غيرها (1) ، وكان لوالدها دور كبير في نصرة الإسلام، فحرص الرسول صلى الله عليه وسلم في مصاهرته لتوثيق عرى المحبة بينهما.
(4)
زواجه صلى الله عليه وسلم من حفصة بنت عمر رضي الله عنهما:
تزوجها للحكمة ذاتها التي تزوج من أجلها عائشة وسودة رضي الله عنهما، وإضافة إلى رغبته في تخفيف حزنها لفقد زوجها خُنَيس بن حذافة البدري وصاحب الهجرتين (2) ، الذي استشهد نتيجة جراح يوم أحد (3) ، وحزن والدها لحزنها، فعرضها والدها عمر رضي الله عنه على صاحبيه أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، فاعتذر الثاني وسكت الأول لعلمه برغبة النبي صلى الله عليه وسلم في مواساتها بالاقتران بها (4) ، وعندما طلقها الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام، وقال له:"راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة"(5) .
(5)
زواجه صلى الله عليه وسلم من زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها:
قيل: إن زوجها عبيدة بن الحارث استشهد يوم بدر (6)، وقيل: إنه عبد الله ابن جحش الذي استشهد يوم أحد (7) ، وكانت قبلهما تحت الطفيل بن
(1) البخاري، برقم (5077) .
(2)
البخاري، برقم (5122) .
(3)
ابن حجر: الإصابة (1/456) ؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (1/438) .
(4)
البخاري، برقم (1522) ؛ أحمد: الفتح الرباني (22/130) ، بسند صحيح.
(5)
أحمد: الفتح الرباني (22/131) ، من رواية الطبراني برجال الصحيح.
(6)
ابن سعد: الطبقات (8/115) ، من طريق الواقدي.
(7)
ابن عبد البر: الاستيعاب (4/313) ، معلقاً، ولم يعزه لأحد؛ ابن حجر: الإصابة (4/315) ، معلقاً، وقد جزم به.
الحارث بن عبد المطلب، فطلقها (1)، وقيل: كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث (2) .
ودعيت في الجاهلية بأم المساكين لرحمتها بهم (3) .
إن امرأة تعاقب عليها هذا العدد من الأزواج، وما عرف عنها من الصلاح والرأفة على المساكين، لجديرة بتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالزواج.
(6)
زواجه صلى الله عليه وسلم من أم سلمة المخزومية رضي الله عنها:
كانت من شهيرات المجاهدات يوم أحد والحديبية، والمهاجرات إلى الحبشة والمدينة.
استشهد زوجها إثر إصابة يوم أحد، وترك لها أربعة من الذرية، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواسيها بجبر مصابها ورعاية أيتامها.
(7)
زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث رضي الله عنهما:
كانت من بين سبايا غزوة بني المصطلق، وهي ابنة زعيم القوم الحارث ابن أبي ضرار، فتنازل له عنها من وقعت في سهمه، فأعتقها وتزوجها ترغيباً لأبيها وقومه في الإسلام، فكان أن جاء والدها مسلماً وأسلم معه قومه، وإكراماً لمصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم قومها أعتق المسلمون سبي قومها.
(1) ابن سعد (8/115) ، من حديث الواقدي؛ ابن بكار، ص:49، ضعيف.
(2)
ابن إسحاق، معلقاً كما في سيرة ابن هشام (4/391) .
(3)
عن هجرتها إلى المدينة، ابن إسحاق، بسند حسن، كما عند ابن هشام (2/123-124) ؛ وعن زواجه بها على الرغم من اعتذارها بكثرة الصبية، انظر: مسلم، برقم (918، 919) ، وغيره.
(8)
زواجه صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها:
هي ابنة أميمة، عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، زوجها الرسول صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة، الذي أعتقه وتبناه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يطلقها ليتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لإبطال عادة التبني، ونزل في هذا قرآن كما في الآية:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} (1)[الأحزاب:37] .
(9)
زواجه صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما:
هاجرت إلى الحبشة، فارتد زوجها هناك، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرمها لثباتها، ولكيلا يشمت بها الكفار، على رأسهم والدها، الذي كان يتزعم معارضة الدعوة الإسلامية بضراوة، وأراد صلى الله عليه وسلم أن يكسر حدة عداوة والدها وقومه بني أمية (2) .
(10)
زواجه صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية:
كان في زواجه منها ذات الحكمة في زواجه من جويرية رضي الله عنها؛ فهي ابنة زعيم يهودي، مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضد الرسول صلى الله عليه وسلم (3) ، فكان لا بد من أن تكون من الصفي بإثر سقوط خيبر، ليتزوجها، فيكسر ذلك حدة عداوة اليهود، وإعطاء الدليل العملي على نفي تهمة العنصرية ضد اليهود.
(1) البخاري، برقم (4787) .
(2)
انظر: أحمد، كما في الفتح الرباني (22/133) ، بسند جيد؛ ابن هشام (4/389) ، بإسناد حسن.
(3)
انظر قصتها عند: البخاري، برقم (4211) ؛ مسلم، برقم (1365) ؛ ابن سعد: الطبقات (8/121-123) ، من حديث الواقدي.
(11)
زواجه صلى الله عليه وسلم من ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:
كان عمه العباس حريصاً على هذا الزواج، لمعرفته بتقواها، فهي أخت زوجته أم الفضل (1)، ومما يدل على تقواها قول ضرتها عائشة رضي الله عنها:"أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"(2) .
وفي الاقتران بمثلها تحبيب لقومها في الإسلام.
(12)
تسرّيه صلى الله عليه وسلم مارية القبطية:
أهداه إياها مقوقس مصر، فقبلها (3) حرصاً على ترغيب القبط في الإسلام، وعندما ولدت له ابنه إبراهيم أعتقها، وقال في هذا:"أعتقها ولدها"(4) .
وأصبح هذا الحديث من أدلة الحكم الفقهي في أمهات الأولاد (5) .
(13)
زواجه صلى الله عليه وسلم من ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة:
قيل إنها من بني النضير، وقيل من قريظة، اصطفاها لنفسه فأعتقها وتزوجها (6) . ويقال عن حكمة زواجه منها ما قلناه عن حكمة زواجه من صفية وجويرية ومارية.
إن هذا الإصهار من قبائل شتى وأعداء ألداء يحمل في طياته حكمة بالغة
(1) ابن عبد البر: الاستيعاب (4/407) ، مرسلاً.
(2)
ابن سعد: الطبقات (8/139) ، وصحح ابن حجر إسناده في الإصابة (4/413) .
(3)
ابن هشام (1/247) ، بإسناد يعتضد؛ ابن سعد (1/260) من حديث الواقدي.
(4)
ابن ماجه، كتاب رقم 19، باب 20، بسند يعتضد.
(5)
انظر: ابن قدامة: المغني (9/527 وما بعدها) ؛ البيهقي: السنن الكبرى (10/342-349) .
(6)
انظر: ابن حجر: الإصابة (4/ 309) ؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (4/310) ؛ الواقدي: المغازي (2/521) ؛ ابن سعد: الطبقات (8/130) ، وكلها أخبار قبلها العلماء كابن حجر وابن عبد البر.