المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المطلب الأول وسائل علاج مشكلة السرف] - مشكلة السرف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام

[عبد الله الطريقي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة]

- ‌[تمهيد]

- ‌[المبحث الأول مفهوم السرف]

- ‌[أولا التعريف بالسرف]

- ‌[ثانيا التعريف بالمصطلحات والألفاظ ذات الصلة]

- ‌[التبذير]

- ‌[إضاعة المال]

- ‌[الترف]

- ‌[الاقتصاد]

- ‌[الإنفاق]

- ‌[الجود]

- ‌[البخل]

- ‌[المبحث الثاني السرف في نصوص القرآن والسنة وكلام العلماء والحكماء]

- ‌[أولا السرف في نصوص القرآن الكريم]

- ‌[ثانيا السرف في نصوص السنة النبوية]

- ‌[ثالثا الإسراف في نصوص العلماء والحكماء]

- ‌[المبحث الثالث أقسام السرف ومجالاته]

- ‌[المطلب الأول أقسام السرف]

- ‌[أولا أقسام السرف من حيث متعلقه]

- ‌[ثانيا أقسام السرف من حيث فاعله]

- ‌[ثالثا أقسام السرف من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف]

- ‌[المطلب الثاني مجالات السرف]

- ‌[المبحث الرابع الآثار السلبية للسرف]

- ‌[مدخل]

- ‌[المطلب الأول الآثار الدينية]

- ‌[المطلب الثاني الآثار النفسية]

- ‌[المطلب الثالث الآثار الاجتماعية]

- ‌[المطلب الرابع الآثار الاقتصادية]

- ‌[المطلب الخامس الآثار البدنية]

- ‌[المبحث الخامس علاج مشكلة السرف]

- ‌[المطلب الأول وسائل علاج مشكلة السرف]

- ‌[المطلب الثاني أساليب العلاج]

الفصل: ‌[المطلب الأول وسائل علاج مشكلة السرف]

[المبحث الخامس علاج مشكلة السرف]

[المطلب الأول وسائل علاج مشكلة السرف]

المبحث الخامس

علاج مشكلة السرف يرى علماء التربية أن معالجة أي مشكلة تمر بمراحل:

- وجود المشكلة.

- تحديدها.

- فرض الفروضات الممكنة للحلول.

- مناقشة هذه الفروضات.

- تطبيقها على الواقعة.

وهذا ترتيب منطقي جيد لو أمكن سلوكه.

وقد حاولت الأخذ به بقدر الإمكان، وذلك بالنظر والتفكير المتأني في هذه المشكلة واستعراض الحلول المناسبة.

ومشكلة السرف ليست من المشكلات الهينة، بل هي مشكلة معقدة، قد ضربت بأطنابها في عقول كثير من الناس وقلوبهم ونفوسهم، ومدت أذيالها لتشمل الأفراد والجماعات والقبائل والمؤسسات والدول.

بيد أن مما يسهل أمر العلاج - إلى حد ما - وضوح المشكلة ذاتها وتوصيفها وتشخيصها.

وقد قيل: تشخيص المرض نصف العلاج.

وأزعم أن علاج أي مشكلة يحتاج إلى معرفة أمرين:

1 -

وسيلة العلاج.

2 -

وأسلوب العلاج.

وأقصد بالوسيلة: ما يستعان به إلى الوصول إلى صاحب المشكلة ومشكلته.

وبالأسلوب: طريقة المعالجة وكيفيتها. هذا مع ملاحظة صعوبة الفصل التام بينهما، فلنسدد أو نقارب. ونعرضهما في المطلبين الآتيين:

ص: 107

المطلب الأول: وسائل علاج مشكلة السرف يمكن تقسيم هذه الوسائل إلى:

1 -

وسائل دينية.

2 -

وسائل تربوية.

3 -

وسائل تثقيفية.

4 -

وسائل إعلامية.

5 -

وسائل ذاتية (1) .

أولا: الوسائل الدينية: وأعني بها ما كان ذا صبغة دينية محضة.

فمن هذه الوسائل:

- المسجد.

- المنبر.

(1)

أما المسجد فإنه محل الصلاة، والذكر، والتلاوة، والتعليم، والمشاورة.

وهو في المدينة بمثابة القلب من الجسد، فهو مركز الحياة الحقيقية.

ولذا أمر الإسلام بعمارة المساجد حسا ومعنى، وحذر من تخريبها وهجرها والصد عنها.

(1) التقسيم فني يراد منه التقريب إلى الذهن، فلا يفهم منه أن الوسائل في الأرقام من 2 - 5 ليست دينية، بل كل ما لا يتعارض مع الدين فهو من الدين.

ص: 109

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18](1){وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114](2) .

وقد عني به النبي صلى الله عليه وسلم بعيد هجرته إلى المدينة فكان من أول اهتماماته. ومن ثم أصبح الملتقى في أوقات الصلوات، وفي التعليم. وفي كل أمر يهم المسلمين، سواء في عهده صلى الله عليه وسلم، أو في العهود التالية.

فما أجلها من رسالة للمسجد!!

وإذا كان مما يلحظ في كثير من بلدان المسلمين التقليل من دور المسجد وتهميشه، وإشغال شباب الأمة عنه. . .

فإن الأمر في هذه البلاد الكريمة - بلاد الحرمين الشريفين - ليس كذلك، بل مازال يؤدي رسالته وبتأييد من ولاة الأمر والقائمين على شؤون المساجد، سدد الله خطاهم.

أجل. . فالمسجد وسيلة مهمة لتربية العقول والقلوب، فالمسلم وهو يتردد على المسجد خمس مرات على الأقل في كل يوم يلتقي إخوانه وجيرانه، ويجالس الناس على مختلف طبقاتهم، بما فيهم العلماء وما أوتوا من علم وحكمة، والشيوخ وما عندهم من أناة وتجارب للحياة، والشباب وما عندهم من فتوة وطموح.

فيستفيد من كل منهم، وينافسهم على الفضائل.

ومما هو أهم من ذلك كله أن المسلم في المسجد يؤدي أعظم أركان الإسلام العملية (الصلاة) فيناجي ربه ويلجأ إليه ويستعين به.

كما يقرأ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

(1) التوبة: 18.

(2)

البقرة: 114.

ص: 110

وتلك دروس عظيمة يتلقاها مرتاد المسجد، فتقوى صلته بخالقه، ويألف العبادة، ويأنف من المعصية. ولا سيما وهو يعلم أن الصلوات مكفرات لما بينهن من الصغائر، وناهية عن الفحشاء والمنكر.

كما قال تعالى:. . {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45](1) .

إن ذلك كله لمن أهم العوامل والأسباب في ابتعاد الإنسان عن الخطايا والآثام أصلا، وفي معالجتها إذا كانت موجودة.

ويأتي في جملة الخطايا والآثام الإسراف والتبذير، وكفران النعمة، وما يدور في فلكهما.

ذلك عما يتعلق بالمسجد.

(2)

أما الوسيلة الأخرى (المنبر) فإنها من أعظم الوسائل.

فإنه (المنبر) محل الخطابة وإلقاء المواعظ.

والخطبة ذات شأن كبير في ميزان الإسلام، فقد شرعت في مواقف ومناسبات كثيرة، ومن أهمها:

- يوم الجمعة.

- يوما العيدين.

- وقت صلاة الاستسقاء.

- وقت صلاة الكسوف.

- ويوم عرفة بعرفة مع صلاتي الظهر والعصر.

بالإضافة إلى مناسبات أخرى غير محددة.

وقد كان عليه الصلاة والسلام يخطب في تلك المناسبات وغيرها.

(1) العنكبوت: 45.

ص: 111

ولذلك كثيرا ما نقرأ في سيرته مثل هذه العبارة: فلما رأى أو سمع ما قيل صعد المنبر وأثنى على الله عز وجل ثم قال. . . إلخ. " وكان يقصر خطبته أحيانا ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة "(1) .

ونهج صحابته رضوان الله عليهم منهجه، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون. فقد كان المنبر هو الوسيلة الإعلامية الأولى والعليا التي لا تنافس.

فمتى لزم الأمر إبلاغ الناس هرعوا إلى المنبر، فألقوا خطبهم وبياناتهم وقراراتهم، ثم تبلغ الآفاق في وقت قياسي لا نظير له.

ومن الأمثلة على ذلك - مما له صلة بموضوع البحث - قال أبو العجفاء السلمي: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «ألا لا تغالوا بصدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» (2) .

وهذا إرشاد من عمر رضي الله عنه إلى الأفضل، وهو عدم المغالاة في المهور، ولا يدل على تحريم الزيادة على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره (3) .

وغني عن البيان أن مثل تلك الخطب تكون ذات طابع إيماني وجداني وعظي تربوي، وربما تخللها تنظيم إداري.

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 1 / 191 تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط.

(2)

رواه أبو داود في السنن، ك: النكاح - باب - الصداق ج / 2106، والإمام أحمد في المسند 1 / 40، والترمذي في سننه، ك: النكاح - الباب 23، وقال: حسن صحيح.

(3)

انظر في هذا: الإسراف. دراسة فقهية مقارنة للدكتور عبد الله بن محمد الطريقي ص 183 فما بعدها. الطبعة الأولى 1413 هـ.

ص: 112

والمسلم - وهو يحضر تلك المناسبات والخطب - لا بد أن يتعظ ويدكر، فيزداد إيمانا وعلما، ويحاسب نفسه على ماضيها، وينظر فيما قدمته لغدها الموعود.

ثانيا: الوسائل التربوية: أصل مادة لفظة (التربية) من ربا أي نما وزاد، وتقول: ربيته: أي غذيته (1) .

لذا نقصد من التربية هنا: التنمية الروحية (الإيمانية) وما يتعلق بها من جوانب عقلية ونفسية.

وهذه الوسيلة يحرص عليها الإسلام ويؤكد عليها ويعول عليها كثيرا.

إذ لا يُنكر أثر التربية والتنشئة على الإنسان.

ففي الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج بهيمة جمعاء هل ترى فيها من جدعاء؟» (2) .

ولعل من أبرز الوسائل التربوية:

1 -

المنزل، ممثلا بالأب والأم، ومن يقوم مقامهما فيه.

فمثل هؤلاء لهم أثر كبير على أفراد الأسرة كما دل على ذلك الحديث الآنف الذكر.

والحس والمشاهدة شاهدان على مصداقه.

وهو ما يؤكده أهل الرأي والحكمة.

يقول أحدهم:

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ما كان عوده أبوه

ويقول الآخر:

(1) انظر: القاموس المحيط باب الواو والياء فصل الراء ص 1659.

(2)

متفق عليه (صحيح البخاري، ك: الجنائز، الباب 92. وصحيح مسلم، ك: القدر، ح 22) .

ص: 113

إذا كان رب البيت بالدف ضاربا

فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

ومن أمثال العرب السائرة: تَقيَّل الرجلُ أباه (1) .

نعم. . فالأبوان قدوة لأولادهما، فإن كانا على استقامة استقاموا، وإن كانا منحرفين انحرفوا.

وهذا في غالب الأحوال.

ولذا نلحظ من حجج المشركين لرد الحق الذي يأتي به الأنبياء قولهم:

. . . {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23](2) .

فأكثر الخلق يقلد بعضهم بعضا بدون وعي أو بصيرة.

إذا كان الأمر كذلك فإن على رب الأسرة المسلمة مسؤولية كبيرة وتبعة جسيمة، تفرض عليه أن يكون قدوة حسنة لمن هم تحت يده، ومن جملة ذلك: الاعتدال والتوسط في الإنفاق وعدم الإسراف فيه، حتى يتأسى به من حوله.

2 -

المدرسة، ممثلة بالمعلم أو الشيخ، وبالمنهج الدراسي.

أما المعلم فإنه من أقدر الناس على التأثير في العقول والوجدان والعواطف، وباستطاعته أن يقوم بتربية تلاميذه وفق ما يريد.

ونظرا لهذه المنزلة للمعلم أكرم الله العلماء العاملين ورفع من شأنهم:

. . . {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11](3){إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28](4) .

" وهذا دليل على فضيلة العلم فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته "(5) .

(1) تقيل الرجل أباه: أي نزع إليه في الشبه والعمل.

وتقيل: بفتح التاء والقاف وتشديد الياء. وهو فعل ماض.

(2)

الزخرف 23.

(3)

المجادلة: 11.

(4)

فاطر: 28.

(5)

تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي ص 635.

ص: 114

وليس المعلم هنا محصورا بمعلم العلوم الشرعية، بل كل معلم أو شيخ أو أستاذ في أي من العلوم والفنون.

إذ هو محل الاقتداء مهما كان تخصصه.

ولكي يكون هذا المعلم قدوة حسنة وإماما في الفضيلة فإن عليه أن يكون ملتزما بشروط الإمامة.

ويأتي في مقدمة الشروط: أن يكون مرضيا في دينه وخلقه.

وما أصدق أحمد شوقي في قوله:

وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى

روح العدالة في الشباب ضئيلا

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة

جاءت على يده البصائر حولا

وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى

ومن الغرور فسمه التضليلا

وأما المنهج الدراسي - والمقصود به التنظيمات المتعلقة بالجانب العلمي، وفي مقدمتها الكتاب المدرسي، أو المرجع العلمي -. . .

فإنه وسيلة مهمة في العملية التربوية، لها أثرها البالغ على الطالب؛ لأنه يلتزم بها، فيتفاعل معها ويرددها كيما يجتاز الاختبار.

وإذا كانت المناهج محكمة متوائمة مع مستوى الطالب ومتناغمة مع ميوله وطموحه، وملتزمة بمنهاج الإسلام وأصوله وقيمه، فإنها تصوغ عقولا ناضجة، ونفوسا مؤمنة، راغبة في الخير، راغبة عن الشر.

وأما إذا كانت بخلاف ذلك فلا بد أن تخرج أجيالا ضائعة في فكرها وسلوكها متذبذبة بين الإفراط والتفريط، والشح والتبذير.

3 -

الجليس الصالح.

فالمرء من جليسه، كما في الحديث: «الرجل على دين خليله فلينظر

ص: 115

أحدكم من يخالل» (1) .

وفي الحديث الآخر: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة» (2) .

قال ابن حجر: " في الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما "(3) .

ثالثا: الوسائل التثقيفية: ويراد بها هنا ما له طابع ثقافي عام، مما يرتبط بعموم المؤسسات والدوائر، والمدارس الحكومية وغير الحكومية.

وتقوم بأنواع نشاط وأعمال توعية عامة، إما داخل المؤسسة أو خارجها.

ومن هذه الوسائل:

- المحاضرات والندوات العامة.

- اللوحات والملصقات الحائطية الإرشادية.

- النشرات والمطويات الصغيرة.

- المسرح والتمثيل.

فمثل هذه الوسائل مؤثرة وذات فاعلية على عموم الجماهير فينبغي أن توجه إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا.

بحيث تكون وسيلة بناء لا هدم، وإصلاح لا إفساد.

(1) رواه أبو داود في سننه، ك: الأدب، باب ما يؤمر أن يجالس. والترمذي في سننه، ك: الزهد - باب 45، وقال: حديث حسن.

(2)

متفق عليه (صحيح البخاري، ك: الذبائح - ب 31. وصحيح مسلم، ك: البر - ح / 146) .

(3)

فتح الباري 4 / 324 - مكتبة دار الفيحاء.

ص: 116

رابعا: الوسائل الإعلامية:

من المقروءات كالصحف والمجلات، ومن المسموعات كالإذاعة، ومن المرئيات كالتلفاز.

وقد اكتسبت هذه الوسائل أهمية خاصة، نظرا لتنوع مادتها، واعتمادها على أسلوب الإثارة، وكونها تخاطب الناس كافة، على اختلاف أذواقهم وعقولهم وميولهم وأعمارهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم.

ومما زاد في أهمية هذه الوسائل وأخطارها صيرورتها بأيدي شركات تجارية، مما جعلها تتنافس في كسب الجماهير وإرضاء أذواقهم، وإن كان ذلك على حساب الفضيلة، بل على حساب القيم والعقائد.

ومما هو معروف ومشاهد أن معظم هذه الشركات غربية لا عربية ولا إسلامية، وإن وجدت شركات عربية أو وسائل رسمية فقد جرفها سيل العرم وألحقها بأخواتها، إلا ما رحم ربك.

وبلاد الحرمين الشريفين - المملكة العربية السعودية - تتميز بسياسة إعلامية خاصة، تراعي قيم الإسلام وترعاها وتذب عنها.

أعان الله القائمين على تطبيقها وسدد خطاهم.

وبعد. . فإن تلك الوسائل، وما لها من تأثير، عليها مسؤولية ضخمة تجاه البشرية.

وعلى الأخص وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية عموما، والوسائل الإعلامية التي يقوم عليها أبناء المسلمين في خارج البلاد المسلمة.

إن على الجميع مسؤوليات جسام تتمثل في أمور كثيرة، أهمها:

مراعاة قواعد الدين الإسلامي، والحافظة عليها والذب عنها.

مراعاة قواعد الفضيلة والدفاع عنها.

توجيه الناس إلى الاستقامة والاعتدال في شؤون الحياة كلها، والتنفير

ص: 117

من التقصير والإفراط، ومن الإسراف والتقتير.

الاهتمام بشؤون المسلمين العامة: الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

عدم الترويج للباطل بأي أسلوب أو وسيلة.

نقد الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتوجيه الناس إلى الهدي الأقوم.

نقد الممارسات الخاطئة المتعلقة بالسرف والتبذير.

عدم التنويه بالشخصيات الملمعة التي تتباهى بخيلائها وكبريائها ومظاهرها الشاذة.

خامسا: الوسائل الذاتية:

ويقصد بها هنا: المصادر الشخصية الموجودة في ذات الإنسان.

فإن الإنسان بما ركب فيه من عقل، وما منح من قوة التفكير، ودواعي الفطرة، هذا فضلا عن الإيمان عند المسلم، كل ذلك يجعل الإنسان يؤثر من خلال نفسه على نفسه، ويغير من سلوكياته تلقائيا.

وعلى هذا - وفي ضوء الإشارة المتقدمة - يكون من الوسائل الذاتية:

1 -

العقل، ففي ضوئه يتعرف الإنسان على الحسن فيأتيه، وعلى القبيح فيبتعد عنه.

وفي ضوئه يفكر في الآثار المترتبة على الإفراط والإسراف والتبذير فيجتنبها، وفي محاسن الاقتصاد والاعتدال فيأخذ بهما، إذ " قوة التفكير يكون بها النطق والعقل والحكمة والروية والتدبير والمهنة والرأي والمشورة "(1) .

2 -

الفطرة. . فمنها يهتدي إلى قبح الإسراف والتبذير، ومنها يعرف

(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني ص 77. تحقيق أبي اليزيد العجمي.

ص: 118

الاعتدال فيلتزمه. . . {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30](1) يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت 1376 هـ) : " إن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها "(2) .

3 -

القلب السليم الداعي إلى التعلق بالله سبحانه، وإلى القيام بأمره وشرعه، والابتعاد عن كل ما يسخط الله ورسوله (3) .

4 -

النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على الأخطاء والمخالفات.

وجاء التنويه بها في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1 - 2](4) قال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه (5) .

ففي ضوء تلك الوسائل الذاتية يستطيع الإنسان أن يراجع نفسه ويحاسبها، امتثالاً لقول الحق سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18](6) .

ومن ثم يكون باستطاعته أن يقوم كثيراً من سلوكياته المنحرفة، سواء أكانت في جانب الإفراط أو التفريط، وبخاصة في مجال الاستهلاك والإنفاق.

وصدق الله تعالى:. . {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11](7) .

(1) الروم: 30.

(2)

تيسير الكريم الرحمن ص 590.

(3)

يراجع في هذا: الإسراف وأسبابه وآثاره وعلاجه. للدكتور نوح، مجلة الاقتصاد الإسلامي، العدد 50 محرم 1406 هـ ص 24 كما بعدها.

(4)

أول سورة القيامة.

(5)

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4 / 448 دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه.

(6)

الحشر: 18.

(7)

الرعد: 11.

ص: 119

وفي الحديث: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (1) .

قال الصنعاني (ت 1182هـ) في شرحه لقوله " (والإثم ما حاك في صدرك. . .) : " أي تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سبحانه ومن الناس لو فعلته، فلم ينشرح به الصدر ولا حصلت الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنباً " (2) .

(1) رواه مسلم في صحيحه، ك: البر والصلة، ح / 14.

(2)

سبل السلام 4 / 297 - الطبعة العاشرة 1418 هـ، دار الكتاب العربي.

ص: 120