الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الإسراء
هذه السورة مكية بتمامها عند الجمهور، واستثنى بعضهم أَربع آيات فإنها مدنية وهي قوله تعالى:{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} . وقوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ، وقوله:{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} . وقوله: {وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} وقيل غير ذلك، وسيأتي تحقيقها في مواضعها، وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها وسورة الزمر كل ليلة، كما أَخرجه الإِمام أَحمد والترمذي وحسنه والنّسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها، وكما تسمى سورة الإسراء تسمى سورة بني إِسرائيل، لكثرة ما ذكر فيها من الحديث عنهم.
صلتها بما قبلها
قال الجلال السيوطي: لما قال الله سبحانه في آخر النحل {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} : ذكر في هذه شريعة أهل السبت التي شرعها لهم سبحانه في التوراة، فقد أَخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنه قالَ: إن التوراة كُلها في خَمْس عشرةَ آية من سُورة بني إِسرائيل، وذكر تعالى فيه عصيانهم وإفسادهم وتخريب مسجدهم، واستفزازهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإِرادتهم إخراجه من المدينة، وسؤالهم إياه عن الروح، ثم ختمها جله شأنه بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون وأَخبر سبحانه أَن فرعون أراد أَن يستفزهم من الأرض فَأهلِك
…
الخ.
مقاصد السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على مقاصد كثيرة نذكر منها ما يلي:
1 -
إسراء الله بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إِلى المسجد الأقصى ليطلعه على بعض آياته العظيمة.
2 -
وإِيتاء بني إسرائيل التوراة ليعبدوا الله وحده ويهتدوا بهداه، ولكنهم ضلوا وأفسدوا في الأرض مرتين إفسادا شنيعا، فبعث الله من عباده الأقوياء أَهل الشدة والغلبة
من عاقبوهم أشد العقاب، فقد جاسوا خلال ديارهم وقتلوا كثيرًا من رجالهم وأسروا نساءهم وذراريهم، وحطموا هيكلهم، وقد أَنذرهم الله إن عادوا إِلى الإفساد في الأرض أَن يعود إلى عقابهم.
3 -
وبيان أَن القرآن يهدى إلى الشريعة الأقوم ويبشر المؤمنين الصالحين وينذر الكافرين الطالحين.
4 -
وأَنه تعالى جعل الليل والنهار آيتين، وجعل من أثرهما أَن نبتغى من فضله، ونعلم عدد السنين والحساب وأَلزم كل مكلف بعمله، وسجله في كتاب ليقرأَه، يوم القيامة ويعرف منه مصيره.
5 -
وأنه تعالى لا يهلك قرية إلا بعد أَن يرسل إِليها رسوله ويدعو مترفيها إلى الحق ويأمرهم بترك الفساد، ويستمروا على ما هم فيه فيحق عليهم قضاؤه، - فيدمرها عليهم وعلى أتباعهم.
6 -
وأَن من أراد العاجلة أَعطاه الله ما قدره له منها، وليس له في جنة الآخرة من نصيب، بل يعاقب على كفره بالنار يصلاها مذموما مدحورًا، ومن أراد الآخرة وعمل لها وهو مؤمن، شكر الله سعيه ومتعه بالجنة دار السلام.
7 -
ووصيته تعالى لعباده أن لا يشركوا به شيئًا، وأن يحسنوا إِلى والديهم وبخاصة في حالة الشيخوخة، ونهيه الآباء عن قتل الأولاد خشية الفقر فإنه يرزقهم وإياهم، ونهيه الناس عن الزنى وقتل النفس بغير حق، وإعطاء ولى القتيل سلطان المطالبة بقتل غريمه، فلا يتعداه إلى سواه، ونهيه الأولياء والأوصياء أن يقربوا مال اليتيم بغير حق، وأَمره الناس بالوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان المستقيم، ونهيه عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم وأن يمشي في الأرض مرحًا وكبرا، فإنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا، فلا وجه لكبريائه على الناس مهما أَوتي من النعم، فإنها إِلى زوال.
8 -
كما أَنكرت علي من يزعم أَن الملائكة بنات الله، ووصفت هذا الزعم بأنه عظيم الخطورة على قائله.
9 -
وبينت أَنه لو كان معه آلهة كما يقولون لطلبوا سبيلا إلى صاحب العرش لينازعوه في ملكه كما يفعل الشركاءُ، وبذلك تفسد السماوات والأرض، ولكنها لم تفسد فانتفى بذلك وجود شركاء له تعالى، وثبت أنه هو الذي تسبح له السماوات والأرض دون سواه.
10 -
كما بينت أَن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأَ القرآن على من يجحدون الآخرة لم يفقهوه، وولوا على أدبارهم نفورا لكفرهم وإعراضهم، ووصفوه بأنه رجل مسحور، وأَنكروا أَن تبعث العظام والرفات، مع أَنهم لو تحولوا وصاروا حجارة أَو حديدا أو غير ذلك، فإنه تعالى يعيدهم كما فطرهم أول مرة.
11 -
وتضمنت أنه تعالى فضل بعض النبيين على بعض، ومن أَمارات هذا التفضيل أن يكون لهم كتب خاصة بهم، كداود عليه السلام، حيث آتاه الله زبورا.
12 -
وبينت أن شركاء المشركين لا يملكون كشف التفسير عنهم إذا دعوهم، وأَن المعبودات العاقلة التي يعبدونها لا تقرهم على عبادتهم لها؛ لأنها تتبارى في طلب الوسائل أيها أقرب في الوصول إلى رضا الله تعالى، يرجون رحمته ويخشون عذابه، كما هو الشأن في الملائكة التي يعبدونها ومن على نهجهم من البشر.
13 -
وتضمنت أنه تعالى لم يحقق لهم ما طلبوه من الآيات الكونية حتى لا يهلكهم بالكفر بها، كما أهلك أمثالهم ممن كذبوا رسله قبلهم.
14 -
وأَنه تعالى أمر ملائكته بالسجود لآدم، وأن إبليس تكبر على أن يسجد له وقد خلق من طين، وأن إبليس توعد ذريته بإغوائهم إلا قليلًا منهم، وهم المؤمنون الصالحون الذين قال الله فيهم:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} .
15 -
وأنه تعالى كرم بني آدم ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من خلقه، ولذا كلفهم بعبادته، وأنه سيدعو كل أُمة بإمامها يوم القيامة، وإمام كل أمة كتابها، فيقال يأهل القرآن يأهل التوراة ماذا فعلتم بكتابكم؟ أو إِمامهم نبيهم، ويعطي كل واحد منهم كتابه فيعرف منه مصيره.
16 -
كما اشتملت على تكليف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه بأَن يقيموا الصلاة لدلوك الشمس أَي زوالها عن وسط السماء إلى سواد الليل، ووقت قراءة الفجر، يشير بذلك إلى إِجمال مواقيت الصلوات الخمس، وتكليفه صلى الله عليه وسلم خاصة بقيام الليل والتهجد على سبيل الوجوب، رجاء أن يبعثه الله المقام المحمود يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة العظمى.
17 -
وبينت أن الروح من أَمر الله، وأَن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا لا يؤهلهم لمعرفة حقيقتها، وأَن القرآن معجز للإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
18 -
وأنه لم يمنع الناس أَن يؤْمنوا حين جاءهم الهدى على لسان أَنبيائهم إلا زعمهم أن الله لا يبعث من البشر رسولًا، وأَن الله رد عليهم بأنه لو كان إرسال الملائكة للبشر يجعل الملائكة يمشون على الأرض مطمئنين ولا يطيرون، بل يبقون بينهم كشأن البشر لنزلَ عليهم من السماء ملكًا رسولًا، ولكن الملائكة خلقت لتطير في ملك الله، ولو حولوا إلى مثل البشر لاشتبه أَمرهم عليهم، فزعموا أَنهم بشرٌ وليسوا ملائكة ولو بقوا على خلقتهم لصعق البشر من لقائهم.
19 -
وتضمنت إِيتاء موسى تسع آيات بينات، وزعم فرعون أنه مسحور، وكفره بما جاءَ به من البينات، وإغراقه وجنوده جزاء كفرهم وعنادهم.
20 -
وختمت السورة بأمره صلى الله عليه وسلم وأَمر أُمته تبعًا له، بالحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولا ولى من الذل، وأن يكبره تكبيرا.