الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النحل
المقدمة
السورة مكية إلَاّ الآيات الثلاث الأَخيرة على أَرجح الآراء، وهى تتناول النعم العديدة المتوالية من الله سبحانه على خلقه، ولهذا سميت أَيضًا سورة "النعم".
وإِن كثيرًا من البشر يقابلون هذه النعم بالجحود والكفران كما قال تعالى: "يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ" النحل (83) وأَهم مشتملاتها:
1 -
أَنها أَشارت إِلى أَن عذاب الله واقع ماله من دافع، على من يستحقونه من الطغاة العُتاة، وإِن أَمهلهم الله حتى حين فليس معنى ذلك إِفلاتُهم من عقابه الأَليم إِذا هُمْ أَصروا على الكفر والعصيان، فإِن الله ليملى للظالم حتى إِذا أَخذه لم يُفْلِته.
ومن لطفه سبحانه بعباده أَنه ينذرهم قبل معالجتهم بالعذاب عن طريق تنزيل الملائكة بالوحى السماوى على من يصطفيهم من رسله ليبلغوه إِلى أَقوامهم: "لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا"(1).
2 -
أَنها بينت أَن الله سبحانه خلق السماوات والأَرض من العدم بالحق والحكمة، وخلق الإِنسان من نطفة من ماءٍ مهين ثم سوّاه إِنسانًا سويًّا، فإِذا هو مجادل مكابر مُقْبِلٌ على الخطإِ بعيدٌ عن الصواب، ومع هذا فالله سبحانه يغمره بإِحسانه وكرمه، فقد خلق له الأَنعام وسخرها له ينتفع بأَصوافها وأَوبارها وأَشعارها ويأْكل لحومها وما تدره من الأَلبان، وهيَّأَ له استخدام الدواب يمتطيها ويحمل عليها أَثقاله إِلى مكان بعيد، ومع أَن الله منَّ عليه بذلك هداه إِلى السبيل السوِىِّ المستقيم ليعبد الله حق عبادته، فبعث إِليه رسله؛ وبين له آياته.
(1) سورة النساء - الآية: 115
3 -
وأن من رحمة الله بخلقه أَنه أسقط لهم المطر يستغلونه فى الشُّرْب وإعداد الطعام وسقي المواشى وزراعة الأرض لتخرج أنواع الثمار والفواكه والبقول وغيرها، ومن نعم الله أيضًا على عباده أنه مهَّد لهم العيش على سطح الأرض، ونظم دورانها حول محورها بصورة تستتبع تعاقب الليل والنهار وهيأ لهم الانتفاع بضوءِ الشمس ونور القمر، والاهتداء فى ظلمات الليل بالنجوم أَثناء الحِلِّ والترحال، كما سخر لهم الانتفاع بالبحار والمحيطات وما تضمه من خيرات، وما تهيئه لهم من سهولة الانتقال بالسُّفن بين شتى البلاد والأقطار، وتظهر آثار حكمته سبحانه فى أنه ثبت الأَرض فى دورانها بالجبال الشامخة حتى لا تميد بما تحمله من العوالم العديدة.
4 -
وأن الله سبحانه هو الذي خلق الخلق بحكمته وقدرته وغمرهم بإِحسانه وفضله فهو وحده الجدير بالعبادة فكيف يشركون به أحدًا من خلقه، مع أن نعم الله عليهم لا تحصى ولا تعد، وهو يعلم ما يسرون وما يعلنون، وسيجازى كل إِنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب كما جازى الأُمم السابقة لهم فى الدنيا والآخرة، في حين أَن ما يعبدونهم من دونه لا يستحقون شيئًا من العبادة لفقدانهم أَهليتها، فهم لا يملكون لأنفسهم ولا لسواهم نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
5 -
وأن الموت نهاية كل إنسان والناس إزاءَه فريقان: فريقٌ تتوفاه ملائكة العذاب ومصيره إِلى جهنم وبئس المصير، وفريق مؤمن تتوفاه ملائكة الرحمة فتبشره بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة؟ ولقد بعث الله الرسل وأَنزل معهم الكتب فاستجاب لهم فريق وكفر بهم فريق، وسينال كلُّ جزاءه بقدر عمله، والذين هاجروا فى سبيل الله سيشملهم الله برحمته ورضوانه فى الدنيا {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .
6 -
وبينت السورة أنه تعالى لم يرسل قبل محمد ملائكة حتى يحتجوا بهذا، وإنما أرسل رجالًا أوحى إليهم برسالاته، فهل أمن الكفار أن يخسف الله بهم الأرض جزاءَ كفرهم وعنادهم أَو يصيبهم بعذاب مباغت وهم آمنون، أَفلا ينظرون إِلى الكائنات المنقادة لمشيئته الخاضعة لإرادته سواءُ فى الأرض أم فى السماء، فهو إله واحد لا شريك له، تظهر آثار قدرته وحكمته وإِحسانه على خلقه، وإِن كان بعضهم يقابل الإِحسان بالإساءة والجحود، ويزعم
أن الملائكة بناتُ الله، ويضيق بإنجاب البنات، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيبقيهن مع احتمال الذل والهوان أم يدفنهن أحياءً في التراب - ولو يؤاخذ الله الناس بذنوبهم لأزال كل ما يدب على سطح الأرض من الكائنات الحية ولكنه يؤخرهم إلى أجل محدود لا يتجاوزونه بأى حال.
7 -
وبينت السورة أنه تعالى أرسل الرسل إلى الأمم السابقة فكذبوهم فأصابهم ما يستحقونه من العذاب، وأنه تعالى أنزل على رسوله الكتاب إِرشادًا وتوضيحًا وهدى ورحمة، وكما أنزل الله الهداية الروحية لإحياء النفوس أنزل سبحانه الماءَ لإحياء الأرض بعد موتها، وسخر سبحانه الأنعام لتمنحهم من بطونها اللبن السائغ العذب، وأنبت لهم من الأرض ثمرات النخيل والأعناب يتخذون من ثمراتها شرابا حلوا وأكلًا شهيًّا، وسخر النحل وهداها لتتخذ من الجبال ومن الشجر والعرائش بيوتا لها ولتتناول من الثمار غذاءً تحيله إلى عسل شهيٍّ فيه غذاء وشفاء.
8 -
وبينت أن الله خلقنا ثم قدر علينا الموت، وقد يمهل بعضنا حتى يبلغ أرذل العُمُر فلا يعلم شيئًا؛ والله اختبرنا بتفضيل بعضنا على بعض فى الرزق، وخلق لنا أزواجًا من جنسنا حتى نأْنس بِهِنّ ونَسْكُن إليهن، ومنحنا منهُنَّ أبناءً وحفدة ورزقنا من طيبات الحياة فكيف نقابل إحسانه بالكفر، ونؤْمن بالباطل والضلال ونعبد مِنْ دونه من لا يملك أن يرزقنا ولا يستطيع الرزق إن أراد.
9 -
وأنه لا يستوى العجزة والقادرون ولا الأغبياءُ والأذكياءُ؛ وللجميع نهاية يوم القيامة الذى يباغت به الجميع مباغتة تقع كطرفة العين؛ ومن آيات الله التى ينبغي مراعاتها وشكرها أنه سبحانه أخرجنا من بطون أُمهاتنا. ونحن لا نعلم شيئًا، ثم منحنا نعمة السمع والبصر والعقل المفكر لكي نعبده ونشكره حق شكره، وأتاح لنا رؤية الطير المحلِّقة فى أجواز الهواء ضد الجاذبية الأرضية، وما يحفظها في تحليقها إلا الله الحكيم القدير العليم.
10 -
ومن نعم الله العديدة علينا أنه هدانا لاتخاذ البيوت المستقرة، كما هدانا لأن نتخذ البيوت المتنقلة من الخيام المصنوعة من جلود الأنعام. وهيَّأ لنا أن نتخذ من أصوافها
وأوبارها وأشعارها أثاثًا لبيوتنا وملابس تقينا من لفح الحر ولذع البرد، وهدانا إلى اتخاذ الدروع التى تحمينا فى ساحة القتال، ولكن كثيرين منَّا يعرفون هذه النعم وهم لها جاحدون.
11 -
وأن الله سبحانه أمر عباده بمراعاة العدل والإحسان وصلة الأرحام، ونهاهم عن ارتكاب الآثام، كما أمرهم سبحانه بالوفاء بالعهود المُبْرمة والأيمان المؤكدة، وألَّا ينقضوا ما أبرموه وألَّا يتخذوا أيمانهم وسيلة للخداع والتمويه وألا يستبدلوا ما عاهدوا عليه الله بعرض زائل ولا ثمن قليل، فإنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى وسيجزى الله عبادهُ المتقين أَجزل الثواب.
12 -
وأن على المؤمنين حين يتلون كتاب الله أن يستعيذوا به من وسوسة الشيطان حتى لا يُفْسِد عليهم تلاوتهم أَو يصرفهم عن تدبر آيات الله البينات؛ فإنه لا سلطان للشيطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وإنما سلطانه على الموالين له المنصرفين عن عبادة الله.
13 -
وأنه إذا أنزل الله آية بدلا من آية كذَّب المشركون رسولهم، وكان عليهم أن يعلموا أن الرسول لا يفترى على الله الكذب، وأنه تلقى وحى الله عن طريق الروح الأمين تثبيتًا لقلوب المؤمنين وهدى وبشرى للمسلمين؛ وأن المشركين يزعمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم تعلم القرآن عن طريق غلام أعجمي بمكة، وفاتهم أن هذا الغلام أعجمى لا يكاد يبين وأن القرآن الكريم عربي مبين، وافتراءُ الكذب على الله من شيمة الكذابين الكافرين.
14 -
وأن من كفر بالله بعد الإيمان فجزاؤه العذاب الأليم، إِلا من أُكْرِه إكراهًا شديدًا على النطق بالكفر وقلْبُه ممتليءٌ بالإيمان.
15 -
وأن النعم تزول بجحودها، وقد ضرب لذلك مثلا بقرية سعدت بأنعم الله فعاشتْ آمنة مطمئنة فلما كفرت أذاقها الله لباس الجوع والحاجة والهوان بسبب كفرها وإنكارها لأنعم الله.
16 -
ثم وجه الله عباده إلى أن يطْعموا الحلال وأن يبتعدوا عن الحرام، ونهاهم عن أن يبتدعوا من التحريم والتحليل ما لم يأذن به الله، ونبههم إلى أن من وقع فى الآثام وبادر بالتوبة فإن الله من بعد ذلك لغفور رحيم.
17 -
ثم أمر الله رسوله أن يلتزم فى دعوته بالرفق والأناة والموعظة الحسنة وأن يجادل الكُفار بالحسنى، وإذا آذاه المشركون فإنَّ له أَن يقابل إيذاءهم بمثله وله أن يصبر فإن الصبرَ خير عاقبة وأجدى مآلًا فإن الله مع الصابرين المحسنين.