المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الكهف ‌ ‌تمهيد: سورة الكهف - ويقال لها سورة أَصحاب الكهف - - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٥

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌سورة الكهف ‌ ‌تمهيد: سورة الكهف - ويقال لها سورة أَصحاب الكهف -

‌سورة الكهف

‌تمهيد:

سورة الكهف - ويقال لها سورة أَصحاب الكهف - مكية. وهي الثامنة عشرة في ترتيب المصحف وآياتها عشر ومائة. وقد افتتح الله تعالى كتابه بالحمد في سورة الفاتحة ثم افتتح بالحمد كذلك أربع سور مكيات، اشتملت كل سورة منهن على أصول الإسلام الثلاثة: التوحيد، والرسالة؛ والبعث، وهي أهم مقاصد القرآن المجيد.

الأولى: الأنعام، وهي آخر سورة في الربع الأول من هذا الكتاب العزيز، والثانية سورة الكهف وهي مشتركة بين آخر الربع الثاني، وأول الربع الثالث، والثالثة والرابعة سبأُ وفاطر، وهما آخر الربع الثالث. ومما يذكر في مناسبتها لسورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وافتتاح هذه بالتحميد. والتسبيح والتحميد أخوان مُتلَازمان في ميزان الأعمال، وفي كثير من الأحوال. ومن هذا التآخي سبحان الله والحمد لله؛ ومنه قوله تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} (1). ومن المناسبات التشابه بين اختتام تلك وافتتاح هذه؛ فإن في كل منهما حمدًا، وهناك مناسبات أخرى يدركها القارئ.

ابتدأ الله تبارك وتعالى هذه السورة الكريمة بالثناء على ذاته المقدسة؛ لإنزاله كتابه العزيز على عبده ورسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، يهدي به إِلى صراط مستقيم، نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤْمنين، ولما حمَّل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه من الحزن على إعراض قومه - ما لا يُطيق - قال له ربه:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (6) يعاتبه على إجهاد نفسه فرق طاقتها رحمةً به، فما عليه إلا البلاغ، وقد بلغ {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (29). ثم قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قصصا من إنباء الغيب، في كل قصة منها عبرة وتذكرة، وتقريرٌ لمقصد من مقاصد القرآن الكريم في الدعوة إِلى الهدى والحق:

(1) سورة النصر، من الآية: 3

ص: 826

(1)

وأولى هذه القصص: قصة أصحاب الكهف الذين سميت باسمهم، واختصت بذكرهم فلم تذكر في سورة سواها. وفيها يتجلى الإيمان وآثاره إذا خالطت بشاشته القلوب، ولم تخش إلَاّ علَّام الغيوب. وإذًا فلا ترضى بغير الله بديلا، وقد ذكر الله تبارك وتعالى قصة أصحاب الكهف برهانا عمليا حقا على أَن البعث حق في يوم لا ريب فيه {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} (21).

(2)

وثانية القصص: قصة الرجلين صاحبي الجنتين: أَحدهما غنى كافر يعتز بماله وبنيه، ويتكبر على أَخيه؛ ويكفر بربه الذي خلقه من تراب ثم سواه رجلًا، ويظن أَن جنته لن تبيد أبدا. وصاحبه فقير صابر، راض بقضاء الله يرى أَن رضا الله كنز لا يفنى، وعز لا يبلى، فكانت العاقبة له، والندم والخسران لصاحبه، الذي اغتر واستكبر {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} (44).

(3)

والثالثة: قصة أبي البشر آدم عليه السلام مع عدو الله وعدو آدم، وفيها التحذير منه ومن ذريته وأنصاره وشيعته. ومنها أن إِبليس كان من الجن، ولكنه انضم إلى الملائكة فصار كأنه منهم في عبادته لله وطاعته له، فلما أَمره الله تعالى بالسجود لآدم مع ملائكته، غلب عليه غروره وكبرياؤُه، فأبى واستكبر، فحذر الله عباده منه ومن فتنته، وبيّن أنه عدو لأبيهم من قبل، فمن المحال إن يكون صديقًا لأحد من ولده {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (50) ولا يخفى أن التنبيه على أن إبليس كان من الجن، خاص بهذه السورة، لم يذكر في غيرها من السور التي ذكرت قصة سجوده لآدم عليه السلام، وسيأتي تحقيق المراد من قوله تعالى:{كَانَ مِنَ الْجِنِّ} .

(4)

والرابعة: قصة موسى كليم الله مع العبد الصالح، وهي مما اختصت به هذه السورة أيضًا، فلم تذكر في سورة سواها. وفيها: أَن عالِمَ الغيب والشهادة سبحانه، يُظهر مَن شاء من الصالحين من عباده - على لَمَحات من غيبه المكنون، ويأذن لهم أن يبوحوا بها في حدود إِلهية لا يتجاوزونها، ولحكم ربانية قد أحاط بها؛ لئلا يَدعِي مُدع أن الله أعلمهُ شيئًا من غيبه، إِلا إِذا جاء بسلطان بيِّن من لدن عالم الغيب والشهادة، وحسبنا بر

ص: 827

ذلك أَن العبد الصالح لم يعرِفْ موسى عليه السلام إلا بعد أَن عرفه موسى بنفسه حين التقيا بمجمع البحرين وقال له العبد الصالح: أَنت موسى نبى بني إسرائيل؟ قال: نعم، كما في حديث الصحيحين - ولو كان يعلم من الغيب غير اللمحات التي أطلعه الله عليها لعرف موسى قبل أَن يسأله مستفهمًا.

وفي قصة موسى والعبد الصالح: فضل الرحلة في طلب العلم، واحتمال مشاق الأسفار في طلبه؛ وفيها تواضع المتعلم للمعلم، ولو كان المتعلم أَفضل من معلمه؛ وفيها صبر العالم ورفقه بمن يعلِّمه، وتنبيهه إِذا غَفَل، وتحذيره أَن يعود إلى مثل ما غفل عنه؛ وفيها أَن علم الله تعالى لا نهاية له، وأَن العالم إِذا سئل: من أَعلم الناس؟ لا يقول: أَنا، بل يرد العلم إلى الله تعالى، ولو كان نبيا ورسولًا من أولى العزم

وسيأتي بيان مأخذ ذلك في هذه القصة.

(5)

والقصة الخامسة: قصة ذي القرنين، وقد مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيءٍ سببا فساح في الأرض، واستعان بهذه الأسباب على بسط سلطانه بالعدل والإِحسان، حتى بلغ مغرب الشمس ثم مشرقها - في رأْى العين - ودعا إِلى الله في كل رحلة يرحلها. وكان غياثا للمظلومين وعونا لهم، وكان مثلًا صالحا في كل أَقواله وأَعماله وهدايته إلى الخير، حتى فتح الله به مغاليق الأمور، وأَصلح كثيرا من الفساد في الأرض. ثم كان من آيات الله على يديه أن أقام سد يأجوج ومأجوج بين جبلين مرتفعين ارتفاعا عظيما، وهنالك وجد {قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} (93) استغاثوا به من فساد يأجوج ومأجوج وإغاراتهم التي لا تنقطع: فبنى لهم هذا السد الحصين المنيع، دون أَن يأخذ منهم أَجرا، قائلا:{مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} (95). وهذا مثال من المُثُل العليا في التعاون على البر والتقوى، ابتغاءَ وجه ربه الأعلى. ولما أَتم الله على يدي ذى القرنين بناء هذا السد الحصين المنيع، الذي عجزت يأجوجُ ومأجوجُ أَن يعلُوه، لعظم ارتفاعه وملاسته، أَو ينقبوه، لعظم تخانته وصلابته - لما أتم الله ذلك على يديه - حمد الله وشكره قائلًا.:{هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} (

ص: 828

وقد اشتملت هذه السورة أَيضًا على مقاصد أخرى لا تنفرد بها، بل يشاركها فيها غيرها من السور. ومن هذه المقاصد: التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزينتها {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} .

ثم ختمت السورة الكريمة بالحث على إعداد العدة للقاء الله تبارك وتعالى بالعمل الصالح - ونعم اللقاءُ لقاؤُه - {فَمَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} .

بسم الله الرحمن الرحيم

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)}

المفردات:

{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} : العوج - بكسر العين وفتحها -: الميل والانحراف عن القصد حسيا كان أَو معنويا. وقيل يختص مكسور العين بالمعاني، ومفتوحها بالأعيان: فتقول: في رأيه أَوْ قولِه عِوج، وفي عصاه عوَج. والمراد نفى العيب والخلل عن القرآن الكريم لفظا ومعنى.

{قَيِّمًا} : أي مستقيما، أو كفيلا، أَو مُهَيْمِنا.

{لِيُنْذِرَ} : الإنذار؛ التحذير مع التخويف. ضد التبشير.

ص: 829

{بَأْسًا} : أَي عذابا. وأَصل البأس: الشدة في الحرب.

{أَجْرًا حَسَنًا} : أَي جزاء كريما، والمراد الجنة ونعيمها الدائم.

التفسير

1 -

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ

} الآية.

أي الثناءُ الجميل مستحق لله الذي أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم كتابه المعروف بالكمال من بين الكتب السماوية، ولَو لَم يُضَف إِلى مُنزله جل وعلا.

وفي حمده تعالى ذاتَه المقدسةَ على إنزال هذا الكتاب العزيز - تنويه بشأن ذلك الكتاب وعلوّ مكانه. وفي التعبير عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة - تشريف له صلى الله عليه وسلم أَي تشريف، وإشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدًا لله الذي أَرسله، لا كما زعمت النصارى في شأن عيسى عليه السلام.

{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} :

أَي ولم يجعل الله سبحانه في كتابه شيئًا من العوج: بنوع اختلال في نظمه، أو تناقض أو اضطراب في معناه، أَو انحراف عن دعوته إلى الهدى والحق، بل جعله تعالى قَيِّمًا أَي معتدلا مستقيما كما قال:

2 -

{قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ

} الآية.

وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة - وربما كان في أَحدهما غنى عن الآخر - فائدة الجمع بينهما التأكيدُ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولكنه لا يخلو من أدنى عوج عند الفحص والبحث. أو جعله تبارك وتعالى مهيْمِنا على سائر الكتب السماوية، مبينا للحق فيها قبل تحريفها، أو جعله - جلت آلاؤه - كفيلا بمصالح العباد الدينية والدنيوية وببيانها لهم، كشأن القيم على الأمور الكفيل بها، لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد بالقسطاس المستقيم، لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد، ولا تفريط فيه حتى يحتاج إلى كتاب آخر يكمله؛ فكان ذلك وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.

ص: 830

وصدق منزله إذ يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (1) ولا عَجَب إذن أَن يكون هذا الكتاب المبينُ خاتمَ الكتب، كما أَن من أَنزله الله عليه هو خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين؛ ولا شك أن سلامته من العوج برهان على أنه من عند الله، وشاهد على نبوة من أنزل عليه، وصدق الله إذ يقول:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2). أَنزل الله تعالى كتابه لينذر الكافرين به ويحذرهم عذابا شديدًا صادرًا من عنده، عاجلا أَو آجلا جزاء كفرهم بكتابه وتكذيبهم له.

{وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} :

أي ويبشر المؤمنين بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم وأَيدوه بالأعمال الصالحة المبينة في تضاعيفه، يبشرهم - بأن لهم أجرًا حسنًا، والمراد به الجنة وما فيها من النعيم المقيم والثواب العظيم، ويؤيد كونَ المراد بالأجر الحسن الجنة. قوله عز من قائل:

3 -

{مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} :

أي مقيمينَ في أجرهم وهو الجنة خالدين فيها أبدًا، لا يتحولون عنها ولا يزولون منها؛ إذ لا انتهاء لمكثهم وخلودهم، فضلا من الله ونعمةً {وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (3).

وتقديم الإنذار على التبشير، للعناية بزجر الكفار عما هم عليه من كفر وضلال مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية، وذلك نوع من بديع الكلام، بعد صدق المعنى وجزالته. ومصاحبة الأعمال الصالحة للإيمان الحق شرط لنيل الأجر الحسن، فإن الإيمان من غير العمل الصالح الذي شرعه الله تعالى ورضيه، كالشجر الذي لا ظل له ولا ثمر كما أن العمل الصالح الذي لا يُبنى على الإيمان الحق، وفق ما جاء به الكتاب المبين، وبعث به خاتم النبيين - لا وزن له عند الله تعالى.

(1) سورة الأنعام، من الآية: 38

(2)

سورة النساء، من الآية: 82

(3)

سورة الجمعة، من الآية: 4

ص: 831

{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}

المفردات:

{كَبُرَتْ كَلِمَةً} : أَي عظمت مقالةً في الشناعة والقبح مقالتهم هذه: والكلمة واحدة الكلم، وكثيرا ما يراد بها الجملة من الكلام أو الجمل منه، كما في قولهم: أَلقى فلان كلمة وربما كانت خطابا طويلًا.

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} : أي فلعلك قاتلها أو مهلكها. وحرف الترجي {لَعَلَّ} هنا، يراد به النهي عن الحزن على عدم إيمان قومه رحمة به.

{أَسَفًا} : أَي حزنا شديدًا وغما.

التفسير

4 -

{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} :

أي: ويحذر الله سبحانه من بين الكافرين الذين استحقوا عذابه الشديد السابق - هؤُلاء الفرق الثلاث، الذين نسبوا لله ولدا، وهم:

(1)

كفار العرب المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله!

(2)

واليهود الذين زعموا أن عزيرا ابن الله!

(3)

والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله!

وإنما خص الله تبارك وتعالى هؤُلاء الفرق بهذا الإنذار مع دخولهم في عموم الإنذار السابق؛ لشدة إمعانهم في الكفر، وقبح اجترائهم على الله عز وجل. والمنذر والمبشر

ص: 832

في الآيات الثلاث هو الله تبارك وتعالى؛ أو الكتاب الكريم، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد نزّه الله تبارك وتعالى ساحته، وحمى حماه، عن مفتريات هذه الفرق الضالة المضلة، فقال عز من قائل، مكذبا لهم تكذيبا قاطعًا:

5 -

{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ

} الآية.

أي ليس لهؤلاء الكفرَة الفجرَة، باتخاذه سبحانه وتعالى ولدا، شيء من علم ألبَتَّة؛ وليس لأبائِهم وأَسلِافهم الذين قلدوهم أثارة علم كذلك، بهذا الاتخاذ المزعوم!

أَوليس لهم علم بما قالوه: أَصواب هو أَم خطأ، بل إنما قالوه رميا عن جهالة من غير فكر ولا روية، كما في قوله تعالى:{وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1).

أوليس لهم علم، بفظاعة ما قالوا وقبح موقعه من الشناعة، كما في قوله سبحانه:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)} (2).

وهذا هو الأنسب بقوله جل من قائل:

{كَبُرَتْ كَلِمَةً} : أي عظمت مقالتهم هذه مقالة في الكفر والافتراء، لما فيها من نسبته تبارك وتعالى إِلى ما لا يليق بجلال كبريائه.

وقوله جل من قائل:

{تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : صفة لكلمة، تفيد استعظام اجترائهم على التفوه بها، فإن كثيرًا مما يوسوس به الشيطان، وتحدث به النفس، لا يمكن أَن يُتفوَّه به، بل إنه يُطرح ويصرف عنه الفكر، فكيف بهذا المنكر الذي لا مستند له إلا مجرد افتراء الكذب؟!

ولهذا قال وقوله الحق:

{إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} :

أَي ما يقولون إِلا قولًا هو الكذب بعينه، فلا يدخل تحت إمكان الصدق بتَّة.

(1) سورة الأنعام، من الآية: 100

(2)

سورة مريم، الآيات: 88 - 92

ص: 833

6 -

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} :

سبب النزول:

قال الآلوسي: اخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أَبا جهل بْنَ هشام والنضر بن الحارث وأُميةَ بن خلف

في نفر من قريش - اجتمعوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد كبُرَ عليه ما يرى من خلاف قومه إِياه، وإِنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه ذلك حزنا شديدًا! فأنزل الله تبارك وتعالى:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} . الآية.

وقال ابن جرير الطبرى رحمه الله في تفسير هذه الآية:

وهذه معاتبة من الله عزَّ ذكره على وَجْده صلى الله عليه وسلم بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان باللهِ والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما اهـ.

شُبهت حاله صلى الله عليه وسلم، في شدة حزنه على إعراض قومه وتوليهم عن الإيمان بالقرآن - شبهت حاله هذه - بحال من يُتوقع منه إهلاك نفسه على عدم تحقق أمر أهمه، فقيل له رحمة به وإِشفاقا عليه: لا تهلك نفسك حسرة عليهم، بل هون عليك، وبلغ رسالة ربك، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها.

ومثل هذه الآية في تسلية الله له رحمة به، قولُه سبحانه:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (1).

وأمثال هذه التسلية مَبْثُوثَة في القرآن الكريم، من رب به رحيم.

والمعنى الإجمالى للآية: فلعلك أيها الرسول مهلك نفسك أسفا، عقب انصرافهم عنك، إن لم يومنوا بهذا القرآن الذي هو حديث الله وكلماته، ووحيه إلى عباده - ليهتدوا به.

(1) سورة الشعراء، الآية: 3

ص: 834

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)}

المفردات:

{زِينَةً لَهَا} : أي بهجة لها وجمالًا.

{لِنَبْلُوَهُمْ} : أي لنعاملهم معاملة المختبر بتكليفهم بشرائعنا.

{لَجَاعِلُونَ} : لمُصَيِّرون.

{صَعِيدًا جُرُزًا} : ترابا، لا نبات فيه، يقال: جُرِزت الأرض: إذا ذهب نباتها.

بقحط أو جراد.

التفسير

7 -

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا

} الآية.

لما تضمنت الآية السابقة نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، عن إجهاد نفسه فوق طاقتها - رحمة به - جاءَت هذه الآية والتي تليها تسلية له صلوات الله وسلامه عليه وتسكينا لأسفه الشديد وحزنه، لما جاء فيها من أنهم مجزيُّون على أعمالهم.

والمعنى: إنا أنشأنا جميع ما على الأرض: حيوانا كان أَو نباتا أَو معدنا - أنشأناه زينة لها ولأهلها، ينتفعون به ويتمتعون إلى حين.

{لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} :

أي لنعاملهم معاملة المختبر، ثم نجزىَ كلًّا منهم علي حسب عمله وإخلاصه لله فيه، فكل العباد نبتليهم بالتكاليف ونحاسبهم عليها. فمن خالف ربه وعصاه عوقب علي عصيانه ومخالفته؛ ومن أحسن أثيب على إحسانه {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (1).

(1) سورة فاطر، من الآية: 8

ص: 835

وحسْنُ العمل في هذه الدنيا صرفُها إلى ما ينبغي، واتخاذُها وسيلة إلى معرفة خالقها، والتمتعُ بالحلال الطيب منها، وشكر الله - جلت آلاؤُه - على نعمه فيها، مع الحذر كل الحذر من فتنتها والاغترار بها. واتخاذها وسيلة إلى الشهوات والمفاسد، شأن أرباب الهوى، ولا ريب أن مراتب الحسن والقبح متفاوتة.

ويجمع كل ما قدمناه - بل يزيد عليه - ما حكاه الله تعالى في قصة قارون إذ قال له قومه وقد خرج عليهم في زينته: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (1).

8 -

{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} :

أَي وإِننا لمصيرون - حتمًا - ما على الأرض من المخلوقات قاطبة - عند تناهي عمر الدنيا - ترابًا لا نبات فيه ولا بهجة، من بعد ما كان يتعجب من بهجته النُّظار، وترنو إليه الأبصار؛ وفي هذه الآية الكريمة تكميل لسبب نهيه صلى الله عليه وسلم عن إجهاد نفسه الرحيمة فوق طاقتها؛ كأن الله تعالى يقول له: لا تحزن أَيها الرسول بما عانيت من تكذيب قومك لما أنزلنا عليك، فإنا قد جعلنا ما على الأرض من فنون الأشياء زينة لها، اختبارًا لأهلها؛ وسينتهي العُمران فيها إلى خراب، والحياة فيها إلى موت، ثم نجزي كل نفس بما أسلفت، وسننتقم لك منهم.

(1) سورة القصص، الآيتان: 76، 77

ص: 836

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)}

المفردات:

{أَمْ} : معناها هنا: بل، التي للانتقال من حديث إِلى حديث، مع همزة الاستفهام المتضمنة معنى النهي.

{حَسِبْتَ} : أي ظننت؛ أَو علمت، من الحسبان بمعنى الظن أو العلم، وقد استعمل في كل من المعنيين.

{الْكَهْفِ} : النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن متسعًا فهو الغار.

{وَالرَّقِيمِ} : هو اللوح الذي رقمت فيه أسماءُ أصحاب الكهف، أو قصتهم؛ قيل كان من حجارة، وقيل كان من رصاص.

{الْفِتْيَةُ} : جمع فَتِى بوزن صبىّ؛ وهو الشاب الحَدَث القوي. من الفَتَاء، وهو الشباب وزنًا وَمَعْنًى، أو من الفتوة، وفيها معنى الشهامة والنجدة.

{وَهَيِّئْ} : أي يسِّر وسهِّل.

{رَشَدًا} : أَي إصابة لطريق السداد والرشاد واهتداء إليه، وهو خلاف الغَيِّ.

{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} : المفعول ملاحظ، تقديره حجابا، أي ألقيناه على آذانهم.

والمراد أنمناهم إِنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.

ص: 837

التفسير

9 -

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} :

لما بين الله تعالى في الآيات السابقة أنه جعل ما على الأرض زينة لها، ليختبر عباده في هذه الدنيا الفانية، التي ستنتهى إلى تراب لا نبات فيه، ثم يجزي كُلا منهم على حسب عمله وإخلاصه - قصّ عليهم قصة أهل الكهف والرقيم (1) برهانًا عمليا واضحًا، ينطق بأن يوم البعث والجزاء آتٍ لا ريب فيه، وقد أجمل الله قصتهم في الآيات الثلاث التي حكيناها من قبل، والخطاب لكل من يصلح للخطاب من البشر المكلفين.

والمعنى: لا تظن - أَيها المكلف - أن قصة أصحاب الكهف والرقيم - وإن كانت من خوارق العادات - لا تظن أنها عجيبة دون غيرها من آياتنا، أو لا تظن أنها أعجب آياتنا وأعظمها! فإن من آياتنا ما هو أعجب منها وأعظم؛ كخلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، وجعل ما على الأرض زينة لها؛ لحكمة الابتلاء في الدنيا والجزاء في الآخرة؛ كل هذه الآيات العظيمة وما إليها من آياتنا الدالة على قدرتنا - أعجب وأعظم من قصة أصحاب الكهف والرقيم.

10 -

{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً

} الآية.

أي اذكر حين التجأ هؤُلاء الفتية المؤمنون بالله إلى الكهف، فرارا بإيمانهم من الشرك وأهله، فقالوا ضارعين إلى ربهم مستغيثين به: يا ربنا هب لنا من عندك رحمة عظيمة، من خزائن رحمتك الواسعة، فيها الأمن والطمأنينة والمغفرة والسكينة.

(1) أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم عند الجمهور. وقيل أن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف وهم ثلاثة ممن كانوا قبلنا أصابهم مطر: فأووا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة منه وهم فيه، فأنجاهم الله بعد أن توسلوا إليه بأخلص أعمالهم .. انظر تفسير الآلوسي.

ص: 838

{وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} :

أَي ويسِّر لنا من أمرنا هذا الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار، - يَسِّر لنا - هدايةً إِليك وتثبيتا على الإِيمان بك والإِخلاص لك، حتى نكون من عبادك المهتدين الراشدين. وقال ابن كثير: أي وقدِّر لنا من أمرنا هذا رشدًا، أي اجعل عاقبتنا رشدًا، وما قضيت لنا من قضاءٍ فاجعل عاقبته رشدًا؛ وفي المسند من حديث بُسْر بن أَرطاةَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: اللهم أَحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة.

11 -

{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} :

أَي فاستجبنا دعاءَهم عقب ندائِهم، وأَنمناهم في الكهف آمنين مطمئنين، نومةً ثقيلة طويلة تشبه الموت، بلغت سنين كثيرة تُعَد عَدّا.

وسيأتي التصريح بعدد هذه السنين في قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ

} الآية مع حكمة التأخير، التفصيل بعد الإِجمال.

وتخصيص الضرب على الآذان بالذكر، مع مشاركة سائر الحواس والمشاعر لها في الحجب عن الشعور والإِدراك عند النوم - لأَن الآذان هي الوسيلة إِلى التيقظ غالبا، ولا سيما عند انفراد النائم واعتزاله عن الخلق.

ولما كانت نومة أَهل الكهف في عمقها وطولها كأنها الموت، عبر عن إِيقاظهم منها بالبعث فقال سبحانه:

12 -

{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} :

أَي ثم أَيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت؛ لنظهر ما علمناه بشأن لبثهم، بإِيضاح الأحداث التي مرت بهم، حتى يتبين للناس أَىُّ الفريقين أدق إِحصاءً لمدة لبثهم: ألبثوا يومًا أو بعض يوم، أَم لبثوا أَحقابًا ودهورًا؟!

واعلم أن الله تبارك وتعالى يعلم أَزلا علمًا تفصيليًّا بكل ما يقع في الكون، طبقًا للأجل المسمى عنده، ووفقا لما قدره سبحانه وعلمه، فإذا حدَث ما قدّره، علِمَه واقعًا، بعد علمه أزلًا بأنه سيقع.

ص: 839

والمراد بالحزبين بعض الفتية: وهم المترددون القائلون: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} - والحزب الآخر أَهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، وكان عندهم تاريخ غيبتهم، قال ابن عطية: إن هذا قول جمهور المفسرين: اهـ وسيأتي الحديث مستفيضًا عما قيل في بيان مكان الكهف، وزمان رقودهم، وزمان بعثهم.

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)}

المفردات:

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ} : النبأ؛ الخبر الخطير ذو الشأن.

{بِالْحَقِّ} : أَي بالصدق الذي لا يحوم حوله شك.

{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} : المراد قَوَّيْنَا قلوبهم وثبتناها على الحق والصبر على الإيمان وآثاره.

{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} : أَي لقد قلنا إِذا قولًا ذا شطط، أي ذا بُعدٍ عن الحق والصواب.

والشطط: مجاوزة الحد في كل شيء.

ص: 840

{لَوْلَا} : حرف تحضيض فيه معنى اللوم على عدم الفعل.

{بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} : أي ببرهان ظاهر قوي.

{فَمَنْ أَظْلَمُ} : استفهام انكارى فيه معنى النفي.

{يَنْشُرْ لَكُمْ} : يبسط لكم ويوسع عليكم.

{مِرْفَقًا} : المرفق - كمِنبَر ومجِلس -: ما يُرتَفَق وينتفع به.

التفسير

13 -

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ

} الآية.

هذا شروع في تفصيل ما أُجمل آنفا في قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ

}.

أي نحن نخبرك الخبر اليقين الصادق عن هؤُلاء الفتية وهو ما يلي:

{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} :

أَي إِنهم جماعة من الشباب النقي الفطرة الصادق العزيمة، هُدوا بفطرتهم إلى ربهم فاطر السماوات والأرض، فأَيقنوا إن الذي أَبدعهما على غير مثال سبق، هو الحقيق بأن يعبد بحق، وأَن يكون وحده ربًّا لهذا الكون وإِلَهًا، هكذا اهتَدوا إلى الله بآياته، وهكذا آمنوا بربهم على هدى وبصيرة، فزادهم ربهم بالعمل الصالح والعقل الرشيد يقينا إلى يقينهم، وإِيمانا مع إيمانهم، ثم أَعلن ثناءه عليهم، فقال في محكم كتابه:

{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} : ونحو هذه الآية قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (1). والشباب - كما قال الحافظ ابن كثير -:

أقبل للحق، وأَهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكْثَر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا.

ولعل في قول الحق تبارك وتعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} إِشارة إلى أَن في عهده صلى الله عليه وسلم من كان يقص نبأهم لكن بغير الحق، وفي هذا دليل على

(1) سورة محمد، الآية: 17

ص: 841

أن قصة أهل الكهف كانت من علوم العرب وإِن لم يكونوا عالميها على وجهها. وقد ذكر المفسرون والمؤرخون كثيرا من أَخبارهم، نقلا عن محمد بن إسحق وغيره من أَصحاب السير (1) ، وحسبنا ما قص علينا العليم الحكيم من نبئهم {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (2).

ثم بين سبحانه لطفه بهم، وجميل صنعه لهم، حينما عزموا على التوجه إِليه بعبادته وحده فقال:

14 -

{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا

} الآية.

أي قوَّينا قلوبهم وثبتناهم على الحق حين قاموا في قومهم فقالوا كلمة الحق، لا يخافون إِلا الله، ولا يرجون أحدا سواه: قالوا ربنا وخالقنا هو رب السماوات والأرض وخالقها وحده، فهو الحقيق بألا نعبد إلا إِياه، وألا نتخذ إلها ولا رب سواه، هذا اعتقادنا الذي نحيا ونموت عليه، لن نتحول عنه أَبدا، وقولهم:

{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} : تأكيد لقولهم الحق الذي قالوه؛ واعتقادهم الحق الذي اعتقدوه.

أي والله لو قلنا غير هذا القول، وعبدنا مع ربنا الذي خلقنا إلها غيره - لكان قولنا هذا حينئذ بعيدا عن الحق والصواب غاية البعد، وكنا بعبادة غير ربنا وخالقنا مفرطين غاية الإفراط في الضلال والظلم!

وفي هذا القول الذي قاله الفتية دلالة على أنهم دُعُوا إلى عبادة الأصنام وحُمِلوا عليها وأُنذروا على تركها، وكان ذلك بين يدي الملك الجبار العابد للأوثان. وسيأتي بيان أمره معهم.

أخرج ابن النذر وابن أَبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم هو أَشجعهم: إِنى لأجد في نفسي شيئًا ما أَظن أَحدًا يجده، قالوا ما تجد؟ قال أَجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا جميعًا نحن كذلك، فقاموا جميعًا فقالوا:{رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .

(1) انظر تفسير ابن جرير، والآلوسي.

(2)

سورة فاطر، من الآية: 14

ص: 842

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ

} الآية.

وصبَّرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم لهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غيرُ واحد من المفسرين من السلف والخلف: أنهم كانوا من أَبناء سادة الروم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه، وكان لهم ملك جبار عنيد يأمر الناس بعبادة الأصنام والذبح لها، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤُلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إِلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم - عَرفوا أَن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إِلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينتحى ناحية، حتى جمعهم الذي جمع قلوبهم على الإِيمان به، كما جاءَ في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".

ثم توافقوا كلهم على عبادة الله وحده .. فلما انتهى أَمرهم إِلى ملكهم استحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوا بالحق ودَعَوه إلى الله عز وجل، وقد أجمل الله ذلك بقوله: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ

} الآية.

ويقال إنهم لما دَعوا الملك إلى الإيمان باللهِ أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، ثُمَّ أجَّلَ النظر في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم. قال الحافظ ابن كثير: وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم في تلك النَّظِرَة توَصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة! انتهى ما قاله ابن كثير ملخصًا.

ثم قال بعض الفتية لبعض، إِنكارا على أهل بلدهم، وتمهيدا لاعتزالهم:

15 -

{هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ

} الآية.

أَي أشرك أهل بلدنا هؤُلاء بعبادة غير الله، من الأصنام التي اتخذوها آلهة فعيدوها معه هلا يأتون على عبادتهم لهذه الأصنام ببرهان ظاهر وحجة واضحة!!

ص: 843

وهذا تبكيت صارخ؛ لأن الإتيان بالبرهان على عبادة الأصنام محال. وفي هذا دليل على أن مجرد التقليد في العقائد مردود. ومما لا شك فيه أنك لو سألت أحدا من عوامّ المؤْمنين عن دليل وجود الله الذي يعبده؛ فإنه لا يتردد في أَن يشير إلى سمواته وأَرضه، ويشير إلى نفسه، فهو يعلم أنها أَمارات شاهدات على الحي القيوم.

ثم بينوا أَن قومهم أَظلم الظالمين فقالوا:

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} :

أَي لا أحد أشد ظلما ممن اختلق على ربه كذبا بنسبة الشريك إِليه؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.

16 -

{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} :

كان قوم الفتية يعبدون مع الله آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى، فقال بعضهم لبعض: وإِذ فارقتم القوم بقلوبكم وبدينكم، ففارقوهم أَيضا بأبدانكم، فالجئوا إِلى الكهف لعبادة ربكم مخلصين له الدين، يبسط عليكم رحمة من عنده يستركم بها في الدارين، ويسهل لكم من أَمركم ما تنتفعون به في حياتكم، قالوا ذلك ثقةً بفضل الله تعالى، وقوةً في رجائه، لتوكلهم عليه سبحانه {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (1). ثم أتبعوا مقالتهم الحكيمة، تنفيذ عزيمتهم الصادقة، فأووا إِلى كهفهم، في حراسة ربهم وكفالته، لم يرهم أَحد من قومهم، وقد جدوا في طلبهم!

قال الحافظ ابن كثير: وعمَّى الله خبرهم، كما فعل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إِليه، مع أَنهم يمرون عليه! وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم

(1) سورة الطلاق، من الآية: 3

ص: 844

لما رأى جَزع الصديق في قوله يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إِلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟! وقد قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1). قال ابن كثير: فقصة هذا الغار (أي غار ثور) أَشرف وأجَل، وأَعظم وأَعجب، من قصة أَصحاب الكهف!!

ذلك، وقد دلت الآية الكريمة على مشروعية الهجرة. ولا شك أَنه إذا اشتدت الفتن في دار الكفرة، ولم يستطع من بها من المسلمين أَن يأمنوا على أنفسهم ودينهم - فعليهم أن يهاجروا حيث يأمنون على دينهم وأنفسهم. وقد هاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بأَمره فرارا بدينهم من الفتن! ثم هاجر صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه! واحتملوا في هجرتهم أَهوالًا ثقالا، كان عاقبتَها نصرُ الله والفتح.

{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)}

(1) سورة التوبة، الآية: 40

ص: 845

المفردات:

{تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} : تتنحى وتميل عنه. {تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} : تتركهم ناحيته، من قرض بمعنى ترك. {فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ}: في مُتَّسَع من الكهف. {أَيْقَاظًا} : جمع يَقِظ بمعنى منتبه غير نائم. {وَهُمْ رُقُودٌ} : راقدون - أي نائمون. {بِالْوَصِيدِ} : بالفِناء أمام الكهف، ويطلق الوصيد أَيضًا على العَتبَة، فلعله كان يجلس بباب الكهف ومدخله عند موضع العتبة لحراستهم. {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ}: لو رأيتهم وشاهدتهم.

{لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ} : لأعرضت بوجهك عنهم.

التفسير

17 -

{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} :

أَفادت الآية التي قبلها أن بعضهم أشار عليهم بعد اعتزالهم قومهم المشركين، أن يأووا إِلى الكهف رجاءَ أَن يبسط الله لهم من رحمته بعد فرارهم بدينهم، وأَن يسهل لهم من أمرهم ما يرتفقون به، وقد جاءَت هذه الآية لتُبيِّن حالهم بعد أن أوَوْا إِلى الكهف استجابة لمشورة أحدهم، وقد حدث بعد لجوئهم إِلى الكهف أَنهم ناموا، ولم يذر بخلدهم ماذا يكون من أَمرهم بعد نومهم من عجائب الأمور، فضرب الله على آذانهم حِجابًا كثيفًا يمنع سماعهم لما يجري حولهم، بأَن جعل نومهم عميقًا يشبه رقود الموتى ولم يصرح بذلك هنا اكتفاء بإِجمال حالهم من قبل في قوله تعالى:{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} (1). والخطاب في قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ} إِمَّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما لكل أَحد، إِيذانًا بغاية ظهوره والمعنى:

وترى أَيها الباحث عن حالهم في كهفهم - ترى - الشمس إذا طلعت تتزاور وتتنحى (2) عن كهفهم جهة يمين الداخل إِليه، وتراها عند غروبها تعدل عنه ولا تدخله جهة الشمال،

(1) الآيتان 10، 11 من سورة الكهف.

(2)

من قولهم تزاور عنه. أي عدل وانحرف - انظر القا

ص: 846

مع أَنهم في متسع من الكهف، بحيث يمكن معه أَن يصلهم شعاع الشمس، ولكن الله تعالى حماهم من حرِّها فأبعد شعاعها عنهم حتى لا تؤذيهم بحرارتها طول النهار وكرامةً لهم، في حين أَنه سبحانه جعل الهواء يدخل إِليهم، لتبقى حياتهم إِلى حين بعثهم من رقادهم.

{ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} : أي ذلك الذي حدث من تحول أَشعة الشمس عنهم، وعدم وصول ضوئها الحارِّ إليهم طَوَالَ النهار - كل يوم مدة رقودهم - مع اتساع مدخل الكهف وصلاحيته لتوصيل أشعة الشمس إليهم - ذلك كله - من آيات الله العظيمة الدالة على كمال قدرته وحكمته في تدبيره، حيث أبطل حكم العادة، ليعم الناس أن الحكم لله لا للأسباب العادية، كما أَنها من آيات الله على كرامة أَهل الكهف ومنزلتهم لديه، وأنه تعالى يحمى أولياءه، ويكرم أصفياءه.

{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} :

أَي أن مَنْ يرشده الله سبحانه إرشادا يوصلُه إلى الحق، فهو الواصل إليه لا محالة، لأن نفسه مستسلمة إِلى إرشاد الله، ومستجيبة لآياته ودلاتله، ومن كان كذلك فله الجزاءُ الكريم في الدنيا والآخرة، أما من يصرفه الله ويبعده عن الهدى لأنه اتَّجَه بسوء اختياره إِلى الضلال وأوغل فيه، فلن تجد له معينا يرشده ويهديه إلى الحق، ويأخذ بيده إلى سواء السبيل.

وقَد أَفادت هذه الجملة من الآية الثناء على أهل الكهف والشهادة لهم بإِصابة الهدى والرشاد، وأَن ذلك كان بتوفيق الله وهدايته لهم، لسلامة فطرتهم، وصفاء قلوبهم وعقولهم وانصرافهم عن تقليد آبائهم، إلى اتباع آيات الهدى والرشاد، وأما غيرهم من عبدة الأوثان، فقد اتبعوا هَوَاهم، وأعرضوا عن هُداهم، فتخلى الله عنهم، لأن سنة الله أن من يقبل على الله يهده الله، ومن ينصرف عن هداه، فهو متورط في الضلال، وليس له سبيل إِلى الهدى، ولا معين له على الوصول إليه، بعد أن تخلى الله عن إنقاذه، لإصراره على الضلالة.

ص: 847

18 -

{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} : وتظنهم أيها الناظر إليهم أَيقاظا وهم نيام - تظنهم كذلك - لانفتاح عيونهم، وقال ابن عطية: تحسبهم أيفاظا لشدة الحفظ الذي كان من الله عليهم وقلة تغيرهم؛ لأن الغالب على النيام استرخاءُ الأعضاءِ وهيْئَاتٌ معينة، فإِن لم توجد حَسِبَهُم الرائِي أيقاظًا وإن كانت عيونهم مقفلة، والرأي الأَول هو الظاهر.

{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} : ونقلبهم - وهم رَقُودٌ - جهة أيمانهم وجهة شمائلهم حِفْظًا لأجسادهم من البلى والضرر، على نحو ما جرت به العادة في النائمين، أَو لكي يدرك من يراهم وقد طال نومهم أَنهم أحياءٌ، فلا يسد الكهف عليهم ويدفنهم فيه، أَو لغير ذلك من حكم يعلمها خالقهم.

{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} : أَي أن كلب أَصحاب الكهف مادٌّ ذراعيه وهو جالس على مُؤخّرته (1) بفِناء الكهف أو بمدخله كأنما هو يحرسهم وهم نيام.

واختلف العلماءُ في أمره - هل نام كما ناموا، أم أنه لم يستغرق في نومه كما استغرقوا، ومثل هذا الخلاف لا يمكن حسمه إِلا بدليل ولا دليل، وقد أضيف الكلب إليهم فقيل كلبهم، واختلف العلماءُ في صاحبة، فمنهم من قال إنه كلب مَرُّوا به فتبعهم، وأَصر على أَن يكون معهم، ومنهم من قال إنه كلب راع مرُّوا به فتبع دينهم وذهب معهم وبصحبته كلبه، ومنهم من قال إِنه كلب صيد لأحدهم وهذا الخلاف ليس له أساس، فالكلب كلبهم كما جاء به النص الكريم، واللهِ أَعلم كيف وصل إليهم.

{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} : أي لو عاينتهم وشاهدتهم لأعرضت بوجهك عنهم، ولملئت منهم خوفًا بسبب ما أَلقى الله عليهم من الهيبة والجلال وقيل: إن سبب الرعب فيمن يراهم ما كانوا عليه من طول الشعور والأظفار وصفرة الوجوه وتغير الثياب، وهذا القول غير مقبول، فإنهم لو كانوا كذلك لأنكروا أحوالهم بعد أَن تيقظوا، ولم يقولوا لبثنا يوما أَو بعض يوم، وَلَمَّا بعثوا أَحدهم إلى المدينة ليشترى لهم منها طعاما، وأَوصوه بأن يتلطف ولا يشعر أحدا بهم؛ لأن منظرهم يوحى إِليهم بأنهم من

(1) وتسمى هذه الجلسة الإق

ص: 848