الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الحجر
مكية وآياتها تسع وتسعون
أَما أَنها مكية فقد أَخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم، كما روى عن قتادة ومجاهد، واستثنى الحسن قوله تعالى:"وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) ". وقوله سبحانه: "كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ 90 - 91". ذكره صاحب مجمع البيان.
وأَما أَنها تسع وتسعون آية فبالإِجماع كما نقله الدَّانى والطبرسى.
وتناسب سورة إِبراهيم التي قَبلها في أَنها مثلها في كونها مكية مفتتحة بأَسماء بعض حروف المعجم، وقد جاء في كلتيهما النهي عن الكفر والوعيد بالعقاب عليه، والحث على الإِيمان والوعد بالثواب عليه، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أَصابه من قومه، إِلى غير ذلك من المناسبات التي جمعت بينهما.
مقاصدها
وقد اشتملت هذه السورة على مقاصد عظيمة، أَهمها ما يلي:
1 -
أَنها ابتدأَت بالإِشارة بآيات القرآن المبين، وبينت أَن من كفروا سوف يتمنون أَن لو كانوا مسلمين، وأَمرت النبي أَن يتركهم يتمتعون ويلهيهم الأَمل فسوف يعلمون العاقبة السيئة لانصرفهم عن الحق، وذلك في وقت معلوم لله، لا يتأَخرون عنه ولا يتقدمون.
2 -
أَنهم لما سفهوا على الرسول بوصفهم إياه بالجنون، لأَنه لم يأْتهم بالملائكة تؤيده وتبلغهم عن الله نَبَّهَتْهم هذه السورة إِلى أَن الملائكة لا تنزل إِلا بحكمة، وليس منها أَن تكون رسولا عن الله إِليهم، فإِنهم يهلكون بمشاهدتهم لها على صورها الحقيقية ولا يُنْظَرُون، أَو يهلكون عقابا على كفرهم بعد مجيء الآية التي اقترحوها، كما جرت عادته تعالى في الأُمم قبلهم، وأَرشدتهم إِلى أَنه تعالى هو الذي نزَّل على محمد معجزة الذكر وهو القرآن، وأَنه حافظ له من كل ما يقدح فيه ليظل معجزة الإِسلام ما بقى الزمان.
3 -
تسلية الرسول عن استهزاءِ قومه، بأَن ذلك عادة أَهل الباطل مع المرسلين ذلك في قوله سبحانه:
"وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) ".
4 -
التنبيه إِلى الآيات الكونية الدالة على وحدانيته تعالى وعظيم قدرته، مثل بروج السماء، والشهب التي تتساقط منها، والأَرض وإرسائها بالجبال، وتيسير أَسباب المعايش فيها، وإرسال الرياح لواقح، وإِنزال الماء لسقيانا، وما نحن له بخازنين، بل هو عطاءٌ من رب العالمين، وأَنه تعالى هو المحيى والمميت وأَنه سوف يحشر الناس أَجمعين للحساب والجزاءِ.
5 -
التنبيه إِلى أَن مبدأَ خلق الإِنسان كان من صلصال من حمإِ مسنون، والجان كان من نار السموم، وأَنه تعالى أَمر الملائكة بالسجود لآدم بعد تمام خلقه، فسجدوا إِلا إبليس فطرده الله من الجنة، لتكبره وعصيانه، وأَنه انتقم لنفسه ظلمًا من آدم، بإغرائه بالأَكل من الشجرة، فأَهبطه الله وزوجه إِلى الأَرض التي خلقه منها ليكون فيها خليفة، وأَن إِبليس توعد بنى آدم بإِغوائهم أَجمعين إِلا عباد الله المخلصين، فإِنه ليس له عليهم سلطان، وأَن جهنم موعد العصاة أَجمعين، وأَن المتقين في جنات وعيون إِخوانًا على سرر متقابلين.
6 -
ذكر قصة إِبراهيم وأَضيافه من الملائكة، وقد جاءَ فيها أَنهم بشروه -في شيخوخته- بغلام عليم، فعجب من بشارتهم وقد تخطى سن الأَمل إِلى شيخوخة اليأْس، فطمأَنوه قائلين:"بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ 55 - 56": وأَخبروه أَن الله أَرسلهم إِلى قوم لوط لعقابهم على كفرهم وجريمتهم التي اشتهروا بها في العالمين.
7 -
ذكر قصة لوط وقومه، وقد جاءَ فيها أَمر الملائكة إِياه بالإِسراء بأَهله في جزء متأَخر من الليل، ونهيهم لهم عن الالتفات إِلى ما وراءهم، وأَن عليهم أَن يمضوا حيث يؤمرون وأَعْلموه أَن قومه الآثمين هالكون جميعًا في الصباح، وقد حدث هذا؛ فإِنه تعالى جعل في الصباح عالى بلادهم سافلها، وأَمطر عليهم حجارة من سجيل، جزاء كفرهم وجرائمهم
8 -
إِجمال قصة أَصحاب الأَيكة والانتقام منهم، وتفصيل قصة أَصحاب الحجر المكذبين وذكر سوء نهايتهم.
9 -
بيان أَنه تعالى لم يخلق السماءَ والأَرض وما بينهما عبثًا، وأَن الساعة آتية، وأَن على النبي صلى الله عليه وسلم أَن يصفح عن قومه ويُسرِّى عن نفسه، حتى يؤْمر في شأْنهم بما يمكِّنةُ منهم.
10 -
بيان أَنه تعالى آتى نبيه صلى الله عليه وسلم سبعًا من المثانى والقرآن العظيم، وأَنه بما اشتمل عليه من الهدى بغنيه عن التطلع إِلى الدنيا، فإِن الآخرة خير له من الأُولى.
11 -
نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن على المشركين إِن لم يؤمنوا، وأَمره بلين الجانب والتواضع لمن معه من المؤمنين، وأَمره أَن ينذر المشركين ويخوفهم مما آل إِليه أَمر المقتسمين الذين اقتسموا طرق مكة ومسالكها ليصدوا السابلة عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وينفروهم منه، فقد أَماتهم الله شر ميتة، وسيأْتى بيان آراه المفسرين في هؤُلاءِ المقتسمين.
12 -
أَمره صلى الله عليه وسلم بأَن يصدع بأَمر ربه ويبلغ دينه، ولا يكترث بإِعراض المشركين، وأَن يجنح للصلاة حين يضيق صدره مما يقولونه عنه وعن دعوة الحق، وأَن يظل على ما هو عليه من عبادة ربه حتى يأْتيه اليقين.
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
(وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)(1): أَي قرآن مظهر شريعة الله والحق من الباطل، أَو بَيِّن واضح لا يخفى الحق فيه ولا تلتبس معانيه.
(رُّبَمَا)(2): رب حرف يستعمل للتقليل تارة وللتكثير أُخرى، سواءٌ اتصلت به ما أَو لم تتصل، وسواءٌ أَكان مخففًا أَم مشددًا، ويختص بالدخول على الأَسماءِ إِن كان مجرَّدا من لفظ ما فإِن اتصلت به سوغت دخوله على الأَفعال كما هنا، (لَوْ): حرف يفيد التمنى. (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ): أَي يشغلهم عن طاعة الله.
التفسير
1 -
(الر): تقدم الكلام على مثله في أَول سورة البقرة وآل عمران ويوسف والرعد وإِبراهيم وغيره، فارجع إِليه إِن شئت.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ):
أَي تلك السورة العظيمة بعض آيات من هذا الكتاب الجامع لكمالات الكتب السماوية، الجدير بأَن يختص من بين باقى الكتب باسم الكتاب، وتلك السورة أَيضا بعض آيات
(1) مبين اسم فاعل من أبان وهى تستعمل متعدية للمفعول إذا كانت بمعنى أوضح وأظهر، ولازمة -أي لا تنصب المفعول- إذا كانت بمعنى اتضح وظهر: وقد بينا ذلك في المفردات.
(2)
وفي رُبَّ لغات أوصلها بعضهم إلى سبع عشرة انظر الألوسى في الآية، فقد فصل الكلام على تلك اللغات وإعرابها.
قرآن عظيم الشأن، مبين شريعة الله التى ختم بها الشرائع السماوية، ومُظْهرها للناس فى أبهى صورها وأَوضحها، وكما يُبينُ شريعة الله فهو واضح فى عباراته ومعانيه، لا يلتبس على قاريء يعرف العربية، ولا تخفى عليه عجائبه ومزاياه.
وبعد أن أشار الله إلى عظمة آيات الله البينات التى منها هذه السورة، تشويقًا وتوجيهًا إلى حسن تلقيها، شرع يبين ما اشتملت عليه فقال سبحانه:
2 -
{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)} :
أفادت هذه الآية الكريمة، أن الكفار سوف يحصل منهم بكثرة، أن يتمنوا فى الآخرة لو كانوا مسلمين في دنياهم لكى ينجوا من استمرار العذاب الذى يقاسونه في الآخرة؛ كما نجا عصاة المؤْمنين بعد أن عذبوا فيها على قدر معاصيهم، أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس وأنس رضى الله عنهم "أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا: هذا حَيْثُ يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين فى النار، فيقول المشركون: مَا أغْنَى عَنْكُمْ مَا كنتم تَعْبُدُونَ، فيغضب الله تعالى لهم، فيخرجهم بفضل رحمته، وأَخرج الطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ نَاسًا مِنْ أمتِي يُعَذَّبُونَ بذُنُوبِهمْ، فَيَكُونُون فِي النار مَا شَاءَ اللهُ تَعالى أَنْ يَكُوُنوا ثم يُعيِّرُهمْ أهل الشرك فيقولون: ما نَرىَ مَا كُنْتمْ فِيهِ مِنْ تَصْدِيقكُمْ نَفَعَكُم، فَلَا يَبْقَى مُوَحِّدٌ إلَاّ أَخْرَجَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النار، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم الآية" وذكر ابن الأنبارى أن هذه الودادة من الكفار عند كل حالة يعذب فيها الكفار، ويَسْلَمُ فيها المسلمون، ومن العلماء من قال إن هذه الودادة منهم فى الدنيا، فالضحاك يقول: إن ذلك يحدث منهم عند الموت وانكشاف وخامة الكفر لهم حينئذ، وابن مسعود يقول: إن الآية في كفار قريش وَدُّوا ذلك يوم بدر حين رأَوا الغلبة للمسلمين. وحرف (ربما) لم يوجد فى القرآن إلا فى هذه الآية، وباؤُه مفتوحة مخففة فى قراءَة نافع وعاصم، ومشددةٌ فى قراءة باقي القراء.
3 -
(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
بين الله في الآية السابقة، أَن الكفار حين يقاسون أَشد العذاب يوم القيامة يتمنون أَن لو كانوا مسلمين في الدنيا ليتخلصوا من عذابهم الذي كتب عليهم الخلود فيه بسبب كفرهم، وجاءَت هذه الآية تأمر النبي صلي الله عليه وسلم أَن يتركهم فيما هم فيه من متاع الحياة الدنيا الفانية، وإِعراضهم عن العمل للآخرة، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وعدم مبالاتهم مما دعوتهم إِليه من الحق المبين.
والمعنى: اتركهم أَيها الرسول في غيهم، ولا تبال بإِصرارهم على الكفر، فلا سبيل إلى انتفاعم بنصحك بعد ما بذلت فيه خالص جهدك، اتركهم يأْكلوا ما يشاءُون بدون وعي كما تأْكل البهائم، ويتمتعوا بدنياهم بغير حدود كما شاءَ لهم هواهم، ويشغلهم عن الآخرة أمَلُهم في طول الأَعمار، ونيْلِهم الأَوطار، واستقامة الأَحوال، في الدنيا ويوم المآل، فسوف يعلمون وخامة عاقبهم في أُولاهم وأُخراهم وأَشد مرض تصاب به القلوب طول الأَمل، ومتى تمكن من القلب فَسد مزاجُه، وعزَّ دواؤُه، وصعب علاجه، ويئس من برئه حكماؤُه. وانتهى أَمر صاحبه إِلى الشقاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أربعة من الشقاء. جمودُ العين، وقساوةُ القلبِ، وطول الأَمل، والحرصُ على الدنيا". وقال صلى الله عليه وسلم: "نجا أَول هذه الأُمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل". وقال الحسن: ما أَطال عبدٌ الأَمل إِلا أَساءَ العمل.
المفردات:
(مِنْ قَرْيَةٍ): أَي من أَهل قرية. (كِتَابٌ مَعْلُومٌ): أَجل مكتوب معلوم لله. (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا): ما تموت أُمة قبل الأَجل المقدور لها. (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ): وما يتأَخرون عنه. (الذِّكْرُ): القرآن. (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ): أَي هلَاّ تأْتينا بهم ليشهدوا بصدقك يا محمد. (إذَن): أَي حينئذ.
التفسير
4 -
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ):
بعد ما أَنذر الله قريشا في الآية السابقة بسوءِ العقاب بقوله: "ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ". عقبها بهذه الآية وما بعدها لبيان أَن هلاك الأُمم الكافرة بمشيئة الله وحده وفق أَجل معلوم له لا تتجاوزه، فلا يقدمه استعجال، ولا يؤخره استغاثة ودعاءٌ.
والمعنى: وما جرت عادتنا أَن نهلك قرية عصى أَهلها وتمردوا على رسلنا، إِلا ولهذه القرية الهلكة أَجل مكتوب في اللوح المحفوظ، معلوم لنا وللملائكة الذين ينفذون فيها
أَمرنا فلا يقدمه استعجال كما فعل قومك حين أنذرتهم، ولا يؤخره استغاثة وتوبة بعد ظهور مقدماته، ولهذا عقب الله تلك الآية بقوله سبحانه:
5 -
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5)} :
أى ما نتقدم أمة من الأُمم التى كتب عليها الهلاك -ما تتقدم- على الوقت الذى كتبه الله لهلاكها، وجعله أَجلا وغاية لوجودها، وما تتأخر عنه لأي سبب من الأَسباب، بل تهلك فى الوقت التي كتبه الله تماما {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} .
6 -
{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)} :
هذا شروع فى بيان كفر أهل مكة بمن أُنزل عليه الكتاب بعد ما أُشير إليه فى صدر السورة من كفرهم بالكتاب نفسه ووعيدهم على ذلك.
والمعنى: وقال مشركو مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاءِ والسخرية -لا على سبيل الاعتراف- قالوا له: يأيها الذى نزل عليه الذكر من السماء كما تزعم، إنك لمجنون بسبب هذه الدعوى، فإنها أكبر من قدره في تقديرهم الخاطيء، حيث إِنهم زعموا أن النبوة تتبع الرياسة الدنيوية، إذ قالوا:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} . والقريتان هما مكة والطائف، والرجل المقصود فى مكة هو الوليد بن المغيرة المخزومي، والمقصود فى الطائف حَبيبُ بن عَمْرو بن عُمَير الثقفى كما روى عن ابن عباس. وقيل: عتبة ابن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل فى الطائف -كما روى عن مجاهد، وقيل غير ذلك-.
والذكر فى اللغة له عدة معان منها: الشرف، وقد أُطلق هنا على القرآن كما أطلق عليه فى نحو قوله تعالى فى سورة الزخرف:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} . وقوله سبحانه فى سورة الحجر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} لعلو شرفه، وقد عبر المشركون عنه بلفظ الذكر مجاراة للنص القرآني على سبيل الاستخفاف.
7 -
{لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7)} :
لوما ولولا وهَلَّا: حروف ثلاثة يستعمل كل منها للحثِّ على الفعل والحضِّ عليه.
ومعنى الآية: هَلَّا تأْتينا يا محمد بالملائكة يشهدون بصحة نبوتك، ويساعدونك في الإِنذار كما حكاه الله عنهم بقوله:"لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا". أَو يعاقبوننا على تكذيبك إِن كنت من الصادقين في دعواك النبوة، فإِن ذلك يكون تأْييدًا لك من ربك، ويجوز أَن يكون المعنى: إِن كنت من جملة الرسل الصادقين الذين عذبت أُممهم المكذبة لهم، وقد رد الله عليهم بقوله:
8 -
(مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ):
أَي ما ننزل الملائكة إِلا مرتبطا بالوجه الذي اقتضته الحكمة، وليس فيها ما اقترحوه فإِن الملائكة إِن نزلوا للشهادة بصدقه صلى الله عليه وسلم، أَو لمساعدته في التبليغ، فإِما أَن يكونوا على صورتهم الحقيقية أَو على صورة بشر، فإِن كانوا على صورتهم فلا يستطيع البشر لقاءَهم بل يهلكون، لأَن أَعصابهم لا تتحمل القوة الملكية الهائلة التي أَودعها الله فيهم، وفي ذلك يقول الله في سورة الأَنعام " .... وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) " وإِن كانوا على صورة بشر التبس أَمرهم عليهم وظنوهم بشرا حقيقيين، وهذا ما عناه الله بقوله في السورة المذكورة:"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) ".
أَما إِن نزل الملائكة لاستئصالهم على كفرهم كما طلبوه على وجه الاستعجال بقولهم: "مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقولهم: "للَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (1)." وقولهم: "وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (2) " -أَما إِن نزل الملائكة لذلك- فليس من الحكمة أَيضًا، فقد وعد سبحانه أَن لَّا يعِذبهم والرسول فيهم بقوله:"وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"(3). وكانت ثمرة هذا الكرم الإِلَهى أَن دخلوا في دين الله أفواجا قبل أَن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وبعد أَن بيَّن الله في صدر الآية أَنه لا ينزل الملائكة إِلا بالحكمة وليس منها ما طلبوه، ختم الآية ببيان الضرر الذي يحل بهم إِن حقق لهم مطلبهم بإِنزال الملائكة على أَي وجه، فقال:
(1) سورة الأنفال الآية 32
(2)
سورة ص الآية 16
(3)
سورة الأنفال الآية 33
{وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} :
أي وما كان المشركون ممهلين حين يُنزِل الله الملائكة استجابة لطلبهم، بل يهلكون لأي سبب مما تقدم بيانه، أَو لأنه تعالى جرت عادته فى الأُمم السابقة أنه إذا أتاهم بالآيات التي يقترحونها ولم يؤمنوا استأصلهِم بالعذاب، وقد علم الله من أهل مكة أنه لو أنزل ملائكة لم يؤمنوا بسبب نزولهم، وحينئذ فليس من الحكمة إنزال الملائكة ليكفروا بهم فيهلكوا، فى حين أنه كتب لهم الإيمان حيث دخلوا فى دين الله أَفواجا بعد فتح مكة.
ثم رد الله إنكارهم للقرآن العظيم فقال:
9 -
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} :
أى إنا نحن -رب السموات والأرض- نزلنا القرآن الذي أنكروا أنه وحي من عندى، نزلناه عليك، وإنا نحن بِعِظَمِ شأننا لحافظون هذا القرآن من التغيير والتبديل والضياع، ليبقى آية ديننا ودستور شريعتنا ما بقى الزمان، فلن يعتريه تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان.
ولقد أورث الله قلب كل مؤمن غيرة عليه، فلا نرى أحدًا يتسامح فى لحنة لاحنٍ فيه، ولو كان شيخا عظيما، بل يسارع إلى رَدِّه إلى الصواب، ولا يخاف فى الله لومة لائم، ولم يتعهد الله بحفظ كتاب سواه، أَما كتبه السابقة فقد استحفظها الربَّانيِّين والأحبار، على سبيل الامتحان والاختبار، فأساءُوا الحفظ والرعاية، وغيَّروا فيها وبدَّلوا، وما لم يبدلوه منها أساءُوا تأويله، وتعمَّدوا تحويله، وقد زال أصل التوراة ولم يعد له وجود، وضاع أصل الإنجيل وانتهى أَمره، ولهذا لا تجد نسخ التوراة أو الإنجيل متماثلة، فترى بعضها أطول من بعض، مع الاختلاف فى العبارات والمعاني.
أما القرآن الكريم فإنه نسخة واحدة فى جميع الأمصار والأعصار، في عهد رسول الله، وحين جمعه أبو بكر فى نسخة واحدة، ثم نسخه عثمانُ فى أربع نسخ وزعها على الأمصار، لم يتغير فيه حرف ولا كلمة، لأنه تعالى تولى حفظه بنفسه منذ أنزله على رسوله بقوله:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . ولم يستحفظ عليه أحدًا سواه، فطبع كل مسلم على الغيرة عليه والمبالغة في صيانته بدافع وجداني، تنفيذا لوعد الله الكريم، ليظل دستور
رسالة الإِسلام الخاتمة للرسالات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"ولن يزال أَمر هذه الأُمة مستقيما حتى تقوم الساعة".
ولا شك أَن حفظه من التغيير والتبديل إِلى يومنا هذا آية على أَنه من عند الله جلَّ وعلا.
المفردات:
(شِيَعِ): جمع شيعة وهى الفرقة والجماعة على طريقة ومذهب، مأخوذ من شاع المتعدى تقول: شاعهُ بمعنى تبعه، وتطلق الشيعة على الأَعوان والأنصار. (نَسْلُكُهُ): ندخله، ومنه سلكت الخيط في الإِبرة. (الْمُجْرِمِينَ): المذنبين، يقال أَجرم فلان وجرم أَي أَذنب كاجترم، فهو مجرم، وجريم أَي مذنب، والجريمة الذنب، وجرم، عليهم وإليهم جريمة جنى عليهم جناية -انظر القاموس. (خَلَتْ): مضت. (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): طريقتهم.
التفسير
15 -
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ):
بعد أَن بينت الآيات السابقة موقف أَهل مكة من دعوة الإِسلام وداعيها، جاءَت هذه الآيات لتسليته صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له بما حصل للرسل قبله من تكذيب أَقوامهم لرسلهم.
والمعنى: ولقد أَرسلنا من قبلك يا محمد رسلا في أُمم الأَولين، الذين يشايع بعضهم بعضا في كفره، ثم بيَّن الله سبحانه كيف تعاملت هذه الأُمم مع هؤلاءِ الرسل فقال:
11 -
(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
أَي وما يأْتى كل أُمة من رسول خاص بها إِلا كانو به يسخرون كما فعلت قريش معك يا محمد، فلا تبتئس أَيها الرسول بما فعله جُهَّال قومك معك، فإِن هذه عادة متأَصلة في الجاهلين مع سائر المرسلين.
12 -
(كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ):
أَي كما أَدخل الله كتب المرسلين في قلوب اُممهم غير مقبولة لديهم، مدخل الذكر أَي القرآن -في قلوب المجرمين الآثمين من قومك فيكون فيها مقبول ومسخورًا منه، لفساد عقولهم وظلمة قلوبهم، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولو شاءَ الله لهداهم أَجمعين.
13 -
(لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ):
أَي كذلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين من قومك حال كونهم لا يؤمنون به، وقد مضت سنة الله في الأَولين من أُمم الأَنبياءِ قبلك على هذا النمط، فقد كانت كتب الله تدخل قلوبهم مصحوبة بالاستهزاءِ وعدم الإِيمان.
ويصح أَن تكون جملة: "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ" مستأْنفة لغرض الوعيد والتهديد أَي وقد مضت طريقة الله في المكذبين الأَولين من الإِهلاك والاستئصال بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم، وأَهل مكة إِن استمروا على تكذيبهم، فسوف يحل بهم مثل ما حل ممن سبقهم جريا على سنة الله في المكذبين.
وأَعاد بعضهم الضمير في نسلكه على الاستهزاءِ وما نشأَ عنه من الضلال والكفر، ومعنى الآيتين على هذا ما يلى:
أَي كما سلكنا الضلال والكفر والاستهزاءَ في قلوب الكافرين برسلهم قبلك، نسلكه في -قلوب المجرمين من أُمتك يا محمد. لا يؤمنون بسبب ذلك، وقد مضت سنة الأَولين في الكفر والاستهزاءِ وهى مماثلة لهم، وأَنت بها عليم فلا تحزن، أَو مضت سنتهم في الإِهلاك فليحذر قومك مثل مصيرهم.
ثم بين الله تعالى أَن اقتراح قريش نزول الملائكة ليس بغرض الاهتداءِ بل هو للعناد والمكابرة فقال:
المفردات:
(يَعْرجُونَ): يصعدون، والمعارج. المصاعد. (سُكرَتْ أَبْصَارُنَا): أي حُيِّرتَ، من السُّكْر ضد الصحو -كما قال عمرو بن العلاء- أَرادوا أَنها فسدت، واعتراها خلل كما يعترى عقل السكران فيختل إِدراكه، وهذا المعنى قريب من تفسيرها بِخُدِعتْ وقيل: تسكير الأَبصار إِغلاقها أَو تغطيتها.
التفسير
14 -
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ):
أي ولو فتحنا على كفار مكة بابًا من السماءِ، ومكناهم من الصعود فيه، فصاروا يعرجون ويصعدون فيه بآلة أَو بغيرها، وهم يرون ما في السماءِ من الملائكة والعجائب في وضوح واستبانة.
15 -
(لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ):
أَي لو فتحنا عليهم بابًا من السماءِ على النحو الذي تقدم بيانه، لقالوا لفرط عنادهم ومكابرتهم: إِنما خُدِعَتْ أَبصارنا فلم نشاهد شيئا على الحقيقة، بل نحن قوم مسحورون سحرنا محمد حتى تخيلنا هذه المرائى، كما يتخيل المسحر شيئًا لا حقيقة له ولا تراه العيون على حقيقته.
المفردات:
(بُرُوجًا): جمع برج وهى في الأَصل بمعنى القصور أَو الحصون، ثم أَطلقت على منازل الكواكب والنجوم لأَنها تشبهها في كونها منازل لها، كما أَن القصور منازل لساكنيها. (شَيْطَانٍ رَجِيمٍ): أَي مطرود من الرحمة، أَو مَرمِى بالرجام وهى الحجارة، فإِنهم يُقذَفُونَ بشظايا النجوم. (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ): أَي اختلس بعض ما يسمع من كلام الملائكة (فَأَتْبَعَهُ (1)): إَى تبعه. (شِهَابٌ): شعلة ساطعة تمرق في الجو بسرعة خاطفة. (مُبِينٌ): أَي واضح من أَبان اللازم بمعنى اتضح أَو مبين غيره وموضحه، من أبان الشيءَ أَوضحه.
التفسير
16 -
(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ):
بعد أَن بين الله حال الكافرين بالإِسلام والنبوة ومآلهم، شرع يقيم لهم الأَدلة على
(1) يرى الأخفش أن أتبعه بمعنى تبعه، فليست الهمزة للتعدية، ومثله ردفته وأردفته، وقيل غير ذلك - انظر الآلوسى.
وحدانية الله وقدرته وكماله، لعلهم يتركون الشرك الذي حملهم على تكذيب النبوة المؤسسة على التوحد.
والمعنى: ولقد خلقنا في جهة السماءِ منازل تتنقل فيها الكواكب والنجوم على نظام فائق لا يختلف ولا يضطرب، وجعلناه بحيث تترتب عليه مصالح البشر في معاشهم، وزينا السماءَ لمن ينظر إِليها ويتأَمل في زينتها وجمالها وإِحكامها وتماسكها في الفضاء بقدرة مبدعها، ووظائفها التي أَنشأَها الله من أجلها، لينتقل الناظر من رؤيتها إِلى التفكير في عظمة مبدعا ووجوب اتصافه بالوحدانية، وتنزهه عن الشريك والنظير.
7 -
(وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ):
أَي وحفظنا السماءَ من كل شيطان مطرود من رحمة الله، فلا سبيل له ولا لذريته إِليها بعد أَن أَهبطه الله عقابًا على امتناعه عن السجود لآدم بعد ما أَمره الله به، وقد استثنى الله بعضهم بقوله:
18 -
(إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ):
أَي أَنه تعالى حفظ السماءَ من الشياطين إِلا من اتجه نحوها واختلس بعض الكلام المسموع الذي يجرى بين أَهل الملإ الأَعلى من الملائكة، فإنه لا يمكنُ من الاستمرار في استماعه واستراقه، بل يتبعه شهاب بيِّنٌ واضح فيقتله أَو يخبله، وفي ذلك يقول الله في سورة الصافات:"إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ"(1) والشهاب من الشهبة، وهي بياض مختلط بسواد وليست بالبياض الصافى، والشهب أجزاءُ حجرية انفصلت عن الكواكب وجعلت تدور في الفضاءِ، فإِذا وصلت إِلى جاذبية الأَرض جذبتها إِليها بسرعة خارقة فتشتعل وتتوهج باحتكاكها الشديد بالغلاف الجوى المشتمل على الأُوكسجين الذي يساعد على الاحتراق، وهو من الظواهر الكونية القديمة، وقد كان الكهان ينتفعون بما ينقله الشياطين إِليهم من أَخبار الأَرض التي تجرى في الملاءِ الأَعلى، فيكتسبون قداسة في نظر أَتباعهم إِذا حدثوهم عن الغيوب المنتظرة التي عرفوها من الشياطين المسترقين للسمع، فوقعت كما أَخبروهم بها فلما بعث نببنا محمد صلى الله عليه وسلم، اشتدت حراسة السماءِ
(1) سورة الصافات، الآية 10
بالملائكة والشهب، لإبطال عهد الكهان بمنع الغيوب عن أَن تصل إِليهم، وإِقامة صرح الحق الذي بعث به خاتم المرسلين، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة الجن حكايته عن بعض مؤمنيهم:"وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) " قيل للزْهْرِى: أَكان يُرمى في الجاهلية؟ قال نعم، قيل: أفرأَيت قوله تعالى: "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا". قال الزْهْرِى: غُلِّظ وشُدِّدَ أَمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.
المفردات:
(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا): أَي بسطناها ووسعناها. (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ): أَي وخلقنا فيها جبالًا ثوابت؛ فرواسى جمع راسٍ بمعنى ثابت وفعله رسا بمعنى ثبت، ومثله أَرسى إِذا كان لازمًا، وقد يتعدى، تقول: أَرست السفينة أَي ثبتت ووقفت، وأَرسيتها أَي أَوقفتها وثبَّتُّهَا. (مَوْزُونٍ): مقدر بحكم. (مَعَايِشَ): أَي أَسبابًا تعيشون بها.
(وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ): قيل المراد بهم الأَولاد، وقيل الدواب والأَنعام، والأَولى التعميم ليشمل الأَولاد والحيونات التي ينتفع بها. (خَزَائِنُهُ): أَي أَسباب تحصيله والاستيلاء عليه، (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ): بمقدار يعلمه الله وتقتضيه حكمته.
التفسير
19 -
{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ):
لا يزال الكلام متصلًا في آيات الله ونعمه، فقد بين الله في هذه الجملة أَنه تعالى مد الأَرض، أَي بسطها ووسعها بحيث تكون صالحة لكي يعيش عليها الإِنسان والحيوان، ولإِنبات ما يعيشون به. وظاهر النص يفيد أَن الأَرض خلقت أَولًا غير ممدودة، ثم طرأَ عليها المد، حسبما تقتضيه الحكمة في التدرج التكوينى، ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة (النازعات):"وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا". ولم يقتصر إِنعامه على مجرد مدها، بل جعلها كالفراش الممهود، كما قال سبحانه:"وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُون َ (1) ". وكما أَنه تعالى خلق الأَرض وبسطها ومَهدها، خلق فيها جبالا شوامخ ثوابت، لكي تحفظها من الاضطراب بأَهلها، حتى يستريح أَهلها عليها، ولا يتعرضوا للهزات المدمرة الكثيرة، وكان ذلك منه حكمة في التكوين، ورحمة بالعباد وآية على عظمته وجلاله ووحدانيته وكبريائه، وبسط الأَرض لا ينافى أَنها كروية الشكل، فإِنها لعظمتها ترى كالسطح المستوى في حين أَنها كرة تدور حول نفسها تحت شمسها التي ترتبط بها، والتعبير عن خلق جبالها عليها بإلقائها فيها، لإِبراز كمال سهولته على الله، كأَنها شيءٌ يسير موجود يلقى بسهولة في الموضع الذي أُريد له، فسبحان من يقول للشىءِ كن فيكون.
(وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ):
أَي أَنه تعالى أَنبت في الأَرض التي بسطها وفرشها لنا -أَنبت فيها- من كل نبات مقدر عنده بِحِكْمة، ومعلوم له أَنه لمصلحة عباده قوتًا أَو دواءً، أَو وقاية من داءٍ، ومعلوم له أَنه لمصلحة ما سخَّره لهم من الحيوانات المختلفة.
واستعمال الوزن بمعنى التقدير والعلم معروف في لغة العرب، قال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مِرَّة
…
عِنْدِى لكُلِّ مخاصِمٍ ميزانُه
(1) سورة (الذاريات): الآية 48
أَي عندى لكل خصم تقدير له وعلم به، وهو معنى مجازى للوزن الذي هو في الأَصل تقدير الشيءِ بالميزان الحسى المعروف، فاستعمل هنا في لازم معناه، وهو مطلق التقدير والعلم.
وفسر الحسن وابن زيد الإِنبات بالإِنشاءِ، والوزن بمعناه الحقيقى مع إِعادة الضمير على الجبال والمعنى على هذا الرأْى: وأَنشأْنا في الجبال الرواسى من كل شىءٍ يوزن حقيقة، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص إِلخ، والمعنى الأَول أَظهر.
20 -
(وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ):
بين الله سبحانه في الآية السابقة أَن أَنبت لنا في الأَرض أَقواتنا وما نتقى به العلل والأمراض من مختلف النباتات: وبين في هذه الآية أَنه يسر لنا فيها أَسباب المعايش المختلفة، ولم يجعلها قاصرة على الزراعة، كما أَنعم علينا بالأَولاد، الأَنعام وتكفل بأَرزاقهم والمعنى: وجعلنا لكم في الأَرض التي بسطناها أَسبابًا للمعيشة كالصناعة والهندسة والزراعة والطب وغير ذلك من الحرف المختلفة، وجعلنا لكم أيضا أَولادًا تقرُّ بهم أَعينكم، وأَنعامًا تحملون عليها أَثقالكم، وتستكملون بها أَرزاقكم، ولم نكلفكم شيئًا من أَرزاق هؤلاءِ وأُولئكم، بل تكفلنا بأَرزاقهم كما تكفلنا بأَرزاقكم، ثم بين أَن كل شيءٍ خاضع لتصرفه وحكمته فقال سبحانه:
21 -
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ):
ليس المقصودُ من الخزائن حقيقتها فإِنه تعالى لا تختزن مقدراته في خزائن، كما يختزن الملوك نفائس الأَموال فيها، بل الآية فيها أَسلوب بلاغى رفيع. ففيها استعارة مكنية تخييلية، أَو استعارة تمثيلية.
المعنى: وما من شيءٍ من المقدورات التي ينتفع بها الخلائق إِلا وهو مقدورٌ لنا خفِىُّ عن أَبصار عبادنا، لا تصل إليه عقولهم وعلومهم قبل أَن نبرزه لهم، ونمُنَّ به عليهم، فهو يشبه النفائس الخبيئة في خزائن الملوك، فلا تعلمها رعاياهم، ولا قدوة لهم على
شيء منها، حتى يبرروا بعضها لهم، وينعموا بشىءِ منها عليهم ثم يختم الله الآية بما يفيد أَن الإِنعام مضبوط بضوابط الحكمة، وذلك بقوله تعالى:
(وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ): أَي وما ننزل الأَمْر بالشيءِ الذي ننعم به على عبادنا إِلا مضبوطًا بقدر معلوم يتفق مع الحكمة في نوعه وزمنه وقدره وأَهله استحقاقًا أَو ابتلاءً أَو إِملاءً، ويجوز أَن يكون تنزيل الشيءِ المنعم به مجازًا عن إِبرازه وإِيجاده، والله أَعلم -وعبر عنه بالتنزيل لأَنه ناشئ عن أَسباب سماوية، فكأَنه منزل من أَعلى إِلى أَدنى.
المفردات:
(الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ): أَي حوامل بالماءِ، جمع لاقح بمعنى حامل، فهو من قولهم: ناقة لاقح ونوق لواقح إِذا حملت الأَجنة في بطونها، أَو مُلقِّحات للشجر كما قال أَبو عبيدة وسَيَأتى بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه الآية (مِنَ السَّمَاءِ): من السحاب. (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ): أَي فجعلناه لكم مَسْقى تسقون به مزارعكم، قال الأزهرى: العرب تقول لما كان من بطون الأَنعام أَو من السماءِ أَو من نهر جار أَسقيته، أَي جعلت له منه مسْقًى، فإِذا كان للشَّفَةِ قالوا سقى ولم يقولوا أَسقى، وقال أبو على: يقال: سقيته حتى
رَوِىَ وأَسقيته نهرًا، أَي جعلته شِرْبًا له أَي مَوْردًا لشُربه. (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِيينَ): أَي وليس لكم شأْن في إيجاده وحفظه لينزل عليكم وقت الحاجة، أو وليس لكم شأْن في حفظه في مجاريه وآباره ليكون تحت طلبكم، فكل ذلك من صنع الله الرحمن الرحيم:(الوَارِثُونَ): الباقون بعد فناء الخلق. (الْمُسْتَقْدِمِينَ): من تقدمكم من الأُمم فمات قبلكم (الْمُسْتأْخِرينَ): من هو حى لم يمت بعد. (هُوَ يَحْشُرُهُمْ): يجمعهم يوم القيامة لفصل القضاء.
التفسير
22 -
(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ):
بين الله تعالى في الآية السابقة أَن كل شيءٍ من أَرزاق الخلق ومنافعهم تحت سيطرته تعالى ووفق مشيئته، وأَنه في يسره عليه واختفائه عن خلقه، كأَنما هو مخزون في خزائن، بحيث يسهل إِخراجه وإبرازه ومفاجأَة عباده به في أَي وقت يشاؤه، ليدخل به الفرح عليهم، وأَنه حين يبرزه يكون إِبرازه بقدر معلوم يتفق مع الحكمة ومصالح العباد -وجاءَ بهذه الآية والتى تليها، ليبين بعض الأَسباب التي أَبدعها سبحانه لتوصيل الرزق والخير لعباده بيسر وسهولة.
وَقَبْل الكلام على معنى الآية نقول: إِنه تعالى يسلط حرارة الشمس على المحيطات والبحار المالحة والأنهار العذبة والمستنقعات وكل رطوبة فوق سطح الأَرض، فتخرج حرارة الشمس من تلك المياه بخارًا عذبًا لا أَثر للملوحة فيه، ويسلط الله الرياح على هذا البخار لترفعه إِلى حيث يكون سحابًا فيبسطه الله في الفضاءِ كيف يشاءُ، ويرزق به من عباده ما يشاءُ، وبعْد هذا التمهيد نقول في معنى الآية ما يلي:
المعنى: وأَرسلنا الرياح حوامل ببخار الماءِ وذرات التراب وأَسباب الخير والنفع حتى إِذا وصلت إِلى مستوى معين تحول ما حملته من البخار إلى سحاب كثيف فتصبح الرياح ثقيلة الحمل،
كما قال تعالى في سورة الأَعراف: "حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ"(1) أَي حملت سحابًا ثقالا.
وقيل "لَوَاقِحَ" بمعنى مُلقِّحات للشجر، حكى المهدوى عن أَبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح جمع مُلْقِحة أَو مُلْقِح بحذف الزوائد.
فإِن كان يقصد أَنها تلقح إِناث الأَشجار بطلع ذكورها، فذلك واقع بالفعل، ولكن حمل الآية على هذا المعنى يبعده قوله تعالى عقبه:"فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ" فإِن ذلك يؤْذن بأَنها حوامل بالماء، أَو ملقحات للشجر بالماءَ الذي ينزله الله من السماءِ، ولذا عبر بالفاءِ التي تفيد أَن إِنزال الماء من السحاب مترتب على كون الرياح لواقح بالماءِ والله تعالى أَعلم.
(فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ):
أَي فأَنزلنا من السحاب الكثيف الذي أَقلته الرياح -أَنزلنا- منه مطرًا، فأَعددناه وهيأَناه لسقياكم وزروعكم ومواشيكم، حيث حفظناه في بحيرات وأَجريناه في أَنهار وجداول واختزنا بعضه في جوف الأَرض، لكي تنتفعوا به وقت الحاجة بحفر الآبار وتفجير العيون.
(وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ):
أَي أَن هذا المطر الذي ننزله من السحاب لم تختزنوه أَنتم، ولا علم لكم به من قبل أَن يأْتيكم، أَو لستم له بحافظين فوق سطح الأَرض أَو في جوفها، لتنتفعوا وقت حاجتكم بل الله تعالى هو الذي سخر لكم أَسبابه، وحفظه لكم في مجاريه وخزائنه، وهو قادر على إِمساكه منكم، والذهاب به إِذا أَتاكم، كما قال تعالى:"وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ".
وبعد أَن بين أَنه تعالى مصدر أَرزاقهم، عقبه ببيان أَنه هو الذي يحييهم ويميتهم ويرثهم فقال:
(1) سورة الأَعراف: من الآية 57
23 -
(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ):
أَي وإِنا لنحن الذين ننشئكم من العدم، ونجعلكم أَحياءَ ترزقون، ونحن الذين نميتكم وننزع الروح من أَجسادكم، ونحن الوارثون لكم ولأَموالكم ولكل شيءِ في هذا الوجود وكل ما أَعطيناه للخلق فهو عارية مستردة، والملك لله الواحد القهار.
24 -
(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ):
أَي ولقد علمنا من سبقوكم من بني جنسكم، فإِنا نحن الذين أحييناهم وأَمتناهم، وعلمنا أَيضًا المتأَخرين ممن هم أَحياءُ أَو سيوجدون بعدكم، فإِن الخالق الرازق الوارث لا يغيب عن علمه شيءُ، وكيف يغيب أَحد من خلقه عن علمه وهو الذي سيحشرهم ليجازيهم كما ينطق به قوله سُبحانه:
25 -
(وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ):
أَي وإِن ربك أَيها الرسول هو وحده الذي يحشرهم ويجمعهم للحساب والجزاء على حسب أَعمالهم، لأَنه تعالى حكيم يضع الشيءَ فى موضعه، فلا يسوى محسنًا بمسيء، واسع العلم فلا يغيب عنه عمل عامل -وبعد أَن بين الله تعالى أَن مصير العباد إِليه وجزائهم عليه، شرع يبيبن قصة آدم مع إِبلبس، ليعرف البشر عداوته لهم فيحذروه، فقال سبحانه:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27))
المفردات:
(صَلْصَالٍ): هو الطين اليابس الذي إذا نقر يكون له صوت، فإِذا طبخ بالنار فهو الفخار، وبهذا قال معظم المفسرين، وقال مجاهد: الصلصال هو الطين المنتن واختاره الكسائي وهو مأْخوذ من قول العرب: صَلَّ اللَّحْمٌ وأَصَلَّ إِذا أنْتَنَ.
(مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): أَي من طين أَسود مُنْتِن، وفسره بعضهم بُمصَوَّر، ومنه سُنَّة الوجْهِ أَي صُورته، قال حمزةُ يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
أَغر كَأَن البدر سُنَّةُ وجهه
…
جلا الغيْمَ عنه ضوْؤهُ فتَبَدَّدَا
وفسره بعضهم بمصبوب، من سنَّ الماءَ صبَّه. (وَالْجَانَّ): قيل هو أَبو الجن -وروى عن ابن عباس، وقيل هو اسم لجنس الجن- كما قاله ابن بحر، وقيل هو إِبليس وروى عن الحسن وقتادة - (نَارِ السَّمُومِ): المراد بها النار التي لا دخان لها- كما جاءَ في إِحدى الروايتين عن ابن عباس.
التفسير
26 -
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ):
المراد من الإِنسان هنا أَصله وهو آدم عليه السلام، أَو الجنس كله تبعًا لأَصله والمعنى ولقد أَوجد الله آدم عليه السلام من طين جاف مُتحوِّلٍ من طين أَسود منتن وقد كان أَساسه الأَول ترابًا (1)، فلما خلط بالماءِ صار طينًا (2)، فلما اسود وأَنتن صار حمإٍ مسنونًا، فصور الله منه تمثال إِنسان أَجوف، فيبس حتى إِذا نقر صلصل أَي ظهر لنقره صوت بسبب جفافه، ثم غيره الله طورا بعد طور حتى نفخ فيه الروح بعد أَن تمت صلاحيته لنفخها فيه فتبارك الله أَحسن الخالقين.
27 -
(وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ):
قد علمت في بيان معانى المفردات اللغوية، أَن بعض العلماء فسر الجان بأَنه جنس الجن، وعلى هذا الرأْى تكون هذه الآية الكريمة مسوقة لبيان أَن الله تعالي خلق الجن كما خلق الإِنس وأَنهم خلقوا قبل آدم، وأَنهم خلقوا من نار، بخلاف آدم فقد خلق من طين
(1) وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة الروم: "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون".
(2)
وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: "ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين".
كما علمت أن بعضهم فسر الجان بإِبليس، ليناسب ما سيأْتى في قصة آدم من أَنه امتنع عن السجود له لأَنه خلق من نار، وخلق آدم من حمإٍ مسنون، وكل من الرأْيين أَهل للاعتبار والقبول. (السَّمُوم): الريح الشديدة الحرارة سميت بذلك لأَنها تنفذ في المسام، وقيل هي نار لا دخان لها -رواه الضحاك عن ابن عباس، وعليه فإِضافة النار إِلى السموم من إِضافة العام إِلى الخاص.
والمعنى: وجنس الجن أَو إِبليس خلقه الله منِ قبل آدم، وكان خلقه من نار شديدة الحرارة لا شىء فيها من الدخان.
المفردات:
(مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): تقدم بيانها.
(سَوَّيْتُهُ): جعلته سويًا معتدلا.
(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي): ونشرت فيه من الروح المنسوب إِلَىَّ نسبةَ تشريف وَمِلْكٍ وإِيجاد، فأَرواح العباد منسوبة إِلى الله نسبة ملك وإِيجاد، وليست جزءًا من روحه تعالى، فهو منزه عن التجزئة والتبعيض.
(فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ): فَخِرُّوا لآدم خاضعين.
التفسير
28 -
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ):
أَجمل الله قصة خلق الإِنسان في قوله سابقًا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ). وقصة خلق الشيطان في قوله: "وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ". تمهيدًا للحديث المفصل الذي تحكى فيه هذه الآية وما بعدها من الآيات ما جرى بين الله وبين ملائكته في شأْن خلق آدم وأَمرهم بالسجود له، وخضوعهم لأَمره سبحانه، وعصيان إِبليس تكبرًا وغرورًا، ووسوسته لآدم حتى أَخرجه من الجنة، ووعيده بإِغواء ذريته إِلا عباد الله المخلصين إِلى آخر ما سيأتي بيانه في الآيات الواردة في هذا الشأْن. والغرض من سوق هذه القصة تحذير عباد الله من وسوسة الشيطان الذي أَغوى أَباهم آدم، وهو لإِغوائهم وإِضلالهم بالمرصاد، حتى يحذروه ولا يغتروا بوسوسته، فالخطاب في الآية وإِن كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمقصود منه بيان القصة لأُمته عن طريقه، لأَنه إِمامهم صلى الله عليه وسلم
والمعنى: واذكر أَيها الرسول لأُمتك وقت أَن قال ربك للملائكة -إِنى خالق في الأَرض إِنسانًا من صلصال من حمإٍ مسنون ليكون فيها خليفة عني في عمارتها وتنفيذ شريعتى فيها، أَو خليفة عمن سبقه في سكناها بعد ما هلكوا، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في سورة البقرة:
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1) "، وسمى الإِنسان بشرا لظهور بشرته، وهى ظاهر الجلد، حيث لا يوجد عليها صوف ولا وبر ونحوهما بخلاف سائر الحيوانات.
وبعد أَنْ ذكرنا في تفسير الآية السابقة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} أَن المراد من الصلصال الطين الجاف الذي يصلصل ويصوت إِذا نُقر،
(1) سورة البقرة من الآية 30
وأَن المراد من الحمإِ المسنون الطين الأَسود المنتن، بعد أَن ذكرنا هذا نقول:
من العلماءِ من فسر الصلصال بالطين المنتن وهو رأَى مجاهد واختاره الكسائي، وهو مأَخوذ من قولهم صلَّ اللحم أَي أَنتن، ومنهم من فسَّر المسنون بالمُصوَّر، ومنه سُنَّة الوجه أَي صورته، ومنهم منْ فسَّره بمصبوب -كما تقدم بيانه، وعلى هذه الآراءِ اللغوية، يكون تفسير الآية ما يلي:
واذكر أَيها الرسول حين قال ربك للملائكة إِنى خالق إِنسانا من طين منتن مصبوب على صورة بشر. فسبحان مَنْ ينقل الشيءِ بقدرته من النقيض إِلى النقيض.
29 -
(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ):
التسوية جعل الشيءِ سوِيَّا معتدلا، وتسوية بشر من صلصال من حمإِ مسنون جعل الصلصال المذكور في صورة بشر سوى صالح لنفخ الروح فيه، بأَن ينقله الله من طور إِلى طور إِلى أَن يصبح لحمًا وعظمًا وأَعصابًا وشرايين وأَورِدةً تسرى فيهًا روح الحياة -والنفخ في الشيءِ هو دفع الريح فيه بالفم أَو غيره، ونفخ الروح في تمثال آدم المتطور ليس من هذا القبيل، بل هو تمثيل لِنشرِ الروح في جميع أَجزائه، فلم يكن في بث الروح فيه نفخ ولا نافخ على الحقيقة، وقد اختلف العلماءُ في تعريف الروح، فمنهم من قال أَنه جسم شفاف يحل بالجسد ويسرى فيه سريان الماءِ في العود الأَخضر، ومنهم من قال أَنه عرض يحل بالقلب أَو الدماغ حلول العِلْمِ في العالمِ، ومنهم من قال إِنه جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه. والأَسلم عدم الخوض في تعريفه، فقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1) " وخيْرُ ما يقال فيه إِنه سر من أَسرار الله تحيا به الأَبدان حينما يتصل بها، وتموت حينما ينفصل عنها.
(1) سورة الإسراء الآية: 85
والروح مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وقد أَضافه الله إِلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله في الأَرض والسماء أَرضى وسمائى مثلا، وفي البيت الحرام بيتى أَو بيت الله. وفي ناقة صالح ناقة الله، وفي الشهر الحرام شهر الله.
وهذه الآية ترد على النصارى الذين استدلوا من القرآن على أَن المسيح ابن الله، بنحو قوله تعالى:"وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا"(1) فقد زعموا أَن هذا النص وأَمثاله يدل على أَن المسيح جزءٌ من روح الله وبعض منه، فيكون بهذه البعضية ابن الله، لأَن الولد بعض أَبيه ووجه الرد عليهم بهذه الآية أَنه لو كان فهم الآية على نحو ما زعموا لاقتضى ذلك الفهم السقيم أَن يكون آدم ابنًا لله، لأَنه قد وَرَدَ فيه مثل ما ورد في عيسى وذلك قوله هنا:"وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي". وأَنتم لا تقولون بذلك فلا وجه للتفرقة بينهما في دلالة النص، فإِذا لم يدل النص في آدم على بنوته لله، بل على أَنه مخلوق شريف من مخلوقات الله، فكذلك النص الوارد في عيسى، فرُوحُه مضافة إِلى الله إِضافة المخلوق للخالق تشريفًا وتكريمًا، وصدق الله تعالى إِذ يقول:"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"(2)
ومعنى الآية إِجمالا: فإذا جعلت هذا البشر من الصلصال سويا معتدلًا متطورًا بحيث يصلح للحياة نفخت من الروح المنسوبة إِلىَّ خلْقًا وشرفًا -إِذا فعلت ذلك بهذا البشر -فخروا له ساجدين، تحية وتكريما.
وقيل أُمروا بالسجود لله عبادة وتعظيمًا عند تسويته آدم ونفخ الروح فيه، والمعنى الأَول أَنسب.
30 -
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ):
أَي فسجد الملائكة لآدم بعد تمام خلقه ونفخ الروح فيه، تحقيقًا لما شرطه الله وأَوجبه
(1) سورة التحريم الآية: 12
(2)
سورة آل عمران الآية: 59
عليهم قبل خلقه؛ من السجود له بعد تمام خلقه، ولم يتخلف عن السجود إِلا إِبليس كما حكاه الله بقوله:
31 -
(إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ):
أَي فسجد الملائكة جميعًا إِلا إِبليس، فإِنه امتنع عن أَن يكون معهم في سجودهم، وقد اعتبره الله آثمًا بامتناعه عن السجود معهم، وعاقبه بإِخراجه من الجنة ولعنِه كما سيأْتى بيانه.
فإِن قيل: إِن الأَمر بالسجود موجه إِلى الملائكة، وإِبليس ليس منهم بل هو من الجن، لقوله تعالى في سورة الكهف:"إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ". ولأنه لو كان من الملائكة لسجد، لأَنهم كما قال الله فيهم:"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (1) " وإِذا لم يكن من الملائكة فكيف اعتبر آثمًا مع أَن الأَمر بالسجود لا يتناوله، لأَنه خاص بالملائكة؟
وأَجيب عن ذلك بعدة أجوبة نختار منها اثنين.
أَحدهما: أَنه وإِن لم يكن من الملائكة نوعا فهو منهم إِقامة، حيث كان يقيم بينهم، فيسرى عليه ما يسرى عليهم من التكاليف، كالرجل يعيش في غير قبيلته، فتسرى عليه أَحكام القبيلة التي يعيش فيها.
ثانيهما: أَنه كان مأْمورًا بأَمر خاص به، ولم يصرح به في التكاليف ابتداءً، اكتفاءً بالإِشارة إِليه في التوبيخ صراحة على عصيانه، وذلك بقوله تعالى في سورة الأَعراف:"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ"(2).
(1) سورة التحريم من الآية: 6
(2)
سورة الأعراف من الآية: 12
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35))
المفردات:
(مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ): أَىُّ سبب لك في عدم سجودك مع الملائكة. (حَمَإٍ مَسْنُونٍ): طين أسود منتن. (رَجِيمٌ): مطرود من كل خير، وأَصل الرجم الضربُ بالرَّجام وهي الحجارة، ثم كُنى به عن الطرد. (اللَّعْنَةَ): أَي الإِبعاد على سبيل السخط.
التفسير
32 -
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ):
أَي قال اللهٌ لإِبليس توبيخًا له بعد امتناعه عن السجود لم: أَي سبب لك في أَن لا تكون مع الملائكة الساجدين له استجابة لأَمرى، وتعظيما لقدرتى.
33 -
(قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ):
أَي قال إِبليس لربه بعد أَن وبخه على تركه السجود لآدم: لا يستقيم منى وقد خلقتنى من نار، أَن أَسجد لبشر خلقته من طين جاف أَصله من طين أَسود منتن، ويعنى بذلك أَن مادته التي خلق منها وهي النار، أَشرف من المادة التي خلق منها آدم وهى الطين الأَسود المنتن، فهو بذلك أعظم منه أَصلا -كما زعم-، فكيف يسجد من أَصله أعظم، لمن أصله دونه، وقد أَخطأَ اللعين في هذا القياس، فإِنه لا فضل للنار على التراب، فالتراب أَساس لكل حى، والنار تهلك كل حى، كما أَن الفضل ليس باعتبار المادة وحدها، فلابد من أَن
يضاف إِليها الصورة والفاعل والغاية، والتحلى بالفضائل والتَّخلى عن الرذائل، وآدم قمَّةٌ في هذا كله، فقد خلقه الله في أَحسن تقويم، وخلقه من غير واسطة وبلا وسائل، كما يشير إِليه قوله تعالى:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ". كما أَن الغاية من خلق آدم وذريته الخلافة عن الله في الأَرض وأَنه كان في أَعلى مكارم الأَخلاق، فأَين مِنْ هذا كله خلقُه من نار.
34 -
(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ):
أَي قال الله لإبليس، بعد أَن أَعلن استعلاءِه وتكبره على آدم -قال الله لإِبليس- اخرج من زمرة الملائكة أَو من منزلة الكرامة التي كنت فيها أَو الجنة -اخرج منها- فإِنك مرجوم وطرود من كل خير وكرامة.
وقيل: المراد من كونه رجيما أَنه وجميع الشياطين سوف يُرجمُون بالشهب، فيكون في هذا المعنى إِشارة لطيفة إِلى أَن الَّلعين لما افتخر بالنار توعده الله بالتعذيب بها في الدنيا: كعابد النار يهواها وتحرقه.
35 -
(وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ):
أَي وإِن عليك الإِبعاد من رحمة الله إِلى يوم الجزاء، فلا يوفقك في الدنيا للتوبة من شقوتك ولا يمدك فيها بقبس من هداية، ولا يعفو عنك في الآخرة، بل يجعل مقرك النار وبئس القرار.
وقيل إن المراد باللعنة هنا لعنة الخلائق له، بأَن يكون موضع سخطهم وطلبهم من الله إِلى يوم الجزاء أَن لا يرحمه، والمقصود منه يوم النفخة الأُولى التي يموت عندها الخلائق، فإِنه من يوم الدين، لأَنه مقدمة له، والتفسير الأَول أَوْلى.
المفردات:
(فَأَنْظِرْنِي): فأَخِّرْنِى، الإِنظار التأْخير. (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ): المراد من اليوم الحين مطلقًا، أَي إِلى حين الزمن المعلوم لله دون سواه.
التفسير
36 -
(قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ):
بعد أَن سمع إِبليس حكم الله أَنه عليه بالطرد من رحمته ودار كرامته، وبشديد عقوبته، سأَل ربه سبحانه أَن يؤخر موته إِلى يوم يبعث فيه آدم وذريته للجزاء، وقد أَراد الخبيث بذلك أَمرين: أَحدهما: أَن يتسع له المدى لإِغوائهم، حتى يشتركوا معه في سوء مصيره، وليأَخذ ثأْره كاملا منهم، فإِنهم سبب شقائه، فإن عدم سجوده لأَبيهم كان السبب الأَول في نكبته، ولو كان عنده إِنصاف لأَدرك أَن غروره وكبرياءَه هما محورُ شقائه. والغرض الثاني: من طلبه الإِمهال إِلى يوم البعث أَن ينجو من الموت -إِذ لا موت بعد البعث، وإِلى هذا الغرض ذهب ابن عباس والسدى وقد حكى القرآن ما أَجاب به الله على سؤال إِبليس بقوله:
37، 38 - (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ):
أَي فإِنك من المؤخرين إِلى حين الزمن المعلوم لله وحده، وتنتهى عنده حياة الخلائق وهو وقت النفخة الأُولى كمَا قال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ" (1)، فتموت حينئذ كما يموتون، مصداقا لقوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ". (2) ولن أُؤخرك إِلى يوم البعث كما طلبت لِتفِرَّ من الموت كما أَردت. وهنا سؤلان؛ أَحدهما: كيف كلَّمهُ الله؟ وثانيهما: كيف أَجابه الله إِلى ما سأَل مع أَن فيه شقاءَ خلقه؟
والجواب عن الأَول: أَنه تعالى كلَّمهُ على لسان ملك يبلغه، أَو كلمه وهو يسمع تغليظا عليه، وتشديدًا في الوعيد. وليس على وجه التكريم والتقريب.
والجواب عن الثاني: أَنه تعالى منحهم ما من شأْنه حمايتهم من شره، وهو نور العقل، ودوافع الخير، وآيات الهدى، ودعاة المثل العليا من النبيين والمرسلين والصديقين، فهذه العوامل تمثل في الروح أَسباب المناعة الخُلُقِية، كما تمثل الكُرَاتُ البيضاء في الدم أَسباب المناعة من الأَمراض الجسدية، وصدق الله تعالى إِذ يقول في سورة العنكبوت:{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} .
ولقد أَدرك الشيطان قيمة الحماية التي منحها الله عباده، فاعترف بها إِثر وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله:
المفردات:
(بِمَا أَغْوَيْتَنِي): بسبب إِغوائك إِياى، والمراد من إِغواء الله إِياه قضاؤه عليه بالْغواية بسبب تكبره وعدم خضوعه لأَمره تعالى. (الْمُخْلَصِينَ): الذين أَخلصتهم لطاعتك.
(1) سورة الزمر من الآية 68
(2)
سورة الرحمن الآية 26
التفسير
39 -
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ):
بعد أَن سمع إِبليس الحكم من الله بإِنظاره وإِمهاله؛ قال يارب بسبب حكمك عليَّ بالغواية من أَجل آدم، لأُحسِّننَّ لذريته في الأَرض المعاصي وأَسباب الضلال حتى يضلوا ويكونوا أَجمعين شركائى فيه، فلا أَبقى فيه وحدى، وكما قدرتُ على إِغواءِ أَبيهم في الجنة حتى عصى، فإِننى سأَقدرُ على إِغواء بنيه في الأَرض حتى يعصوا، ولما أَدرك اللعين أَنه تعالى قد يمنح عباده الصالحين الحماية منه، احتاط فاستثناهم من وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله:
40 -
(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ):
أَي لأُضلَّن ذرية آدم أَجمعين، إِلا عبادك الذين أَخلصتهم لطاعتك، وحصنت نفوسم من الخضوع لعوامل الشر والضلال، والتأَثر بمغريات المعاصي، فهؤلاءِ لا سبيل لى إِليهم ولا سلطان لى عليهم.
المفردات:
(صِرَاطٌ عَلَيَّ): طريق أَلتزم به. (سُلْطَانٌ): تسلط واستيلاءٌ
(الْغَاوِين): الضالين عن الهدى. (جُزْءٌ مَقْسُومٌ): فريق مفْرورٌ في علمنا مميز.
التفسير
41 -
(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ):
لما استثنى إِبليس المخلصين من التأَثر بإغوائه، لما أدركه فيهم من الحصانة الدينية والطهارة النفسية التي وهبها الله لهم، قال الله مؤكدا حمايته وحفظه لهم: هذا الذي قلته أَنت مِنْ أَنَّ المخلصين لا سبيل لك عليهم، طريق ومنهج مستقيم (علَّى) أَن أَلتزم به نحوهم، فلا أُسلطك عليهم، بل أَحميهم من وسوستك وإِضلالك إِياهم -وقد أَلزم الله تعالى نفسه بذلك تفضلا منه على عباده المخلصين، حماية لهم من إِغوائه- وقال مجاهد والكسائى في تفسير الآية: هذا على الوعيد والتهديد؛ كقولك لمن تُهدِّدُهُ: طريقك علىَّ، ومصيرك إِلىَّ، وكقوله تعالى:"إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". فكأَن معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إِلىَّ فأُجازى كلَاّ بعمله -يعني طريق العبودية-.
42 -
(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ):
في هذه الآية تأَكيد ثان لحماية الله للمخلصين من سلطان الشيطان عليهم، كما أَن فيها الإِخْبار بخذلانه للمُصِرين على الغواية.
والمعنى: إِن عبادى الذين خلقتُهم لكي يعبدونى ليس لك يا إِبليس تسلط عليهم ينتهى بهم إِلى الضلال المخرج من رحمة الله، إِلا من اتبعك من الضالين بسوءِ اختياره، فإِنه يخضع لسلطانك، ويتأَثر بإِضلالك، ويشترك معك في سوءِ مصيرك.
فإِن قيل إِن آدم وحواء من عباد الله المخلصين "فَأَزلَّهُمَا الشَّيطَانُ" وإِن بعض أَصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ببَعْضِ مَا كَسَبُوا" وبذلك يكون له سلطان حتى على المخلصين. فالجواب: أَن المقصود -والله أَعلم- أَنه ليس له سلطان على إِيمانهم وقلوبهم بحيث يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله ويضيقه عليهم، فإِيمانهم متين وقلوبهم طاهرة، فإِن هم أَذنبوا تابوا -والتوبة تمحو الحَربْة- ثم توعد الله المصرِّين على الغواية فقال:
44 -
(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ):
أَي وإِن النار لموعد إِبليس والغاوين أَجمعين، لا يتخلف عنها منهم أَحد، ثم بين الله أَنها طبقات، لكل طبقة فئة منهم فقال:
44 -
(لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ):
فالمراد من أَبواب النار طبقاتها ودركاتها، فكما أَن الجنة درجات فالنار دركات، وقد جعل الله لكل طبقة من السبع فريقا معلوما، وقسيما معينا، فيدخل كل فريق في الطبقة التي تناسب معاصيه وعقائده، وقيل الأَبواب على معناها المعروف، وإِنما تعددت لكثرة من يدخل النار والله تعالى أَعلم.
المفردات:
(وَعُيُونٍ): المراد بها أَنهار الجنة، وقيل غيرها. (بِسَلَامٍ): بسلامة من الآفات.
(مِن غِلٍّ): من حقد وعداوة. (نصَبٌ): تعب وإِعياءٌ.
التفسير
45 -
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ):
بعد أَن أَنذر الله من اتبع الشيطان من الغاوين بسوءِ المصير بقوله: "وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ". جاءت هذه الآية وما بعدها لتبشير
من اتقى ربه وعصى إِبليس بحسن المصير، وبضدها تتميز الأَشياءُ -والمراد بالمتقين الذين يدخلون الجنة من اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب يكفرها نحو الصلاة (1)، وقال الآلوسى: نقل الإِمام عن جمهور الصحابة والتابعين- وذكر أَنه رأْى ابن عباس -أَن المراد بهم من اتقوا الشرك والكفر- ثم قال -وهذا هو الصحيح، ثم أَقام الدليل كل ذلك حتى قال: فثبت أَن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين: لا إِله إِلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانوا من أَهل المعصية
…
الخ.
ونحن نقول: ينبغى أَن يقيد دخولهم الجنة إِن كانوا من أَهل المعاصي، بأَنهم تابُوا عنها وقبل الله توبتهم، أَو كانوا ممن غلبت حسناتهم على سيئاتهم، فإِن لم يكونوا من هؤلاءِ أَو أُولئك فإِنهم يدخلونها بعد عقابهم في النار على سيئاتهم، تطبيقا لأَدلة الوعيد على المعاصي الواردة في كتاب الله وسنة رسوله إِلا أَن يعفو الله فإِن الأَمر كله لله.
ومنْ يمت ولم يتب من ذنبه
…
فأَمره مفوض لربه
والمراد بالعيون الموجودة بالجنة أَنهارها المذكورة في قوله تعالى: "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (2) .... " الآية، ويحتمل أَن تكون عيونا ومنابع أُخرى لا يعلمها إلا الله.
والمعنى: إِن الذين يتقون الكفر والفواحش يعيشون في الآخرة في جنات عظيمة الشأْن دانية الثمار، ومن حولهم عيون وينابيع تجرى مياهها بين الجنات، فتضفى عليها الجمال والحسن، ليكمل بها متاعهم.
46 -
(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ):
أَي يقال لهؤلاءِ المتقين عند دخولهم الجنة، ادخلوها سالمين فيها من الآفات في أَجسادكم آمنين من أَن يطرأَ عليكم ما يخيفكم -ويجوز أَن يراد من دخولهم بسلام أَنهم يدخلون مسلَّمًا عليهم مرحَّبًا بهم، ويراد من أَمنهم ما يعم الأَمن من الآفات الجسدية والروحية.
(1) كما نقله الزمخشرى في (كشافه) عن ابن عباس.
(2)
سورة محمد من الآية 15
47 -
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ):
أَي وأَخرجنا ما في صدورهم من حقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، فدخلوا الجنة إِخوانا متحابين، على أَسرة متقابلين، ينظر بعضهم إِلى وجوه بعض في صفاءِ ومودة ولا يتدابرون، أَخرج ابن جربر وغيره عن أَبي أُمامة قال: يدخل أَهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناءِ والضغائن، حتى إِذا تدانوا وتقابلوا على السرر نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل: ويحتمل أَن يكون نزع الغل من صدورهم كناية عن نزع أَسبابه وأَنهم يعيشون في الجنة متحابين لأَنهم مغمورون بنعم الله وأَسباب الصفاءِ والمودة، فلا يجدون فيها ما يوجب البغضاءَ كما كانوا يجدون في الدنيا.
48 -
(لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ):
أَي لا يصيبهم في الجنات أَي تعب، فإن أَرزاقهم ميسَّرة من غير كدٍّ ولا سعى (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)(1). ويقوم بخدمتهم غلمان لهم كأَنهم لؤْلؤٌ مكنون، قال تعالى في سورة الإنسان:{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19)} (2) .. الآيات -وكما أنهم لا يمسهم في الجنة تعب، فهم ليسوا منها بمخرجين بل هم خالدون فيها أَبدًا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليجتهد المجتهدون -والله تعالى أَعلم.
(1) سورة الإِنسان الآية: 14
(2)
سورة الإنسان الآيات: 15 - 19
المفردات:
(نَبِّئْ): أَي خبِّر وبلغ، من النبإِ، وهو الخبر مطلقًا وقيل هو الخبر الخطير ذو الشأْن، وهو الأَنسب هنا؛ قال الراغب: النبأُ: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أَو غلبة ظن .. ثم قال: ونبَّأْته أَبلغ من أَنبأْته. (ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ): الضيف من مال إِليك نازلا بك، والأَفصح أَلا يُثنَّى ولا يجمع، ويأْتى بيان المواد بضيف إِبراهيم في التفسير (وَجِلُونَ): أَي خائفون، وفعله وجل يوجلْ كفزِع يفزع. وفي الراغب؛ الوجل: استشعار الخوف.
التفسير
49 -
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):
بعد أَن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة ما توعد به الغاوين من عذابه، وما وعد به المتقين من ثوابه، أَكد سبحانه في هذه الآية وعده ووعيده، بما اتصف به من عظيم مغفرته وواسع رحمته وشديد عقابه، تقريرًا لما ذكر، وتمكينا له في النفوس: فأَمر رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأَن يبلغ أُمته جميعًا -المتقين منهم وغير المتقين- أَن الله تبارك وتعالى هو العظيم الغفران، الواسع الرحمة.
كما أمره أن يبلّغهم أن عذاب الله هو العذاب الأليم، أي البالغ الغاية فى الشدة والإيلام لا يشبهه عَذَاب غيره ولا يدانيه، فقال جلَّ وعلا:
50 -
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)} :
وفى معنى الآيتين قوله سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (1). وفى هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة؛ فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة: فلو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من الرحمة، لم ييئس من الجنة؛ ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار"(2). وقد نبهت الآيتان على مقامي الرجاء والخوف، ولابد للعبد من الجمع بينهما؛ وينبغي أن يكونا سواء ما دام العبد صحيحا معافى؛ فإن المبالغة فى الرجاء تفضي به إلى تسويف الصالحات أو إهمالها؛ والمبالغة فى الخوف تفضي به إِلى القنوط واليأس! وخير الأمور أوساطها.
وقيل يُغلِّب الخوف على الرجاء فى حال صحته، فأما إذا مرض فلْيغلِّب الرجاء على الخوف حتى إذا دنت أمارات الموت فليكن رجاؤُه في ربه وإحسان الظن به مَحضًا خالصًا، ولا سيما حال احتضاره؛ فإنه حينئذ قادم على رب كريم ذي فضل عظيم سبقت رحمتُه غضبَه وعذابه، وقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل" وروى مسلم عن جابر أيضًا. قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يُبعث كل عبد على ما مات عليه". وروى الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب فى كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي"(3).
(1) سورة الرعد من الآية: 6.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، في باب الرجاء والخوف، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه".
(3)
رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى:{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
ولعل في تقديمه سبحانه الوعد على الوعيد -مع زيادة في تأْكيد الوعد- تنبيهًا على هذا الفضل.
ولما أَجمل الله سبحانه وعده ووعيده في الآيتين السابقتين، فصّل بعض ما أَجمل في الآيات التالية فذكر طائفة من أَنباءِ رحمته وعذابه مما وقع في هذه الدار، عبرة وتذكرة لما يكون في الدار الآخرة، ساقها سبحانه ممثلة في قصة خليله إِبراهيم وبشارته، ونبيه لوط ونجاته، وأَصحاب الأَيكة وأَصحاب الحجر، وما حل بهم جميعًا من عذاب لا تزال آثاره باقية مرئية. وبدأَ بقصة أَبي الأَنبياءِ صلوات الله وسلامه عليهم، فقال آمرًا نبِيه صلى الله عليه وسلم:
51 -
(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ): أَي أَخبر أُمتك أَيها النبي عن ضيف إِبراهيم خليله؛ ليعتبروا بما جرى له ولابن أَخيه لوط عليهما السلام من البشرى في تضاعيف الخوف -على ما يأْتى بيانه- والمراد بضيف إِبراهيم: رسل من الملائكة أَرسلهم الله تعالى في صور بشر إِلى قوم لوط ليهلكوهم، ومروا في طريقهم بإِبراهيم ليبشروه بغلام عليم، وبهلاك القوم المجرمين -وهم- على ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما -جبريل وملكان معه، وقيل أَكثر من ملكين، على خلاف بين المفسرين، مع اتفاقهم على أَن جبريل عليه السلام أَولهم. وكانوا في صور شبان حسان الوجوه.
وقد تقدمت قصتهم في سورة هود في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ" الآيات (1). وتأْتى في سورة الذاريات في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (2) ". الآيات.
(1) 69 - 83
(2)
من 29 - 37.
والقصة في هاتين السورتين أَكثر تفصيلا مما وقع في هذه السورة. والقرآن الكريم يكمل بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، ويتعين رَجْع بعضه إِلى بعض في القصة الواحدة. قال جل ثناؤُه:
52 -
(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ):
أَي اذكر أَيها الرسول حين دخل هؤُلاءِ الأَضياف على إِبراهيم وحيَّوه فقالوا سلامًا، أَي قالوا هذا اللفظ تحية له. أَي نسلِّم عليك سلامًا فقال ردًّا لتحيتهم عليكم سلام، إلا أَن الرد لم يذكر في هذه السورة اكتفاءً بذكره في سورتى هود والذاريات، كما لم يذكر مجيئه بالعجل السمين الحنيذ، أَي المشوى، اكتفاءً بذكره في السورتين كذلك.
وكان عليه السلام كريما غاية الكرم، وكان يقال له -فيما يؤْثر- أَبو الضَّيفان، ولا عجب فقد جاد بنفسه لربه الأَكرم .... والجود بالنفس أَقصى غاية الجود.
قال إِبراهيم عليه السلام لضيوفه لما امتنعوا عن الأَكل، وقد قدم إِليهم العجل:(إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ): أَي خائفون فزعون، لما جرت به العادة عندهم أَنه إِذا نزل بهم ضيف فلم يأْكل من طعامهم ظنوا أَنه لم يجيء بخير! لهذا نَكِرهم قبل أَن يُعلموه أَنهم رسل الله، وأَوجس منهم خيفة ثم صرح بخيفته فقال:"إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ". وفي سورة هود: "فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ"(1)
53 -
(قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ):
طمأَنت الملائكة إِبراهيم عليه السلام: إِذ قالوا له لا توجل أَي لا تخف ولا تفزع، ولكى يزبلوا خوفه بشروه بغلام عليم ليعلم سر مجيئهم إِليه، والمراد من كونه غلاما عليمًا أَنه يكبر ويكون عظيم القدر كثير العلم، وهو إسحق عليه السلام من امرأَته -واشتهر أَن اسمها سارَة- وقد بشروها أَيضًا بيعقوب من ورائه كما جاء في قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا
(1) الآية 70
بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (1) وفي هذه البشارة إِشارة إِلى إِبقاء الخليل وأَهله في سلامة وعافية زمانا طويلًا.
وأَما الغلام الحليم في قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) فالمراد به ابنه البكر إِسماعيل من جاريته هاجر وهو الذبيح. وتأتى قصة ذبحه في سورة الصافات (2).
المفردات:
(مَسَّنِيَ الْكِبَر ُ): أَي أَدركنى وأَصابنى كبر السنّ. (بِالحَقِّ): أَي بالأَمر الثابت المحقق.
(الْقَانِطِينَ): أَي اليائسين، من القنوط وهو اليأْس، والمراد اليأس من الولد.
(الضَّالُّونَ): أَي المخطئون طريق الصواب والحق.
التفسير
54 -
(قَلَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ):
أَي قال إِبراهيم عليه السلام للملائكة متعجبا من تبشيرهم إِياه بالولد مع كبر سنه وشيخوخته -وقد جرت العادة بعدم الولادة فيها- كيف تبشروننى بالغلام وأَنا على هذه الشيخوخة؟! ثم أكد عجبه فقال بصيغة الاستفهام التعجبى:
(1) هود: من الآية 71
(2)
سورة الصافات الآيات: 101 - 107
(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ): أي فبأي أُعجوبة تبشرونني؟! إن البشارة بما لم تجربه العادة! أمر يدعو إلى العجب.
55 -
{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)} :
أي قالت الملائكة مجيبين إبراهيم عليه السلام: بشرناك بالأمر المحقق الثابت الذي لا ريب فيه ولا لبس، فلا تكن من البائسين من خرق العادة لك؛ فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين: فكيف لا يخلقه من شيخ فان وعجوز عاقر؟ وكان تعجبه عليه السلام مما بشر به لمخالفته للعادة لا لأن الله تعالى لا يقدر على مثله فإنه يعلم من قدرة الله تعالى ما هو أعظم من ذلك؛ ولهذا قالت الملائكة له: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} : ولم يقولوا له: فلا تكن من الممترين أو الشاكين. ولهذا أيضًا:
56 -
{قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)} :
والاستفهام هنا إنكارى معناه النفي، أى لا ييئس من رحمة ربه إلا الخاطئون المنصرفون عن طريق الحق والصواب والمعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى ولا كمال علمه وقدرته.
ومراده عليه السلام نفي القنوط عن نفسه، وبراءته منه على أبلغ وجه وأكمله، أى ليس بي قنوط من رحمة ربي جل وعلا، وإنما الذى قلته، لبيان منافاة حالي وكبر سني لإنجاب الذرية عادة، وفي تعرضه عليه السلام لوصف الربوبية والرحمة ما لا يخفى من الجزالة.
ثم لم تكن هذه المحادثة بين الملائكة وإبراهيم خاصة؛ فقد اشتركت فيها امرأته أيضًا إذ قالت للملائكة ما حكى الله عنها في سورة هود: {يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} (1). ولم تُذكر محادثتهم مع امرأته هنا اكْتِفاءً بذكرها فى سورة هود، كما لم تذكر مع إبراهيم هناك اكتفاء بذكرها هنا. والكتاب العزيز -كما أسلفنا- يكمِّل بعضه بعضا، ويفسِّر بعضه بعضا، ويصدِّق بعضه بعضا، دون تناقض أو اختلاف.
وصدق الله إذ يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2).
(1) الآيتان: 72، 73.
(2)
النساء: من الآية 82.
المفردات:
(فَمَا خَطْبُكُمْ): أَي فما شأْنكم وأَمركم الخطير؟ قال الراغب: والخطب، الأَمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب.
(قَدَّرْنَا): قضينا أَو حكمنا، من التقدير بمعنى الحكم. (الْغَابِرِينَ): الباقين، يقال: غبر يغبُر غبورا: أَي بقى. (يَمْتَرُونَ): يَشُكُّون، من المرية بمعنى الشك، يقال: امترى في الأَمر وتمارى فيه، أَي شك.
التفسير
57 -
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
لما طمأَنت الملائكة إِبراهيم بأَنهم رسل الله وبشروه بالغلام العليم، ذهب عنه الروع واستأْنس بهم، لكنه عليه السلام تفرس فيهم أَنهم أَرسلوا لأَمر آخر خطير غير البشارة، إِذ كان حديثهم موجزا يشعر بأَن في هذا الإِيجاز كلاما مطويا، ثم أَنهم ذوو عدد والبشارة يكفى فيها واحد، ولهذا خاطبهم بعنوان الرسالة وصدر خطابه بالفاءِ بعد أَن كان خطابه
السابق مجردًا من ذلك، كأَنه قال: يبدو لى أَن لكم شأْنا آخر خطيرًا فما هو؟ وقد كانت إجابتهم مصدقةٌ لفراسته:
58 -
(قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ):
يعنون قوم لوط عليه السلام، فقد أَفحشوا غاية الفحش بإِتيانهم الرجال شهوة من دون النساءِ مع شركهم، ولهذا وصفوا بالإِجرام لأَنه دأْبهم، وجىءَ بهم بطريق التنكير ذمًّا لهم واستهانةً بهم.
أَي قالت الملائكة لإِبراهيم عليه السلام جوابا عن سؤاله: إنا أَرسلنا الله تبارك وتعالى إِلى قوم مجرمين.
وتتمة الجواب في سورة الذاريات: "لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ"(1).
إِلا أَنه أَوجز هنا اكتفاءً بما ذكر هناك، كما تقدم مثل هذا وكما يأْتى مرارًا، وهذا من دلائل حكمة الكتاب العزيز، حيث لا يطنب في مقام الإِيجاز.
أَي قال المرسلون لإِبراهيم عليه السلام، إِن الله تعالى أَرسلهم لإِهلاك المجرمين من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وتنجية غير المجرمين منهم فهم مستثنون من القوم المهلكين. ولذلك قالوا:
59 -
(إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ): والمراد من آل لوط من آمن به من قومه ولو كانوا من غير قرابته أَو أَصهاره، وقد استثنوهم من أَجل إِيمانهم، ولما كانت امرأَته كافرة ضالة، استثنوها من آل لوط فقالوا:
60 -
(إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ):
أَي حكمنا وقضينا قضاءً لا مرد له: بأَنها من الباقين في العذاب مع الكَفرة المهلكين، من أَجل كفرهم وجرمهم وكفرها معهم. وإِنما أَسند الملائكة التقدير والقضاء إِلى أنفسهم
(1) الآيتان 33، 34.
مع أَن الله تعالى هو الذي قدر وقضى لأَنهم هم المباشرون لإِنفاذ ما أَمر الله بإِنفاذه، كما تقول خاصة الملك نحن أَمرنا وفعلنا وإِن كان الآمر هو الملك.
وقوله سبحانه:
61 -
(فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61)):
شروع في بيان إِهلاك المجرمين، وتنجية آل لوط، مع تفصيل لما أُجمل في الاستثناءِ السابق؛ وذلك أَن الملائكة لما بشروا إِبراهيم بالغلام، وعرفوه بما أَرسلوا به، ساروا إِلى لوط وقومه فلما دخلوا على لوط وهم في صور شبان حسان الوجوه:
62 -
(قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ):
أَي لا أَعرفكم، فمنْ أَنتم؟ ولأَى أَمر جئتم؟ وإِنما قال ذلك لأَنهم ليسوا من أَهل الحضر، ولا تبدو عليهم آثار السفر. ويحكى الله سبحانه إِجابتهم للوط لكي يطمئنوه، ويعرفوه بما جاءَوا من أَجله؛ فيقول جل شأْنه:
63 -
(قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ):
أَي ما جئناك بما يسوؤك، بل جئناك بما فيه سرورك ونصرك على أَعداءِ الله وأَعدائك، وهو إِيقاع العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون أَي يشكون فيه ويكذبونك. وهذا كما حكى الله عنهم في شيءٍ من التفصيل الذي تقدم في سورة هود:"قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ"(1). ثم أكدوا بشارئهم بجملة من المؤكَّدات فقالوا:
64 -
(وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ):
أَي وجئناك بالأَمر المحقق المتيقن الذي لا مجال للامتراءِ والشك فيه وهو عذابهم، وإِنا لصادقون فيما أَخبرناك به، أَو في كل كلام نقوله؛ لأَنه من عند الله عز وجل فيكون كالدليل على صدقهم فيما أَخبروا به.
(1) من الآية: 81.
المفردات:
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ): أَي سر واذهب بأَهلك ليلًا، من أَسرى، وقرئ "فاسر" بهمزة الوصل من سرى، وهما بمعنى واحد. وقيل: أَسرى في السير أَول الليل، وسرى في السير آخره. (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ): أَي جزءٍ منه، أَو من آخره. (أَدْبَارَهُمْ): آثارهم.
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ): أَي أَوحيناه إليه. وأَصل القضاء الحكم. ولكنه ضمن معنى الإِيحاءِ فتعدى تعديته بإِلى. (دَابِرَ هَؤُلَاءِ): آخرهم. (مُصْبِحِينَ): داخلين في الصباح. وتأْتى صيغة "أفعل" للدخول في الشيءِ نحو أَشرق، أَنجد، وأَتهم (1). (وَلَا تُخْزُونِ): ولَا تُهِينونى، من الخزى، وهو الذل والهوان، أَو لا تخجلونى، من الخزاية، وهى الحياءُ والخجل.
التفسير
65 -
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ):
لما بشرت الملائكة لوطا عليه السلام بما أَرسلهم الله به، من إِهلاك المجرمين، وإِنجائه وإِنجاءِ أَهله إِلا امرأَته -أَمروه بما أَمر الله به وهو أَن يسرى بأَهله في جزءٍ من الليل أَو في آخره.
(1) أي دخل في الشروق والنجد وهو المكان المرتفع، والتهامة وهى المكان المنخفض.
والفاءُ لترتيب الأَمر بالإِسراءِ على الإِخبار برسالتهم. وهذا شروع في ترتيب مبادئ النجاة كى تم على ما قضى الله ودبَّر.
والمعنى: اذهب بأَهلك جزء من الليل أو في آخره، وكن في أَثرهم، لتطلع على أحوالهم، وتبعث الطمأْنينة فيهم.
(وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ):
أَي ولا يلتفت منك ولا منهم أَحد، لئلا يرى ما وراءَه من هول العذاب فلا يطيقه.
وقيل نهوا عن الالتفات، ليوطِّنوا أَنفسهم كل المهاجرة أَو المراد به النهي عن الإبطاءِ في السير فإِن الملتفت قلما يخلو من أَدنى وقفة.
ولم يذكر استثناءَ المرأَة من الإِسراء بأَهله وعدم الالتفات، اكتفاءً بما ذكر في آيات أُخر.
(وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ):
أَى واذهبوا إِلى المكان الذي أَمركم الله بالذهاب إِليه، وهو الشام -على ما روى عن ابن عباس والسُّدِّى- وقيل الأَرْدُنّ؛ وقيل مصر. وقيل موضع نجاة غير معيّن. والعلم عند الله تعالى. وأَيَّا كان الأَمر فالجملة تأْكيد للنهى عن الالتفات مع الإِسراع كالسير قُدُمًا امتثالا لأَمره تعالى. وربما كان معهم من يوجههم إِلى المكان الذي أُمروا أَن يذهبوا إِليه. أو عرفه الله إِياه والطريق الموصل إِليه، والله تعالى أَعلم.
66 -
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ):
أي وأَوحينا إِلى لوط قضاءَ ذلك الأَمر الذي حكمنا به على قومه حكمًا لا مردَّ له، وهو عذاب الاستئصال الذي فسره سبحانه بقوله:
"أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ"، وفي إِبهام الأَمر أَولا وتفسيره ثانيا بما ذكر أَكبر دلالة كل فظاعته وشدة شناعته. والمعنى أَنهم يُسْتأْصلون عن آخرهم وهم داخلون في وقت الصباح فلا يبقى منهم أَحد. وقوله تعالى:
67 -
(وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ):
شروع في بيان ما صدر من القوم عند وقوفهم على مكان الأَضياف. والمراد بالمدينة مدينة قوم لوط -وتسمى سدوم- وبأَهلها أُولئك القوم المجرمون.
والمعنى: وجاء أَهل المدينة منزل لوط عليه السلام مستبشرين فرحين، وذلك أَن الرسل لما نزلوا على لوط ظهر أَمرهم في المدينة وقيل إِن امرأَته أَخبرتهم بذلك فجاءُوا إِلى داره طمعا في أُولئك الأَضياف الغرباءِ الحسان، فلما خشى منهم على أَضيافه ولم يكن يعلم أَنهم رسل الله:
68 -
(قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ):
أَي إِن هؤُلاءِ أَضيافى فحق عليّ أَن أَبذل الوسع في إِكرامهم، وحق عليكم أَن تعينونى في رعايتهم وحمايتهم، فإِن لم تفعلوا فلا أَقل من أَن تتركوهم ولا تتعرضوا لهم بسوءِ، حتى لا يفهموا أَنه ليس لى عندكم قدر ولا حرمة وتلك فضيحة لى، ومعرة علىَّ، أَو فلا تفضحونى بفضيحة ضيفى؛ فإِن من أُسيءَ إِلى ضيفه فقد أُسيء إِليه!
ثم أَكد طلب الكف عن الإِساءة إِليهم إِذا لم يكونوا أَهلا للإحسان فقال ما حكاه الله سبحانه عنه بقوله:
69 -
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ):
أَي واتقوا الله في تعرضكم لما يسوءُنى، فلا ترتكبوا فاحشتكم في ضيفى فتوقعونى في الذل والخزى أَمام الأَضياف، فإِن ذلك أَجلب للعار والفضيحة عَلىّ!
غير أَن الخبث والانحراف عن الفضيلة كان متأَصلا فيهم، وكلمة العذاب حقت عليهم ومن أَجل ذلك:
70 -
(قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ):
أَي ألم نتقدم إِليك بعدم ضيافة الشبان وحمايتهم ولم ننهك عن العالمين، فلماذا خالفتنا وآويت هؤُلاءِ الشبان، وجعلتنا نحضر إِليك ونطلبهم منك، يعنون أَننا قد نهيناك فعلا عن ذلك. فكأَنهم -أَخزاهم الله- قالوا ما ذكرته من العار والفضيحة إِنما جاء من
قبلك لا من قبلنا، إِذ لولا تعرضك لما نتصدى له لما اعتراك ما يسوءُك؛ وكانوا يتعرضون لكل أَحد من الغرباء بالسوءِ، فكان عليه السلام ينهاهم عن ذلك بقدر وسعه وكانوا ينهونه جاهدين أَن يضيف أَحدًا أَو يُجيره.
ولما رآهم عليه السلام مصرين على مُنكرِهم لا يقلعون عنه، وأَن نصحه ذهب هباءً:
71 -
(قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ):
يعني ببناته نساءَ قومه، فإِن نبى كل أُمة بمنزلة أَبيهم؛ أَو يعني بناته حقيقة، أَي فتزوجوهن وقد كانوا يطلبونهن فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءَتهم، لا لعدم مشروعية الزواج بين المسلمات والكفار؛ فإِنه كان جائزًا كما هو مبين في المطولات.
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ): أَي إِن كنتم راغبين في قضاءِ الشهوة فاقضوها بالطريق المشروع الذي أَحله الله وهو الزواج؛ فإنه أَطهر لكم وأَكرم. دون الطريق الخبيث المحرم، أَو إن كنتم فاعلين ما أَشرت به عليكم من التزوج، فهؤُلاء بناتى فتزوجوا منهن.
وكان مجىءُ هؤلاءِ المجرمين إِلى منزل لوط عليه السلام وما دار بينه وبينهم، من نصحه لهم ومجادلتهم له -كان مجيئهم هذا قبل أَن تُعلمه الملائكة بأَنهم رسل ربه، ويأَمروه بأَن يسرِىَ بأَهله، على ما تقدم بيانه في سورة هود في قوله تعالى:"وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا"(1) إِلى قوله عز سلطانه: "قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ".
وإِنما أُخِّر ذكر مجيئهم هنا وما تبعه من المجادلة، وقُدم عليه ذكر ما كان بينه وبين الرسل من المقاولة -على خلاف الترتيب الواقعى- للمسارعة إِلى ذكر بشارة لوط عليه السلام بإِهلاك قومه وتنجية آله عقب ذكر بشارة إِبراهيم عليه السلام بهما. ولم يراع في النظم الكريم الترتيب الواقعى، ثقةً بمراعاته في مواقع أُخر. والواو للعطف، ولكنها لا تقتضى الترتيب، ولا سيما إِذا دل الدليل على خلافه.
(1) سورة هود الآية 77 - إِلى الآية 81
المفردات:
(لَعَمْرُكَ): أَي لحياتك، وهى صيغة قسم معناها أَقسم بحياتك. والعَمر بالفتح هو العُمر بالضم، ولكنه بالفتح اختص بالقسم للخفة وكثرة دورانه كل الأَلسنه.
(سَكْرَتِهِمْ): أَي غفلتهم الشديدة التي أَشبهت السُّكر فجعلتهم كالسكارى .... أَو ضلالتهم كذلك.
(يَعْمَهُونَ): يترددون ويتحيرون، من العَمَه، وهو في البصيرة كالعمى في البصر نعوذ بالله تعالى منه!
(الصَّيْحَةُ): الصوت الشديد المزعج. والمراد به العذاب الذي أَهلكهم الله به. كما نقله ابن المنذر عن ابن جريج، وكل شيءٍ أَهلك به قوم صيحة وصاعقة!
(مُشْرِقِينَ): داخلين في وقت شروق الشمس. (سِجِّيلٍ): طين متحجر.
(لِلْمُتَوَسِّمِينَ): للمتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيءِ بِسمَتِهِ وعلامته.
(أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ): أَصحاب الْغَيْضَة وهى جماعة الشجر الكثيف الملتف. والمراد بها البقعة الكثيرة الأَشجار المثمرة.
(لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ): لفى طريق بيّن واضح يؤتمُّ به.
التفسير
72 -
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ):
قيل: هذا قسم من الله تبارك وتعالى بحياة نبيه لوط عليه السلام: إِن قومه لفى غفلة غامرة، وضلالة منكرة، جعلتهم كالسكارى يتحيرون ويترددون، فكيف يستمعون للنصح، أَو يستجيبون لداعى الهدى وهم في غوايتهم يتخبطون؟! والمقصود من القسم تأْكيد جهالتهم بعاقبة إِعراضهم وغفلتهم، وقيل هو قسم من الملائكة بأَمر الله تعالى على تقدير القول، أَي قالت الملائكة للوط عليه السلام:"لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" غافلون عما يصبِّحهم من عذاب قريب لا ريب فيه، كما قال تعالى:"إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ"(1). وقال قوم إِنه قسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن جرير وابن كثير وجمهور من المفسرين، وعلى رأْسهم ابن عباس، حيث قال: ما خلق الله وما ذرأَ وما برأَ نفسًا أَكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أَقسم بحياة أَحد غيره (2). وعلى هذا تكون الضمائر في قوله:" إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" عائدة على قريش، غير أَن القسم بجياة لوط عليه السلام أَنسب بسياق القصة ولا ضرورة تدعو إِلى أَن يكون القسم هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم. فالله جل شأْنه يقسم بما شاءَ على ما شاء، لحكم وأَسرار، والحكمة هنا تكريم لوط وبيان حسن منزلته عند ربه وإِن لم يستجب له قومه، فقد بذل في هدايتهم غاية الجهد، ولكنا نهينا أَن نحلف بغير الله تعالى أَو باسم من أَسمائه أَو صفة من صفاته، كما قدمنا في تفسير قوله سبحانه:
(1) سورة هود من الآية 81
(2)
في كتاب: التبيان في أقسام القرآن لابن القيم تأييد لهذا القول ورد لما سواه.
"لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ (1) " الآية. قال صاحب الفتح: قال العماءُ: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أَن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إِنما هي لله وحده
…
ولما أَفادت الآيات السابقة أَن قوم لوط بلغوا من الإِجرام حدًّا لا ينفع معه نصح ولا إِنذار ذكر سبحانه عاقبه إِجرامهم فقال:
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ): الفاءُ في قوله تعالى: "فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ" للإِشارة إِلى أَن عذابهم بالصيحة جاء عقب إِخبار لوط بأَن قومه في سكرتهم يعمهون.
والمعنى: فبعد ما أُخْبِرَ لوط بغفلة قومه عما أَعده الله لهم من العقاب على فاحتشهم، أَخذتهم صاعقة العذاب الهون وهم مشرقون -أَي داخلون في وقت شروق الشمس، ويجمع بين قوله تعالى:"وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ" وبين قوله هنا "مُشْرِقِينَ" بأَن ابتداءَ عذابهم كان عند الصبح، وانتهاءَه كان عند الإشراق.
ثم بين سبحانه صفة العذاب المدمر الذي أُحيطوا به قال:
74 -
(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ):
أَي فجعلنا عالِىَ مدينتهم، أَو عالى قراهم سافلها، بأَن دمرناها عليهم وقلبناها فوقهم، وأَرسلنا عليهم طينًا متحجرًا كالمطر المتتابع: أَنزلناه قبل القلب أَو في أَثنائه ليصيب الشذاذ المتفرقين، فلا ينجر منهم جميعًا أَحد. وفي سورة الذاريات: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ" (2). ولا ريب أَنها حجارة صنعت من طين لا يعلم كنهه إِلا علام الغيوب والطين إِذا تحجَّر سُمِّى سِجِّيلا!
(1) سورة المائدة من الآية: 89
(2)
الآية: 33
ثم دعا سُبحانه إِلى النظر والاعتبار بما أَصاب هؤلاءِ المجرمين فقال:
75 -
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ):
أَى إِن فى ذَلكَ العذاب الذى أَحاط بقوم لوط فدمَّرهم لعلامات بينةً على أَخذ الله للمجرمين. يعرفها أَهل الفطانة الذين يدركون الأُمور بسِماتِها وعلاماتها. فيستدلون بها على حقائق الأَشياء، ويعتبرون بما يحدث فى الكون من عظات وعبر!
وفى الآية تنويه بالفِراسة والمتفرسين. وفي تفسير ابن كثير عن أَبي سعيد مرفوعًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فِراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" رواه الترمذى وابن جرير. وأَصدق الناس فِراسة أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإِحسان. قال ابن القيم: وكان الصديق رضى الله عنه أَعظم الأُمة فِراسةً، وبعده عمر ابن الخطاب رضى الله عنه (1)
ثم بين سبحانه بيانا مؤكدًا أَن مدينة قوم لوط لا تزال توحى بالعبرة والعظة فقال:
76 -
(وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ):
أَى إِن هذه المدينة، أَو القرى -يعني آثارها- لفى طريق باق ثابت يسلكه الناس يومئذ فيرونها رأْى العين ليعتبر بها أُولو الأَبصار والبصائر، وفى سورة الصافات:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)} . (2) والخطاب لأهل مكة.
ثم حث المؤمنين على النظر مؤكدًا فقال:
77 -
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ):
أَى إِن فيما ذكر من قصة قوم لوط وما حل بهم لعلامةً عظيمة للمؤمنين بالله ورسوله فإِنهم الذين يعرفون أَن ما حاق بهم من العذاب وَجَعْلِ ديارهم خاويةً بلاقع، إِنما حل بهم لسوءِ صنيعهم، وأَما غيرهم فهم غارقون فى غوايتهم فلا يفكرون فى الآيات ولا يعرفون سبيل
(1) انظر كتابه:" مدارج السالكين، بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".
(2)
الآيتان: 137، 138
الهدى. وإفراد لفظ (الآية) هنا وجمعها فيما سبق لأن المشار إليه هنا مجمل وهو كونها بسبيل مقيم، والمشار إليه قبل ذلك مُفَصَّل حيث ذكرت قصة إهلاكهم وتدمير قراهم بسبب فاحشتهم، ثم ساق سبحانه نبأ أصحاب الأيكة مجملا فقال:
78 -
{وَإِنْ (1) كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78)} :
أى وإن الشأن والخبر كان أصحاب الأيكة لظالمين لأنفسهم، وأصحاب الأيكة قوم أُرسل إليهم شعيب، والأيكة الشجرة الملتفة المتكاثفة، وكانت عامة شجرهم المقل الذي عبر عنه بالأيكة. فنسبوا إليها. وكانت قريبة من مدين قرية شعيب. ولما ظلموا أنفسهم بالشرك ومختلف المظالم أرسل الله إليهم شعيبًا كما أرسله إلى قومه أهل مدين. ولذا قال سبحانه فى كل من السور الثلاث، الأعراف، وهود، والعنكبوت. {وإلىَ مَدْيَن أخَاهُمْ شُعيبًا} (2)، الآيات. وقال في سورة الشعراء:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} . إلى قوله عز من قائل: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (3). وجملة القول أَن شعيبًا عليه السلام، أُرسل إلى أُمتين عذبتا بعذابين. كما قال ابن جرير وغيره وهو ظاهر الكتاب العزيز.
ويبدو أنهم فاقوا أهل مدين في الشرك والطغيان والاستهزاء والبهتان. ولذا كان عذابهم بيوم الظلّة أشد من عذاب أهل مدين بالصيحة والرجفة وهي الزلزلة كما يعرب عنه قوله سبحانه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (4)، حيث أكد سبحانه أنه كان عذب يوم عظيم. روى غير واحد عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه جل شأنه سلط عليهم
(1) أي وإنه "كان أصحاب الأيكة لظالمين" فإن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والأصل وإنه. أي وإن الحال والشأن كان أصحاب الأيكة الخ، ولذا وقعت اللام الفارقة في الجملة التي بعدها لكونها في محل رفع خبر إن هذه، وسميت هذه اللام (اللام الفارقة) لأنها فرقت بين إن المؤكدة التي تنصب الاسم وترفع الخبر بعد أن خففت نونها بالسكون وبين إن النافية المشبهة لها في سكون النون.
(2)
الأعراف أول الآية: 85 - وهود أول الآية: 84 - والعنكبوت أول الآية: 36.
(3)
الشعراء: الآيات من 176 - 189.
(4)
الشعراء الآية (189).
الحر سبعة أَيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيءٌ. ثم بعث سبحانه عليهم سحابه فجعلوا يلتمسون الروح (1) منها فبعث عليهم منها نارًا فأكلتهم فهو عذاب يوم الظلة. وقوله سبحانه:
79 -
(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ):
مرتب على ظلمهم الذي تجاوز كل ظلم، وإِبهام نوع الانتقام هنا ثم تفسيره في سورة الشعراءِ بعذاب يوم الظلة دليل على شدة هوله وعظمه. وقد قلنا مرارًا إن الكتاب العزيز يفسر بعضه بعضا، وضمير التثنية في قوله تعالى:"وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ"، قيل أَنه يعود إِلى الأَيكة ومدين. لأَنه لما كان رسولهما واحدًا هو شعيب عليه السلام كان ذكر أَحدهما منبهًا على الآخر، والظاهر أَنه يعود إِلى مسكنى قوم لوط وأَصحب الأَيكة - قال الآلوسى: وإِلى ذلك ذهب الجمهور. أ. هـ. ويؤيده أَنهما تقدما في الذكر. وقد أُضْمِر سابقًا قرية قوم لوط بضمير المفرد في قوله: "وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ". وأَضمر لها وللأَيكة هنا بضمير المثنى حيث قال تعالى: "وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ". ولعل هذ التكرير العبرة والعظة بما يصيب القوم المجرمين. والإِمام المبين هو الطريق البين الواضح الذي يأْتم به ويهتدى الغادى والرئح.
(1) الروح: يعني الراحة.
المفردات:
(الْحِجْرِ): واد بين المدينة المنورة والشام. (أَصْحَابُ الْحِجْرِ): هم ثمود وقوم صالح عليه السلام، ويسمون عاد الثانية. وأَصل الحجر كل ما أُحيط بالحجارة ومنه حجرُ الكعبة.
(الصَّيْحَةُ): الصوت الشديد المزعج. والمراد منها الرجفة التي أُهلكوا بها كما سيأْتى بيانه.
التفسير
80 -
(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ):
هذا شروع في قصة أَصحاب الحجر، قوم صالح عليه السلام، وهى من القصص التي لا تزال آثارها ناطقة بالعبرة والعظة لمن يمر بها. والحجر هوالوادى الذي كانوا يسكنونه. ولا يزال معروفا بين المدينة والشام، وقد كان يمر به راكب الحجاز إلى الشام، ذاهبين وعائدين. وقصتهم هنا مجملة وفي مواطن أُخرى ذكرت مفصلة. وإِليك موجزا في بيان قصتهم التي أَجملتها هذه الآيات:
أَرسل الله إِليهم صالحا فكذبوه فكانوا بتكذبيه مكذبين للرسل أَجمعين؛ لاتفاق كلمتهم على التوحيد والأُصول التي لا تختلف باختلاف الأُمم والأَعصار. ولذلك حكى الله سبحانه تكذبيهم بقوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ).
81 -
{وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} :
أي وأعلمناهم بحججنا البالغة الدالة على صدق صالح عليه السلام فيما دعاهم إليه من عبادة الله وحده، والإيمان برسالته. وكانت الناقة إحدى آيات الله البينات: في شربها ودرِّها على خلاف غيرها من النياق؛ ولذلك أضافها صالح إلى الله تعالى حين قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1). فكانوا عن هذه الآيات كلها معرضين، بل مكذبين معاندين.
82 -
{وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} :
أى ومكنَّاهم فى الأرض وجعلناهم أُولي قوة ومنَعَة، وحضارة ومهارة، وحذْقٍ بفنون البناء والعمارة، حتى كانوا يتخذون من جبالها بيوتًا حصينة، حيث كانوا يقطعون حجارتها وينحتونها تسوية لها، ثم يبنون بها قصورهم ليعيشوا فيها آمنين عليها من الهدم، وعلى أنفسهم من العدوان والسوء؛ لقوة بنائها وبديع إحكامها؛ أو آمنين من العذاب لحسبانهم أن الحصون التي بنوها تحميهم منه -وكانوا يتخذون من سولها قصورًا عظيمة فى جنات وعيون
…
وقد ذكَّرهم بذلك نبيهم صالح عليه السلام فيما حكى الله عنه فى سورة الأعراف إذ قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (2) وفي سورة الشعراء إذ قال. {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (3). لكنهم طغوا وبغوا وجحدوا بآيات الله ورسالاته: {وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (4).
وفي سورة هود: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (5).
(1) سورة الأعراف من الآية: 73.
(2)
الآية 74.
(3)
الآيات من 146 - 149.
(4)
الأعراف من الآية: 77.
(5)
الآية: 78.
وفي سورة الأَعراف: "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ"(1).
والرجفة هي الزلزلة، والصيحة من توابعها، فإِن الزلزلة تحدث تموجًا في الهواء شديدًا يفضى إِليها. وكانت صيحة هلاكهم في صباح اليوم الرابع بعد تمتعهم ثلاث أَيام كما أَوعدهم الله على لسان نبيهم صالح عليه السلام في سورة هود:"فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ"(2).
والفاء في قوله تعالى:
84 -
(فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
لترتيب عدم الإِغناء والنفع، على ما أَصابهم حين نقول بهم قضاء الله الذي لا مرد له.
والمعنى: فما دفع عنهم وما منعهم من عذابه تعالى ما كانوا يكسبونه من تحت البيوت الوثيقة وجمع الأَموال الوفيرة، مع كثرة العدَد والعُدد، بل خروا في ديارهم هلكى خامدين كأن لم يكونوا بالأَمس.
هذا، وقد روى الشيخان وغيرُهما عن ابن عمر رضى الله عنهما أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأَصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إِلا أَن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أَن يصيبكم مثلُ ما أَصابهم. ورويا معنه أَيضًا أَن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر أَرض ثمود في غزوة تبوك، أَمرهم ألا يشربوا من مائها ولا يستقُوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها واستقينا! فأَمرهم أَن يطرحوا العجين ويهريقُوا ذلك الماء. وفي رواية: فأَمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَن يُهريقوا ما استقوا من بئرها وأَن يَعلفوا الإِبل العجين، وأَمرهم أَن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. قال العلماءُ: وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم موضع هذه البئر من طريق الوحى.
(1) من الآية: 65.
(2)
من الآية: 65.
المفردات:
(بِالْحَقِّ): أَي بالأَمر الثابت الذي يحق لنا أَن نخلق السماوات والأَرض عليه طبقا لمقتضى الحكمة والمصلحة.
(السَّاعَةَ): أَي القيامة، وسميت بالساعة، لأَنها تفجؤهم في ساعة لا يعلمونها.
(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ): أَي فأَعرض عنهم الإِعراض الجميل، أَوفاعف عنهم العفوالجميل الذي لا لوم فيه ولا تثريب. (الْمَثَانِي): جمع مثْنَى من ثنى الشيءَ يَثْنِيه إِذا أعاده؛ أَوجمع مُثنية من الثناءِ، بحذف الزوائد، لما فيها من الثناءِ على الله تعالى.
(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ): لا تطمح بنظرك طموح راغب. وسيأْتى بيان ذلك.
(أَزْوَاجًا): أَي أَصنافا، جمع زوج أَي صنف.
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ): أَلِن جانبك وتواضع، والجناحان من الإِنسان جانباه.
التفسير
85 -
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ .... ) الآية ..
لما قص الله تبارك وتعالى من أَنباء المكذبين لرسلهم ما فيه عبرة وتذكرة - نبه بذكر هذه الآية الكريمة على حكمته البالغة في إِهلاكهم؛ حيث بين أَنه ما خلق السماوات والأَرض
وما بينهما ذلك الخلق البديع المحكم، إِلا بالحق وهوأَن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا، فلما جحدوا آياته، وأَشركوا به، وكذبوا رسله، وعثوا في الأَرض فسادا - قضت عدالته وحكمته بأَن يهلكهم ويهلك أَمثالهم، دفعًا لفسادهم، وتطهيرًا للأَرض من شرورهم، وإِرشادًا لمن بقى إِلى الصلاح والإِصلاح. حذرًا من أَن يصيبهم مثل ما أَصابهم.
هذا جزاؤُهم في الدنيا، وقد أَشارت إِليه الجمله الأُلى من الآية الكريمة، وأَما جزاؤهم في الآخرة فموعدهم فيه الساعة؛ وإليه تشير الجملة الثانية من الآية، وهى قوله:
(وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ): لا ريب فيها؛ فينتقم الله لرسله، جزاءَ ما كُذِّبوا وأُوذوا.
هذا، وفي تلك القصص وما ختمت به تسلية كريمة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإِنه صلوات الله وسلامه عليه، إِذا سمع من ربه أَن الأُمم السابقة كانوا يعاملون أَنبياءَهم هذه المعاملة القاسية، هان عليه تحمل سفاهة قومه وأَذاهم، وسهل عليه أَن يعفوَ عنهم عفوًا كريما لا لوم فيه ولا تثريب، وهذا هوالصفح الجميل الذي أَمره الله به إِذ قال:
(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ): كما روى عن على وابن عباس رضى الله عنهم في تفسير الصفح الجميل، وفي أَمره صلى الله عليه وسلم بالصفح الجميل إِشارة كريمة إِلى تركهم لله تعالى، وأَن يتذرع بالصبر الجميل، حتى يأْتي وعد الله وما قضاه في شأْنهم في الدنيا والآخرة، وأَن يصفح عنهم فلا يحمل نفسه ما لا يطيق من الضيق بكفرهم، ولا تذهب نفسه عليهم حسرات.
ثم كرر سبحانه هذا المعنى وزاده توكيدًا فقال:
86 -
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ):
أَي إِن الله الذي رباك بنعمه، وتولاك بفضله وكرمه هوالخلاق لك ولهم، العليم بأَحوالك وأَحوالهم، وبما جرى بينك وبينهم، فخليق بك أَن تكل الأُمور إِليه، فهوالحكم العدل الذي يجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم، وقد علمت أَن الصفح الجميل
أَولى بك إِلى أَن يحكم الله بينك وبينهم وهوخير الحاكمين. ثم امتن سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بالمنة العظمى، وهى إِنزال القرآن عليه فقال:
87 -
(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ):
أَي ولقد أَنعمنا عليك إِذ أَنزلنا إِليك فاتحة الكتاب، وهى سبع آيات تُثنَّى وتكرر في الصلوات الخمس وغيرها ويُثنى بها على الله عز وجل؛ وهى القرآن العظيم.
وتخصيص الفاتحة بالذكر واعتبارها القرآن الكريم؛ لمزيد فضلها ورفيع مكانتها، ولاشتمالها على مقاصد القرآن كله.
وقد روى البخاري (1) عن أَبي سعيد بن المعلَّى أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وهما في المسجد: لأُعَلِّمنَّك سورة هي أَعظم السور في القرآن
…
الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أُوتيته.
وروى البخاري أَيضًا عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُم القرآن هي السبع المثانى والقرآن العظيم".
فكل من هذين الحديثين الصحيحين نص صريح في أَن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى وأَنها القرآن العظيم. والقرآن كما يطلق على الكتاب العزيز كله يطلق عل بعضه.
وذكر المفسرون جملة أَقوال أُخرى في المراد بالسبع المثانى، أَصحها وأَقواها ما رُوى عن جمع من الصحابة والتابعين، وفي مقدمتهم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير رضى الله عنهم، إِذ قالوا، إِنها السبع الطُّول (2) أَطول سور القرآن الكريم كله: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأَنعام والأَعراف، والسابعة الأَنفال وبراءَة، فهما عندم سورة واحدة ولذا لم يفصل بينهما بالبسملة.
(1) في أول كتاب التفسير: باب ما جاء في فاتحة الكتاب
…
ثم في قوله تعالى: "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم" من تفسير سورة الحجر.
(2)
جمع طولى مؤنث أَطول.
وذكر ابن كثير أَن النص الصحيح على أَن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى، لا يمنع عن وصف السبع الطول بما اتصفت به الفاتحة. بل لا يمنع من وصف القرآن كله، بأَنه مثانٍ، وقد قال تعالى:"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ"(1).
ولما كان متاع الدنيا وإِن عظم، شيئًا ضئيلا حقيرا بالقياس إِلى ما أَنعم الله به على نبيه من نعمة القرآن الكريم - نهاه أَن يطمح ببصره طموح راغب في هذا المتاع فقال:
88 -
(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ
…
) الآية.
أَي لا ترغب في متاع الدنيا وزخرفها مما متعنا به أَصنافا من الكفرة المشركين وأَهل الكتاب؛ واستعن بما آتَاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (2).
وكان صلى الله عليه وسلم يود أَن يؤْمن كل من بعثه الله إِليهم، ويشق عليه - لمزيد شففته - بقاءُ الكفرة على كفرهم فقال الله له رحمة به:
(وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) كقوله: "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"(3) أَي لا تحزن ولا تتحسر إِذا لم يؤْمنوا فما عليك إِلا البلاغ وقد بلغت، فلا تبال بهم بعد ذلك.
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ): أَي تواضع لمن اتبعك من المؤمنين وارفق بهم واصبر نفسك معهم. فإِنهم أَولى بك من أُولئك الجاحدين، وإِنك بالمؤمنين رؤوف رحيم.
(1) سورة الزمر من الآية: 23
(2)
سورة طه الآية: 131
(3)
سورة فاطر من الآية: 8
(النَّذِيرُ الْمُبِينُ): المنذر الموضح لما ينذر الناس به ويهديهم إِليه.
(عِضِينَ): أَي أَعضاء وأجزاء متفرقة كل فرقة عِضة، يقال عضَّى الشَّىءَ تعضية إِذا فرقه وجزَّأَه.
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أَي فاجهر بما تؤمر به وأَظهره، يقال صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أَو افرُق بين الحق والباطل، من الصدع بمعنى الشق.
(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ): أَي تولينا إِهلاك المستهزئين يقال: كَفَيْتَ فلانًا المؤنة إِذا توليتها ولم تحوجه إِليها.
التفسير
89 -
(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ):
امْتنَّ الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الآيتين السابقتين بأَنه آتاه سبعا من المثانى والقرآن العظيم وأَوصاه بوصايا ثلاث:
"أولاها": أَن لا تطمح نفسه إِلى مثل مَا أَوتيه أَصناف من الكفار من المال والجاه فإِن القرآن أَعظم من هذا كله، فهوعز الدنيا والآخرة "والوصية الثانية" أَن لا يحزن عليهم بسبب انصرافهم عن الهدى الذي جاءهم به "والوصية الثالثة" أَن يتواضع للمؤمنين ويخفض جناحه لهم ليشتد حبهم له، واستمساكهم بدعوته والتفافهم حوله، فهم خير له من هؤلاء المترفين المستكبرين، وقد مرَّ الكلام على هاتين الآيتين وجاءَت هذه الآية مشتملة على وصية رابعة، وهي أَن يقول لجميع الناس إِنه هوالنذير الموضح لما أَنزله الله عليه من أَجلهم، من السبع المثانى والقرآن العظيم، وفي جملة ما يوضحه لهم ما أَنذرهم فيه من العقاب على مخالفتهم أَوامر ربهم، حيث يبين دواعيه وبراهينه، وإِنما اقتصر على الإِنذار مع أَن الله أَرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا؛ لأَن المؤْمنين كانوا يومئذ قلة والكافرين كثرة، ولأَن المقام مقام تحذير وتخويف، وفي الصحيحين عن أَبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أَتى قومه فقال يا قوم، إِنى رأَيت الجيش بعينى وإِنى أَنا النذير العُريان، فالنجاء النجاء، فأَطاعه طائفة من قومه فأدْلَجُوا وانطلقوا عَلَى مَهَلِهِم فنجوا، وكذَّبه طائفة منهم فأَصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأَهلكهم واجتاحهم فذلك مثلُ من أَطاعنى واتَّبع ما جئت به، ومثلُ من عصانى وكذب ما جئت به من الحق".
90 -
93 - (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)).