الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} : أي فوجب عليها القول، أي فوجب عليها الوعيد بالعذاب.
{فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} : التدمير: الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء.
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا} : كم خبرية للتكثير أَي وكثيرا أَهلكنا.
{مِنَ الْقُرُونِ} : جمع قرن وهو من الزمان مائة سنة، والمراد من القرون أَهلها.
التفسير
16 -
بينت الآية السابقة أن عاقبة الهدى لا تعود إلا على المهتدي، وعاقبة الضلال لا تتعدى صاحب الضلال، فلا تحمل نفس وزر نفس أخرى كما لا تثاب نفس فاسقة بطاعة نفس أخرى وأنه تعالى لا يعذب أمة حتى يبعث إليها رسولا ينصحها ويرشدها فتستمر على ضلالها وجاءت هذه الآية لتؤَكد سابقتها، ببيان أَن الله تعالى جرت سنته أن لا يهلك قرية بعد بعث الرسول إِليها، حتى يأمر رؤساءها بطاعته ليستقيم أمر العامة فيها، فإذا لم تستجب دمرها تدميرا.
والمعنى: إذا شئنا إهلاك قرية أعرضت عن رسولها، فإننا لا نكتفي بما علمناه أَزلا من انطماس بصيرة أهلها وجحودهم، ولا بمقابلة رسولهم بالتكذيب والكفر، بل نخص المترفين فيها بتكرار أَمرهم بطاعة ربهم، لأنهم أئمة الضلال وسبب فساد العامة، ولكى تسقط حجتهم يوم حساب ربهم، فاستمر فسقهم فيها ومن ورائهم عامتهم، فحق عليها وعيد ربهم بعذاب الاستئصال الدنيوى، فدمرها الله تدميرا هائلا، حيث أهلك أولئك الفاسقين المتمردين واستأصلهم بما شاءه الله من أَسباب الاستئصال، فصارت قريتهم بعدهم خرابًا، وانطمست معالمها.
رأى الزمخشري
يرى الزمخشري أَن الآية فيها استعارة تمثيلية، وخلاصة المعنى عليها: وإذا أردنا أن نهلك قرية كفر أهلها وعصوا وأصروا علي ذلك، أَمددناهم بالنعم وأترفناهم في الحياة،
استدراجًا لهم، فكان هذا الاستدراج بالنعمة كأنه أَمر لهم بالفسق، ففسقوا فيها فحق الوعيد بتعذيبهم فدمرناها تدميرا.
والمعنى الأول، أوضح وأظهر، وأساسه ما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن من أَن المراد بأمر مترفيها أمرهم بالطاعة، ولذا قال تعالى في مقابله:{فَفَسَقُوا فِيهَا} أَي قابلوا الأمر بالطاعة بالفسق.
17 -
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} : والقرن زمان طويل، وأشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، وقد جاءَ في حديث أنه صلى الله عليه وسلم (دعا لرجل فقال:"عِش قرنًا" فعاش مائة سنة) ويجمع القرن على قرون والمراد منها أهلها لاقترانهم في زمان واحد.
والمعنى: وكثيرا ما أَهلكنا من الأمم المقترنة، كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن جاءوا بعد قوم نوح واستأصلناهم كما استأصلنا قوم نوح، وقد قصصنا عليك يا محمد أخبار بعضهم، ولم نقصص أَخبار غيرهم وكان إِهلاكهم لكفرهم وتكذيبهم لرسلهم، وكفى بربك بذنوب عباده الخفية والظاهرة خبيرًا بصيرا، أي عالمًا بدقائقها محيطًا بتفاصيلها فيعاقبهم عليها، فلا تبتئس يا محمد بما صنع قومك معك، فسوف نعاقبهم كما عاقبنا من قبلهم إِن أصروا على كفرهم، وإِنما قال من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم، لأن نوحًا أول رسول آذاه قومه فاستأصلهم الله بعذاب الطوفان، ولظهو رحال قومه لم يذكروا ضمن الأمم المهلكة، على أن ذكره رمز إِليهم وإِلى ما حدث لهم وقدم "خبيرًا" على "بصيرًا" لتقدم متعلقه من الاعتقاد والنِّيات تقدمًا وجوديًا ورُتبيًا، فإِنها مبادئ الأعمال الظاهرة قال صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الأعمَالُ بالنيات" الحديث.
المفردات:
{الْعَاجِلَةَ} : أي الدار العاجلة، والمراد بها الدنيا. {يَصْلَاهَا}: بدخلها ويقاسي حرها.
{مَدْحُورًا} : مطرودا مبعدا من رحمة الله. {كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} : كان عملهم للآخرة مقبولا من الله مجزيا منه بحسن الثواب، وأصل معنى السعي: المشي السريع - وهو دون العَدو- يستعمل في الجد في الأمر خيرا كان أو شرا، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة - كما قال الراغب - {مَحْظُورًا}: ممنوعًا.
التفسير
18 -
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} :
بين الله قبل هده الآية أنه تعالى لا يهلك أُمة عاصية إلا بعد أن يبعث إليها رسولا يأمر مترفيها أن يتركوا ما هم عليه من الكفر والمعاصي حتى تستقيم عامتهم، وأنهم إذا أصروا علي فسقهم دمرهم واستأصلهم، وأنه قد أجرى هذه السنة في كثير من القرى والأُمم من بعد نوح، وجاءت هذه الآية وما بعدها لتبين سنة أخرى لله تعالى في جزاء الناس على أعمالهم، فمن قصد بعمله دنياه وحدها، أعطاه منها ما تعلقت به مشيئته، ولكنه معاقب في الآخرة، ومن قصد بعمله أُخراه وكان مؤمنا أُثيب أحسن الثواب في أُخراه.
والمعنى: من كان يقصد بعمله منافع هذه الدار العاجلة، من الاستمتاع بما فيها من المتع واللذائذ والذكر الحسن بين الناس دون أَن تخطُر الآخرة بباله، أَو يبتغي بعمله وجه ربه -كما هو شأن الكافر والمنافق- فإن الله تعالى يعجل له فى هذه الدار ما شاء تعجيله له من نعيمها ومنافعها، لا كل ما يريد العامل للدنيا.
وليس بضروري أن يجيبه فيها إلى شيء من مآربه، فإنه لا يعطى إلا من أراد إعطاءه فإن أعطاه فعل سبيل الاستدراج والكيد بسبب إصراره على الكفر، وليس في سبيل الجدارة والاستحاق - كما قال تعالى:{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} وقد بين الله عاقبة هذا الصنف من الناس بقوله:
{ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} :
أى ثم جعلنا له جزاءً على إهداره أُخراه وإيثاره دنياه، جعلنا له جهنم بدخلها ويقاسى حرها، ولا يقتصر أمره على ذلك، بل يضاف إليه الذم والإهانة والطرد من رحمة الله تعالى، فلهذا قال:{يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} فما أسوأه من مصير، وفى مثل ذلك يقول الله تعالى فى سورة الشورى:{وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} .
19 -
أى ومن قصد بعمله الدار الآخرة وحسن الجزاء فيها، وجَدَّ في عملها اللائق بها وهو مصدق بربه ونبيه تصديقًا واثقًا لا تشوبه شائبة موهنة، فأولئك المصدقون المريدون الآخرة العاملون من أجلها كان سعيهم المتواصل مقبولا عند الله مثابا عليه أضعافًا مضاعفة، كما قال تعالى في سورة الشورى:(1){مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} .
20 -
{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} :
أي كلا ممن يسعى للعاجلة ومن يسعى للآخرة نمده ونزيده مرة بعد أُخرى، بحيث يكون اللاحق مددا للسابق -نمدُّ هؤلاء وهؤلاء- من عطاء ربك ونعمته، فصاحب العاجلة يمده الله حسب مشيئته تعالى بالنعم الدنيوية التي سعى إليها وآثرها على الآخرة، ولم يعطها حقها من
(1) أول الآية (10) منها.
الشكران والطاعة والإيمان، وصاحب الآخرة يمده ربه بما يعينه على طاعته وشكره، ويستتبع حسن مثوبته، وما كان عطاءُ ربك أَيها المكلف ممنوعًا عمن يريده، بل هو فائض على ما يشاؤه الله بموجب حكمته، ولا يمنع بره عن عباده كفر ولا عصيان، وسَيُجزَى كلٌّ في أخراه على ما قدمت يداه.
المفردات:
{فَتَقْعُدَ} : القعود هنا بمعنى الإقامة أَو المكث، سواءٌ أَكان في مكثه قاعدا أَم قائما وقيل القعود بمعنى الصيرورة، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أي حتى صارت كأنها حربة، وقيل غير ذلك. {مَخْذُولًا}: أَي عديم النصير.
التفسير
21 -
الخطاب في هذه الآية لكل مكلف، فالله تعالى يدعوه فيها إلى التأمل في فضله وتمييزه بعض الناس على بعض في الرزق والنعمة في الحياة الدنيا - دون نظر إلى عمل، ويبين أن التفاوت في الآخرة بين عباده سيكون أَعظم، تبعًا لتفاوتهم في الدنيا في العمل.
والمعنى: انظر أيها المكلف وفكر في تفضيل الله بعض الناس على بعض في الرزق في هذه الحياة الدنيا من غير نظر إلى إيمانهم وكفرهم، فقد يكون الكافر أَوسع نعمة وأَعظم
جاها من المؤمن في الدنيا، وقد يكون العكس؛ لأن العطاء في الدنيا لا ينظر فيه إِلى العمل غالبًا، بل هو كرم غير مشروط، وتذكير وامتحان يستتبع الجزاء.
وهذا التفاوت الذي تراه في الدنيا لا قيمة له بجانب التفاوت الذي سوف يكون في الآخرة، فإن التفاوت فيها سيكون أَعظم، ودرجات التفضيل ستكون أَكبر، تبعًا لتفاوتهم إيمانًا وكفرا، وطاعة وعصيانًا، فبعضهم في أَعلى عليين وبعضهم في أَسفل سافلين، وغيرهم من سائر الخلق متفاوتون في الدرجات أو الدركات، وقد جاء في تفاضل أَهل الجنة في الدرجات عن أبي سعيد الخدرى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أَهلَ الجنة لَيَتَرَاءون أَهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدرى العابر من الأُفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى. والذي نفسى بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلينَ" أَخرجه الشيخان واللفظ لمسلم.
وقد صح أَنه تعالى أَعد لعباده الصالحين ما لا عين رأَت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.
رروى ابن عبد البر في (الاستيعاب) عن الحسن قال: حضر جماعة من الناس باب عمر رضي الله عنه وفيهم سهيل بن عمرو القرشى، وكان أَحد الأشراف في الجاهلية، وأَبو سفيان بن حرب وأولئك المشايخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأَهل بدر - وكان يحبهم - فقال أَبو سفيان: ما رأَيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إِلينا، فقال سهيل - وكان أعقلهم -: أيها القوم .. إن والله قد أَرى في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دعى القوم ودعيتم فأسرعوا وأَبطاتُم، أَمَا والله لَمَا سبقوكم به من الفضل أَشدُّ عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه
…
انتهى بتصرف يسير .. وفي الكشاف أَنه قال: إنما أتينَا من قِبَلِ أنفسنا، إنهم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأَبطأنا، وهذا باب عمر .. فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر، لَماَ أَعد الله لهم في الجنة أَكبر.
22 -
{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} :
أي لا تجعل أيها المكلف مع الله إلها آخر تشركه معه في الألوهية - وتتجه إليه معه بالطاعة والعبودية، فيترتب على هذا الإشراك أنك تمكث في جهنم جامعا على نفسك الخذلان من الله حيث يدخلك جهنم، ومن الآلهة الشركاء حيث لا قدرة لها علي أن تخلصك من عقاب وربك. ويترتب عليه أيضا الذم من الله والملائكة والمؤمنين من عباده لأنك اتخذت إلها فقيرًا مثل فقرك، عاجزا مثل عجزك، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضررا، كما لا تملك لنفسك، ونسبت إليه ما لا يصلح، وجعلته شريكا لمن لا شريك له، وهو الذي خلقك ورباك، وبرزقه كفاك، نعوذ بالله من الشرك خفيه وظاهره، ونسأله العافية وحسن الختام.
المفردات:
{وَقَضَى} : وأمر أمرا قاطعًا .. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} : أي إن وصلا أو أحدهما إلى الشيخوخة والكبر في كنفك وكفالتك. {أُفٍّ} : اسم صوت يدل على الضجر. {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} : أي ولا تنههما عمالا يعجبك بغلظة. {قَوْلًا كَرِيمًا} : أي قولًا لينا جميلا يقتضيه حسن الأدب. {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} : أي ألِنْ جانبك شفقة عليهما
وتواضعا وتذللا لهما، كالطائر يخفض جناحه شففة كل أولاده.
{الْأَوَّابِينَ} : الرجاعين التائبين.
التفسير
23 -
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} :
بعد أن نهى الله كل مكلف عن أن يجعل مع الله إلها آخر؛ لأنه لا رب سواه أَتبع ذلك بيان أن الله قضى أمرا قاطعًا ألا يعبدوا إلا الله، وأن يحسنُوا إلى والديهم ..
والمعى: أمر ربك يا محمد أن يوحده عباده بالطاعة ولا يشركوا به أحدًا فهو ربهم وخالقهم ومدبر أمرهم، وصاحب الآلاء والنعم التي ينعمون بها، يدركون بعضها ويخفى علي كثير منهم معظمها، ويعييهم ويعجزهم عدها وحصرها، ونواصيهم بيده {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فمن خطل الرأى - إذن - وسوء التقدير أن يشركوا - معه إلها آخر، لا يضر ولا ينفع، ولا يملك من أمر نفسه موتا ولا حياةً ولا نشورًا.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} : وكما حكم وألزم الأولاد أن يحسنوا إلى والديهم بالقول الطيب والرعاية التامة والقيامِ بشأنهما، فهما أحق الناس بحسن الصحبة، ورضا الله في رضاهما وسخطه في سخطهما.
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} أي إذا تقدمت بهما أو بأحدهما السن وانتهيا إلى ضعف بعد قوة، ومرض بعد صحة ولم يستطيعا القيام علي أمرهما، وتدبير شأنهما لما أصابهما الكبر من وهن الجسم وإِلحاح العلة وضعف التفكير وتلك الحال مظِنة أن يصدر منهما ما يغضب أو يثقل على النفوس، أو يعوق عن سعى في الدنيا أو يكثر النفقة ويرهق الأُسرة ويشق عليها - إن حدث ذلك - فلا تقل لوالديك الكبيرين أو لأحدهما ما يدل علي ضجرك، أو يسيء إليهما، من قول بعيد عن حسن الأدب، أو فعل لا يليق من الولد لأبيه، فقد غذاه مولودًا، وعاله يافعًا، وسهر ليله لسقم أصابه، أو مرض ألمَّ به، أيكون جزاء هذا الأب الحاني غلظة القول وجفاء الخلق؟ أو يكون جزاء الأم الرؤوم أن تقابل بما يكسر قلبها، ويثير ألمها وينال من كرامتها، وهي التي كان بطنها له وعاء، وثديها
سقاءً، وحِجْرها مهادًا ووطاءً، تؤثره على نفسها، وتَفْدِيه بروحها، هذا فضلًا عن أن الجنة تجت أقدامها، فَبِرُّها خير وبركة، وغنى وسعادة، وبالجملة فبر الوالدين ينبغي أَن يكون في أَجمل وأبهى حلله فإنه بعض الوفاءِ لِفضلهما {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} وإِن من سوء الطالع أَن يعق الولد أبويه، فيقابل الحسنة بالسيئة، والنعم والفضل بالجحود والكفران، والعناية بالترك والإهمال، إن فى هذا لَبَوَارًا وخسرانًا فى الدنيا، وغضبًا من الله وحرمانًا من رضوانه فى الآخرة.
24 -
أَى إِن حق الوالدين لا يقف عند إخفاء الضجر والبعد عن الانتهار والزجر، ولا عند الإحسان بالقول الطيب واللفظ اللَّين كما جاءت به الآية السابقة، بل إن وراءَ ذلك ما جاءت به هذه الآية من أَن تبسط لهما من نفسك، وتخفض جناح الذل منك كما يخفض ويبسط الطائر جناحه على فراخه رعاية وشفقة وحنانًا، بحيث لا يشوب هذا الخفض تكلف ولا تصنع ولا رياءٌ، ولا تخالطه رائحة استعلاءٍ أو يشم منه أَثر كبر أو مَنّ، بل يكون ذلك عن رحمة لمن أسدى إِليك معروفًا وقدم إِليك برًّا ورعاية، وقد أتاح الله لك فرصة فاغتنمها بأداء بعض ما عليك لهما، والوفاءِ بما لديك من دَيْنهما، فهما مفتقران إِلى من يأخذ بأيديهما ويعطف عليهما ويقوم على برهما فى كبرهما، وأنت أولى الناس بهما، ثم لا يقف بك الأمر عند هذا بل توجه إِلى الله بقلب ضارع تَقِيٍّ أن يرحمهما برحمته الواسعة فى الدنيا والآخرة، فتكون بذلك نعم الولد الذى يدعو لوالديه فيصلهما بره حتى بعد وفاتهما ولا ينقطع عملهما وأَنت تدعو لهما، وهذا الدعاءُ جزاءُ تربيتهما لك، ورحمتهما بك، فقل: رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا، فتكون نعم المجازى والمكافيء .. وفي أمر الله الولد أَن يدعو لوالديه بالرحمة مع قيامه ببرهما والإِحسان إليهما، ما يشير إلى أن الولد مهما بذل وأَعطى وأَحسن إِلى والديه فلا يستطيع أَن يوفيهما حقهما، وأَنه لا يفي بذلك الحق سوى الله تعالى، فلذلك يدعوه سبحانه ليجبر عنه النقص فى برهما .. هذا وإِنَّ بِرَّ الوالدين لا يتوقف على كونهما مسلمين أَو طائِعَيْن .. بل يشملهما ولو كانا فاسقين أَو كافرين ولكنه لا يطيعهما في كفر أَو فسق، قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وله أن يدعو لأبويه الفاسقين بالغفران والرحمة بعد موتهما، طمعًا في فضل الله، ولكن ليس له أن يدعو لهما بذلك إِن كانا كافرين، لقوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
وعليه أن ينصح والديه الفاسقين أَو الكافرين في رفق ولين، فإن وفقه الله تعالى فمن فضله عليه وعليهما، وإلا فقد أعذر لربه كما أعذر له إبراهيم عليه السلام في نصح أَبيه آزر:{يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} الآيات من سورة مريم.
هذا وإن بر الوالدين لا ينقطع بموتهما، بل جعله الله موصولًا بعد وفاتهما إكرامًا لحقهما وتوكيدًا لمكانتهما.
فعن أبي أُسَيْدٍ وهو مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: "بينا نَحْن جلُوس عِند رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. إذ جاء رَجل مِنْ بَنِي سلمَة فقال: يا رَسُول الله هَل بقِى مِنْ بر أَبَوَىَّ شيء أَبرُّهُمَا بِهِ بعد مَوْتِهِمَا؟ فقال: نعم الصلاة عليهما، الاسْتغْفَارُ لهما، وإِنفاذ عهدهما، من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما"(1).
25 -
أي إِن الله الذي خلقكم ورباكم بنعمه وفضله أعظم علمًا بما انطوت عليه صدوركم وما انعقدت عليه قلوبكم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فإن كنتم من الذين مَنَّ الله عليهم بالتقوى وجعلهم في زمرة الصالحين ورجعتم إِليه تائبين، فإنه سبحانه يتفضل عليكم بالتجاوز عما وقع منكم، من تقصير بَدَرَ منكم بمقتضى الجِبِلة البشرية التي هي مظنة الجهالة، فإنه كان ولا يزال غفورًا للتوابين، وفي هذه الآية وعد صريح وبشارة واضحة للمُطيع البار، وإِنذار ضمني للعاصي المعاند، فالله سبحانه يحاسب كلا على عمله ونيته "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِىءٍ ومَا نَوَى" ..
(1) رواه أبو داود.
المفردات:
{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} : وأعط صاحب القرابة حقه من البر والصدقة.
{وَابْنَ السَّبِيلِ} : المسافر في غير معصية الذي لا مال معه.
{وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} : التبذير إتلاف المال في المعاصي أو الترف.
{إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} : أي أصحابهم المطيعين لهم. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} : أي وإن أعرضت عن إعطاء أصحاب القرابة والمسكين وابن السبيل لعدم وجود ما تعطيهم إياه من البر. {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} : فقل لهم قولا سهلًا، بوعدهم بالعطاء عند اليسر أو الاعتذار لهم. {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}: أي ولا تبخل بخلًا شديدًا، كأن يدك مغلولة إلى عنقك. {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}: بالتبذير المنهي عنه. {مَحْسُورًا} : مغمومًا نادمًا علي إسرافك. {يَبْسُطُ الرِّزْقَ} : يوسعه.
{وَيَقْدِرُ} : يضيق الرزق حسب مشيئته تعالى وحكمته.
التفسير
26 -
{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} :
بعد أن أمر الله المسلم بأداء حقوق الوالدين أمر - سبحانه - برعاية الأقرباء وذوي الأرحام بالنفقة الواجبة والعطاء والصلة، فإن ذلك يديم الود ويبقي على التراخم، كما أمره أن يشمل بره وفضله إخوته في الإِسلام والإنسانبة، فيحنو على مسكينهم يخفف عنه شدة الحياة ولأوَاءها، بمنحه مما أفاء الله عليه ما يقيم به أوده ويسد خلته، ويبقى على إنسانيته غير ذليلة ولا مهينة، كما يمتد عطاؤه إلى ذلك الإنسان الذي انقطعت به سبيل الحياة، ونأى عن أهله وماله، أصبح غير معروف لأحد بنسب أو قرابية سوى أنه ابن للطريق الذي يسير فيه، يعطي هذا المُنْبتَّ ما يبلغه أهله ووطنه رحمة به وتوطيدًا للأخوة، وبذلًا للمعروف واستجابة لداعي المروءة، بهذا قد حدد الله لنا مجال البر وإطار الخير، فلا خروج عنه إلا إلى مباح في اعتدال، إذ لو جنح صاحب المال عما أمر الله وأحل، فإنه يكون مبذرًا، ويصير من إخوان الشياطين، كما قال الله تعالى:
27 -
{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} :
يعني أن المبذرين الذين يصرفون أموالهم في المعاصي، الترف الواسع، يشبهون الشياطين ويماثلونهم ويتأسَّون بهم وكفران النعمة لصرفها فيما حرم الله، يتلفونها في ترفهم وينسون المبرات، فإذا ساروا على طريقتهم هذه لم يرجعوا يرجعوا إلى ما شرعه الله، حشروا في النار مع قرنائهم وأمثالهم من الشياطين الذين يسيرون وفق إغوائهم، ويسلكون سبيلهم، والجزاء من جنس العمل.
{وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} : أي أن الشيطان دأب على كفران النعم، حيث إنه يصرف القدرة التي منحها الله له إلى المعاصي والإفساد في الأرض وإضلال الناس، وكان حقها أن تصرف فيما خلقت له، في عبادة ربه وطاعة مولاه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} فاحذروا أن تتشبهوا بالشياطين في الجحود والكفران، حتى لا تكون عاقبتكم البوار والخسران كَعاقبتهم.
28 -
أي وإن أعرضت وملت عن هؤُلاء الأقارب والمساكين وأبناء السبيل فلم تحقق لهم
(1) إما مركبة من إن الشرطية وحرف ما. والغرض من وصل (ما) بإن الشرطية هو تقرير الشرط وتقويته.
ما يطلبون أَو لم تمنحهم ما يؤملون، وذلك لعسر أصابك، أو فقر نزل بك، وأنت تتطلع وترجو من، ربك أن ييسِّر لك ويفرج كربك، واثقًا بفضله طامعا في رحمته - إن أَعرضت عن هؤلاء لذلك - فاعتذر لهم بالقول الطيب والكلام اللين والدعاء، مع الوعد الجميل ببرهم، عندما يزول عذرك، لتسر نفوسهم وتفتح باب الرجاء أَمامهم، وهذا تأديب وتوجيه يبقى المودة ويديم الألفة بين المؤمنين ولله در هذا الشاعر حيث يقول:
إلَاّ تَكنْ ورِق (1) أجود بها
…
للسائلين فإني لين العود
لا يعدم السائلون الخير من خلقي
…
إما نوالى وإما حسن مردودي
29 -
أَمرنا الله فيما تقدم بالإنفاق في البر، جاءت هذه الآية ليعلمنا الله أَدب إنفاق المال، فنهانا - سبحانه - عن البخل والشح وعن الانطلاق في البذل.
والمعنى: ولا تجعل يدك - كالمغلولة الممنوعة بالغُلّ عن الانبساط في الإنفاق، بل تَعوَّدْ بسط اليد والسخاء والجود حتى لا يلومك ويعتب عليك أَهلك، ويذمك من يعرفك من أصابك وعشيرتك، ويمَلكَ اهلك وولدك ويتمنوا هَلَاككَ، ولا تسرف في الإنفاق وتتجاوز الحد، فتكون كمن بسط يده ونشرها فضاع ما كان فيها من مال، بل تدبر أَمر مستقبلك أنت ومن تعول حتى لا تضيعهم فترجع ملوما من الله تعالى ومن الناس ومن نفسك إذا احتجت كما تصير بهذا الإسراف كليلا منقطعا، كالذى بلغ الغاية في التعب والإعياء، فلم يستطع مواصلة سيره، فعليك أَن تكون وسطا بين الإفراط والتفريط، متصفا بصفات عباد الرحمن الذين قال الله فيهم:{الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} ويلاحظ أن الإسراف قد يؤدى إِلى الإثم إن أَضاع العيال، قال صلى الله عليه وسلم:"كَفَى بِالْمَرء إثمًا أَنْ يُضَيِّع منْ يَعُول".
30 -
أي إن بسط الرزق وتوسعته وقبضه ليس لك ولا هو من شأنك أيها المربوب الضعيف الذي لا تعلم أمر نفسك وما يصلحها، ولا تقدر على تدبير شأنك من غير معونة ربك، فهو الذي
(1) الورق
…
بكسر الراء - الدراهم المضروبة.
يبسط الرزق لمن يشاءُ ويضيقه، وأنت مأمور منه سبحانه أن تكون معتدلًا في الإنفاق في حالتى الفقر والغنى، وأَن تسعى في سبيل رزقك، والله يعينك في سعيك إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، يعطى عباده حَيْثُمَا جرت به مشيئته وحكمته فمن حكمته تعالى أن يغاير بين الناس في الفقر والغنى، ليستقيم أَمر الحياة وينتظم شأنها، فطائفة تيسر لعمل، وثانية تسخر في آخر، وهكذا ييسر الله كلا لما خلق له فتسير الحياة ويستقيم أَمر الخلق، ولو جعل الله الناس على حال واحدة لاختل النظام وفسد وانتهى أمر الخلق إلى فوضى، وتعطلت جوانب كثيرة من حياة الناس، وصدق الله حيث يقول:{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (1).
المفردات:
{خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} : خوف فقر وفاقة. {خِطْئًا كَبِيرًا} : ذنبا عظيما وخطيئة كبيرة، والخِطْءُ بكسر الخاءِ تعمد الذنب، قال الأزهرى: خطِيء يخْطَأ خِطْئًا - بوزن علم يعلم علمًا -
(1) سورة الزخرف: من الآية (32).
إذا تعمد الخطأ، مثل أثِمَ يأثمَ إثْما، وأخطأ إذا لم يتعمد، إخطاءً وخَطَأً.
(وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى): ولا تدخلوا في شيء من مقدمات الزنى، فضلا عن مباشرته.
(فَاحِشَةً): فعلة سيئة ظاهرة القبح. (لِوَلِيِّه): لوارثه الذى له المطالبة بدمه فإن لم يكن له ولى فالسطان وليه، (سُلْطَانًا): تسلطا واستعلاءً على القاتل ومؤَاخذته بالقصاص أو الدية.
(فَلَا يُسْرِف في القتْلِ): بأن لا يقتل غير القاتل ولا يمثل بالمقتص منه. (يَبْلُغَ أشُدَّه): يصل إلى حد الرجال، ويبلغ وقت اشتداد قوته فى البدن والعقل وتدبير المال وصلاح الحال.
(وَأوْفُوا الكَيْلَ): اجعلوه وافيا كاملا مضبوطا بلا خديعة.
(بِالقِسْطَاسِ المستَقِيمِ): بالميزان العادل.
(وَأحْسَنُ تَأويلًا): وأحسن مآلا وعاقبة فى الدنيا والآخرة.
التفسير
31 -
بعد أن بين الله -سبحانه- فى الآية السابقة أن أمر الرزق بيده توسيعا وتضييقًا نهى عباده في هذه الآية عن قتل الأولاد مشفقين من فقر ينالهم.
والمعنى: ولا تقتلوا أولادكم خوفا من فقر ينالكم بسبب قيامكم بالإنفاق عليهم، لأن قتلهم كان في شرع الله منذ القدم إثما عظيما، لا يقع إلا ممن لا يؤْمن بربه ولا يتوكل عليه، فنفسه خواء وقلبه فارغ ليس به أثر إيمان ولا بقية يقين، إن هذا العمل الشائن الفاجر ذنب كبير ناشيء عن تزيين الشركاء من الجن أو سدنة الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله ليوقعوا الآباء في مهاوي الضلال والفساد والهلكة قال تعالى:{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} (1).
فلو تركتم -أيها المشركون- عبادة غير الله وآمنتم برَبكم حق الإيمان لعلمتم أنه -سبحانه- قد تكفل بأرزاق خلقه جميعا: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (2).
(1) سورة الأنعام: من الآية رقم 137.
(2)
سورة هود: من الآية 6.
وليس عليكم إِلا أن تتخذوا للرزق أسبابه التي يسرها الخالق - سبحانه، واعلموا أن أولادكم الذين تتوهمون أنهم مُنْتقصون من أرزاقكم إنما يرزقهم الله معكم لا تبعًا لكم، فمن الهمة القاصرة والعزيمة الخائرة أَن يستبد بكم هذا الوهم، فتقدموا على فعلتكم الشنعاء هذه.
وفي هذه الآية قدم ضمير الأولاد في منح الرزق على ضمير المخاطبين إذ قال: {نَحْنُ نَرْزُقهُم وَإياكُم} ليبين للآباء أن رزق الأولاد محل عناية واهتمام من الله تعالى فليس هناك داع - إذًا - للإشفاق والخوف من وقوع الفقر، وقدم ضميره الآباء في سورة الأنعام في قوله تعالى:{نَحْنُ نَرْزُقهُم وَإياكُم} للمبادرة بطمأنة الآباء على أَرزاقهم وأنها واصلة إِليهم لا محالة فلا موجب لقتلهم أولادهم - وفي التعبير بلفظ كان في قوله تعالى: {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} إيذان بأن هذا الفعل الأثيم كانت تأباه كل الفطر السليمة وترفضه الطبائع الكريمة وجميع شرائع الله تبارك وتعالى التي أَنزلها على أنبيائه عن قبل، فهي شريعة موروثة، فكيف ساغ لهم الإقدام على قتلهم.
32 -
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} :
وبعد أن نهى - سبحانه - فيما سبق عن قتل الآباء أولادَهم، وبين أن قتلهم هو جرم فاحش وذنب كبير، حذر في هذه الآية من الدنو من الزني، وبين أنه كان في عرف الناس وشريعة الله فعلة ظاهرة الفحش، وساء طريقا في الحياة، والتحذير من القرب من الزنى تحذير من مباشرة دواعيه وأسبابه، ولهذا أمر كلا من المؤمنين والمؤْمنات بغض البصر فالنظرة الآثمة سهم من سهام إبليس وهي بداية كل شر، كما نهى ومنع خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية؛ لأن الشيطان يجيد السفارة فيها، فيوسوس لكل منهما، ويزين الشر ويأمر بالفحشاء، وفي الأثر:"ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" كما نهى سبحانه أَن تبدى المرأة زينتها لرجل لا يحل له. ذلك منها، فإن فعل ذلك يحرك الرغبة الآثمة بينهما ويدعو إلى الفجور.
ومما يؤَدي إِلى الفاحشة أَن تلين المرأَة وتخضع في كلامها، فيطمع فيها من في قلبه مرض الفحش وداءُ الرغبة الآثمة في الفساد، هذا هو تحذير الله عباده من أَن يقربوا الزنى فما بالهم إذا قارفوه وفعلوه ووقعوا فيه، إِنه سبب في اختلاط الأنساب وهتك الأعراض وتفكك المجتمع، وشيوع الرذائل، وذهاب الإنسانية الفاضلة والنزول بها إِلى درك الحيوانية، فضلا عن أَن من يمارس ذلك يذهب بهاؤُه وتهون منزلته، ويفضح في أهله، فالزنى عمل بالغ الفحش، سيء المغبة، وخيم العاقبة، وساء طريقا، فهو يورد صاحبه موارد الهلاك، وينزل به إلى منازل السفلة، الذين ينأى عن صحبتهم كل طاهر كريم عفيف.
33 -
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية.
أَي ولا تعتدوا بالقتل على النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها وجعلها مصونة لا يجوز الاعتداءُ عليها، ما لم ترتكب جرما يقتضي قتلها، كما إِذا ارتد مسلم أو قتل مؤْمنا عمدًا أَو ثبت زناه بعد إِحصان، فقد روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إِلا الله وأَني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
فإذا اعتدى إنسان على آخر بالقتل دون ذنب أَو جريرة تُحِل ذلك القتل، فقد جعل الله لقريب ذلك المقتول ووليه حق المطالبة بدمه، فإن شاء هذا الولي القصاص فهو حقه وإِن شاء أخذ الدية فذلك له أَيضا، وإن شاء عفا، والسلطان ولى من لا ولى له، وبما أَن الله جل جلاله قد أعطى الولى الوارث للقتيل هذا الحق فالواجب عليه - عند استيفاء القصاص - ألا يسرف فلا يقتل غير القاتل ولا يندفع إِلى الأخذ بالثأر على غير بينة.
أو إِثبات، وليس جعل الحقوق المذكورة لولى الدم مقتضيا أن يباشرها بنفسه، بل عليه أن يرفع الأمر إِلى القضاء ليصدر حكمه فيها بما تقتضيه القواعد الشرعية، فإن قضى بالقصاص أَمر من يباشره حتى لا يندفع الناس إلى القتل جزافا وَلأوهَى الأسباب، وإِنما حرم الله ذلك الإسراف لأن الله قد نصر ذلك الولى وأَيده، حين شرع القصاص وأعطاه حق المطالبة به فما وراء ذلك فهو عدوان و
34 -
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} :
وكما نهاكم الله تعالى عن أن يقتل أحدكم غيره إلا بحق فقد نهاكم أيضا عما يشبه القتل وهو أَكل مال اليتيم بغير حق، فلا تقربوا ماله بسوء فتجمعوا عليه بين فقد الوالد وحنان المربي، وبين ضياع المال الذى يقوم عليه أمره ويصلح به شأنه، إن هذا الاعتداءَ لؤْم وخسة وَقسوة على إِنسان ليس لديه قدرة على الدفاع عن نفسه، إن الرحمة والمروءة تقتضيكم أن تقربوا ماله بما يحفظ أصله، وينمي فرعه، بهذا تكونون قد قمتم على أَمر هذا المال بأحسن الطرق، وأَفضل الوسائل التي تعود على صاحبها بالنفع والخير، وداوموا على إِصلاح ذلك المال حتى يبلغ اليتيم أَشده، بوصوله إلى سن الرشد، ونمو عوده وقوة جسمه، وزيادة خبرته ومعرفته، ونمو تجربته وقدرته على التصرف الحسن والسلوك القويم، فإذا بلغ راشدا فعليكم أَن تدفعوا إليه ماله غير منقوص، ولا تمسوا ماله بسوء بعد ذلك.
{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} : وكونوا أَوفياءَ بكل ما عاهدتم الله على القيام به، من تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وفي جملة ذلك رعاية اليتامى وما عاهدتم الناس عليه مما يصح فيه العهد شرعا، فلا تخيبوا رجاءهم، ولا تقطعوا آمالهم التي عقدوها عليكم في إصلاح أمرهم، إن العهد سيسألكم عنه ربكم يوم القيامة، فأوفوا به ولا تضيعوه.
وأَظهر العهد إِذ قال: {إِنَّ الْعَهْدَ} ولم يقل إنه - لكمال العناية بشأنه والحث على الوفاء به، وإنما عبر بقوله:{إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} مع أن السؤال لصاحب العهد على سبيل المجاز، والمراد أنه مسئول عنه يوم القيامة. فيقال لصاحبه: لِمَ نَكَثْتَ عهدك وضيعته ولم توف به؟ فيجمع الله عليه التبكيت مع العقوبة على عدم الوفاء به.
35 -
{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} :
واجعلوا الكيل وافيا عادلا، لا نقص فيه إِذا كلتم لغيركم، واكتفى بالأمر بإيفاء الكيل عند البيع عن الأمر بتعديله عند الشراء من الناس، لأنه يُؤذِنُ بحرص الشارع على وصول الحق إِلى صاحبه، فكما لا يبخسه حقه عندما يبيع له، كذلك لا يظلمه عندما يشترى منه، وقد جاء النص صريحا عن التطفيف في الجانبين فى قوله تعالى:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} .
{وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} : أي وَزِنُوا بالميزان السوى الذي لا خداع فيه، ولا غش ولا تدليس، إِذا وزنهتم فإنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه.
{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} : أَي ذلك المذكور من إيفاء الكيل عند البيع، والوزن بالميزان السوى المستقيم، خير لصاحبه ولمن يعامله، وأحسن مآلا ومرجعا عند الله تبارك وتعالى، أما الكسب الحرام فهو كالوقود الفاسد لا يُسيِّر الآلة .. بل يتلقها ويفسدها وربما يؤَدي إلى احتراقها وقد تهلك صاحبها، ولكن الكسب الحلال الطيب يبارك الله فيه، فينمو ويزيد ويكون وخيرا وبركة على صاحبه وأهله وولده، إذ يبعث على الطاعة ويقوى على الخير، ويقرب من الله ويدنى من الناس، ويكون لصاحبه لسان صدق بينهم.
المفردات:
{وَلَا تَقْفُ} : .. ولا تتبع، مأخوذ من قولهم قفوت فلانا إذا تتبعت أثره.
{مَرَحًا} : اختيالا
…
واستكبارا، وفخرا، والمرح شدة الفرح.
{الْحِكْمَةِ} : الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير.
{مَدْحُورًا} : مطرودا ومبعدا مقصيا في النار.
التفسير
36 -
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} :
أي لا تتبع ما لا تعلمه، فلا تقل بغير علم ولا تتهم بغير بينة، ولا تقل سمعت وأنت لم تسمع، ولا تشهد بالزور، ولا تتبع الظن والحدس في حق الناس، فإنك بذلك تكون قد قلت ما لا تعلم، واتبعت ما ليس لك به علم وأخطأت بذلك في حق الله وحق عباده وحق نفسك.
وهناك أمور يعمل فيها بالظن، كالحكم على شخص معين بالإيمان تبعًا للظاهر، وكالإفتاء بالأحكام الشرعية عن الأدلة الظنية، وكالعلاج بالعقاقير التي يظن فيها الشفاء.
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} : أي أَن كل واحد من أَعضاء السمع والبصر والقلب كان صاحبه مسئولا عنه، فلا يحل له استعمالها في غير ما أحل الله تعالى، فلا تتسع إلى غيرك محاولا كشف عوراته، ولا تلق بأذنك إلى ما لا يحل من فحش القول، أَو إلى ما يلهيك عن عبادة ربك، وكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أَما البصر فاغضضه عما لا يحل لك ولا تمده إلى ما متع الله بغيرك تحسده عليه، بك عليك أن تنظر بذلك البصر ما يقربك من ربك، وما يوصلك إلى رزقك، أَما قلبك فاحفظه من شيطان موسوس أَو حسد قاتل مدمر أو عُجْب أو نفاق أَو رياء، فإن هذه الصفات وما يشبهها من الموبقات المهلكات، واطرد حظ الشيطان من نفسك حتى لا يكون له عليك سلطان، فيصبح قلبك سليما، وتلقى ربك راضيا مرضيا فتدخل رحمته وتفوز برضوانه.
37 -
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} :
أي لا تسر في الأرض مختالا مسرفا في فرحك ومرحك، بل تواضع لله الذي خلقك ورزقك، وهو قاهر لك قادر عليك، فإن غلبك البطر والغرور لجاهك، فاعلم أن الجاه نعمة من الله يمنحها ويسلبها، وإن طغيت على غيرك لعافية وصحة بدن فتذكر أنها وديعة الله عندك يستردها متى شاء، وإن دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى التكبر على عباده بمالك فاعلم أن الله يغار عليهم فهو ربهم وخالقهم، وإن زهوت بالبنين فتذكر أنك ستقدم على ربك بعملك فحسب {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
{إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} : إنك مهما تخايلت بخطواتك واشتددت في إيقاع أقدامك على الأرض، فإنك لن تخرقها بخطواتك، ومهما تطاولت بهامتك كبرا وفخرا ورفعت رأسك تيها وعجبا ، فلن تساوي الجبال الشواهق بطولك أو تطاولك.
فدع عنك الخيلاء والتعالي على الناس ، فأنت مخلوق ضعيف.
38 -
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} :
أي كل ذلك المذكور في الأوامر والنواهي السابقة من الخصال كان السيء منه مكروها في حكم الله وشرعه ، فدع ما نهاك عنه واستمسك بما أمرك به حتى لا تكون مبغضا من الله، وبعيدًا عن رضوانه ورحمته.
39 -
{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} :
أي ذلك المذكور من الآداب. والأحكام التي جاءت في الآيات المتقدمة ، هو ما أنزله إليك وحيا، وجعله من الأمور المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ، فهي موجودة في جميع شرائع الله ، لأنها جامعة لكل أدب وخير ففيها محاسن الأخلاق ومحامد الشيم فلا تنسخ ولا تتغير باختلاف الشرائع.
{وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} : أي واحذر أيها المكلف أن تتخذ مع الله إلها غيره {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إن فعلت ذلك فقد حق عليك أن ترمي وتطرح في نار جهنم في مهانة وذلة ، وأنت معلوم من نفسك على ما اقترفت وملوم من الملائكة خزنة جهنم حين تعنفك فتقول لك ولأمثالك:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} فتجيبون بذلة ومهانة وتقولون:
{بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (1).
(1) سورة الزمر: من الآية 71
المفردات:
{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ} : أَفضلكم ربكم فآثركم بصفوة الأولاد.
{عَظِيمًا} : أَي كبيرا، والمراد به هنا الأمر البالغ النُّكْرِ والقبح.
{صَرَّفْنَا} : بَيَّنَّا المعاني بوجوه وصور مختلفة.
{نُفُورًا} : إِعراضا
…
، {لَابْتَغَوْا}: لطلبوا مجتهدين في الطلب.
التفسير
40 -
بعد أن بين سبحانه - فساد طريقة من يجعل لله شريكا ونظيرًا، نبه في هذه الآية على شِدة جهل من أَثبت لله الولد .. وخصه سبحانه بالإناث.
والمعنى: أفضلكم ربكم على جنابه - سبحانه - فخصكم بأفضل الأولاد، واختار لذاته أدناهم وأقلهم شأنا، فإن دعواكم أَن الله قد اختار الملائكة بنات له - سبحانه - تَستَلْزمُ أَنه اختار لكم البنين أفضل النوعين وأحبهما إِليكم، ورضى لنفسه البنات وهن أدناهما في نظركم مع أنه هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا حد له فكيف تنسبون إِليه ما تسوءُ البشارة به وجوهكم، ويملأ الغيظ بسببه قلوبكم، أتجعلون لله ما تكرهون دون حياء، فتأتي قسمتكم جائرة ظالمة، تدل على جهلكم بالله وسوء تقدير لعظمته، إنكم بافترائكم على الله تعالى .. وقولكم إِن الملائكة بنات الله تقولون قولًا منكرا .. كبيرًا في الإثم تحاسبون عليه وتعذبون به أشد العذاب يوم القيامة، فإنه تعالى واحد أحد {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .
41 -
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا} :
أي ولقد كررنا وأَكدنا العبر والعظات والأحكام في هذا القرآن المجيد بأساليب متنوعة، ليتعظوا ويعتبروا فيهتدوا إِلى الحق، ويرججوا إلى بارئهم رجاءً في ثوابه وخوفا من عقابه، ولكن هؤلاء المجرمين الضالين المكذبين لا يريدون هداية ولا إرشادا، بل إنهم مع تكرار التذكير وتأكيد التوجيه إلى الخير، لا يزدادون إلا تباعدًا عن الحق وإصرارًا على الباطل، وإِعراضا عن التدبر والاعتبار.
42 -
{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} :
قل يأيها الرسول لهؤلاء المشركين المغترين العابدين للأصنام، وغيرها من دون الله - قل لهم: لو صح ما تزعمونه وتفترونه - وهو وجود آلهة مع الله سبحانه وتعالى لطلب هؤلاء الآلهة بكل جهدهم واجتهادهم أن يسلكوا طريقا إلى الله ذي السلطان والقهر ليشاركوه الأمر، أو ينازعوه السلطة ولكن شيئًا من ذلك لم يكن؛ لأن ما تزعمونه من آلهة هي في الحق عاجزة لا تقدر على خير ولا شر ولا تملك من أَمر نفسها شيئًا، فضلا عن أن تملك أمر غيرها.
43 -
{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} :
تنزه سبحانه، وتعالى علوًّا شاملا عما يقوله هؤلاء من نسبة الشريك والولد لله تعالى .. فالله جل جلاله هو الواحد الأَحد لا شريك له ولا ولد.
44 -
بعد أَن بين الله لهؤُلاء المشركين فساد زعمهم بنسبة الشريك والولد لله، ونزه نفسه تنزيها كاملا عن ذلك، جاء بهذه الآية ليبين لهم: أَن الخلائق جميعها علويَّها وسفليها، عظيمها وحقيرها، ما يدركه الإنسان وما هو فوق إدراكه، كل ذلك خاضع له معترف بقهره وسلطانه ونعمه وآلائه.
والمعنى: أَن السموات السبع بأجرامها وكواكبها وأفلاكها وسكانها وجميع قواها وعناصرها .... وكذلك الأرض بما اشتملت عليه من إِنسان وحيوان ونبات وجماد وغيرها، كل أولئك يسبح وينزه حامدا الله تعالى بلسان الحال والدلالة كما تدل الصنعة على الصانع.
ولا نرى مانعا من أن يكون لهذه الكائنات تسبيح قولى غير مسموع منا وغير معروف الحقيقة والكيفية لنا، كما يشير إليه قوله تعالي:{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} (1). أى رجعى التسبيح مع داود، وقوله سبحانه: " {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} (2). أى سخرناها لتسبح مع داود فى وقتى العشى والإشراق، ولو لم يكن تسبيحا قوليا لَمَا قيد بهذين الوقتين كما يؤَكد ذلك ظاهر قوله تعالى هنا:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (3). لأَن لغة الجمادات والحيوانات لايفقهها من البشر سوى من أوتى خاصية فهمها كداود وسليمان عليهما السلام، وفيهما يقول الله تعالى؛ حكاية عنهما:{عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} . ولكنكم أيها الناس لاتفقهون تسبييحهم ولا تدركونه. ويجوز أَن يكون الخطاب للمشركين الذين تقدم الحديث عنهم، تقريعًا لهم، والمعنى على هذا: وما من شىءٍ إِلا ينزه الله تعالى عن الشريك والولد، ولكنكم أيها المشركون لا تعقلون
(1) سورة سبأ: من الآية 10.
(2)
سورة ص الآية 18.
(3)
سورة الإسراء الآية 44.
تنزيههم هذا ، لأنكم لا تنظرون في الكائنات نظر المفكرين في خلق الله ومع غفلتكم هذه وعنادكم فإن الله سبحانه أمهلكم فلم يعجل لكم العقوبة ، وذلك لحلمه عليكم ، لعلكم تثوبون إلى رشدكم وترجعون إلى ربكم ، فإذا تبتم وأنبتم كان غفران الله لكم وعفوه عنكم. . فإنه كان ولا يزال كثير الحلم واسع المغفرة، قابل التوب.
المفردات:
{حِجَابًا مَسْتُورًا} : أي غير حسي فهو لهذا مستور لا يرونه. {أَكِنَّةً} : جمع كنان والكنان هو الغطاء الذي يكن فيه الشيء أي يحفظ ويستر. {أَنْ يَفْقَهُوهُ} : أن يفهموه فهم تدبر وتأثر واستجابة. {وَقْرًا} : صَمَما مانعا من سماعه ، والوقر الثقل في الأذن.
{وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} : انصرفوا على أعقابهم هاربين معرضين. {نُفُورًا} : جمع نافر وهو منصوب على الحال - أي نافرين، والنافر المتباعد المتجافي، أو مصدر نفر منصوب على المفعولية المطلقة لولوا، لأنه بمعناه.
{وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} : أي أصحاب نجوى يتناجون فيما بينهم بالافتراء والإثم، والنجوى هي حديث السر بين من يَخْلُون بأنفسهم ليتناجوا في خفية وإسرار. {رُفَاتًا}: والرفات الأجزاء المفتتة من كل شيء ينكسر، وقيل الرفات والفتات ما تكسر وتفرق من التبن ونحوه، والمراد هنا - والله أَعلم - ما تصير إليه أَجسادهم من التفرق بعد الموت.
التفسير.
45 -
أي فإذا قرأت يا محمد القرآن تدبرا وعبادة لله، وإرشادا وتعليما لقومك، جعلنا بينك وبين المشركين الكافرين بالآخرة حجابا ساترا، يمنعهم أن يدركوا ما أنت عليه من النبوة والرسالة وجلال القدر وعظيم المكانة، حتى اجترءوا عليك ونسبوا إليك نقائص وعيوبا أَنت منها برىء، ومن ذلك قولهم:{إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} .
46 -
{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} :
هذه الآية مفسرة للحجاب المستور الذي جاءَ في الآية السابقة، وكأنه قيل:
وذلك الحجاب المستور هو أنا جعلنا على قلوب هؤلاء المشركين أكنة وأغطية تمنعهم من فقه القرآن، والوقوف على كنهه، كما أَصبنا آذانهم بالصمم والثقل العظيم ليجول بينهم وبين سماعهم لكتاب الله سماع لائقا به، فإنهم كانوا يسمعونه سماع استهزاء وسخرية لا سماع تأمل وتدبر، وهذا المنع كان جزاء لهم على إعراضهم، فلم ينعموا بنعمة الاهتداء إلى القرآن، لإصرارهم على الجحود والإنكار.
{وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} : أَي وإذا سمعك هؤلاء المشركون تقرأ من القرآن الكريم ما ينطق بتوحيد الله وتسبيحه، أَدبروا وفروا هروبا وانزعاجا من سماعه، لأنه ينفرهم من أَصنامهم - وينهاهم عن عبادتها مع الله تعالى.
47 -
هذه الآية الكريمة فيها تسلية لرسول الله ، ووعيد لهؤلاء المستهزئين، فقد أخبر الله رسوله بأنه - سبحانه - يعلم بحالهم الذي يستمعون به القرآن وقت استماعهم إليه حين يتلوه ، من الاستخفاف وإثارة اللغو والتصفيق والصفير ، وكما يعلم ذلك - سبحانه - أمرهم حين يتناجون فيما بينهم ويتهامسون عنه في خلواتهم، ويفترون عليه الكذب.
ويقول هؤلاء المشركون الضالون عن صراط الحق يقولون للناس إنكم حين تتبعون محمدا لا تتبعون إلا رجلا قد أصابه السحر فاختلط عليه الأمر ، ويعقب الله هذه التهم بقوله:
48 -
{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} :
انظر يا محمد - عليك الصلاة والسلام - متعجبًا من حمقهم وسفاهتهم، كيف تطاولوا عليك فزعموا أنك ساحر، كما زعموا من قبل أنك كاهن وشاعر ومجنون، فضربوا لك الأمثال فضلوا وبعدوا عن الحق وتحيَّروا في أمرهم معك ، فهم لا يهتدون إلى الحق ولا إلى طريق ينال منك أو يصرف الناس عنك.
49 -
{وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} :
وقال هؤلاء المشركون - منكرين البعث مستبعدين له -: أئذا متنا وصرنا عظاما وحطاما مفتتا ، نبعث من قبورنا، نخلق خلقا جديدا كما يقول لنا محمد ، وهذا القول منهم هو غاية الإنكار لأدلة الإمكان والوقوع، أما الإمكان فلأن الله الذي خلق الناس ابتداء باعترافهم قادر على إعادتهم وبعثهم من قبورهم للحساب لأن الإعادة أيسر من الابتداء عادة ، وأما الوقوع فلأنه تعالى عادل فلا يعقل أن يترك المحسن دون إثابة، والمسيء دون عقاب ، فلا بد من البعث لينال كلٌّ جزاء ما قدمت يداه.
المفردات:
{فَطَرَكُمْ} : خلقكم على غير مثال سابق.
{فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} : يحركونها تعجبًا وسخرية.
{فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} : تلبون دعوته حامدين إياه على بعثكم بعد الموت ، وعلى ما يتصف به من عظمة وقدرة وحكمة ظهرت آثارها في البعث بعد الموت.
التفسير
50 ، 51 - {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}:
الآية الكريمة إجابة عن سؤال الكفار السابق: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} .
والأمر بالقول موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل داع بدعوته.
والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين، وليقل كل داع إلى الحق لأمثلهم: لماذا تستبعدون وتنكرون بعثكم بعد أن صرتم عظاما ورفاتا، كونوا ما شئتم بعد الموت ولو حجارة أو حديدا أو خلقا مما يعظم في نفوسكم ويعلو عن أن تحله الحياة فإنكم عائدون إلى الحياة.
{فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} : فسيقولون في دهشة واستنكار من الذي يستطيع أن يعيد إلينا الحياة بعد هذا التحول العجيب، من الحياة الدافقة المتحركة إلى الموت ثم إلى العظام والرفات، فضلا عن التحول إلى الحجارة أو الجديد أَو أشباههما، وقد أَمر الله تعالى أن يجابوا عن هذا التساؤل الذي لا مبرر له بقوله:
{قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} : أي قل لهم أيها الرسول: الله الذي خقكم أول مرة من عناصر التربة الأرضية الجامدة الميتة على غير مثال سابق، هو الذي يعيد إليكم الحياة وإن تحولت أجسامكم من عظام ورفات إلى حجارة أو حديد أَو نحوهما، والمعروف لنا أن الإعادة عند البشر أسهل، ولكنها تحت قدرة الله لا توصف بالسهولة أَو الصعوبة، فكل الممكنات عنده سواء؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العلبم.
{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1).
{فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} :
أي فحينما يستمعون هذا الجواب سيحركون رءُوسهم منكرين ساخرين قائلين في دهشة وإنكار: متى يتم هذا البعث؟ فقل لهم: سيكون هذا البعث قريبا؛ لأن كل آت وإن طال الزمان قريب.
52 -
{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} :
أي يتم بعثكم يوم يدعوكم إليه فتهبون من قبوركم ملبين دعوته، كما قال تعالى:{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} (2). والمقصود بالدعوة النفخة الثانية، المعبر عنها بالصيحة في قوله سبحانه:{يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (3).
وعند بعثكم تلهحون بحمده تعالى مدركين عظمته وقدرته، وأنه أهل للحمد والثناء ويزول عنكم هذا الإنكار والعناد، بعد أَن شاهدتم الحقيقة التي كنتم سمعتموها من رسولكم في دنياكم:
(1) سورة. يس: الآية 82
(2)
سورة الروم: الآية 25
(3)
سورة ق: الآية 41 ، 42
{وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} : أي تعتقدون عند البعث أنكم لم تلبثوا في الدنيا أو في الحياة البرزخية إِلا زمنا يسيرا، كما قال سبحانه:{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} (1).
المفردات:
{يَنْزَغُ} : يفسد ويغوى بالعداوة والبغضاء ويثير الضغائن والأحقاد.
التفسير
53 -
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} :
بعد أَن بين الله جحود الكفار للبعث ومعاداة الحق أمر رسوله في هذه الآية أن يقول للمؤمنين: عليكم أن تلهجوا بالقول الحسن وأن تتمسكوا به وأن تطبقوه في حياتكم .. والمعنى: قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا بي وشرفوا بالنسبة إلي، قل لهم يقولوا الكلمة التي هي أحسن الكلام، وأَن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يقابلوا الإساءة بالإحسان فإن هذه سنة عباد الرحمن، كما قال سبحانه في سورة الفرقان:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (2).
وقيل: المقصود بالعباد جميع الناس فإنهم جميعًا عبيد الله والنصيحة عامة لهم.
والمعنى على هذا: قل أَيها الرسول لجميع الناس مؤْمنهم وكافرهم يأمرون بما أمر الله به وينهون عما نهى الله عنه.
(1) سورة النازعات: الآية 46
(2)
سورة الفرقان: الآية 63
{إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} : إن الشيطان يفسد بين الناس، ويثير بينهم العداوة والبغضاء ويبث فيهم الأحقاد والضغائن، فيمزق شملهم ويفرق كلمتهم، ويهدم وحدتهم، أو يغريهم بالكفر والإلحاد وارتكاب الشرور رالآثام، فلهذا ينبغي أَن يعالجوا بالكلمة التي هي أحسن.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} أي إن الشيطان كان عدوا للإنسان واضح العداوة منذ أغوى أَباهم آدم وأخرجه من الجنة، فعليهم أَن يتغلبوا على إغوائه بالتزام الكلمة الطيبة والقول الحسن، ليردوه عن متابعة وسوسته وإغوائه، فإنه يزين القبيح للإنسان ويجلوة أمامه في صورة حسنة، فيدفعه إليه دفعا، ويقبح له الحسن فينفره منه تنفيرا.
المفردات:
{وَكِيلًا} : كفيلا.
{زَبُورًا} : الزبور هو الكتاب المنزل على نبي الله داود عليه السلام، وهو كتاب ليس فيه تشريع، وإنما هو دعاء وتحميد. وتمجيد.
التفسير
54 -
{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} :
بعد أن بين الله أحوال الكافرين، ودعا المؤمنين إلى التزام القول الحسن وحذرهم من إغواء الشيطان، خاطب المكلفين جميعا بأنه مطلع على أعمالهم وأَقوالهم ونياتهم، فإن يشأ
شملهم برحمته لأنه يعلم أنهم أهل لرحمته، وإن يشأ عذبهم لأنه يعلم أَنهم قصروا في جانبه، ومشيئته مرتبطة بحكمته {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (1).
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} : أَي وما أَرسلناك أيها الرسول كفيلا لهم ومسئولا عن طاعتهم أَو معصيتهم، فكل امريء منهم بما كسب رهين.
55 -
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} :
أَي أنه سبحانه يحيط علمه بكل من في السماوات والأرض {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} فلهذا اختار من يعلم أنهم صفوة البشر أَنبياء، وفضل بعضهم على بعض، كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} . وكان تفضيلهم بالفضائل النفسانية والعلمية، لا بكثرة الأموال والأتباع وغير ذلك من أمور الدنيا، وأَقربهم إليه خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أَرسله ربه رحمة للعالمين.
قال صلى الله عليه وسلم: "أَنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأَنا أَول شافع وأول مشفع ولا فخر" رواه أَحمد والترمذي وابن ماجة.
{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} : خص الله سبحانه داود بالذكر مع دخوله في الأنبياء قبله، ليبين أَنه عليه السلام ممن فضلهم الله على بعض الأنبياء وذلك بإنزال الزبور عليه، وقد اشتمل على تسابيح الله وإِشارات إلى جلاله وعظمته وقدرته وكان يرتله بصوت عذب شجي، تردِّده معه الطيور والجبال كما قال تعالى في سورة ص:{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} (3).
(1) الكهف: من الآية 49
(2)
الزلزلة: الآية 7، 8
(3)
ص: الآية 18 ، 19
وهذه الجملة {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} تشير إلى أن الكتب المنزّلة على الأنبياء، هي شهادة من الله بفضلهم، وبمقدار مسئولياتهم فيها تتفاوت درجاتهم.
المفردات:
{زَعَمْتُمْ} : أدعيتم كذبا.
{كَشْفَ الضُّرِّ} : إزالته.
{تَحْوِيلًا} : صرفًا وإبعادًا.
{الْوَسِيلَةَ} : الصلة أَو السبب.
{مَحْذُورًا} : أي مخشيا مرهوبا.
التفسير
56 -
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} :
بينت الآيات السابقة أن علمه تعالى محيط بخلقه، وأنه يرحم من يشاءُ ويعذب من يشاءُ طبقا لعلمه وعدله وحكمته، وجاءت هذه الآية لتبين للمشركين عجز آلهتهم، والمعنى: تضرعوا أَيها المشركون إلى الآلهة الذين عبدتموهم من دون لله، وانظروا هل تسمع إلى ضراعتكم، أَو تجيب دعاءكم أو تدفع عنكم الضر أو تجلب إليكم النفع.
{فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} : أَي أن هذه الآلهة المزعومة لا تستطيع ولا تملك أَن تزيل عنكم ما يعتريكم من التفسير، ولا تملك أن تحوله عنكم إِلى غيركم، بل إنهم عاجزون لا محالة؛ لأنهم كما قال تعالى في سورة الفرقان:{وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} (1). فكيف تعبدونهم من دون الله؟
57 -
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} :
كان بعض العرب يعبدون الملائكة، وبعضهم يعبدون الحق تبارك وتعالى، كما كان بعض اليهود والنصارى يتخذون أَحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، فنزلت هذه الآية في شأن من يعبدون غير الله.
والمعنى: أَن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله هم خلق من خلق الله، وعبيد من عباده، خاضعون لمشيئته، منقادون لأمره يرجون رحمته ويخشون عذابه، يسبحون بحمده ويلهجون بذكره، ويتنافسون في التقرب إِليه بكل وسائل الزلفى.
{وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} :
أَي هم مع ما تقدم من عبادتهم لله وتقربهم إِليه يرجون رحمته ويخافون عذابه، لأن عذابه شديد أليم. فهم لا يعتمدون على طاعتهم، بل يخشون عقابه حذرا من تقصيرهم.
ويجوز أن يكون المعنى: أولئك المشركون الذين يعبدون الأوثان يبتغون بعبادتها الوسيلة إِلى الله، ويرجون بذلك رحمة الله ويخشون عذابه، فأيهم أَقرب إِلى الله؟ لا شك أَن أولئك العابدين أقرب إِلى الله تعالى من أَوثانهم، فهو سبحانه أقرب إلى عباده من حبل الوريد، فلا يصح أَن يتقرب هؤلاء المشركون إِلى الله بعبادة من هم أبعد منهم عن الله وأَحط قدرا وأضعف قوة وشأنا، إن عذاب ربك يا محمد كان أمرا محذورا ومخوفا، فلماذا لا يحذره هؤلاء العابدون لأوثانهم، وقد أَشركوا به من هو مَثَلٌ في الضعف والهوان.
(1) سورة الفرقان: الآية 3
المفردات:
{قَرْيَةٍ} : القرية اسم للموضع يجتمع فيه الناس ويتخذون منه سكنا لهم، وتطلق أيضًا على سكانه. {الْكِتَابِ}: اللوح المحفوظ. {مَسْطُورًا} : مكتوبا مسجلا، {الْآيَاتِ}: المعجزات التي طلبها المشركون. {مُبْصِرَةً} : داعية إِلى إِبصار الحق بدلالتها عليه وإِرشادها الناس إِليه.
التفسير
58 -
{وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} : حذر الله المشركين في آخر الآية السابقة من عذابه بقوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ، وجاءت هذه الآية لتأكيد هذا التحذير.
والمعنى: إن من سنة الله تعالى مع الظالمين أَنه ما من أَهل قرية يقابلون أَنعم الله بالجحود والكفران ويكذبون الرسل وينكرون المعجزات إِلا أَهلكهم الله سبحانه وفقا لوعيده، كما أَهلك عادا وثمود وأَصحاب الأيكة وقومِ تبع، وفيهم يقول الله تعالى في سورة (ق):{كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} .
وربما يصيب الله أَهل هذه القرية بعذاب شديد دون الإهلاك ليرجعوا إِلى الله تائبين نادمين، لأنه سبحانه يعلم أنهم سيفيئون إلى الإيمان قبل نهاية حياتهم، مثل أهل مكة،
أَو لأنه تعالي يعلم أَن من ذريتهم من يعبد الله، أو لغير ذلك من الحكم، وقيل إن المراد أن الله سبحانه سيهلك جميع القرى قبل قيام الساعة ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة المزمل:{يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} ، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث طويل عن الرجال، رواه بسنده عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى ريحًا طيبة فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة".
{كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} : كان الإهلاك أَو التعذيب قضاء محتوما وقدرًا نافذا سجله الله عنده في اللوح المحفوظ لتنفيذه في الأجل المحدود.
59 -
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} :
روى النسائي وأَحمد والحاكم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إِن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإِن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، قال: بل باب التوبة والرحمة فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
والمعنى: أَن الله لم ينزل المعجزات التي طلبها المشركون لأنه سبحانه يعلم أَن قريشا سوف تجحد هذه المعجزات كما جحدها السابقون. وحينئذ تستحق الهلاك تطبيقًا له لسنته في شأن المكذبين بعد تحقيق ما طلبوه، والله تعالى يعلم أنها ستستجيب لدعوة الإسلام بعد حين، فلم ينزل هذه المعجزات المطلوبة واكتفى بِإعجاز القرآن الكريم، كما قال سبحانه:{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1).
(1) سورة العنكبوت: الآيتان 50 -
وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا يعذب قومه ما دام فيهم قال تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (1).
{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} :
أي أَن الذي اقتضى عدم إِرسال الآيات المقترحة أَن قريشًا ستكذب بها، كما كذب بها الأولون فتتعرض للهلاك مثلهم، كما تعرضت ثمود لهذه التجربة حيث اقترحوا على نبيهم أَن يأتيهم بناقة ترعى الكلأ وتشرب الماء كله يوما، ثم تترك لثمود الكلأ والشراب يومًا آخر وتدر عليهم من أَلبانها ما يكفيهم، فعقروا هذه الناقة، جاحدين منكرين {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (2).
ومعنى مبصرة: مدركة وعارفة نصيبها في الكلأ والماء، فلا تتعداهما إِلى نصيب ثمود فيهما، أو موضحة للناس الدلائل الباهرة على صدق نبي الله صالح عليه السلام (3).
{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} : وما ننزل المعجزات المقترحة إلا إِنذارا وإرهابًا للأمم الضالة، لتعود إِلى الإيمان. فإذا أصرت على الكفر والعصيان استحقت الهلاك والنكال والدمار.
المفردات:
{أَحَاطَ بِالنَّاسِ} : شملهم بعلمه أَو أحاطت بهم قدرته.
(1) سورة الأنفال: الآية 33
(2)
سورة فصلت: من الآية 17
(3)
من أبصر المتعدى بمعنى أنها جعلت ثمود يبصرون الآية والمعجزة في شئونها المختلفة، فلم يبق لهم عذر في التكذيب.
{الرُّؤْيَا} : ما يراه النائم في منامه، وقد تطلق على ما يراه الإنسان في يقظته، كما قال الشاعر الراعي يصف صائدا:
وكبَّر للرؤْيا وهشَّ فؤاده
…
وبشر قلبًا كان جمَّا بلَابِلُه
وقال بعضهم: هي حقيقة رؤيا المنام، ورؤيا اليقظة ليلًا، والمشهور الأول.
{وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ} : شجرة الزقوم التي وصفها الله سبحانه بأنها {شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (1).
{الْمَلْعُونَةَ} : الملعونَ آكِلُها، أو البعيدة عن مواطن الرحمة لأنها في أصل الجحيم.
{طُغْيَانًا} : مجاوزة للحد في العنف.
التفسير
60 -
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} :
بعد أن تناولت الآيات السابقة أَقوال المكذبين والمعاندين، أدخل الله السكينة والطمأنينة على نفس رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية.
والمعنى: واذكر يا محمد وعدنا إِياك أَن الله سبحانه أحاط علمه وشملت قدرته الناس جميعًا ومنهم المشركون، فلا يمكنهم من إِيذائك أَو إِيقاع الضرر بك، كما قال سبحانه:{إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} (2). وقال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (3). وهو سبحانه سيجزي كلا منهم بما يستحقه من جزاء ..
{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} : أَي أَن ما أَطلعناك عليه عيانا من آياتنا الكبرى ليلة الإسراء، لم نجعله إلا اختبارا لإيمان المؤمنين وامتحانا للمشركين، ولما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قومه بحديث الإسراء سخر منه المشركون، وارتد عن الإسلام
(1) سورة الصافات: الآية 64، 65
(2)
سورة الحجر: الآية 95.
(3)
سورة المائدة: الآية 67.
قِلَّةٌ من ضعفاء الإيمان، وثبت على تصديقه والإيمان به الصادقون المخلصون، وفى مقدمتهم أَبو بكر رضي الله عنه، ومن يومها أُطلق عليه لقب الصديق. راجع تفسير السورة.
{وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} : أي وما جعلنا شجرة الزقوم المذمومة في القرآن بأنها طعام الأثيم، وما جعلناها إلا اختبارا للناس، مؤمنهم وكافرهم، فقد وصف الله سبحانه وتعالى هذه الشجرة بأنها {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} (1). ويجوز أَن يكون المراد من لعن الشجرة فى القرآن لعن آكلها أو أنها بعيدة، من اللعن بمعنى البعد لأنها بعيدة من مواطن الرحمة لأنها {تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} .
ولما نزلت هذه الآيات، قال أبو جهل: إن محمدا يتوعدكم بنار وقودها الناس والحجارة، ثم يقول: إنها ينبت فيها الشجر، وما يُعْرَفُ الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أَمر جاريته فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه ساخرا: تَزَقَّمُوا، والمعنى: وما جعلنا ما أَريناك ببصرك من الآيات الكبرى في السماء والأرض، إلا فتنة وامتحانا للناس مؤمنهم وكافرهم، وما جعلنا شجرة الزقوم إلا فتنة لهم أيضا، فثبت الصادقون، وارتد بعض الضعفاءِ من المؤمنين، وأنكر المشركون، لأن عقولهم القاصرة المحدودة لا تتصور أن تكون شجرة في قاع جهنم جهلا منهم بقدرة الله التي لا يعجزها شيء فى الأرض ولا في السماء.
{وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} : أي وننذرهم بالآيات المنزلة ونذكرهم بما أَصاب الأُمم السابقة من هلاك ودمار، فما يزيدهم الإنذار إلا إِمعانا فى الضلال وغلوا فى العناد والكبرياء، وإيغالا فى الجبروت والطغيان، والفعل المضارع (نخوفهم) يدل على أنه تعالى يتعهدهم من آن لآخر بالإنذار والتخويف. ولكنهم مع ذلك لا يزدادون إلا طغيانا كبيرا.
(1) سورة الصافات: الآيات 64 - 68.
المفردات:
{أَرَأَيْتَكَ} : أخبرني.
{لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} : لأستولين عليهم بالإغواء، يقال، احتنك فلان فلانا، إذا استولى عليه وتولى قيادته كما يحتنك الإنسان الدابة بأن يضع حول فمها حبلا يقودها به وهو الرسن.
التفسير
61 -
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} :
واذكر يا محمد للمشركين الذين استجابوا لإغواء إِبليس في الضلال والكفر، قصة عداوته للبشرية. اذكر لهم حين قلنا للملائكة آمرين: اسجدوا لآدم الذي أبدعته قدرتنا من طين - اسجدوا - تحية له وتعظيما لقدرتنا، فاستجابت الملائكة فسجدت سجود طاعة لربها وتعظيم لآدم الذي خلقه دون وسيط، ولكن إبليس أعلن التمرد والعصيان في تكبر واستعلاء.
{قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} :
أي قال: كيف أَسجد وأنا مخلوق من النار لمخلوق خلقته من الطين المهين
…
وهو بهذا يعلن عصيانه لأوامر الخلاق العظيم ويجحد حكمته التي اقتضت خلق الإنسان وجعلته خليفته في أرضه، وحامل أمانته بين خلقه، وتعليمه الأسماء
كلها، غفل إِبليس عن هذا كله وأَعلن تمرده وعصيانه وخروجه على طاعة خالقه، وبهذا استحق الطرد من رحمة الله (1).
62 -
{قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} : أي قال إبليس لربه: أَخبرني عن هذا المخلوق الذي فضلته عليَّ مع أنه غير جدير بهذا التفضيل والتكريم.
{لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} : أي والله لئن مددت في عمرى إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته، لأقودهم إِلى الدمار والخراب وإلى الفساد والعصيان كما يقود الراكب دابته، إلا طائِفة قليلة منهم لا أقدر عليهم لأنك عصمتهم يارب من الضلال والإضلال، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (2). ويقول سبحانه حاكيا على لسان إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (3).
المفردات:
{اذْهَبْ} : امض في طريق غوايتك وإغوائك مطرودًا من رحمتي.
(1) راجع القصة بتمامها في تفسير الربع الثاني من سورة البقرة، والربع الأول من سورة الأعراف.
(2)
سورة الحجر: الآية 42.
(3)
سورة ص: الآية 82، 83.
{مَوْفُورًا} : كاملا غير منقوص. {اسْتَفْزِزْ} : استحف واحفز وخادع.
{بِصَوْتِكَ} : بدعوتك إِلى المعصية. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ} : صِحْ عليهم صياحا شديدًا واستحثهم على الشَّر وادفعهم إِليه دفعا.
{بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} : أي براكبي خيلك، وجنودك الماشين على أرجلهم والمراد من يساعدك من أَعوانك على اختلاف طاقاتهم وقدراتهم.
{غُرُورًا} : غشا وخداعًا.
التفسير
63 -
{قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} :
لما توعد الشيطان أَبناء آدم بالإغراء والإِغواء لصرفهم عن عبادة الله سبحانه زجره الله سبحانه بهذه الآية والمعنى: امض أيها الشيطان في طريق غوايتك وإِغوائك، مطرودا من رحمتي أنت ومن اتبعك من البشر، فمصيرك وإياهم جهنم تجزون فيها جزاء موفورا تاما وبئس المصير.
64 -
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} : وادفع إلى الشر من استطعت دفعه منهم بصياحك عليهم. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} : أي وادفعهم دفعا إلى ارتكاب الشر والموبقات مستعينا عليهم بجنودك من شياطين الإنس والجن من فرسان مسرعين ومشاة مبطئين، أَي بمختلف أَساليب الإغواء، وذكر الخيل والراجلين من باب التمثيل.
{وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} : واشترك معهم في مباشرة كسب الأموال الحرام بالباطل، واشترك معهم في دفعهم إِلى تنشئة أَولادهم على الكفر والعصيان والضلال.
{وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} : أَي واخدعهم بالمواعيد الكاذبة مزيِّنًا لهم الشَّر مقبحا لهم الخير، وألق الشك في قلوبهم بحقيقة البعث والنشور، وما ينتظرهم من عذاب أليم، وما مواعيد الشيطان إِلا أباطيل زائفة وأَوهام خادعة لأن طبيعته قائمة على التغرير والخداع والنفاق فليفعل ما يشاء، فليس له على أحد سلطان إِلا الغاوين.
65 -
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} :
بينت الآيات السابقة أن الشيطان توعد ذرية آدم بأنه سَيَحْتنكهم ويغويهم إِلا قليلا وأن الله هدده وأنذره بالفشل في وسوسته مهما ضللهم بوعوده الزائفة، وجاءَت هذه الآية لتبين أنه تعالى يحفظ عباده الصالحين من نزغات الشيطان وينجيهم من إغوائه وأَباطيله كما قال سبحانه فيه:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (1). وحسبك أَيها النبي أَنت والمؤمنون الصالحون حسبكُم حماية ربك لك ولهم وكفالته إياكم، وتخليصكم من مكايد الشيطان وجنوده، فتوكلوا عليه واعتصموا به - وقيل إن الخطاب في قوله تعالى:"وكفى بربك وكيلا" - موجه إلى الشيطان، كما في الجملة السابقة أَي وكفى بربك أَيها الشيطان وكيلا للمؤمنين من عباده: فليعوذوا بي من شرك فإني أعيذهم منه.
المفردات:
{يُزْجِي} : يبعث ويرسل. {الْفُلْكَ} : السفن. {ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ} : انصرف عنكم أو غاب عن نصرتكم ومعونتكم من تعبدون. {كَفُورًا} : جاحدا للنعمة.
(1) سورة النحل الآيتان: 99، 100
التفسير
66 -
{رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
…
} الآية.
بعد أن تحدثت الآية السابقة عن فضل الله على عباده المخلصين بإنقاذهم من غواية الشيطان إِذا لجأُوا إليه واعتصموا به، واستمسكوا بكتابه، بعد ذلك تحدثت هذه الآية عن فضل الله على خلقه وموقفهم من هذا الفضل.
والمعنى: إن إلهكم صاحب النعمة الجزيلة عليكم هو الذي هيأ لكم صناعة السفن وتسخيرها في حملكم من بلد إلى بلد، وفي نقل حاصلات الشرق إِلى الغرب وحاصلات الغرب إلى الشرق، بأقل نفقة وبأيسر كلفة عبر المحيطات والبحار، كما يسر لكم بها الانتفاع بخيرات البحار من لؤلؤ ومرجان وأصداف ولحوم وزيوت الأسماك، كما سخرها ليمكنكم من منافع أخرى تبتغونها من فضله، مثل استخراج البترول من قاع البحار.
{إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} : سخر الله لكم سبحانه هذا كله لأنه كان ولا يزال واسع الرحمة بكم، ييسر لكم سبل الرزق من حيث تحتسبون أو لا تحتسبون.
67 -
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} :
وإِذا تعرضتم لأخطار البحار، من نحو زوابع وأعاصير وعواصف وأَنواء وأَسماك مفترسة متوحشة، وتطلعتم إلى من يمد يده الرحيمة لإنقاذكم من الهلاك والدمار، ذهب عن أَذهانكم من تدعونه لتفريج كربتكم سوى الله القوي القدير اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه، فإنكم تدعونه وحده ليكشف الضر عنكم وينجيكم بما أصابكم.
{فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} : فلما أنقذكم الله بفضله ورحمته، وأوصلكم إلى الشاطئ سالمين قابلتم نعمته عليكم بالجحود، وأعرضتم عنه منصرفين إِلى آلهتكم. ومن المشاهد أَن الإنسان بطبيعته وفطرته يلجأ إلى خالقه في شدته، فإذا جاءه الرخاءُ أعرض عن ربه إلا من عصم الله كما قال سبحانه:{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} (1).
(1) سورة يونس: الآية 12.
المفردات:
{يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ} : يغيبكم في جوفه وقد ظننتم الأمن فيه.
{حَاصِبًا} : ريحا ترميكم بالحصباء فتهلكوا.
{وَكِيلًا} : حافظًا يرعاكم. {قَاصِفًا} : عاصفا محطما مدمرا.
{تَبِيعًا} : ناصرا ومعينا.
التفسير
68 -
{أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} :
إِذا نجاكم الله من أهوال البحر وعدتم إلى البر قابلتم فضله بالجحود، فهل أمنتم أَن ينالكم عذابه وأَنتم في البر، بأن تتعرضوا لزلزال مدمر يقلب بكم الأرض ظهرا لبطن فيدفنكم فيها وأنتم أحياء، كما خسف بقارون وبداره الأرض، أَو أن يرسل عليكم ريحا تحمل الحصباء، كما فعل بقوم لوط.
{ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} . ثم لا تجدوا حينئذ من تكلون إليه أمر الدفاع عنكم، بأن يصرفه عنكم أَو يحفظكم من ضرره، فإِنه لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه.
69 -
بل أَأَمِنْتم أن يعيدكم إلى ركوب البحر مرة ثانية فيرسل عليكم ريحا عاصفا محطما مدمرا يطويكم في جوف الأمواج فتغرقون بسبب كفركم، وبالجملة ينبغي أَن يعلم كل امريء أَنه في قبضة إِله قوى جبار فعال لما يريد، فعليه أَن يطيعه ويخشاه، سواءٌ أكان في بحر أَم في بر، ولا ينبغي له أَن يأمن مكر الله تعالى:{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (1).
{ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} : ثم لا تجدوا لكم حينئذ نصيرا أو منقذا يتابعكم ليدفع عنكم الأخطار، أو متابعا لنا مطالبا الثأر لكم منا.
التفسير
70 -
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} :
يخبر الله سبحانه بهذه الآية عن تكريمه بني آدم، وتفضيله إياهم حيث خلقهم جميعا، برهم وفاجرهم، على أَحسن الصور التي تتمثل في اعتدال القامة وتناسق الخلق وجماله ونعمة العقل والإدراك، وفي طعامهم وشرابهم، وَكُلُّ شأن من شئون حياتهم يتميزون به عن غيرهم من جميع مخلوقاته، وإتماما لتكريمه سبحانه إياهم وهبهم قدرة تمكنهم
(1) سورة الأعراف: 97 - 99.
عن التسلط على ما في الأرض، من كنوز ومياه ومعادن وبترول، وغير ذلك مما جعلهم يقيمون الصناعات، ويستنبتون الزروع ويغرسون الأشجار، ويملكون سبل التقدم والعمران كما مكنهم من الانتفاع بما في السماء، من هوائها وسحابها. وسائر كواكبها وأجرامها التي أَمدتهم وتمدهم بطاقات كثيرة لا غنى لكائن حمىّ عنها، فضلا عن الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، وقصارى القول أن الله تعالى سخر كل شيء لتكريم الإنسان. وكان هذا التسخير بقدرته تعالى، وليس بقدرة البشر.
{وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} : أي أنعمنا عليهم فحملناهم في البر على الدواب من الإبل والخيل والبغال وعلى غيرها من وسائل الانتقال. كما حملناهم في البحر على السفن المختلفة الأشكال والأحجام المختلفة الأغراض.
{وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : التي تجمع فنون المطاعم والمشارب الذيذة التي منحناهم إياها، مما لا يتسنى لهم أن يحصلوا عليها بصنعهم، وإن صنعوها فبتيسير الله وإِقداره، وإجرائها في مواد مخلوقة له سبحانه، أما غيرهم من الحيوانات فأرزاقها مما تعافه أَنفسهم.
{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} : أَي أَن الله جل شأنه فضلهم تفضيلا عظيما على كثير ممن خلقهم سبحانه بأمور كثيرة، إذ شرفهم بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله، وتفهم تعاليمه، ويحصل بهديه التمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، وذلك مما يوجب عليهم شكر المنعم المتفضل، ويتحقق شكره بتوحيده وإخلاص العباة له سبحانه، ورفض الشرك الذي لا يقبله من له أَدنى تمييز. فكيف بمن فضل على ما سوى الملإ الأعلى، من كل ما يدب على وجه الأرض أَو يحلق في أَرجاء السماء، وكما فضلهم بالعقل فضلهم بأُمور خلقية ذاتية، مثل النطق والصورة الحسنة، والقامة المديدة المعتدلة، إلى غير ذلك مما امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان.
واعلم أن الرسل من البشر أفضل من الملائِكة مطلقا، ثم الرسل من الملائكة مفضلون على من سواهم من البشر والملائكة. ثم عموم الملائكة على عموم البشر. هذا رأى الجمهرة من العلماء.
المفردات:
{نَدْعُو} : ننادى. {بِإِمَامِهِمْ} : بنبيهم أَو بكتاب أعمالهم. {فَتِيلًا} : الفتيل هو الخيط الدقيق الممتد في شق النواة طولا. والمراد به المقدار البالغ الغاية في القلة من العمل.
{أَعْمَى} : يراد به أَعمى البصيرة.
التفسير
71 -
{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} :
هذا شروع في بيان تفاوت أحوال الناس في الآخرة حسب تفاوت أحوالهم وأَعمالهم في الدنيا.
والمعنى: اذكر لقومك أَيها النبي يوم ننادى كل جماعة من بني آدم بمن ائتموا به واتبعوه من نبي وكتاب تشريع، أَو كتاب الأعمال التي قدموها، فيقال لهم يا أَتباع محمد أَو موسى أَو عيسى عليهم السلام، أَو يا أتباع القرآن أَو التوراة أَو الإنجيل أَو يا أَصحاب كتاب الخير. أو يا أصحاب كتاب الشر.
والراجح أن يكون المراد هنا بالإمام كتاب الأعمال على ما رواه العوفى عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} أَي بكتاب أَعمالهم، وكذا قال أَبو العالية والحسن والضحاك، لقوله تعالى:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (1). ويجوز أن
(1) سورة يس: الآية 12.
يكون المراد بإمامهم دينهم الذي دانوا به في الدنيا صحيحا أَو فاسدًا، فينادى يا أصحاب دين كذا ليسلّموا كتبهم.
{فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} : أي فمن أعطى كتاب أعماله من أولئك المدعوين فأخذه بيمينه كان ذلك تبشيرا وتشريفا له.
{فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} : أَي فهؤلاء المختصون بتلك الكرامة يقرأ كل منهم كتابه، وحين يسر بقراءته ينادي إخوانه مبتهجا تعالوا فاقرءُوا كتابي، لتروا ما أَكرمني الله به من الثواب العظيم، كما قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} (1).
{وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} : أَي ولا ينقصون من ثواب أَعمالهم المكتوبة في صحائفهم أَي شيء ولو بلغ الغاية في القلة. فكان قدر فتيل وهو الخيط الرفيع في شق النواة ويضرب به المثل في الصغر وفيما لا قدر ولا اعتداد به لدى المخلوقين.
72 -
{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} الآية.
أي ومن كان في الحياة الدنيا أعمى البصيرة عن حجج الله وبيناته، وعن كل ما أولاه الخالق جل شأنه من نعم ظاهرة وباطنة. فهو في الآخرة أَعمى لا يهتدى إلى ما ينجيه. ولا يجد ما يجديه، لأن عماه في الدنيا بإِعراضه عن توحيد الله أوجب هذا التخبط في الآخرة والحرمان فيها.
وعن ابن عباس: ومن كان في هذه النعم والآيات التي رأى أَعْمى، فهو في الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا. وقيل ومن كان في هذه الدنيا أَعمى القلب حشر يوم القيامة أَعمى العين كما قال تعالى:{وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .
{وَأَضَلُّ سَبِيلًا} : عما كان عليه في الدنيا، حيث استحالت عليه جميع أسباب النجاة لفقده كل طريق يوصل إِليها، إذ لا توبة في تلك الدار ولا إِمهال. ولا عودة لتدارك ما فات.
(1) سورة الحاقة: الآية 19، 20
وهذا الفريق الذي عميت بصيرته في الدنيا وكان أَعمى في الآخرة، هو لفريق الذي أَوتى كتابه بشماله، بدلالة ذكره مقابلا للفريق الذي أوتى كتابه بيمينه، ولم يذكر بعنوان أوتي كتابه بشماله صريحا كما ذكر الفريق الأول بعنوان إيتاء كتابه بيمينه، اكتفاء بذكر السبب الموجب لذلك وهو ونه أعمى البصيرة في الدنيا، وأَعمى وأَضل سبيلا في الآخرة.
المفردات:
{وَإِنْ كَادُوا} : وإِن قاربوا {لَيَفْتِنُونَكَ} : ليصرفونك. {لِتَفْتَرِيَ} : لتختلق.
{خَلِيلًا} : صفيا وصاحبا من الخُلة، بضم الخاء وهي الصحبة.
{تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} : تميل إليهم.
التفسير
73 -
{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
…
} الآية.
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، إن وفد ثقيف أَتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدي لها فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما رمت مكة حتى يعرف العرب فضلنا عليهم، فهمَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يعطيهم ذلك فنزلت. وقيل سبب نزولها هو قول أكابر قريش
للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالى، حتى نجلس معك ونسمع منك، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم فيما يقولون فعصمه الله وأَنزل الآية.
والمعنى: وإِنه كاد هؤلاء المشركون بما اقتوحوه عليك أَن يوقعوك في الفتنة بأن تستجيب إلى ما طلبوه منك من أمور تقربك منهم.
{لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} : أَي يأملون بذلك أَن تختلق علينا غير الذي أنزلناه إليك، وأَمرناك باتباعه فتخالفه إلى تنفيذ ما اقترحته عليك ثقيف من تحريم واديهم كتحريم مكة أَو طلبته قريش من إِقصاء الفقراء عنهم، فكادت نفسك تميل قليلا إلى موافقتهم رجاء إيمانهم رحمة بهم.
{وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} : أَي لو استمعت إليهم لقربوك منهم، صفيا وصاحبا وكنت وليًّا لهم.
74 -
{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} :
أَي ولولا تثبيتنا إِياك وعصمتنا لك لقاربت أَن تميل إِليهم ميلا قليلًا لشدة احتيالهم عليك، وخداعهم لك ومكرهم بك، ولكنك أَدركتك عنايتنا، فحالت بينك وبين القرب من أدنى مراتب الركون، وهذا صريح في أَنه صلى الله عليه وسلم ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إِليها، قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أَحد منهم إِلى المشركين في شيء من أَحكام الله تعالى وشرائعه.
75 -
{إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} :
أَي لو قاربت الركون إليهم لجمعنا عليك عذابا مضاعفًا في الدنيا والآخرة، حيث يكون هذا العذاب ضعف ما يعذب به غيرك في الدارين إذا فعل مثل هذا الفعل، لأنه كلما كانت الدرجة أَعلى والمنزلة أَسمى كانت المؤاخذة على الخطيئة أَشد وأَقوى.
{ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} : يمنع عنك العذاب ويحول بينك وبينه إذ لا سلطان فوق سلطاننا حتى تجد فيه ملجأ أَو معينًا.
المفردات:
{وَإِنْ كَادُوا} : أَي وإن قاربوا. {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} : ليزعجونك، يقال استفزني فلان أزعجنى. {خِلَافَكَ}: بَعدك.
التفسير
76 -
{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} :
قال مجاهد وقتادة: نزلت هذه الآيات في همِّ أهل مكة بإِخراجه صلى الله عليه وسلم من أُم القرى ولو أَخرجوه منها لما أمهلوا ولكن الله أَمره بالخروج فخرج.
والمعنى: قارب أهل مكة أن يزعجوك بعداوتهم وشدة إيذائهم. ليخرجوك من الأرض الطيبة أرض مكة قبل أن يأْذن الله لك بالهجرة.
{وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} :
أَي ولو حققوا ما همُّوا به، بإكراهك على الخروج لم يبقوا بعد إكراهك عليه إلا زمنا قليلا يستأصلون ويهلكون جميعًا بعده.
والواقع أنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من مكة بإكراه قريش له، وإِن كانوا قد هموا به بل كان خروجه بأمر ربه حين أذن له في الهجرة، حفاظا على الدعوة وتمكينا لها من المضي في طريقها لأداء مهمتها السامية في جو من الأمن والاستقرار. وليسلم منهم ومن أَعقابهم من يشرف بالإِسلام، لذلك لم يقع لهم الاستئصال، وعن مجاهد قال: أَرادت قريش ذلك ولكنها لم تفعل لأنه سبحانه أَراد استبقاءَها وعدم استئصالها ليسلم منها ومن أَعقابها من يسلم، فأذن لرسوله بالهجرة، فخرج بإذنه لا بإخراج قريش وقهرهم.
وأسند الإخراج إليهم في قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} (1). وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أَوَ مخرجي هُمْ". وفي قول ورقة - ليتني كنت جذعا إِذ يخرجك قومك، - أَسند الإخراج إِليهم - لِهَمِّهِمْ به ومزاولة مقدماته باستفزازهم له ولأصحابه.
77 -
{سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا} :
أَي سننا سنة في أُمم المرسلين قبلك، وهي إن تعذب كل أمة كفرت برسولها وآذته وجعلته يخرج من بين أظهرها، وذلك بإِهلاكها بحيث لا تلبث بعده إلا قليلًا حتَّى يحيق بها الدمار والنكال، ولولا أنه صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة لجاء قومه والذين كفروا بها بعذاب من عند الله لا قبل لهم به في الدنيا. لهذا قال تعالى:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (2). وإِسناد السنة إلى الرسل مع أَنها لله جل شأنه لأَنها سنت لأجلهم.
{وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} : أَي لا خلف في وعدها ولا تغيير في وقتها ونوعها.
(1) سورة محمد الآية 13
(2)
سورة الأنفال الآية 33
المفردات:
{لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} : لميلها عن وسط السماء. يقال "دلكت الشمس" أي مالت وانتقلت من وسط السماء إِلى ما يليه غَرْبًا. {غَسَقِ اللَّيْلِ} : شدة ظلمته، يقال غسق الليل غسقا ويحرك وغسقانا وأَغسق اشتدت ظلمته، ويطلق الغسق على ظلمة أول الليل. {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}: قراءته والمراد بها صلاته. {فَتَهَجَّدْ} : الهجود النوم، والتهجد التيقظ منه للصلاة.
{نَافِلَةً} : زائدة على الفريضة. {مُدْخَلَ صِدْقٍ} : إِدخال صدق، فهو مصدر ميمى من الرباعي، وكذلك {مُخْرَجَ صِدْقٍ}: أَي إِخراج صدق. {سُلْطَانًا} : حجة لها سلطة على العقل بقولها.
التفسير
78 -
{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} :
لما ذكر سبحانه في الآيات السابقة محاولة المشركين صرفه صلى الله عليه وسلم عن الدعوة وإِزعاجه بالفتن والأذى، أَتبعها هذه الآيات بأَمره فيها بإقامة الصلاة لما فيها من التثبيت والصبر والقوة الروحية على مجابهة فتن المشركين.
والمعنى: أقم الصلاة أَيها الرسول وسائر المؤمين عند ميل الشمس عن وسط السماء إلى أَن تشتد ظلمة الليل بعد غروبها، وهذا الوقت يشتمل على أربع صلوات هي الظهر.
والعصر والمغرب والعشاءُ.
والأَمر بإقامتها بين دلوك الشمس وغسق الليل يراد به إقامة كل صلاة منها في وقتها الذي عين لها بينهما، ببيان جبريل عليه السلام. كما أن كيفية كل صلاة منها بينها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، بتعليم جبريل عليه السلام، وإِنما فرضت في الأوقات المعينة لها لأن شأن الإِنسان فيها أن يكون متيقظًا وقد أفرد الله تعالى صلاة الفجر بأَمر خاص تضمنه قوله تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} اهتماما بها لأنها تكون بعد نوم يفصلها عن الصلوات الأربع، وعبر عن صلاة الفجْر بالقرآن لأَنها يطلب فيها تطويل القراءَة أَكثر من غيرها، ولهذا تشهدها الملائكة كما سيأتي، وبذلك تكون الآية الكريمة قد أَشارت إِلى الصلوات الخمس.
وقيل المراد بالصلاة في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ} صلاة المغرب، ويكون معنى دلوك الشمس غروبها وغسق الليل ظلمته، باختفاء الشفق فيكون آخر وقت صلاتها أَداء.
{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حينما يتعاقبون، والمراد بهم الكتبة، وقد روى الترمذي عن أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حديث صحيح، وأَخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يَتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر" وقيل تشهده كثرة من المصلين عادة أو من حقه ذلك، أَو تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة، واليقظة بالنوم وهو أَخو الموت، وإظهار لفظ القرآن في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام به.
79 -
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (1)
…
} الآية.
التهجد التيقظ بعد النوم، والمقصود بالتهجد هنا الصلاة ليلا بعد النوم، والضمير في قوله:{فَتَهَجَّدْ بِهِ} يعود على القرآن، أَي فتهجد بالقرآن وصل مُتَلبسًا بقراءته بعد الفاتحة، وذلك بعد قيامك من النوم ليلًا، ويستدل بذلك على تطويل القراءة في التهجد ويجوز عود الضمير على الليل. والباءُ بمعنى في. أي: وبعض الليل وفتهجد فيه.
{نَافِلَةً لَكَ} : فريضة زائدة على المفروض على الأمة. خاصة بك فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل كانت في الابتداءِ واجبة عليه وعلى الأمة ثم نسخ الوجوب وصار الأَمر فيها للندب، فهو إِذا تطوع بما ليس بواجب عليه، كان ذلك زيادة له في الدرجات. أَما غيره من الأمة فتطوعه لجبر نقص ولتدارك خلل يقع في الفرض أَو لتكفير ذنب يلم به أَو لزيادة ثواب. قال معناه مجاهد وغيره.
{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} : أَي وبعض الليل فتهجد فيه لتكون على رجاء أن يبلغك ربك إِلى كمالك الذي أنت أهل له في الدار الآخرة. فيقيمك في مقام محمود عند نفسك وعند الناسِ أجمعين. وذلك هو مقام الشفاعة العظمى في فصل
(1) الهجود: النوم، والتهجد إزالة الهجود بالتيقظ من ال
القضاء، حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"مقامًا يحمد فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تَسْأَل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أَحد إِلا تحت لوائك". وقيل المقام المحمود هو إِعطاؤُه عليه السلام مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أَصلا، وعلى الجمله فالمقام المحمود ينتظم كل مقام بتضمن كرامة له صلى الله عليه وسلم ويشير إِلى ذلك التنكير في قوله:{مَقَامًا} حيث يفيد التعميم والتفخيم.
80 -
{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} (1):
لما وعد الله رسوله المقام المحمود، أَمره أَن يتجه إليه بدعائه لينجز له وعده أَي قل مناديًا ربك: أَدخلنى فيما أَمرت به من الطاعات إِدخالا مرضيا، وأَخرجني عما نهيت عنه إخراجا نظيفا من المعاصي، وهيئ لي كل أسباب العزم والقوة لجهاد أعداء دينك، حتى أَنتصر عليهم بسلطانك وتأْييدك، حتى أَكون أهلا لما وعدتني من المقام المحمود، وقيل علمه جل شأنه أَن يدعوه بأَن يخرجه من دار المشركين دار الإِيذاء والغدر، وأَن يُدخله موطنا للطمأنينة والأمن فدعا ربه كما أَمره فأَخرجه من مكة وأَدخله المدينة، وروى هذا المعنى الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة مهاجرًا، ودخوله مكة يوم الفتح آمِنًا - وتقديم الإِدخال في الآية على الإِخراج مع أَن إخراجه من مكة أَسبق من إدخاله فيها بعد ذلك، لأن إِدخاله فيها هو الهدف المقصود، وقيل المعنى: أَدخلني في الأمر الذي أَكرمتني به من النبوة مدخل صدق وأَخرجنى منه مخرج صدق إذا أَمتنى، قاله مجاهد.
{وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} :
أَي حجة ثابتة وبرهانا بينا يكون به النصر على من يخالفني، وكون السلطان مرادًا به ما ذكر، موافق لرأْى الشعبى وعكرمة. وذهب الحسن إِلى أَن المراد به إظهار دينه على الدين كله، بالتسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحد، وبعصمته من كل أذى يوجه إِليه وإِلى دين الله. وقد استجاب الله لدعاء رسوله، فأَظهر دينه على الأَديان كلها وعصمه من أَذى الناس وكيدهم، يشير إِلى ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
(1) مدخل صدق، أي إدخال صدق، ومخرج صدق أي إخراج فهو مصدر ميمي في كلي
{وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (1). وقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (2). وقد أشعر وصف "سلطانا" بقوله "نصيرا" وهي من صيغ المبالغة - أَشعر بأنه صلى الله عليه وسلم يدعو بنصر حاسم.
81 -
{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} :
أي وقيل جاءَ الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم برده، وهو الإِسلام المؤيَّد بمعجزة القرآن الكريم، الداعي إِلى الإيمان الصادق والعلم النافع، وذهب الباطل واضمحل فهلك الكفر والشرك، وما زينه الشيطان من شرور وآثام.
{إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} : وعد من الله جل شأنه بنصر الحق على الباطل أَي أن الباطل شأنه عند الله أن يكون مضمحلا ولا بقاء له مهما طال به الأمد، وامتد به الزمن، وتعدد المستمسكون به، وفي بيان ذلك يقول سبحانه:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (3) ويروى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نصبا - فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة في يده، وربما قال: بعود، ويقول:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} جاء الحق وما يبدىءُ الباطل وما يعيد، هذا لفظ رواية الترمذي، قال القشيرى: فما بقى منها صنم إلا خر لوجهه، ثم أَمر بها فكسرت.
المفردات:
{خَسَارًا} : الخسار، الهلاك والضلال.
(1) سورة التوبة: الآية 33
(2)
سورة المائدة: الآية 67
(3)
سورة الأنبياء: من الآية 18
التفسير
82 -
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
…
}:
أي شفاءٌ لما في الصدور من شك ونفاق، وزيغ وشرك، وذلك بتخليصها من مرض الجهل، وداء العناد، وشهوة الإعراض حتى تستبين الأمور الدالة على الله تعالى، فالقرآن في تقويم النفوس، وتنقية القلوب كالدواء الشافى للمرضى، وهو جميعه كذلك. ويرى بعض العلماء أَنه يستشفي به من الأمراض الظاهرة، استنادا إلى حديث صحيح في ذلك، قال القرطبي: روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبًا، قال فنزلنا على قوم من العرب، فسألناهم أن يضيِّفونا فأبوا - قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: فيكم أحد يرقى من العقرب؟ إن الملك يموت. قال.: قلت أنا - نعم، ولكن لا أَفعل حتى تعطونا، فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه "الحمد لله رب العالمين" سبع مرات فبرأ، فبعث إلينا بالنُّزل (1)، وبعث إلينا بالشاء (2)، إلى آخر الحديث.
{وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} : هو رحمة لهم، ففيه بواعث الإيمان والحكمة، والرغبة في كل فضيلة ومكرمة، فتعمهم بالعمل به الرحمة التي تشمل تفريج الكروب. وتكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.
{وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} : أي ضلالا وهلاكا لتكذيبهم المتتابع، وكفرهم المتكرر بكل آية يوحى بها، وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن، باعتبار كونه سببها حيث تمادوا في كفرهم به وتكذيبهم له كلما أُنزل، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة فصلت:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} (3).
(1) النزل: بوزن القفل؛ الطعام الذي يهيأ للضيف الذي ينزل بك.
(2)
الشاه: هي الغنم التي جعلوها لهم عطاء وأجرا علي رقيا الملك الملدوغ.
(3)
سورة فصلت: الآية 44.
المفردات:
نأى الشيء بعد، ونأيته ونأيت عنه: بعدت.
{وَنَأَى بِجَانِبِهِ} : تكبر وتباعد. {يَئُوسًا} : شديد اليأس. {عَلَى شَاكِلَتِهِ} : على طريقته ومذهبه.
التفسير.
83 -
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} :
يخبر الله بهذه الآية عن نقص الإنسان من حيث طبيعته في حالتي الرخاء والشدة، فإذا أنعم عليه بمال وصحة، وفتح ونصر، ونال كل مآربه أو بعضها، أعرض عن طاعة خالقه، وبعد عن عبادته، وإذا مسه شر، أو نزلت به كارثة، بالغ في اليأس من رحمة الله - وتمادى في الجزع، فالآية نزلت تذكر منهجًا عامًّا سلكه جنس الإنسان عند ممارسته لشئون الحياة، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة.
والمعنى: وإذا أنعم الله على الإنسان بالصحة وبسط له كل أَسباب النعمة والقوة لم يذكر فضل الله عليه كأنه ومستغن عنه، وبدل أن يقوم بشكره، ويذل لسلطانه، تكبر وتباعد، وطوى عن الطاعة عنقه وأعطاها عرض وجهه وبعد بجانبه وولاها ظهره، وتلك الآية تبرز مبالغته في الإعراض والبعد عن ربه غرورًا واستكبارًا، مصورة بصورة الأمور المحسوسة تقبيحا له وتقريعًا على ما اقترف من إثم عظيم.
{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} : أَي إذا نزل به شر من مرض أَو فقر أَو كارثة من الكوارث التي تلم به، كان شديد اليأس والقنوط، من فرج الله الذي وعده عباده المؤمنين، وذلك لأنه لم يقبل عليه في الرخاء، حتى يرجوه في الشدة، ولو أَنه صبر لظفر، فقد جاء في حديث ابن عباس:"وَاعْلَمْ أنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبْر، وَأن الفَرجَ معَ الكرْبِ، وأَن مع العسر يسرًا".
84 -
{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} :
تهديد للمشركين ووعيد لهم، وطمأنة للمؤمنين وحفز لهم، أي أن كل واحد منكم سواء أكان مؤْمنا أَم كافرا، مقبلا أم معرضًا، راجيًا أم قانطا. يعمل على طريقته ومذهبه وأخلاقه التي ألفها في الهدى والضلال. وسيُجْزَى كل عمله لا تخفى منه خافية.
{فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} : أَي فربكم الذي خلقكم أعلم بمن هو أبين منهاجا، وأرشد طريقا وهو المؤْمن المهتدى فيثيبه ويجزل عطاءه، كما هو أعلم بمن يمشي مكبا على وجهه شديد العناد في سلوكه، فلا يمنحه توفيقه، ولا يزيده إلا خسارًا ونكالًا.
المفردات:
{الرُّوحُ} : يطلق على ما به حياة الأنفس يُذَكَّر ويؤنث، ويطلق أيضًا على القرآن وعلى الوحي وجبريل، - كما يطلق على غير ذلك، وسيأتي بيان المراد منه في الآية.
{مِنْ أَمْرِ رَبِّي} : من شأنه الذي اخْتَصَّ به سبحانه وتعالى.
التفسير
85 -
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} :
نزلت هذه الآية الكريمة حينما سألت قريش الرسول عن الروح بإيعاز من اليهود فقد أخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وجماعة من ابن عباس قال: قالت قريش لليهود اعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا سلوه عن الروح فنزلت. وقيل بعثت النضر ابن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط إلى أحبار يهود المدينة فقالوا: سلوه عن أَصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت، فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فجاءُوا وسألوه فبين لهم صلى الله عليه وسلم القصّتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع
عليه ملكًا ولا نبيًّا مرسلا فكان ذلك سببًا لنزولها، وكان السؤال عن حقيقة الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وامتزاجه بالجسم واتصال الحياة به وهذا شيءٌ لا يعلمه إلا الله، وذلك ليعرف الإِنسان على القطع عجزه عن فهم حقيقة نفسه ومصدر حياته مع علمه بوجودها. وفى هذا دلالة ناطقة على أنه وقد عجز عن إِدراك حقيقة نفسه فهو عن إدراك كنه خالقه أَعجز، لأنه اللطيف الذى لا يعلم ذاته سواه.
وقيل في معنى الروح أَقوال منها: أنها صورة كالبدن تسري فيه سريان الماء فى العود الأخضر، وقيل غير ذلك، والصحيح أنها شيءٌ لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى آمرا نبيه بإجابتهم:{قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} :
وكان المقام للإضمار فيقال قل هو من أَمر ربي، ولكن الإظهار لكمال العناية بالمسئول عنه. أَي قل إن الروح من الأسرار الخفية التي تعجز عن إدراكها عقول البشر وتكل عن معرفتها أفهامهم، فهي من الأمور التي استأثر الله بعلمها، والإضافة إِلى ضميره صلى الله عليه وسلم فى (ربي) للتشريف والتعظيم.
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} : اختلف فيمن خوطب بهذا، فقيل: السائلون فقط، وقيل: اليهود بجملتهم، وقيل: العالم كله وهو الصحيح فقد أَخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال نزلت هذه الآية بمكة فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} أفعنيتنا أم قومك؟ قال كُلًّا عنيتُ - قالوا فإنك تتلو أنا أُوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إِن عملتم به استقمتم، وأَنزل الله:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1).
ولا شك أَن القِلة والكثرة من الأُمور الإضافية، فالشيءُ يكون قليلا بالنسبة إِلى ما فوقه وكثيرا بالنسبة إلى ما تحته، فما في التوراة قليل بالنسبة إلى ما في علم الله حيث إن علمه
(1) سورة لقمان: الآية 27.
سبحانه يتعلق بكل شيء في ملكوته من الخلق والتكوين والحياة والموت والسماوات والأرض، والثواب والعقاب.
المفردات:
{لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} : أي لَنُزيِلنَّه، يقال ذهب به أزاله كأذهبه.
التفسير
86 -
أي ولو أردنا أن نذهب بالقرآن الذي أوحيناه إِليك وثبتناك عليه حينما حاولوا فتنتك لو أردنا ذلك لذهبنا، ثم لا تجد لك بالقرآن وكيلا يلتزم باسترداده منا، كما يلزم الوكيل باسترداد ما ذهب منه ووُكِّل فيه، ولكن الله تفضل بإبقائه في صدرك وصدور المؤمنين ومصاحفهم رحمة بعباده، وفي ذلك يقول الله:
87 -
{إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} :
أي ولَكِن رحمة من ربك تركه غير مذهوب به، فيكون ذلك امتنانًا بإبقائه بعد الامتنان بإنزاله، وترغيبا في المحافظة على أداء حقوقه؛ لأنه أَجل النعم وأعظمها {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا}: إذ اصطفاك على سائر الخلق واختصك بالمقام المحمود.
وجعلك خاتم الأنبياء والمرسلين، وأَنزل عليك كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكفل ببقائه وحفظه، وينصرك على أَعدائك بما أمدك به من رعاية وتوفيق.
المفردات:
{ظَهِيرًا} : معينا ونصيرا. {صَرَّفْنَا} : رددنا وكررنا.
{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} : أَي ما قبل أكثرهم إلا الجحود والإعراض.
التفسير
88 -
نزلت هذه الآية حين قال الكفار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا أي قل للذين لا يعرفون قدر القرآن العظيم. وشأنه الجليل فزعموا أنه من كلام البشر وأن في مقدورهم الإتيان بكلام مماثل له، قل لهم لو اتفقت كلمة الإنس منهم والجن، وتضافرت همههم وأقبلوا بكل عقولهم وأَفكارهم على تحقيق رغبتهم في الإتيان بمثله في سمو الأسلوب، ودقة التنسيق، وكمال المعنى وقوة التشريع، والإخبار بالغيبيات وغير ذلك، لو اجتمعت على ذلك لعجزوا عن الإتيان بمثله، لا بِعِيٍّ فيهم فهم أهل لسن وبلاغة، وإنما الإعجاز فيه في لفظه ومعناه وتشريعه وتأثيره النفسي جعله فوق مستوى الجن والإنس.
{وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} :
أَي لا يأتون بمثله على أَي حال مفروضة، بمعنى أنهم سيبوءُون بالإخفاق على الانفراد، أَو على الاجتماع متعاونين، وفي ذلك حسم وقطع لأطماعهم الضالة التي أملت عليهم، وزينت لهم الإتيان بمثله، وتأكيد لعجزهم عنه على أَي حال من الأحوال.
89 -
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} :
أي كررنا ورددنا للناس في هذا التنزيل من كل معنى بديع غاية الحسن يستجلب النفوس ويستميلها كما تستميلها الأَمثال السائرة، أو ذكرنا في القرآن طرقا متنوعة توجب زيادة وضوح في البيان ندعهما بالحجج الواضحة والبراهين القاطعة التي تبعث في النفوس الثقة والاطمئنان، أَو وجهنا للناس القول فيه من كل مَثَلٍ رائع في الحكمة الإلهية والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وقصص الأولين والجنة والنار وشئون القيامة وغير ذلك من العبر.
{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} : والمراد بأكثر الناس الناس من كان في عهده صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب واستظهر في البحر أَنهم أهل مكة بدليل أَن الضمائر الآتية لهم، أَي ما رضي أكثرهم إلا الكفر والجحود للحق، وأَنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإِباء.
وأوثر إِظهار لفظ الناس مع أَن المقام للإضمار لزيادة التأكيد والتوضيح.
المفردات:
{تَفْجُرَ} : تشق وتفتح. {يَنْبُوعًا} : الينبوع العين الكثيرة الماء. {فَتُفَجِّرَ} : بالتشديد للتكثير. {كِسَفًا} : أي قطعا جميع كسفة كقطعة. {قَبِيلًا} : مقابلة ومعاينة، أو كفيلا بما تدعيه. شاهدا بصحته. {مِنْ زُخْرُفٍ}: الزخرف الذهب والزينة.
{تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} : تصعد في معارجها.
التفسير
90 -
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} :
بعد أن تبينت حجج القرآن لقريش وظهر عجزهم عن محاكاته، وهم أهل اللغة والفصاحة، اجتمع رؤساؤهم وذوو الشرف فيهم، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاجتماع بهم فقالوا له: إِن كنت تريد مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف فنحن نسودك علينا، وإِن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان الذي يأتيك رَئِيًّا (أَي تابعا من الجن) بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أَو نُعْذَر فيك، فلم يجبهم إلى ما طلبوه، وانصرف إلى أَهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع فيه من إيمانهم، ولما رأَى من مباعدتهم إياه، كان ذلك سببا في نزول الآيات التي تحكى تعنتهم بما اقترحوه من الأمور الستة التي طلبوها منه، متعللين بما لا يمكن وقوعه عادة وما يستبعد عقلا.
وما قصدوا بما اقترحوا إلا العناد واللجاج، إلا فقد كانت تكفيهم معجزة القرآن التي تخر لها صُمّ الجبال.
والمعني: أَنهم قالوا لن نصدق بما جئت به حتى تشق لك بأرض مكة عينا لا ينقطع ماؤُها الكثير عن الجريان والاندفاع.
91 -
{أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ} :
أي بستان تستُر أشجارُه العالية وأغصانه المتشابكة ما تحتها من فضاءٍ، وإِنما خصوا النخيل والعنب لأنهما النوعان المعروفان بأرض مكة.
{فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} : فتجرى الأنهار وسط تلك الجنة جريانا قويا دائما للانتفاع بها في ري تلك الجنة وغيرها.
92 -
{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} .
أَو تسقط السماءَ علينا قطعا متناثرة كما أَوعدتنا في قولك {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} (1) فعجّل لنا ذلك وأسقطها.
{أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} : أو أَن تأتي بالله مقابلا وبالملائكة كذلك بحيث نعاينهم ونراهم، وعلى أن القبيل بمعنى الكفيل يكون المعنى: أَو تأتي باللهِ كفيلا وبالملائكة كفلاء. بما تدعيه، يشهدون بصحة ما قلته ويضمنونك فيما يترتب عليه.
93 -
{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} :
من ذهب لأننا لا ننقاد لك ولا نؤْمن بك مع فقرك الذي نراه.
{أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} : أي تصعد في معارجها. {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} : أَي لن يقع إِيمان منا بك من أجل رقيك في السماء فحسب، أو لن نصدق أنك رقيتها حتى تصحب معك كتابا منزلا من الله بلغتنا وفيه تصديقك منه سبحانه، ويكون موجها إلى كل رجل منا، كما حكاه الله بقوله:{بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} (2).
وبلغ من عنادهم الحاقد وتعنتهم البالغ إن طلبوا منه شهودًا من الملائكة على صحة ما ينزل عليهم من السماء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عبد الله بن أبي أمية لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه "أَنا أَنظر إِليك حتى تأتيها وتأتي معك بصك منشور معه أربعة ملائكة يشهدون أَنك كما تقول.
{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} : أَي قل لهم يا محمد متعجبا من فرط حماقتهم، وتنزها لله عز وجل، سبحان ربي أن يتقدم أحد بين يدي جلاله في أمر من أمور سلطانه وملكوته، مما لا يليق من مثل هذه الاقتراحات التي تضمنت أَعظم الجرأَة على الله رب
(1) سورة سبأ: الآية 9.
(2)
سورة المدثر: الآية 52.
العالمين، فلا يحق لأحد أن يطلبها لأنه الفعال لما يشاء، فإن شاء أَجابكم إلى ما سألتم، وإِنْ شاء لم يجبكم إِليه، أَو قل لهم: تنزيها لله ربي أن أطلب منه تحقيق ما طلبتموه فما أنا أَيها القوم إِلا رسول أَتبع ما يوحى إِلى، وأبلغكم رسالات ربي، ولم تكن الرسل من قبلي يأتون أممهم بما يريدونه من الآيات، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالةِ على صحةِ نبوّتهم، فسبيلى سبيلهم.
المفردات:
{النَّاسَ} : أَي الذين حكيت أباطيلهم. {مُطْمَئِنِّينَ} : مقيمين فيها كالبشر.
{خَبِيرًا} : يقال خبرت الشيء أخبره من باب نصر، خُبرًا بضم الخاء وسكون الباء.
علمته فأنابه خبير، والمراد منه وصفه تعالى بأنه محيط ببواطن الأمور ودقائقها.
{بَصِيرًا} : أَي عليما: يقال بصرت بالشيء بضم الصاد والكسر لغة بصرًا بفتحتين علمت، فأنا بصير به، والمراد به أَنه تعالى عليم بالأمور علم إِحاطة وشمول.
التفسير
94 -
أَي ما منع أكثر الناس الذين حكيت أباطيلهم في الآيات السابقة، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك وقت مجىء الوحي إِلا قولهم على سبيل الإنكار: أَيحق أن يكون رسول الله من جنس البشر؟ وقصدهم نفى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، والرسالة في اعتقادهم إِنما تكون للملك لا للبشر، وقد أمر الله رسوله أَن يجيبهم بقوله:
95 -
أَي قل لهم أيها النبي منبها إلى رحمة الله بعباده، وفضله عليهم: لو وجد في الأرض ملائكة يسكنونها ويمشون فيها كما تمشي البشر ولا يعرجون في السماء ليعلموا ما يجب عليهم علمه، لبعث إِليهم ملكا منهم وعلى شاكلتهم، ليتفقهوا عنه ويعلموا منه ما لا تستقل قدرتهم بعلمه، حيث يتسنى لهم مخاطبته ومكالمته؛ لأن الجنس إلى الجنس أَميل، وبه آنس، أَما سكان الأرض من البشر، فهم بمعزل عن إمكان التلقى عن الملائكة، فبعث الملَك إليهم مناف للحكمة المقتضية لوجوب التجانس بين الرسول ومن يرسل إليهم، أما إرسال الملَك بوحى إلى الرسل من البشر كمحمد وعيسى وموسى عليهم السلام. فلأن الله أعطاهم من القوى الروحية العليا ما يجعلهم أهلا لتلقي الوحى عن الملك حيث جعل لهم جهتين؛ جهة ملكية بها من الملك يستفيضون، وجهة بشرية: بها على البشر يفيضون، وجعل كل البشر كذلك مخل بالحكمة.
وكان الملك يظهر للرسول على وجه يسهل معه التلقي عنه، كما ظهر جبريل عليه السلام للرسول في صورة دحية الكلبي، وقد صح أن أعرابيا جاء وعليه أَثر السفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وغيرهما، فأجابه عليه الصلاة والسلام بما أَجابه ثم انصرف ولم يعرفه أحد من الصحابة رضي الله
عنهم. فقال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم، والحديث في البخاري والنسائي وغيرهما.
96 -
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} :
يروى أَن كفار قريش حين سمعوا قوله سبحانه: {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} قالوا: فمن يشهد لك أَنك رسول الله؟ فنزل قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
…
} الآية.
والمعنى قل كفى باللهِ شهيدا على أني رسول أديت واجب الرسالة إليكم على أكمل وجه، وعلى أنكم بالغتم في التكذيب والعناد، فهو شاهد لي وعليكم، عالم بما كان مني ومنكم.
{إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} : هذا تعليل لكفاية شهادة الله مع الإِيذان بطمأَنة الرسول، وتهديد الكفار، أَي أنه سبحانه محيط بأَحوال وأعمال عباده جميعا: الرسل والمرسل إِليهم، عليم بظواهرهم وبواطنهم لا تخفى عليه منهم خافية، يهدى من أقبل عليه، ويتخلى عمن تولى عنه، ولهذا قال سبحانه:
المفردات:
{عُمْيًا} : جمع أَعمى وهو الذي لا يبصر.
{بُكْمًا} : جمع أبكم وهو الذي لا ينطق.
{وَصُمًّا} : جمع أَصم وهو الذي لا يسمع.
{كُلَّمَا خَبَتْ} : كلما سكن لهيبها وصار عليها غشاءٌ وطبقة من رماد.
{رُفَاتًا} : هو في الأصل كما قال الراغب ما تفرق من التبن ويطلق على الحطام، والمراد هنا بَالِينَ متناثرين.
التفسير
97 -
هذا كلام مبتدأ يفصل به سبحانه ما أشار إليه قوله {إنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا} أَي ومن يوفقه الله للهداية بحسن استعداده وقبوله للحق، فهو المهتدى إلى الحق، وإِلى كل ما يؤدى إِلى الثواب وحسن الجزاء، أو المهتدى إِلى كل مطلوب يستقيم به دينه، ويتحقق به هداه، ومن يضلِلْه: أَي يتخلى عنه فلا يوفقه للهداية لسوء اختياره، وقبح استعداده، وفساد طبعه، كهؤلاء المعاندين، فلن تجد لهم أَنصارا من دون الله يهدونهم إلى طريق النجاة من عذاب استحقوه بإمعانهم في الضلال والعناد، أو يهدونهم إلى الحق والسعادة في الدارين. وأوثر لفظ الإفراد في قوله {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} ولفظ الجمع في قوله {فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ} رعاية للفظ {مَنْ} في الأول ولمعناها في الثاني. تلويحا بوحدة طريق الحق وقلة أَتباعه، وتعدد سبل الضلال، وكثرة الضالين.
{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} : أي أنهم بعد الحساب يوم الحشر يساقون إِلى جهنم على وجودهم، مدفوعين إليها دفعا سريعا لا يلوون على شيءٍ أَخذا من قول العرب، قدم القوم على وجوههم إِذا أَسرعوا أو أنهم يسحبون إليها على وجوههم كما يفعل في الدنيا مع من يبالغ في امتهانه وتعذيبه أو أنهم يمشون على وجوههم ليدخلوها، ويشهد لذلك ما أَخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أَن يمشيهم على وجوههم" وحين يحشرون يكونون عميا لا يبصرون شيئًا تقر به أَعينهم، وبكمًا لا ينطقون
ما يقبل منهم، وصُمًّا لا يسمعون ما تطمئن به أسماعهم. قال ابن عباس والحسن: عمْي عما يسبرهم بكمٌ عن التكلم بحجة، صمٌّ عما ينفعهم. وعلى هذا فحواسهم باقية على ما هي عليه ويكون ذلك على المجاز، وقيل إِنهم يحشرون عميا بكما صما على سبيل الحقيقة تحقيرا لهم وامتهانا، ثم تعاد إليهم تلك الحواس عندما يحشرون إلى النار ليبصروا لظاها ولهيبها القوى وأَهوالها البالغة. كما قال تعالى:{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} (1). وليتكلموا بما يزيدهم أَلمًا وحسرة قال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} (2). وليسمعوا ما يذيب نفوسهم فزعا وهلعا وقلوبهم خوفا ورهبة قال تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} (3). وقيل يحصل لهم العمى والبكم والصمم بعد دخول النار لشدة سوادها، وقسوة أَهوالها.
{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} : أي أن جهنم مستقرهم ومقامهم، يصلون العذاب فيها الدائم، وحتى يبقى شديدا أليما فإنه كلما خبت زادها الله سعيرًا ونارًا تلظَّى.
98 -
أَى ذلك العذاب الشديد جزاءُ كفرهم في الدنيا بآياتنا القرآنية والكونية الدَّالة على البعث، دلالة بيِّنة لا لبس فيها ولا إبهام، أَو الدالة على صحة ما أَرسلناك به مطلقا، فيشمل ما ذكر من الدلالة على البعث الذى أنكروه أَشد الإِنكار، واستبعدوا وقوعه حيث قالوا: أَبعد أَن أَصبحنا ترابا أَو أجزاءً متفتتة تفرقت وتناثرت، أَبعد ذلك نبعث خلقا جديدا أَي بعثا جديدًا، تتلاقى فيه منا الأجزاءُ وتستقيم القامات. أَو المعنى أَنبعث مخلوقين على سبيل الإيجاد والتكوين مرة أُخرى؟ وقد رد الله على إِنكارهم الإعادة بعد الفناء بما يأتي من الآيات، فقال تعالى:
(1) سورة الكهف الآية 53.
(2)
سورة الفرقان الآية 53.
(3)
سورة الفرقان. الآية 12.
المفردات:
{أَوَلَمْ يَرَوْا} : الرؤْية هنا علمية، والهمزة لنفي عدم علمهم وتحقيق أَنهم يعلمون، والوار عاطفة على فعل مقدر، والتقدير: أغَفلوا ولم يعلموا؟ وحاصل معنى الجملة أنهم قد علموا
…
{خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} : المراد؛ خزائن رزق ربي ونعمه التي يفيضها على الموجودات كافَّة.
{قَتُورًا} : أي مُبالغًا في التقتير والبخل، يقال: قتر يقْتِرُ واقتر وقتَّر: إذا ضيّق النفقة وقللها.
التفسير
99 -
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
…
} الآية.
دأب المشركون على إنكار البعث مع وضوح أَدلته التي لا يُمارِى فيها إلا عنيد مكابر، ينكر الشمس وهي ساطعة؛ فنبههم الله تبارك وتعالى في هذه الآية، على قدرته العظيمة التي غفلوا عنها ولم يتفكروا في آثارها!
والمعنى؛ قد علموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض من عدم، وعلى غير مثال سبق فهو قادر على أن يبعثهم ويعيد خلقهم، كما بدأَهم أول مرة، بل الإعادة أهون عليه كما قال جل وعلا:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1).
{وجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ} :
أي وجعل سبحانه لبعثهم وإعادتهم، ميقاتًا محدودًا عنده لا يعلمه إِلا هو، وهو ميقات محتَّم مَجِيئُه، لا ينبغي لأحد الشكُّ فيه، فضلا عن إنكاره، وهو يوم القيامة، لكن المشركين الذين ظلموا أنفسهم، وكفروا بآيات ربهم، وجحدوا قدرته وحكمته - لكن هؤُلاه المشركين الظالمين، أصروا على إِنكار البعث مع قيام الحجة عليهم، جحودا وعنادًا، كما قال سبحانه:
{فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} :
أي: فلم يرض هؤُلاء الكفرة الظالمون، إلا مُضيًّا في كفرهم وجحودهم، بعد أَن دمغتهم الحجة فأزهقت باطلهم.
ولما بينت هذه الآية أن المشركين أفرطوا في العناد والكفر، جاءت الآية التي تليها، لتبين أن هَؤُلاءَ المشركين، أَفرطوا في الشح والبخل كذلك، فقال عز من قائل:
100 -
{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ
…
} الآية.
أَي قل يا محمد لهؤُلاء المشركين: لو أنكم تملكون التصرف في خزائن رزق الله لأمسكتم عن الإنفاقِ منها ولَبَخِلْتُمْ بها فلم تُعطوا أَحدًا شيئًا مخافة نفادها، مع أَنها لا تنفَد ولا تفرغ أبدًا؛ ولكن الإمساك والبخل مركوزان في طباع الإنسان إلا من وفقه الله وعصمه؛ قال تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ} (2).
(1) سورة الروم، الآية: 27
(2)
سورة المعارج، الآيات: 19 - 22
ولما كان البخل والشح في طبيعة الإنسان وجِبِلَّتِهِ، قال سبحانه:
{وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} : أَي شديد البخل والحرص.
وقد بلغت هذه الآية الكريمة من وصف الإنسان بالشح الغاية القصوى حيث أفادت أَنه لو استولى على خزائن رحمة ربه التي لا تحدّ ولا تنفَد، وانفرد بملكها دون مزاحم له - لأمسكها لشدة حرصه وبخله على عباد الله.
المفردات:
{آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} : أَي أدلةً واضحات، والمراد بها: المعجزات التسع الآتية.
{مَسْحُورًا} : أي مختل العقل من أَثر ما سُحِرتَ.
{بَصَائِرَ} : جمع بصيرة، وهي الحجة التي تُبَصِّر بالحق وتهدى إِليه.
{مَثْبُورًا} : مُهْلَكًا، من ثيَر الله الكافر إذا اهلكه؛ أَو مصروفا عن الخير، مطبوعًا على الشر، من قولهم: ما ثَبرَكَ عن هذا؟ أي ما صرفك عنه ومنعك؟.
{فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ} : أي فأراد أَن يزعجهم ليخرجهم من الأَرض.
{لَفِيفًا} : أي جميعا. وأَصل اللفيف: الجماعة من قبائل شتَّى.
التفسير
101 -
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
…
} الآية.
لما حكى الله تبارك وتعالى في الآيات السابقة ما حكى، من تعنت المشركين وعنادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلَّاه سبحانه في هذه الآية وما بعدها، بما جرى لكليمه موسى عليه السلام مع فرعون، وما صنع سبحانه بفرعون وقومه.
والمعنى: ولقد أيَّدْنَا موسى بتسع آيات من المعجزات الساطعة، والحجج القاطعة، على نبوته وصدقه فيما أَخبر به عن ربه، أرسلناه بهذه الآيات التسع إلى فرعون وقومه وهي - في أرجح الأقوال وأولاها بالقبول -:
(1)
عصاه التي كان يلقيها فإذا هي حَيةٌ تسعى.
(2)
ويده التي يدخلها في جيبه، ليخرجها بيضاءَ من غير سوء. والجَيْبُ: هو الفتحة التي في أعلى الثوب، تحت الذقن.
(3)
والسنون، والمراد بها: سنوات القحط والجدب، بسبب انقطاع الأَمطار وانخفاض ماء النيل، يقال مسَتْهُمْ سَنَةٌ، وأسْنَتُوا: إذا قحطوا وأَجدبوا.
(4)
ونقص الثمرات، بسبب كثرة العاهات والآفات.
(5)
والطوفان، بسبب المطر الغزير الذي غشَّى منازلهم ومزارعهم.
(6)
والجراد الذي قضى على الزروع والثمار.
(7)
والقُمَّل، وهو نوع من القُرادِ، كان يخالط طعامهم وملابسهم وأَجسامهم وقيل هو القمل المعروف.
(8)
والضفادع التي ملأت بيوتهم وطعامهم.
(9)
والدم الذي حل محل الماء؛ أَو هو الرُّعاف الذي أصابهم.
وقد تقدمت هذه الآيات كلها في سورة الأعراف مفصلة (1) فارجع إلى تفسيرها هناك.
قال الحافظ ابن كثير وغيره من أَئمة التفسير: هذه الآيات التسع هي المرادة هُنَا، وهي التي شاهدها فرعون وقومه من أَهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودا كما قال تعالى:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (2).
وهي غير الآيات التي أرسل بها عليه السلام إلى بني إسرائيل؛ من تظليلهم بالغمام، وإِنزال المنّ والسلوى عليهم، إِلى غير ذلك مما أرسل به بعد مفارقتهم بلاد مصر، مما لم يشاهده فرعون وقومه.
والخطاب في قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ} : لمن يريد أَن يتحقق من صدق ما جاء به القرآن عن الآيات التي أَيد الله بها موسى حين أَرسله إِلى فرعون وقومه، أَي فاسأل بني إِسرائيل إِذ جاءَهم بها، فهم يعرفون مطابقتها لما جاءَ عنها في القرآن فإنه مصدق لما بين يديه من التوراة.
وقيل في معنى الآية: سلهم يا محمد إِذ جاءَهم موسى بهذه الآيات، سؤال تقرير ليعرف اليهود صحةَ ما يقوله محمد اهـ. والظاهر الأول.
ويجوز أَن يكون خطابًا لموسى عليه السلام على تقدير القول، أي: آتينا موسى هذه الآيات التسع فقلنا له: اسأل بني إسرآئيل، أَي اطلبهم يا موسى من فرعون، كقوله:{فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (3).
وهناك أَوجه أخرى ذكرها الآلوسي في تفسيره. ثم هنا كلام مطويّ يشعر السياق به، ويدل المقام عليه. أَي فذهب موسى إلى فرعون وبلغه رسالة ربه، مؤيدا بالمعجزات الدالة على صدقه.
(1) في الآيات 107، 108، 130، 133
(2)
سورة النمل، الآيتان: 13، 14
(3)
سورة الأعراف، من الآية: 105
{فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ} : في سخرية وكبرياء {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} : أي سُحِرت فاختل عقلك، ولذا اختل كلامك وادعيت ما ادعيت، وهذا كقوله:{إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} (1).
وقيل: {مَسْحُورًا} هنا معناه: ساحرا .. ويؤيده قوله: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} (2).
102 -
{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ
…
} الآية.
هذا رد كليم الله على عدوه وعدو الله، بعد أَن بلغ الجهد هو وأَخوه في دعوته، واستنفدوا كل قول ليِّن في سبيل تذكيره، خوفا من أن يفرط عليهم أو يطغى، وصبرا عليهما السلام صبر أُولي العزم من الرسل، فلم يزدد عدو الله إلا جحودا وعنادًا، مع أن هذه المعجزات لا يقدر عليها إِلا رب السماوات والأرض، رب موسى وهارون.
هنالك قال موسى عليه السلام لفرعون - وقد يئس من إيمانه: لقد علمت يا فرعون أن هذه المعجزات من عند الله تعالى، أوجدها حججا ساطعةً علي صدقي فيما دعوتك إليه من الإيمان بمالك الملك ربي وربك
…
{وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} : المراد من الظن هنا العلم، وقد عبر به موسى عنه تلطفًا مع فرعون، أي وإني لأعلم أنك يا فرعون هالك، أَو مصروف عن الخير إلى الشر بسوء فعلك وطغيانك.
وقرىء: {لَقَدْ عَلِمْتُ} بضم التاء .. فعلى هذه القراءة يكون موسى قد ردّ بها عن نفسه دعوى أَنه ساحرٌ أو مسحورٌ كما زعم فرعون عدو الله، أَي قال موسى لفرعون لقد علمت أنا حَقّ العلم أَن الذي أنزل هذه الآيات هو خالق السماوات والأرض ومدبرهما، وأننى لست بساحر ولا مسحور كما زعمت: وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآيات التسع: الأصول العامة التي أنزلها الله في الكتب الإلهية للعقائد والشرائع السماوية كلها، وجعلها مشتركة بين
(1) سورة الشعراء، من الآية: 27
(2)
سورة الشعراء، من الآيتين: 34، 35
جميع الرسالات والنبوات، وإليها يشير قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . ويؤيد هذا ما رواه جمهرة من أئمة الحديث، عن صفوان بن عسَّال رضي الله عنه أن يهوديَّيْن قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه صلى الله عليه وسلم، فسألاه عن قول الله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . فقال عليه الصلاة والسلام: لا تشركوا بالله شيئًا؛ ولا تزنوا؛ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ ولا تسرقوا؛ ولا تسحروا؛ ولا تأكلوا الربا؛ ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله؛ ولا تقذفوا محصنة؛ ولا تفِرُّوا من الزحف - وعليكم يا يهود خاصة ألا تعتدوا في السبت - فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أَنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إِن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أَن تقتلنا اليهود (1).
103 -
{فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} :
أي استبد بعدو الله مكرُه، فأراد أن يزعج موسى وقومه ليخرجهم من أرض مصر التي هم بها؛ أو من الأرضى جميعا، ليستأصلهم فلا يُبقى منهم أحدا، فعكسنا عليه مكره، فأغرقناه ومن معه، فلم نبق منهم أحدا. ونجيناه ببدنه ليكون لمن خلفه آية (2). وبهذا أخرجناه من أرضه أفظع إخراج {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (3).
104 -
{وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ
…
} الآية.
وقلنا من بعد إغراق فرعون - علي لسان موسى - لبنى إسرائيل، الذين أراد فرعرن استفزازهم - قلنا لهم: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون أَن يخرجكم منها.
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} : فإذا جاء وعد الدار الآخرة بعد قيام الساعة:
جئنا بكم أَنتم وهم مختلطين، لنحكم بينكم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم.
(1) انظر تفسير: الطبري، والقرطبي، والآلوسى.
(2)
اقتباس من الآية: 92 من سورة يونس.
(3)
سورة فاطر، من الآية: 43
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا بشارة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة، مع أَن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى:{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} (1). ولهذا أَورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة - على أَشهر القولين، وقهر أَهلها ثم أطلقهم حلمًا وكرما، كما أَورث الله القوم الذين كانوا يُستضعفون من بني إِسرائيل في مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم كما قال:{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (2).
المفردات:
{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} : الحق؛ الأمر الثابت الذي لا يتبدل ولا يزول، ضد الباطل.
{فَرَقْنَاهُ} : أَنزلناه مفرقا منجما، أو أَنزلناه مبينا موضحا.
{عَلَى مُكْثٍ} : أَي على تُؤَدة وتأنٍّ. {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} : يقعون على أذقانهم.
{إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} : أي إِن الشأن في وعد ربنا أنه كائن لا محالة.
(1) سورة الإسراء، من الآية: 76
(2)
سورة الشعراء، الآية: 59
التفسير
105 -
{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
…
} الآية.
قال الآلوسي: هذا عود إلى شرح حال القرآن الكريم، فهو مرتبط بقوله تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} .
وهكذا العرب، تأخذ في شيء وتستطرد منه إِلى آخر، ثم إلى آخر .. ثم تعود إلى ما ذكرته أَولًا، والحديث شجون.
والمعنى: وبالحق أَنزلنا هذا القرآن المجيد من اللوح المحفوظ، وبالحق نزل على عبدنا ورسولنا محمد، فهو مؤيد بالحق محفوظ بحفظنا له وحراستنا إِياه، حاله إِنزاله على رسولنا محمد، وما بعدها إلى أَنْ تقوم الساعة، لا تعتريه زيادة عليه ولا نقص منه؛ وصدق منزله إذ يقول:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1). ويقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (2).
وقيل: المراد بالحق؛ الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله ونزوله. والمعنيان متلازمان. وأَيًّا كان المعنى المراد، فلا ريب أَن هذا الكتاب الحكيم مشتمل على دلائل التوحيد، وصفات الجلال والإكرام؛ وعلى تعظيم الملائكة، وإقرار النبوات، وإثبات المعاد؛ وعلى أصول الإِسلام والشرائع الثابتة التي لا تتبدل ولا تُنسخ بحال من الأحوال، ولا في زمن من الأزمان.
فلهذا استحق أَن يصفه الباري سبحانه، بأنه أَنزله بالحق محروسًا بعنايته حتى وصل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} (3).
(1) سورة الحجر، الآية: 9
(2)
سورة فصلت، الآية: 42
(3)
سورة الشعراء، الآيتان: 210، 211
ولما بين سبحانه حال القرآن الكريم في إنزاله ونزوله، بيّن حال من أنْزلَ القرآن عليه فقال مخاطبًا إياه صلى الله عليه وسلم:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} :
أَي: وما أرسلناك - يا محمد - إِلى الناس كافة إلا مبشِّرا للمطيعين منهم بالثواب، ومنذرًا للعاصين منهم بالعقاب، فما عليك إلا البلاغ بالتبشير والإنذار، وليس عليك إِكراه أَحد منهم في الدين، فقد تبين الرشد من الغي.
106 -
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
…
} الآية.
أي وأنزلنا عليك - يا محمد - قرآنًا، عظيمًا أَوحيناه إِليك وأيدناك به - أَنزلناه منجمًا مفرقًا، على حسب الأحداث والمناسبات؛ لتبلِّغه الناسَ على تؤدة وتأنٍّ، ليكون أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، وأبين لوجوه الإعجاز به، في هدايته وبشارته ونذارته، ولذا أكد هذا المعنى فقال:
{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} : أَي نزلناه بحسب الحوادث والمصالح، حيث لم ينزل جملة واحدة، للحِكَم التي مر بيانها. وقد نزل القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث المقتضية لنزوله في مدة الرسالة المحمدية، وهي ثلاثة وعشرون عاما تقريبا.
وهذا التنزيل المفرق خاص بالقرآن الكريم، دون سائر الكتب السابقة، لأنه أنزل على خاتم النبيِّين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين، فكان لهذا آخر كتاب أُنزل من عند الله ليبقى حتى تقوم الساعة، وقد تكفل الله بحفظه، وجعل من أسباب حفظه نزوله مفرَّقًا حسب الوقائع، حتى يكون أَيسر لحفظه؛ وأَعون على فهمه، وأَدعى إلى الحرص على نصوصه، أَما غيره من الكتب السماوية فقد نزل كل منها جملة واحدة، ولم يتكفل الله تعالى بحفظها كما تكفل بحفظ الكتاب العزيز، لأنها كانت موقوتة بأزمنتها، ومن هنا وقع فيها التغيير والتبديل بعد أَن وضح الحق، وأسفر الصبح لذى عينيين.
ولما أصر أَهل مكة على الكفر بالقرآن الكريم، قال الله تبارك وتعالى تسلية لنبيّه صلى الله عليه وسلم، ووعيدًا للكافرين وتهديدا لهم:
107 -
{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا
…
} الآية.
أي قل أَيها الرسول لهؤُلاء الكافرين بهذا القرآن العظيم: سِيَّانِ إيمانكم بهذا القرآن وعدم إيمانكم به، فإن إيمانكم به لا يزيده كمالًا، وعدم إيمانكم به لا يورثه نقصًا، فهو حق في نفسه، أنزله الله تعالى ونوه بذكره في سالف الأزمان، في كتبه المنزلة على رسله - ولذا قال:
المقصود بالذين أوتُوا العِلْم مِن قبل القرآن الكريم، مؤمنو أَهل الكتاب من علمائهم، كعبد الله بن سلام وأَضرابه.
والمعنى: إن العلماء الذين قرءُوا الكتب السماوية من قبل نزول القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفوا حقيقة الوحى وأَمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، ورأَوْا فيها نعتك ونعت ما أنزل إليك، هؤلاء العلماءُ إذا يُتْلَى القرآن عليهم يقعون على وجوههم ساجدين لله تعالى، تعظيما لأمره، وشكرًا لله سبحانه على إِنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك، ومن الحق الذي جئت به.
والتعبير عن سجودهم على وجوههم بخُرورِهِمْ للأذقان، للإِيذان بكمال تذللهم وخضوعهم وشكرهم لله على إنزال هذا الكتاب العظيم.
وقيل المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض.
قال الآلوسي: وهو وجه حسن جدًا.
108 -
{وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} :
أَي: ويقولون وهم يتضرعون إِلى الله تعالى في سجودهم ودعائهم: {سُبْحَانَ رَبِّنَا} أَي تنزه ربنا تنزيها عن خلف وعده، وعن كل ما لا يليق به بما يفتريه الكفرة، إن الشأن في وعد ربنا أَنه كائن لا محالة.
ولا يخفى ما في عنوان الربوبية، وإضافتهم أنْفسَهم إليه - مكررًا - من اعتزازهم بالعبودية لله تعالى.
وفي الآية دليل على استحباب التسبيح في السجود كما دلت السنة علي ذلك، ففي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أَن يقول في سجوده وركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي".
109 -
{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} :
ويقعون على وجوههم ساجدين لله وهم يبكون، ويزيدهم القرآن تواضعا لله وخضوعا، كما يزيدهم عليها ويقينا باللهِ تعالى.
وإِنما كرر الخرور للأَذقان لاختلاف السبب ، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى وشكره على إِنجاز وعده؛ والثاني لشدة تأثرهم باستماع القرآن ومواعظه. ودلت الآية على مدح البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه. من خشية الله تعالى، ولو كان التالى للقرآن مصلّيًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَلجُ النارَ رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضَّرع، ولا يجتمع غبارِ في سبيل الله ودخان جهنم" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن عبد الله ابن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: "أَتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولجوفة أَزيز كأزيز المِرجَل من البكاءَ (1) ".
(1) قال النووي في رياض الصالحين: حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذى في الشمائل، بإسناد صحيح، والأزيز: صوت البكاء، والمرجل - كمنبر -: القدر.
المفردات:
{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} : أي سَمُّوا الإِله باسم الله أَو باسم الرحمن، فهو مسمًّى بهما معًا، أَو نادوه بأي الاسمين شئتم، فالدعاءُ يطلق على التسمية وعلى النداء.
{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} : المراد ولا تجهر بالقراءة في صلاتك.
{وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} : أي ولا تُسِرَّ بها. والمخافتة ضد المجاهرة، يقال: خفت الرجل بصوته: إِذا لم يرفعه، وخافت بقراءته: إِذا لم يرفع صوته بها. وقيل الصلاة هنا: الدعاء.
{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} : أَي واقصد أو اسلك بين الجهر بقراءتك والإسرار بها طريقا وسَطًا.
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} : أَي وليس له سبحانه ناصر يحميه من الذل؛ لأنه عزيز بنفسه.
{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} : أَي وعظمه تعظيما يليق به.
التفسير
110 -
{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
…
} الآية.
أَخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى فقال في دعائه: يا الله يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إِلى هذا الصابئ: ينهانا أَن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين: فنزلت".
وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسمًا هو في التوراة كثير؟ يعنون الرحمن: فنزلت.
والمعنى: قل يا محمد لهؤُلاء المشركين أَو اليهود: إِن هذين الاسمين الكريمين: الله والرحمن، اسمان لمسمًّى واحد هو الإله المعبود بالحق جل جلاله، فسمُّوه أَو نادوه أَو اذكروه بكل منهما أو بأيِّهما.
وليس الدعاءُ مقصورا على هذين الاسمين، فقد قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (1) وقال صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا - مائةً إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة، إنه وتْر يحب الوتر".
ولم تذكر الأسماءُ التسعة والتسعون في رواية الشيخين، ولكنها ذكرت في رواية الترمذي وابن حِبّان والحاكم وغيرهم. وهذا نصُّها في جامع الترمذي (2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحدة (3) من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إِله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤْمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المُقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى المتين الولى الحميد المُحْصِي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤَخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالى المتعالى البر التواب المنتقم العفو الرؤُوف مالك الملك ذو الجلال والإكرّام المُقْسِط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور".
وليس المقصود من الحديث حصر أسمائه الحسنى تبارك وتعالى في هذه التسعة والتسعين، بدليل حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حِبان: "أَسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أَنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك
…
" الحديث (4). وإنما المقصود بشارة من حفظ هذه الأسماء، ودعا الله بها بأنه من أهل الجنة، والحكمة في الاقتصار على هذه العدَّة: أنها
(1) سورة الأعراف، من الآية: 180
(2)
اختلفت الروايات اختلافا كثيرا في سرد الأسماء، ورواية الترمذي هذه هي أقرب الروايات إلى الصحة، وعليها عول غالبا من شرح الأسماء الحسنى كما قال الحافظ كتاب الدعوات من فتح البارى.
(3)
أي غير تسمية واحدة.
(4)
تمامه: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب
الأسماء الجوامع، الدالة على ما عداها، مما لا يحصيه إلا الله - تباركت أسماؤه وجلت آلاؤُه، وأنها جمعت من معاني الجلال والكمال ما لم يجمعه غيرها.
والحكمة في تخصيص هذين الاسمين بالذكر، أن لفظ الجلالة عَلم على الذات الأقدس، واسم الرحمن أنسب بالدعاء. فقد كتب على نفسه الرحمة.
هذا، وقد اتفق الثقات من العلماء على أن أسماء الله تعالى توقيفِيَّة، فلا تجوز تسميته إِلا بما سمى به نفسه: مما جاء في كتابه عز وجل، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} :
روى الشيخان وغيرها عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم مخْتَف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسُبوا القرآن {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}: عن أصحابك فلا تسمعهم حتى يأخذوا عنك.
{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} : بقول بين الجهر والمخافتة. اهـ.
والمراد بالصلاة القراءة التي هي أَحد أركانها. والظاهر أَن المراد بالقراءة ما يعم البسملة وغيرها. ويروى أَن أَبا بكر رضي الله عنه كان إذا صلى بالليل خفض صوته جدا ويقول: أناجى ربي وقد علم حاجتى؛ وكان عمر رضي الله عنه إذا صلى من الليل رفع صوته جدًا ويقول: أَطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما أَنزل الله هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر أخفض من صوتك شيئًا فالقراءة بين المخافتة والجهر هي الوسط، وخير الأمور أَوسطها، ومن الأحكام العامة لدى الخاصة والعامة: الجهرُ في ركعتى الفجر والجمعة والعيدين، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء. ولا ريب أَن الجهر في هذه الصلوات من الشعائر المتواترة في الشريعة الإِسلامية.
وقيل: الصلاة هنا بمعنى الدعاء: لما أَخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إنما نزلت هذه الآية: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} في الدعاءَ".
ومعروف أَن الصلاة في أَصل اللغة هي الدعاءُ.
ولما أَثبث سبحانه الأسماء الحسنى لذاته الكريمة نزه ذاته عن النقائص، فقال:
111 -
{وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا
…
} الآية.
وهي رد لمزاعم اليهود والنصارى وبنى مُليح من كفار العرب، إِذ قالوا عزير ابن الله! والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله؛ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
ونفيُ اتخاذ الولد ظاهر في نفى التبني، ويعلم منه نفى ولد الصلب عنه سبحانه من باب أَولى. وقد نفى ذلك صريحا في قوله سبحانه:{لَمْ يَلِدْ} (1) وقوله عز وجل {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} ؟ (2).
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} : فكيف يتخذ المشركون معه آلهة يعبدونها، مع اعتقادهم أنه هو الذي خلق هذا الملك العظيم وحده، ودبره بحكمته، دون سواه، كما حكى الله عنهم، يقول سبحانه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (3).
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} : أَي ليس له سبحانه ناصر يحميه من الذل؛ لأنه سبحانه عزيز بنفسه؛ فليس بحاجة إِلى أن يوالى أَحدا أو يخالفه، من أجل مَذلَّةٍ به، ليدفعها عنه.
وفي حمده تعالى على هذا التنزيه إِيذان بأن المستحق للحمد العظيم، مَن هذه صفاته دون غيره، ولذا عطف على الأمر بحمده الأمر بتكبيره فقال:
{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} : أَي وعظمه تعظيما بليغا مؤَكدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
والتكبير، أبلغ كلمة للعرب في معنى التعظيم والإجلال.
(1) سورة الإخلاص، من الآية: 3
(2)
سورة الأنعام، من الآية: 101
(3)
سورة الزمر، من الآية: 38
وفي الآية تنبيه على أن العبد - وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في الطاعة والتحميد - ينبغي أَن يعترف بالقصور في حقه، والتقصير في حمده وشكره، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أَثنى على نفسه.
هذا وَرَوى عَمْرُو بنُ شعيب عن أَبيه عن جده قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أَفصح الغلام من بني عبد المطلب، علمه هذه الآية: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} إلى آخرها" وسماها عليه الصلاة والسلام آية العز - كما أَخرج أَحمد والطبراني عن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه.