المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كيف كان الإسراء: - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٥

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌كيف كان الإسراء:

ما أصابه، ويسبغ عليه أسمى نعمه ورحمته، ويكشف له عن بعض آياته، ترفيها له ومكافأة على ما ناله من أذى قومه، وشحذًا لهمته في المرحلة المقبلة للدعوة، فقد كان الإسراء والمعراج به صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة، حيث اشتد إيذاءُ قريش له بعد وفاتهما.

وحكى أَبو حيان في البحر أنه أسرى صلى الله عليه وسلم في سبع عشرة من ربيع الأول، وعمره إحدى وخمسون سنه وتسعة أشهر، وثمانية وعشرون يوما، وهذا التاريخ يقتضي أن الإسراء كان قبل الهجرة بعام واحد، وأنه كان في أَواخر السنة الثانية عشرة من النبوة تقريبا.

‌المعنى الإجمالي للآية

تنزيها شاملا لله الكبير المتعال الذي نقل عبده المختص به، ونبيه الخفيّ به، نقله وأسرى به ليلًا بكيفية عجيبة من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، الذي أحاطه بالبركة والخير الكثير، من رياض وغياض وثمار وأنهار، وزروع وأشجار، ومن نفحات الأنبياء والصالحين، وبركات رسل الله الراحلين، وقد نقله وأَسرى به لكي يطلعه على بعض آياته العظيمة، إعظاما لمقام عبده ورسوله، وتنفيسا عنه بعد ما أجهده قومه، أنه تعالى هو السميع لأقوال عبده ورسوله في تبليغ دعوة ربه، العليم بأفعاله الخالصة عن شوائب الهوى، المقرونة بالصدق والهمة، الجديرة بالقرب والزلفى، فتعالى الله الذي له هذه القدرة وهذا العلم، تعالى عن جميع النقائص، فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصوابًا.

‌المعنى التفصيلي

‌كيف كان الإسراء:

جاء حديث قصة الإسراء في جميع كتب السنة، وذكر النَّقَّاشُ ممن رواه عشرين صحابيا فهو لهذا من الأحاديث المتواترة، ومن ذلك ما أَخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنَا في الحجرِ - وفي رِوَايَةٍ في الحَطيمِ - بَيْنَ النائمِ واليَقظَان، إذ أتَاني آتٍ فَشقَّ مَا بَيْنَ هذه

ص: 714

إِلى هذه، فَاستَخْرَجَ قَلْبِى فَغَسَلَة، ثُمَّ أعِيدَ، ثُم أتِيتُ بِدَابةٍ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، يقَال لَهُ البُراق، يضَعُ حَافِرَهُ عِنْد مُنْتَهى طَرفِه، قَالَ فَركِبتهُ حَتى أتَيتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ - قالَ - فرَبَطْتُهُ بِالحَلقَةِ التِى تَرْبِطُ بِها الأنْبِيَاءُ، ثُم دخلْت المَسجِدَ فصَليْت فيهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ خَرَجتُ فَجَاءني جِبْريلُ عليه السلام بِإنَاء مِنْ خمْرٍ وإناء مِن لبنٍ، فَأخذتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبرِيلُ اخْتَرتَ الفِطرَة: قَالَ: ثُم عَرَجَ بِنا إلىَ السماء" إلى آخر قصة المعراج، وسنَعْرِض لها إِن شاء الله تعالى في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}. وجاء في رواية البخاري في طريقة غسل قلبه الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "فاسْتَخْرَجَ قَلْبِى، ثُم أُتيتُ بِطَست من ذَهَب مَملوء إيمانًا فَغَسلَ قَلْبِى ثُمَّ حَشَا، ثُمَّ أعِيدَ". وكان الإسراءُ والمعراج والعودة في بعض ليلة واحدة، واختلف العلماءُ هل كانا بالجسد والروح، أَو بالروح فقط، أَو كانا مناما، والجمهور على أَنهما كانا بالجسد والروح يقظة، ويشهد لذلك التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بقوله:(بِعَبْدِهِ) والعبد يشمل الجسد والروح معا، كما يشهد له إعداد البراق له وركوبه إياه، ووصفه بأنه كان يضع حافره عند منتهى بصره، ومن أقوى الأدلة على ذلك ما حدث له صلى الله عليه وسلم من شق صدره وغسله بالإيمان وحشوه، فإنَّ هذا كناية عن أنه تعالى كلف الملك بإعداده جسديا وروحيًا لتلك الرحلة الخطيرة، وشحنه بالقوى الإلهية التي تجعله في منعة من الأخطار الكونية أَثناء هذه الرحلة، وتجعله أيضًا مستعدا لاستقبال الأنوار الإلهية، ومن العلماء من قال: إن ذلك كان مناما، وبه قال الحسن، وروى ذلك عن عائشة ومعاوية، ورد ذلك بأن عائشة رضي الله عنها كانت حينذاك صغيرة ولم تكن معه صلى الله عليه وسلم، وأن معاوية كان كافرًا فلا يصح ما أسند إليهما، أَما الاستناد إلى قوله تعالى:

{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} فهو دليل عليهم وليس دليلا لهم، فإن الرؤيا هنا بمعنى الرؤية البصرية كما في قول الراعي يصف صائدًا:

وكبر للرؤيا وهشّ فؤاده

وبشر قَلبًا كان جما بل

ص: 715

ولو كانت رؤيا منامية لما كانت فتنة للناس حين علموا بها، لأن النائم قد يرى نفسه في السماء وأنه يطير بين المشارق والمغارب ولا يكذبه أحد، ومثله يحدث عادة لكثير من الناس مناما.

وسيأتى بيان فتنة قريش حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء، عند شرح قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} (1).

والعبودية لله عند العارفين من أهل الحق أشرف الأوصاف، ولقد كان المحبون للبشر يفخرون بها، ومن ذلك قول قائل في محبوبته:

لَا تدعني إلا بِيَا عَبدَها

فَإنهُ أَشرَفُ أسمَائيا

فكيف بالعبودية لمالك الملك والملكوت، على أن في وصفه صلى الله عليه وسلم بالعبودية وقد وصل إلي ما هو عليه من الرفعة العلية، سدا لِبَاب الغلو فيه، كما وقع للنصارى مع نبيهم عيسى عليه السلام.

قال القشيري: لما رفعه الله إلى حضرته السنية، ورقاهُ فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة.

والمسجد الحرام وقت الإسراء كان مليئًا بالأصنام التي كان العرب يعبدونها قبل إيمانهم، وتسميته بالمسجد الحرام مع هذا، لأن المسجد في اللغة مكان السجود وهو الخضوع، وكانوا في عبادتهم لأصنامهم خاضعين لها أشد الخضوع، وكان حرمًا آمنًا يحرم فيه القتل والأخذ بالثأر عندهم.

والمسجد الأقصى بيت المقدس، فكان مسجد النبيين ومصلاهم (2)، بناه يعقوب بعد بناء إبراهيم الكعبة بأربعين سنة، ولهذا قال تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} . ثم شرع في تجديده داود، وأتمه سليمان ابنه عليهما السلام،

(1) سورة الإسراء: الآية 60

(2)

فلذا أطلق عليه لفظ المسجد، ويصح أن يكون إطلاق على كليهما باعتبار ما آل إليه أمرهما في الإسلام.

ص: 716

وهو أَحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال لأن ثواب الصلاة فيها يضاعف، قال صلى الله عليه وسلم:"لَا تُشَد الرِّحَالُ إلَاّ إلى ثَلَاثةِ مَسَاجِد، مسجِدِي هذا والمسجِد الحرامِ والمسجد الأقْصَى" والصلاة في المسجد الحرام أعظمها أجرا، ثم المسجد النبوى ثم المسجد الأقصى، والغاية من الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أَن يطلع الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على بعض آيات قدرته تعالى في رحلة الإسراء والمعارج، وما وقع فيها من الأعاجيب، وكان ذلك من قبيل الإعداد للمرحلة التالية للهجرة، ولا شك أَن في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وشحنه بالإيمان، العلوم والتقوى الإلهية، أثرًا عظيمًا في تحمله لتلك الرحلة الكونية العظيمة، التي رأَى فيها بعض ملكوت السماوات والأرض، وفي تقوية روحه ومضاعفة همته وعزيمته، لكي يستقبل المرحلة التالية للهجرة وهو جمُّ النشاط عظيم الاحتمال.

{وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}

المفردات:

{بَنِي إِسْرَائِيلَ} : أبناء يعقوب عليه السلام، فقد كان يدعى إسرائيل.

{وَكِيلًا} : ربا تكلون إليه أموركم، {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}: ذرية من آمنوا بنوح وحملناهم معه في السفينة، لننجيهم من الغرق بالطوفان.

التفسير

2، 3 - {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)}:

ص: 717