المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قصة موسى والعبد الصالح - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٥

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌قصة موسى والعبد الصالح

{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} (1). أما هؤُلاء المشركون فهم الذين ظلموا أنفسمهم بالإِصرار على الكفر والعناد فاستحقوا سوء الجزاء، ولكنه تعالى يتأتي بهم، ولا يتعجل معهم - كما قال:

{لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} : أي أَنه لسعة رحمته لو يؤَاخذهم بظلمهم لعَجَّل عقابهم، ولكنُه أمهلهم لعلهم يرجعون إلى الصواب، ويفيئون إِلى الرشاد.

{بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} : وهذا الإِمهال موقوت بأجل معدود {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} (2). فإذا حان الأَجل وهم مصِرُّون على كفرهم وعنادهم أخذهم الله بعقابه الأليم حيث لا يجدون ملجأ للنجاة والخلاص. {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} .

59 -

{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} :

المراد بالقرى هنا أهلها، والمعنى: وأَهل تلك القرى المهلكة المعروفة، من قرى عاد وثمود وقوم لوط عصوا ربهم، وكذبوا رسله فأمهلهم لعلهم يؤمنون، فلما أصروا على الكُفر وأمعنوا في الضلال أخذهم الله بعذاب الهلاك والاستئصال في الموعد الذي حدده لهم {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (3)} .

روى الشيخان والترمذي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إِذَا أخَذه لم يُفْلِتْه".

‌قصة موسى والعبد الصالح

قصَّ اللهُ سبحانه علينا في الآيات التالية قِصَّة موسى والعبد الصالح وقد رأَينا أَن نقدم لها ما يعين على إِدراك أَهدافها السامية:

(1) سورة النساء 147.

(2)

سورة هود 104

(3)

سورة هود: الآية 102

ص: 894

(1)

جمهور المفسرين علي أن العبد الصالح هو الخضر، وقيل اليَسَع وقيل إلياس، قال الآلوسي: والحق الذي تشهد له الأخبار الصحيحة هو الأول.

ولقب بالخضر، استنادا إِلى ما رواه الترمذي بسند صحيح عن أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما سُمي الخضِر لأنه جلس علي فروة بيضاء فاهْتزَّت تحته خضْراء" ومثل ذلك رواه البخاري بسنده.

(2)

قد يعجب بعض الناس من أَن يحتاج موسى وهو كليم الله ورسوله إلى مَنْ يتعلَّم منه العِلم، وليس هذا موضع عجيب فإن الله {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (1) لحكم يعلمها.

روى الشيخان والترمذي عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس إن نوفلا لبكالى يزعم أن موسى صاحب الخضرِ ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال: كذب عدو الله، حدثني أُبَيُّ بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسُئِل: أيُّ الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يَرُدُّ العلم إِليه، فأوحى الله إِليه إن لي عبْدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتا في مِكْتل فحيثما فقدْت الحوت فهُو ثَمَّ، فأخذ حوتا في مِكْتل ثم انطلق ومعه فتاه يوشع بن نون .... " وذكر الحديث، والمكتل وعاء مصنوع من الخوص يحفظ فيه المتاع.

(3)

كثير من العلماء يقولون إِن الخضر عليه السلام حَيٌّ، وقد أَجمع الصوفية على حياته إلى الآن كما نقله النووى عنهم، وقد استدلوا بأخبار غير مقطوع بها، ومنها ما أخرجه الدارقطني في الأفراد بسنده عن ابن عباس أنه قال:"الخضر ابن آدم من صلبه، ونُسِيءَ له في أَجله حتى يكذِّبَ الدجال" ومثله لا يقال من قِبل الرأي.

(1) سورة البقرة: الآية 105

ص: 895

وذهب جمع من العلماء إلى أنه ليس بحيٍّ اليوم، سئل البخاري عنه وعن إلياس عليهما السلام -هل هما حيان- فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى على رأس المائة ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية" كما استدلوا بأدلة نقلية وعقلية أُخرى، فارجع إليها في الموسوعات، والإمساك عن الخوض في الخلاف بين الرأيين أولى، مع الجزم بقصته مع موسى عليه السلام -كما جاءت في هذه السورة.

(4)

اخْتُلِف في الخضر، فقيل هو نبي وليس برسول، وهو قول الجمهور، وقيل هو رسولٌ، وقيل هو وليٌّ، وبه قال القشيري، ويستدل القائلون بنبوته بقوله تعالى في شأنه:"آتيناه رحمة من عندنا" والرحمة تطلق على الوحي والنبوة في عدة مواضع من القرآن، ولأن الله حكى عن قوله لموسى:"ما فعلته عن أمري" أي أن ما حدث منه كان بوحي من الله، ولأن النبي لا يتعلم إلا من نبي ولا يصح أن يكون المتعلم فوق المعلم

إلخ.

(5)

وفي القصة توجيهات رشيدة:

(أ) أن لله حكمًا عالية فيما يقضيه من أمور، وهذه الحكم قد ندركها وقد تغيب عن عقولنا، ولكننا ينبغي أن نؤمن بها كل الإيمان.

(ب) أن الهجرة في طلب العلم مطلوبة، روى مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل اللهُ له به طريقًا في الجنّة".

ص: 896

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)}

المفردات:

(فتاه): الفتى هو الشاب، وأضيف إلى موسى لأنه كان يخدمه ويتعلم منه.

(مجمع البحرين): موضع التقائهما ولعل المقصود بهما التقاء خليج العقبة بخليج السويس أو التقاءُ أحد فروع النيل القديمة بالبحر الأبيض. (حقُبًا): الحقب الدهر، ومقداره ثمانون سنة، كما قيل. (حوتهما): الحوت؛ العظيم من السمك.

(سَرَبًا): السرب فى اللغة النفق، وسيأتي تفسير المراد منه في الآية.

(غَدَاءنَا): طعامنا في الغُدْوة أي الصباح وما يُسَمَّى الآن بالفطور.

ص: 897

(نَصَبًا): تعبًا ومشقة وجهدًا.

(عَجَبًا): غريبًا عن العادة مخالفا لها يدعو إِلى عجب الناس منه.

(فَارْتَدَّا عَلَىَ آثَارِهِمَا قَصَصًا): فرجعا يقصان أثر سيرهما السابق.

(آتَيْنَاه رَحْمةً): أَي نعمة كبرى فيها رحمة منا وسيأتي في الشرح بيانها.

التفسير

60 -

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} :

أبرزت الآيات السابقة لَجَاج الكفار وعنادهم وإِصرارهم على الباطل ومُحَاولتَهم طَمْسَ الحقائق الواضحة التى ساقها الله لهدايتهم، وفى هذه الآية والآيات التالية يضرب القرآن مَثَلًا ساميًا لنبي من أَنبيائه، أَوحى الله إِليه وكلمه تكليمًا ورزقه علمًا ومعرفة، ومع هذا سعى جاهدًا ليتعلم ما لم يعلم، وتحمَّل في سبيل المعرفة ما تَحَمَّل من مشاق، وهو موسى عليه السلام.

والمعنى: واذكر لهم يا محمد قصة موسى عليه السلام إذْ صَحب فتاه طالبًا لقاءَ العبد الصالح (الخضر) عليه السلام ليتعلم منه بعض ما لم يكن يعلم. وفتاه هو يوشع بن نون تابعه وتلميذه وخليفته من بعده كما ورد فى صحيح البخاري ومعهما مِكْتل (1) فيه حوت أعَدَّاه للطعام وأخبر موسى فتاه أنه لا يزال مُجِدًّا في السير حتى يصل إلى مكان العبد الصالح في مجمع البحرين، ولعل المراد بمجمع البحرين التقاءُ خليج العقبة بخليج السويس أو أحد فروع النيل السبعة القديمة بالبحر الأبيض في دلتا النيل، وعلى أي حال فتحديد المكان لا يتعلق به كبير غرض.

وانطلق موسى مع فتاه وقد عقد العزم أَن يواصل السير وإِن طال الزمن حتى يبلغه.

61 -

{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} :

أي فلما وصلا إلى موضعٍ يَجْمَعُ بين البحرين نسيا حوتهما فاضطرب فى المكتل وقفز إلى الماء يشق طريقه فيه كأنما صنع الحوت لنفسه في الماء نفقًا، فقد صح من حديث الشيخين وغيرهما. "أن الله أَمسك عن الحوت جرْيَةَ الماءِ، فصار عليه مثل الطاق، قال الآلوسي: والمراد به: البناءُ المقوَّسُ كالقنطرة.

(1) وعاء مصنوع من الخوص يشبه الحقيبة يحمل التمر والطعام وغيرهما فيه.

ص: 898

62 -

{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} :

فلما جاوزا المكان وأمعنا في السير حتى الصباح شَعَر موسى عليه السلام بالجوع والتعب فقال لغلامه آتنا طعام الغدوة (وهي الصباح) ليَشْبَعا من جوع، ويستردَّا عافيتهما وينعما بالراحة بعد التعب.

63 -

{قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} :

قالَ له الغلام: إني نسيت الحوت عند الصخْرة وإن الحوت قفز إلى الماء.

{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} : واتخذ في الماء طريقا عجيبًا كالنفق، ونسبة الإنساء إلى الشيطان لأنه ربما شغله بوساوس عن الأهل والوطن، جعلته يذهل عن هذه الحالة العجيبة بتقدير العزيز العليم، وإلا فتلك الحالة لا تنسى.

64 -

{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} : قال إن فقدان الحوت إنما يكون عند التقاء البحرين وهو المكان الذي نريده حيث نلقي العبد الصالح.

{فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} : ذكر البخاري في باب التفسير: "رَجعا يقصان".

أي يَتَتبَّعَان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة.

65 -

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} :

أي فوجدا عند الصخرة التي نسي يوشع ما حدث من الحوت لديها - وجدا - عبدا صالحا من عباد الله آتاه رحمة كثيرة من عنده، وعلَّمه علمًا لا يكتنه كنهه من لدنه سبحانه وتعالى.

واختلف في الرحمة التي آتاه الله إياها، فقيل هي الوحي والنبوة، وقيل الرزق الحلال، وقيل العزلة عن الناس وعدم الاحتياج إليهم، وأَما العم اللَّدنيُّ فهو علم الغيوب والأسرار الخفية، كما سيأتي بعضه في قصته.

66 -

{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} :

ص: 899

تحكي هذه الآية أن موسى حين وجد العبد الصالح سأله الصحبة والمتابعة بشرط أن يعلمه مما علمه الله علما ذا رشد.

67 -

{قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} : قال الخضر إنك إذا أردت الصبر لما استطعت ، لأن ما يجريه الله على يدي من الأمور يجعلك تسارع إلى الاعتراض عليه ، لخفاء حكمته عليك، روى الإمام البخاري والترمذي في حديث طويل بسند كل منهما يحكي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم قصة لقائهما مع العبد الصالح ، وقد جاء فيه أنهما، (انتهيا إلى الصخرة) ، فإذا رجل مسجًّى - أي مغطى - بثوب، فسلم عليه، فقال الخضر: وأني بأرضك السلام؟ قال أنا موسى ، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا ، قال يا موسى إنك لن تستطيع معي صبرا ، يا موسى: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه

) الحديث.

68 -

{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} : أي وكيف تصبر على مصاحبتي وأنت ترى من أمور المخالفة لشريعتك ، ما لم تحط بأسراره علما، يقول الخضر ذلك لأنه كان يفعل أمورا خفية المراد منكرة الظواهر ، مما يجعل موسى عليه السلام لا يتمالك إلا أن ينكر وقوعها عند مشاهدتها.

{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)}

المفردات:

{صَابِرًا} : ضابطا لنفسي حين أرى ما يقتضي الإنكار.

{وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} : فلا أخالف ما تأمرني به.

{حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} : حتى أفسره لك دون سؤال منك.

ص: 900

التفسير

69 -

{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} :

وعد موسى عليه السلام الخضر بأنه سيجده صابرا على ما يراه مما أخفي عليه سببه، وقرن ذلك بمشيئة الله ، لأن أفعال العباد مرتبطة بمشيئته تعالى ، كما وعده أن يلتزم طاعته فلا يخالفه في أمره من الأمور ، وهذا ما ينبغي للمتعلم مع معلمه.

70 -

{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} :

بعد أن وعد موسى صاحبه الخضر بأنه سيصير على ما يراه من الأمور المخفية الأسباب، التي يجريها أمامه وأنه لا يعصي له أمرا - لما حدث ذلك من موسى - أذن له الخضر بصحبته وأرشده إلى ما يقتضي دوامها بقوله: فإن اتبعتني وصحبتني في رحلتي هذه فلا تسألني عن شيء رأيته بعينك وأنكرته بقلبك ، واصبر حتى أحدث لك في شأنه ذكرا وبيانا يفسر ما عمي عليك من سببه.

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}

المفردات:

{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} : أي لقد أحدث منكرا فظيعا.

{وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} : لا تُحَمِّلني من اتباعي لك ما لا أطيق مما يشق عليَّ حمله.

ص: 901

التفسير.

71 -

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} :

جاء في حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما "انطلقا يمشيان على الساحل فَمَرتْ بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نوْل"(1) إلى أن قال: "فَلَم يُفْجأ مُوسى إلَاّ وَقَدْ قَلَعَ لَوحَا بِالقَدوم، فَقالَ لَهُ مُوسى: مَا صَنَعت؟ قوم حَملُونَا بِغَيرِ نَوْلٍ، عَمَدت إلَى سَفِينتهم فَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئا إمْرا" ويحكي الله اعتراض موسى عليه، بأُسلوب موجز مستنكرًا ما فعل، إذ يقول:

{قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} :

وهنا نرى موسى عليه السلام ينسى ما عاهد عليه الخضر ويوجه إليه لوما شديدا ويقرر أن فعله هذا قد يفضي إلى إغراق السفينة بمن فيها، وأنه قابل إحسان أصحابها بالإساءة. ويحكم عليه حكما قاسيًا حسب ما بدا له - بأنه ارتكب ذنبًا عظيمًا قبل أن يستمع إلى سبب هذا الفعل.

72 -

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} :

ذكره الخضر بالعهد الذي ارتبط به معه فقال له: لقد قلت لك ما توقعتُ حدوثَهُ منك وهو أنك لن تستطيع الصبر على صُحبتي حينما ترى ما أفعله، بما يخالف ظاهر شريعتك.

73 -

{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} :

اعتذر موسى عليه السلام للخضر بأنه نسى ما تعهد له به. والنسيان مَظِنَّة العفو، وطلب إليه ألا يحمّله فوق طاقته، فإنه نبي والنبي لا يسكت عن أمر يراه خطيئة، روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كانت الأولى من موسى نسيانا" وورد في هذا الحديث: "وجاء عصفور فوقع على حَرْفِ السفينة فنقر من البحر نقْرَة (2) فقال له الخضر: "ما علمي وعلْمُك في علم الله إلا مثلُ ما نقصَ هذا العصفور من هذا البحر" وقبل الخضِرُ عذر موسى وسارا في طريقهما.

(1) أي بغير أجر.

(2)

هذا دليل على أن البحر كان ماؤه عذبا.

ص: 902

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)}

المفردات:

{غُلَامًا} : الغلام الصبي الذي لم يبلغ. {زَكِيَّةً} : طَاهرة، وفي قراءة "زَاكِيَة".

أي نامية أو طاهرة. {نُكْرًا} .): منكرا لا يقره العقل.

التفسير

74 -

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} :

روى البخاري بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "

ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخَضِرَ غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله .. ".

{قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} : لم يطِقْ مُوسىَ صبرًا على ما رأى من قتله الغلام فقال في استفهام إنكارى: أقتلت نفسا طاهرة بريئة دون أن ترتكب تلك النفس جريمة تستحق عليها القتل؟ ثم أصدر عليه حكما حاسمًا بأنه ارتكب أمرًا خطيرا منكرًا.

75 -

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} :

نبَّهه الخضر عليه السلام إلى خروجه عما عاهده عليه للمرة الثانية، وأكد ذلك بزيادة الجار والمجرور (لك) أي إن هذا هو ما قلته لك لا لغيرك، ولكنك لم تلتزم بما تعهدت لي به في قولك:{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} .

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "وهذه أشد من الأولى .. ".

ص: 903

76 -

{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} :

أدرك موسى خطئه فلم يجادل فيه، ووعد بتحمل تبعة اعتراضه عليه مرة أخرى فقال للخضر عليه السلام: إذا اعترضت عليك في أمر آخر فإن لك أن تفارقني ولا لوم عليك في ذلك، بل لك العذر كل العذر في ألا تصاحبني، وقبل الخضر عليه السلام اعتذاره ومضيا في طريقهما.

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)}

المفردات:

(جدارا): الجدار؛ الحائط.

(ينقض): ينهار.

(أنبئك): أخبرك.

(تأويل): تفسير.

التفسير

77 -

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} :

أي فسارا في طريقهما حتى حلَّا بإحدى القرى -يذكر بعض المفسرين أنها إنطاكية- وطلب من أهلها إعطاءهما طعامًا يأكلانه، فرفض أهلُها إطعامهما شُحًّا وبُخْلًا.

ص: 904

{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} : فرأَيا في القرية جدارا يكاد يقع فهدمه الخضر ثم أعاد بناءه، فعجب موسى علية السلام من تصرف الخضر، وما بذله من جهد في هدم الجدار ثم إِقامته، لقوم بخلاء يضنون عليهم بالطعام (1).

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فقال موسى: قوم أَتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا

{قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} :

أي لو أردت لطلبت من هؤُلَاء القوم أَجرًا جزاء عملك.

ونلاحظ هنا أَن موسى عليه السلام لم يعترض على الخضر ولم يصدر عليه حكمًا بالخطإ كما فعل في المرتين السابقتين، فقد استفاد من الدرسين الماضيين واكتفى هنا بقوله: لو أردت أن تنال أجرًا على عملك لنلته، وعلق الأمر هنا على مشيئة الخضر وإرادته، وهنا أدرك الخضر عليه السلام أن موسى قد استفاد بما مر بهما من أحداث، وأثمرت التجربة ثمرتها المرجوة، فأنهى الخضر لقاءه مع موسى عليهما السلام مبينًا له حكمة ما صنع مما لم يستطع موسى الصبر عليه.

78 -

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} :

أَي قال الخضر لموسى عليهما السلام، بعد أن اعترض عليه لهدمه الجدار ثم بنائهِ لقوم بُخَلاء: حان لي فراقك وفقا لتعهدك، ولكنى قبل الفراق سأنبئك بتفسير ما قمت به من أعمال استدعت اعتراضك عليها ، لتدرك بواعث وأهداف هذه التصرفات ولكنك تعجلت في الحكم عليها دون أن تدرك أسبابها وتقف على بواعثها.

جاء في حديث البخاري عن هذه القصة بعد قول الخضر لموسى عليه السلام: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ

} الآية. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وَدِدْنَا أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما".

(1) والتعبير عن قرب سقوط الجدار بأنه يريد أن ينقض صورة بلاغية، من باب الاستعارة المكنية التخييلية.

ص: 905