الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النحل
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)}
التفسير
1 -
(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ): نزل قضاءُ الله وحكمه بنصر المؤمنين وهزيمة الكفار إِذا أَصروا على الكفر والعصيان، والمقصود أَنه سيأْتى قضاءُ الله في المسقبل، والتعبير عن بالمستقبل بالماضى لأَنَّ وقوعه حتمى مؤكد في الوقت الذي حدَّده الله لوقوعه فكأَنه وقع فعلا، وشبيه هذا قوله تعالى:"وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ"(1). فإِن المناداة لا تقع إِلَاّ يوم القيامة، والمراد بأَمر الله هنا - كما قال ابن جريح - ما وعد الله رسوله من النصر على الأَعداء. والانتقام منهم بالقتل والسبى والاستيلاء على الديار اهـ. ومن ذلك قوله تعالى:"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"(2).
وإِذا كان قضاءُ الله نافذا لا محالة في الوقت الذي قدره الله سبحانه فلا داعى لأَن تستعجلوا وقوعه أَيها المشركون، وقد كانوا يتحدَّوْن الرسول صلى الله عليه وسلم ويستعجلون وقوع العذاب الذي أَنذرهم به.
(1) الأعراف - 44
(2)
الروم - 47
(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): تنزيها للهِ سبحانه وتساميا عن أَن يكون له شريك أَو نظير، يماثله في أَمره كله:"أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (1) ".
المفردات:
(بِالرُّوحِ): المقصود بالروح هنا القرآن الكريم ومنه قوله تعالى: "وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِليْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا (2) ". أَو القرآن والسنة معا لأَنهما وحيٌ سماوى وإِن افترقا بأَن لفظ القرآن ومعناه أَنزلا من عند الله، أَما السنة فمعناها هو الذي أُنزل من عنده تعالى، وأَما لفظها فهو من تعبير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. (مِنْ أَمْرِهِ): أَي أَن هذا الروح - أَي القرآن - ناشئٌ من أَمره وصادر عنه، ويصح أَن تكون (من) سببيه أَي بسبب أَمره.
(أَنْذِرُوا): خوفوا وحذروا.
التفسير
2 -
(يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ):
أَي أَنه سبحانه اقتضت حكمته قبل أَن يعاقب خلقه أَن يُرْشِدهمُ إِلى الصواب ويخوفهم العقاب فينزل ملائكته بالوحى السماوى حال كون هذا الوحى ناشئا ومبتدئا من أَمره وحده - ينزله - على من يصطفيهم من خلقه ومهمتهم ما بينه الله في قوله: "أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ" أَي خوِّفوا الناس من مخالفة أَمرى. وبينوا لهم أَنه لا إِله إِلا الله وأَن عليهم أن يعبدوه وحده وأَن يحذروا غضبه وعقابه الشديد الذي يحلُّ بهم إِذا ظلُّوا كافرين عاصين.
(1) سورة الأعراف الآية (54)
(2)
سورة الشورى الآية (52)
المفردات:
(نُطْفَةٍ): ماءُ الرجل ففيه الحيوانات المنوية، وماءُ المرأَة ففيه البويضة التي تلقح بحيوان من حيوانات مني الرجل، فيحصل الحمل وفقا لمشيئة الله تعالى.
(خَصِيمٌ): شديد المخاصمة والمجادلة. (مُبِينٌ): واضح ظاهر.
التفسير
3 -
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ): بعد أَن قرّر الله أَن لا إِله إِلا هو ساق الدليل على وحدانيته، بأَنه ابتدع السماوات والأَرض على غير مثال سبق، ونسَّق بينهما أَتمَّ تنسيق، ودفع كلا منهما في فلكه المرسوم، خلق هذا كله مقرونا بالحق، مُتَّسِمًا بِالحكمة السامية في الخلق والتدبير كما قال سبحانه:" {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"(1).
(تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): تنزه الله وتقدس وتسامى عن أَن يكون له شريك في ملكه أَو نطير في خلقه وتدبيره، فإِن هؤلاء الشركاءَ عاجزون عن تدبير أَنفسهم وجلب النفع لهم، أَو دفع التفسير عنهم، فكيف يكونون شركاء لله الواحد القهار، ثم تحدث عن خلق الإِنسان وخاصمته لربه فقال جل ثناؤه:
4 -
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ):
وكما خلق الله السماوات والأَرض بالحق خلق الإِنسان في أَبدع تكوين من ماءٍ مهين حيث زوده بالسمع والبصر وأَيده بالعقل المفكر. ولم يكتف بذلك، بل أَرسل إِليه الرسل،
(1) سورة الدخان الآية: 38، 39
وأَنزل عليه الكتب، وكان مقتضى هذا أَن يقر بوحادنية الله وقدرته، وأَن يبادر بعبادته ولكنه اتخذ هذه المواهب التي أَيده الله بها ليجادل في وحدانية الله ويخاصم الدعاة إِليه إِذ يقول:"مَن يُحْيِى الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ"(1) مع أَنه سبحانه قَوِىٌّ قَهَّارٌ منتقم ممن عصاه، وصدق الله إِذ يقول:"وَهُمْ يُجَادِلُونَ في اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ"(2).
ويصح أَن يكون المعنى؛ خلق الإِنسان من نطفة فإِذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم بعد أَن كان ماءً حقيرًا لا قيمة له ولا وزن - وهذا المعنى أَنسب بمقام الامتنان بإِعطاء القدرة على الاستدلال على الله تعالى.
المفردات:
(وَالْأَنْعَامَ): الإِبل والبقر والظأْن والمعز. (ترِيحُونَ): يعيدونها من المراعى إِلى البيوت من الرواح وهي العودة إِلى البيوت آخر النهار.
(تَسْرَحُونَ): تطلقون سراحها من الحظائر صباحًا إِلى المراعى الصالحة.
(بِشِقِّ الْأَنْفُسِ): ما يشقُّ عليها ويرهقها ويحملها ما يثقلها من الأَعباء.
(1) سورة يس من الآية: 78
(2)
سورة الرعد الآية: 13
التفسير
5 -
{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} : أي وكما خلق الله الإنسان خلق له الأنعام وهى الإبل والبقر والمعز والضأن، وجعل له فيها دِفْئًا، حيث يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس وأغطية تمنحه الدفء فى الشتاء كما تمنحه الدفء الداخلي بالطعام حيث تمنحه طاقات حرارية حينما يأكل لحومها ودهونها وألبانها، فإن لكل طعام نوعا حراريًّا خاصًّا به يمنحه الله لآكليه، وللإنسان فيها منافع كثيرة كالحرث والرى وغير ذلك من النعم التى تستنبط منها.
6 -
{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} : وكما تمنحكم تلك المنافع العظيمة فهي تدخل البهجة والسرور على نفوسكم بجمالها حين تعيدونها من مراعيها مليئة البطون، حافلة الضروع وحين تخرجونها من حظائرها الى المراعي متدافقة متموجة تنساب إليها فى مرح وخفة وحيوية ونشاط متناسقة الأعضاء متسقة التكوين.
7 -
{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} : أي ومن نعم الله سبحانه فى منافع الأنعام ولا سيما الإبل. أنها تحملكم وتحمل أمتعتكم الثقيلة من بلد إلى بلد لا تستطيعون الوصول إليه إلا بمشقة وعناءٍ.
{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} : هذا تعليل لما سبق ذكره من نعم الله على عباده، مؤكد بعدة توكيدات، وفى إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين إظهار لمزيد عنايته سبحانه بخلقه، وعظيم رأفته وواسع رحمته بهم، والرأفة فرع من الرحمة تختص بدفع المكروه وتخفيف ما يشق على عباده، وأما الرحمة فتشمل هذا وغيره من أنواع الفضل والإنعام.
8 -
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} : ومن نعم الله عليكم أنه خلق لكم الخيل والبغال والحمير. وسخرها لكم لتركبوها وتنتفعوا بها في السلم والحرب، كما جعلها زينة لكم وجمالا تلفت الأنظار وتبهج النفوس.
{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : وكما خلق لكم الأنعام والدواب يهديكم إلى اختراع وسائل أُخرى للتنقل والحمل لم تكن موجودة في عصر نزول القرآن وما تلاه إلى زمن قريب، مثل
السيارات والقطارات والطائرات والسفن الضخمة التي تسير بالبخار وغيره إِلى غير ذلك من الوسائل التي لم تعرف حتى الآن، وفي هذا الإِعجاز القرآنى ما لا يخفى على الباحثين الدارسين، ولا تزال الكشوف متوالية إِلى ما شاءَ الله بما لم يكن يخطر على بال.
{وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)}
المفردات:
(قَصْدُ السَّبِيلِ): مستقيم الطريق. (جَائرٌ): منحرف.
التفسير
9 -
(وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ): أَي وكما أَنعم الله علينا بالنعم الحسِّية الوفيرة تفضل بهدايتنا إِلى الطريق المستقيم الموصل إِليه سبحانه بما أَنزله من الكتب، ومن بعثهم من الرسل، ولو وكلنا إِلى أَنفسنا لضللنا هذا الطريق الذي دعا إِليه جميع الرسل، وهو الذي وصَّانا به سبحانه في القرآن، وباقى الطرق معوج ينحرف عن الحق، وقد نهينا عن سلوكه كما قال تعالى:"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(1).
(وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ): أَي ولو أَراد سبحانه وتعالى هداية البشر جميعًا بطريق الجبر لهداهم ولكن حكمته السامية اقتضت أَن يختبرنا، ويتركهم لعقولهم واختيارهِم، بعد أَن أَرشدهم إِلى آياته ودعاهم إِلى الحق على أَلسنة رسله "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ"(2).
(1) الأنعام - 153
(2)
الأنفال - 42
المفردات:
(السَّمَاءِ): كل ما ارتفع وعلا، والمقصود هنا السحاب.
(فِيهِ تُسِيمُونَ): تبعثون أَنعامكم إِلى المرعى لتسوم في الشجر أَي تأْكل منه.
التفسير
10 -
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ):
استأْنفت الآيات تعداد نعم الله على خلقه فإِنه سبحانه يسلط أَشعة الشمس على البحار والأَنهار فيخرج منها بخار يتحول إِلى سحاب، ويسلط عليه الرياح، فتحمله إِلى حيث يشاءُ الله فينزل منه ماءٌ عذبا يشرب منه الإِنسان والحيوان وينبت به العشب والأَشجار كما قال سبحانه:
11 -
(يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ):
أَي ينبت لكم بالماءِ الذي أنزله من السماءِ أَصنافا مختلفة من النبات بدأَتها الآية الكريمة بالزرع لأَنه أَصل الغذاء وعمود المعاش وبه قوت أَكثر العالم، ثم أَتبعته بذكر الزيتون لأَنه غذاءٌ، ودواءٌ وقدمت النخيل على الأَعناب لأَن فيها غذاء متكاملا وفوائد أُخرى، ولأَنها ينتفع بها زمنًا طويلًا. والمراد بالأَعناب ثمار العنب. ومجيئها بلفظ الجمع لتعدد أَنواعها ومنافعها، ثم ختمت الآية الكريمة ما ذكرته من أَصناف النبات والشجر بقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ"
للإيذان بأن ما ذكر من قبل إنما هو بعض النعم: وأن خيراته الله وثمرات الشجر تفوت الحصر.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} : إن فيما سبق بيانه من نعم الله العديدة لآية واضحة.
على عظيم قدرته وتفرده بالوحدانية لقوم يتفكرون في آياته الله فيشكرونه على سوابغ نعمه.
المفردات:
{ذَرَأَ} .: خلق. {يَذَّكَّرُونَ} : أصلها يتذكرون. أدغمت التاء في الذال بعد قلبها ذالا أي: يتعظون.
التفسير
12 -
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} : ومن نعم الله الكثيرة كذلك على الإنسان أنه خلق الأرض وهيأها لتدور حول محورها دورانًا نشأ عنه تعاقب الليل والنهار مما أتاح للإنسان السكون والهدوء والراحة في أثناء الليل، ويسّر له العمل والكد والكفاح في أثناء النهار؛ ومن نعمه سبحانه أن سخر الشمس لتمدنا نهارًا بالضوء والحرارة، وسخر القمر ليمدنا بالنور الهادئ المريح ليلا ، وجعلهما مراصد للتوقيت الزمنى، ولنعلم بهما مواقيت العبادات وعدد السنين والحساب.
{وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} : أي وكما سخر الله الليل والنهار والشمس والقمر، سَخَّرَ النجوم فهي مسخرات بمشيئته وتمكينه إِياها من أداء ما خلقت لأجله، والنجوم جمع نجم، وقد أطلقه الفلكيون على كل كوكب تشع منه حرارة ذاتية وضوء ذاتي وحوله مجموعة من الكواكب ترتبط به جاذبيةً واستنارةً وحرارةً كشأن الشمس بين كواكبها المرتبطة بها فكل نجم بين مجموعته هو شمس فيها، وجميع النجوم وكواكبها منقادة لإرادة الله تعالى، دائرة في أفلاكها المرسومة وفقًا لحكمته وطبقًا لإرادته.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} : إن في تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، لآلات ودلالات بالغة على قدرة الله وحكمته وإبداعه ووحدانيته، لمن استعملوا عقولهم فاهتلوا بها إلى فاطر الأرض والسماوات وآمنوا به وأفردوه بالعبادة والتقديس.
13 -
أي وما خلق لكم في الأرض متعددةً أصنافه مسخر بأمره أيضًا، من حيوان ونبات وجماد، فكل ذلك متنوع الأشكال مختلف الألوان والأصناف متعدد المنافع مسخر لنا لننتفع به كلما أردنا إن في هذا كله لآية عظيمة على قدرة الله وحكمته ورحمته لكل من تذكر وتدبر فاتعظ بما رآه بصره وأدركته حواسه وفقهه عقله.
المفردات:
{سَخَّرَ الْبَحْرَ} : ذَللَهُ ويسّر الانتفاع به.
{مَوَاخِرَ} : جمع ماخر من مخر الماء شقه. {تَمِيدَ} : تضطرب.
التفسير
14 -
وهو الذي سخر لكم البحار بقدرته وحكمته، لكي تستطيعوا اصطياد كائناتها البحرية من الأسماك لتأكلوها طرية أي قبل أن يسرع إليها الفساد وسخرها أيضًا لكي تتزينوا بحليتها، وذلك باستخراج بعض الحلي منها، مثل اللؤلؤ والمرجان والأصداف لاستعمالها في الزينة.
{وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} . أي وترى السفن تشق سطح الماء تستخدمونها في صيد الأسماك واستخراج الحلي من البحر. {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} : أي ولتطلبوا بها منافع أخرى من فضل الله غير ما تقدم، كالتجارة ونقل الحاصلات والبضائع من مرفإ إلى مرفإ ومن قطر إلى قطر، وغير ذلك كالارتحال بها لطلب العلم حيث يوجد العلم والعلماء.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : أي وأمدكم الله بهذه النعم كلها لكي تشكروه على إحسانه وفضله. وتقدروه حتى قدره.
15 -
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} : أي ومن نعم الله الكثيرة عليكم أنه جعل في الأرض جبالًا شامخات ثابتات تحفظ اتزانها في دورانها حتى لا تضطرب في حركتها.
{وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} : أَي وجعل في الأرض أنهارا عذبة تجرى مياهها من منابعها إلى مصابها، لتهَيَّئ الري للإنسان والحيوان والنبات، وجعل سبحانه في الأرض طُرُقا كثيرة تنتقلون فيها من مكان إلى مكان للتجارة وجلب الرزق وتبادل المنافع، لكي تهتدوا إلى غاياتكم إذا سلكتموها.
16 -
{عَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} : أي وجعل في الأرض علامات لتوضيح الطرق من جبال وأنهار وغير ذلك، كما جعل النجوم في الليل عَلامات واضحة لتحديد الجهات في البحر والبر والجو، فقادة السفن والطائرات ورواد الفضاء يهتدون بالنجم القطبي أو سواه لتحديد مساراتهم واتجاهاتهم للوصول إلى أهدافهم.
التفسير
17 -
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ
…
} الآية.
أي إذا كان الله سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن بما يُعلم وما لا يُعلم وهو الخلاق العظيم فكيف يعبد معه ما لا قدرة له على النفع والضر لنفسه أو لغيره وهو مخلوق لله، وليس له في الخلق أدنى نصيب، أهما بعد هذا التباين متساويان فمن يخلق كل شيء كالذي لا يخلق أقل شيء.
{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : أي أتعرضون عن الحق الذي أيدته الآيات فلا تتعظون بما تسمعون من العظات وبما ترون من الآيات، وقد وهب لكم عقولًا لا تميزون بها الخير من الشر والنفع من الضر فكيف غفلتم عن هذه الحقائق.
18 -
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} : أي وإن تحاولوا أن تعدوا نعم الله التي أنعم بها عليكم فلن تستطيعوا أن تَضبطوا عددها ولا تصل إليه قدرتكم فضلا عن القيام بحق شكرها، فكم له من نعم خافية ونعم ظاهرة ترونها في أنفسكم، وفيما سخره الله لكم من نبات وحيوان وجماد وأمطر وبحار وأَنهار وعيون وآبار وغير ذلك من نعم الله التي سخرها لمنفعة عباده، وصدق الله حيث يقول:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} .
وقد ختم الله هذه الآية بنعمة كبرى تفوق كل نعمة حيث قال جل ثناؤه:
{إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} : فبشرهم بنعمة الغفران والرحمة ليبذلوا ما في وسعهم لشكر نعمه ويحرصوا على طاعته قدر طاقتهم، ولا ييئسوا من رحمته إِذا ما قصروا في طاعته ما داموا مؤمنين بربهم مصدقين برسالة نبيهم تائبين من ذنوبهم.
ثم عقب الله هذه الآية بما يفيد التحذير من الغلو في العصيان طمعا في غفران الله، وبما يطمئن أهل التقوى على طاعتهم سِرِّها وجهرها فقال سبحانه:
19 -
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} : أي والله سبحانه يعلم حق العلم ما تخفيه السرائر وما تبديه الجوارح، فيثيب المحسن ويعاقب المسىء ويغفر للمستغفر، وصدق الله حيث يقول:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1).
المفردات:
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} : المراد بهم الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله.
التفسير
20 -
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
…
} الآية.
أَي وكل الذين يعبدهم المشركون من دون الله من إنسان وأصنام وغيرها عاجزة عن أن تخلق أي شيء وإن كان حقيرًا، فإنها مخلوقة وليست بخالقة عاجزة وليست بقادرة، فكيف يعبدونها من دون الخلاق العظيم.
(1) سورة البقرة، الآية: 284
21 -
{أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} : أي أن هذه المعبودات أموات فكيف عبدوها، فهي إما صخورٌ صماءٌ جامدة ليست فيها حياة وإما أحياء، لكنهم في حكم الأموات، وهم لهذا لا يشعرون متى يبعثون، والله سبحانه سيبعث هذه المعبودات الباطلة وعابديها ويخرجهم يوم القيامة للمحاجة فنتبرأ المعبودات من عابديها ثم يقذف بها وبعابديها في النار كما قال سبحانه:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} (1).
أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم شهداء على أقوامهم الذين عبدوهم بغير حق كما فعل أصحاب عيسى من بعده عليه السلام، حيث عبدوه واتخذوه إلهًا.
المفردات:
{لَا جَرَمَ} : لا بد ولا محالة - أو حقًّا.
التفسير
22 -
{إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} : هذه الجملة تعتبر كالنتيجة للأدلة السابقة، فكأنه قال: قد ثبت بما تقدم بطلان أُلوهية غيره تعالى، وتحققت الألوهية لله وحده، فإلهكم إله واحد لا شريك له، ولكن المشركين لا تقنعهم البراهين، فهم كل باطلهم مقيمون فلهذا قال سبحانه:{فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} : فالذين لا يصدقون بالحياة الآخيرة وما فيها من عقاب خالد على الشرك، قلوبهم منكرة وحدانية الله تعالى التي
(1) سورة الأنبياء ، الآية: 98
قال عليها البراهين، لعدم خوفهم من العقاب في شركهم، وهم لهذا مستكبرون عن قبول الحق والاستماع إلى رسوله الأمين، والنظر فيما يقدمه لهم من الآيات والبراهين، ولهذا كان لا بد من وعيد الله لهم بقوله:
23 -
أي لا محالة أن الله تعالى يعلم ما يخفونه في أَنفسهم من الشرك وسوء الطوية وجميع معاصيهم وأسرارهم، كما يعلم ما يعلنونه من ذلك فلا تخفى عليه منهم خافية، فلابد من عقابهم على شركهم ومعاصيهم، فإن الله تعالى لا يحب المستكبرين عن الحق، المتعالين عن أدلته وبراهينه ولا يدخلهم جنته، أخرج مسلم عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال:"لَا يَدخُلِ الجنة من كَانَ في قَلبِهِ مثقال ذَرَّةٍ مِنْ كبرٍ".
المفردات:
{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أباطيلهم التي سطروها؛ جمع أُسطورة.
{أَوْزَارَهُمْ} : أثقالهم والمراد منها؛ آثامهم.
التفسير
24 -
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : كان الوافدون على مكة للحج أو غير يسألون كفار مكة عن هذا النبي الذي ظهر بينهم، ورأيهم فيه وفيما أنزل
عليه، فكان هؤلاء المشركون يسيئون في إِجابتهم لينفروهم منه، ويبعدهم عن الاستماع إليه، وذلك ما حكاه الله في هذه الآية.
والمعنى: وإِذا سئل هؤلاء المشركون المتكبرون عما أنزله الله من الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم زعموا أنه حكايات ملفقة سطرها القدماءُ، وزعم محمد أنها أُنزلت عليه من الله تعالى، وكما حكى الله هذه الفرية عن المشركين هنا، حكاها عنهم في قوله في سورة الفرقان:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} .
25 -
أي أن هؤلاء المستكبرين قالوا لمن يسألهم عما أُنزل من الحق على محمد: هذا أساطير الأولين وأباطيلهم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا آثامهم كلها، ومنها هذا الذي اقترفوه في التنفير في الحق، ويحملوا أيضًا بعض آثام من أضلوهم وأبعدوهم عن الإِسلام بما افتروه على القرآن الكريم، وهو إثم الإضلال، فهما شريكان في الإثم، هذا يضله، وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر.
والمراد من قوله تعالى: {يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} : أنهم يضلونهم غير عالمين بأن ما يدعونهم إليه هو طريق الضلال، وفائدة التقييد بقوله:{بِغَيْرِ عِلْمٍ} الإشعار بأن مكرهم لا يروج عند ذى لب وإنما يتبعهم الأغبياء والجهلة، والتنبيه على أن جهلهم ذلك لا يكون عذرا إن كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المُحِقّ الجدير بالاتباع وبين المبطل، أخرج مسلم وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "مَنْ سَنَّ سنةً حَسنة كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجْره شَيء، وَمَنْ سَن سُنة سيئَةَ كاَن عليْهِ وِزرهَا وَوزِرُ مَن عَمِلَ بهَا - .. " الخ.
{أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} : أي ألا بئس ما يحملونه من آثامهم وآثام من اتبعوهم في الكفر والضلال.
المفردات:
{مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : أي كادُوا لِرُسُلِهِم يُرِيدون الإيقاع بهم.
{فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} : أي فآتي أمر الله بنيانهم من أُسُسِه.
{فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ} : أي سقط عليهم سقف بنيانهم.
{يُخْزِيهِمْ} : يُذِلهم بعذاب الخزى. {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} : هم الأنبياء والمؤمنون.
التفسير
26 -
بعد أن حكى الله تعالى عن قريش قولهم عن القرآن {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وبين أنهم سوف يحملون يوم القيامة ذنوبهم وذنوب من يضلونهم، جاءت هذه الآية وما بعدها لتبين أنهم قد سبقهم مَنْ قبلهم بالكفر بالله وتكذيب رسلهم، وكانت عاقبتهم في الدنيا الهلاك وفي الآخرة الخزى والعذاب، وأن عليهم أَن يحذروا مثل مصيرهم.
والمعنى: قد تآمر الذين من قبل قريش على رسلهم، فدبروا لهم المكايد ليهلكوهم أو ليقضوا علي الحق الإلهي الذي جاءوا به أممهم، فأحبط الله كيدهم، وسقط عليهم بنيان المؤامرة التي دبروها، دون أن ينال الرسل منها كريهة.
شبهت حال الماكرين برسلهم في تدبير مكايدهم التي أرادوا بها الإيقاع برسل الله وفي إبطال الله تعالى تلك الحيل والمكايد، وجعلها أسبابًا لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنيانا، وعمدوه بالأساطين، فأُتِيَ ذلك البنيان من قبل أساطينه، بأن تداعت فسقط عليهم السقف من فوقهم فهلكوا.
{وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} :
أي أتاهم الهلاك والدمار من جهة بنيانهم الذي أقاموه ضد الرسل، وقد كانوا يظنون أنه محكم بحيث لا يأتيهم من جهته ما يؤذيهم، فخيب الله ظنهم وجعله سبب هلاكهم في دنياهم.
وكذلك أنتم يا أهل مكة، أحكمتم أمركم ضد القرآن العظيم، وقلتم فيه ما قلتم ومن جملته أنه أساطير الأولين، فسيأتيكم العذاب في الدنيا من حيث لا تحتسبون كما فعل الله بمن قبلكم، إن ظللتم على كفركم.
27 -
أي ثم يوم قيام الناس من قبورهم لحساب ربهم يذل الله المشركين بعذاب الخزى على رءوس الأشهاد، ويقول لهم تفضيحا وتوبيخا: أين شركائى في الألوهية الذين كنتم تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأنهم، فاستحضروهم ليشفعوا لكم أو لينقذوكم إن كنتم صادقين في مزاعمكم نحوهم، وهيهات أن يجدوهم شافعين أو منفذين بل لائمين مكذبين.
{قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} :
أي قال الذين أوتوا العلم من أهل الموقف وهم الأنبياء والمؤمنون اللذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد ويقيمون لهم أدلته - قالوا لهم - شماتة بهم وتحقيقا لما توعدوهم به: إن الفضيحة والذل والهوان اليوم علي الكافرين بالله ورسله وآياته.
المفردات:
{أَلْقَوُا السَّلَمَ} : أظهروا المسالمة والانقياد والإذعان.
{مَثْوَى} : مستقر ومكان إقامة.
التفسير
28 -
تسوق هذه الآية مشهدا من مشاهد النهاية لحياة الظالمين المصرين على الكفر، وهو أن ملائكة العذاب حين تقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بالكفر والعصيان، يستسلمون زاعمين أنهم لم يرتكبوا إِثما في حياتهم وأنهم ما كانوا يعملون السوء، فترد عليهم الملائكة قائلة:
{بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : أي نعم قد عملتم السوء؛ إن الله سبحانه واسع العلم، محيط بكل ما كنتم تعملونه قبل وفاتكم، فكيف تكذبون على من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ومن {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} . (1)
(1) سورة غافر الآية: 19
29 -
{فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} : أي فادخلوا جهنم من أبوابها السبعة التي أعدت للكفار والعصاة، لتبقوا فيها خالدين لا تبرحونها أبدا.
{فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} : أي فما أسْوأ المقرَّ الذي أَعده الله للمتكبرين في جهنم.
والمراد من المتكبرين هنا من ترفعوا عن عباده الله والاستجابة للرسل، وآثروا الكفر على الإيمان والعصيان على الانقياد والشرك على التوحيد.
المفردات:
{جَنَّاتُ عَدْنٍ} : بساتين إقامة من عدن بالمكان أقام به. {طَيِّبِينَ} : صالحين.
{سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} : وأمان لكم.
التفسير
30 -
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا
…
}.
بينت الآيات السابقة حال الأشقياء الذين أشركوا بالله وكذبوا رسله. وقالوا عن القرآن لما سئلوا عنه: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} فكان جزاؤهم جهنم خالدين فيها، ثم تلتها هذه الآيات لبيان حال السعداء الذين أحسنوا القول لسائليهم والعمل لربهم. فأجزل لهم ربهم
خيرى الدنيا والآخرة. وهؤلاء يقول فيهم سبحانه: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): أي وقال القادمون على مكة للسؤال عمَّا أنزَله الله على النبي الذي سمعوا بمبعثه -قالوا- للمتقين من المؤمنين: (ماذا أنْزَلَ ربُّكم؟): أى ما الذى أنزله ربكم على رسوله: (قَالُوا خَيرًا): أي قالوا لهم: أنزل خيرًا كثيرًا وهو القرآن ففيه الخير كله، فهو رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به، وهم فى جوابهم هذا يخالفون الكفار. حيث أنكروا إنزاله بما أجابوا به بقولهم:"أساطِيرُ الأوَّلِينَ".
روى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبي عليه السلام. فقد نقل عن السُّدى قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله. فانظروا أُناسًا من أشرافكم. فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة. فمن جاء يريده ردوه عنه. فكان إذا أقبل الرجل وافدًا لقومه ينظر ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فينزل بهم. فيكفونه عنه، ويأمرونه بالانصراف. قائلين له: إِن لم تلقه كان خيرًا لك. لأَنه رجل لم يتبعه على أمره إلا السفهاءُ والعبيد ومن لا خير فيهم، أما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقوه، فإذا كان الوافد ممن أراد الله لهم الرشاد. وقالوا له مثل ما قالوا لغيره أَجابهم بقوله: أنا شرُّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه. فيلقى أَصحاب محمه رضي الله عنهم فيسَألهم فيخبرونه بحقيقة الحال: اهـ.
وعلى هذا فالسائلون هم الوافدون. والمجيبون هم المؤمئون: ويجوز أَن يكون السائلون والمسئولون من المؤْمنين، حيث يسأل بعضهم بعضًا. ليقوى إيمانه. وليشعر بلذة الجواب الذى يعلمه. ويرغب فى سماعه، وقد يكون السائل من الكفرة المعاندين وغرضه التلاعب والتهكم.
ثم أَخبر سبحانه عما أَعدَّه الله لعباده المتقين من حسن الجزاء في الدنيا والآخرة فقال تعالى:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} : أي للذين أحسنوا القول والعمل فى الدنيا حسنة جزاءَ إحسانهم ينالونها فى الدنيا، والمراد بها النصْر والفتْح والمدحُ والثناءُ وغير ذلك من المكرمات.
{وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} : أى مثوبتها خير وأعظم مما أُوتوه فى الدنيا من مثوبة لأنها إلى بقاءٍ. وكل ما فى الدنيا إلى فناءٍ، ولأن نعيمها لا يعدله نعيم آخر. ولهذا ختم الآية بمدحها بقوله:
{وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} : أى دار الآخرة، واعلم أن قوله سبحانه:"للذين أَحسنوا فى هذه الدنيا حسنة .. " الآية -إما أنه مستأنف للثناء على من أجابوا السائلين بأنه تعالى أنزل خيرًا، حيث وصفهم بأنهم أحسنوا فى هذه الدنيا إحسانًا مطلقًا، وعدَّ جوابهم عما سئلوا عنه من جملة إحسانهم، ووعدهم عليه الجزاءَ الأوفى. وإمَّا أن يكون هذا القول الكريم تفسيرا منهم لقولهم:"خيرًا" أى قالوا أنزل خيرًا. ذلك الخير الذى قالوه هو للذين أَحسنوا إلخ. قالوه ترغيبًا للسائل وإخبارًا عما وعد الله به عباده فيما أنزله على رسله.
31 -
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا
…
}: أى إن الدار التى وعد بها المتقون هى جنات إقامة واستقرار لا يخرجون منها باختيارهم ولا يخرجهم منها أَحد. وهذه الجنات تجرى من تحت أشجارها وبين قصورها الأنهار. إتمامًا لبهَائها وجمالها وكمال الابتهاج بها.
{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} : أَى لأهل الجنة دون سواهم من أنواع المشتهيات التى تميل إليها نفوسهم وتركب فيها طباعُهم فتتمناها.
{كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} : أي مثل ذلك الجزاء العظيم يجزى الله كل من اتقاه وابتعد عن الشرك وتجنب المعاصى والآثام. فلا يختص به أحد دون آخر. وفي هذا الوعد الكريم إشارة إلى تحسير الكفار. وتحزينهم على ما كان منهم. حينما سئلوا عما أنزل ربهم إذ {قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} حيث حرموا هذا الثواب الجزيل الذى حصل عليه المتقون بحُسن إيمانهم وصادق جوابهم للسائلين.
32 -
{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ
…
}: هذا بيان لحال المتقين عند الاحتضار أي هم الذين تتوفاهم الملائكة طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصى، ومن كل سوءٍ، ووصفوا بذلك للإيذان بأن التقوى لا تتحقق إلا بالطهارة عما ذكر إلى وقت الوفاة، حثًّا لهم على التسمك والاستمرار، ولغيرهم على التحصيل والعمل، وقيل: هو كلام مستأنف
معناه: الذين تتوفاهم الملائكة فرحين طيبي النفوس بما يسمعونه من بشارتهم لهم بالجنة.
تلك البشارة التي يحكيها قوله سبحانه:
{يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} : أي يقول الملائكة لهم مطمئنين: سلام عليكم وأمان لكم أو تحية لكم من الله.
{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} : أي أبشروا بدخول الجنة التي أعدها الله لكم ووعدكم نعيمها بعد البعث، فالمراد بالدخول هنا هو دخول أهل الجنة فيها حقيقة يوم القيامة، الأمر به قبل وقته بشارة بتحقيق وقوعه في وقته بعد البعث.
{بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : أي ادخلوا الجنة بسبب ما وفقكم الله له من ثباتكم على التقوى وتمسككم بالطاعة والاستقامة على عمل الصالحات. ولا تعارض بين هذه الآية وحديث "لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدُكُم بِعَمَلِهِ" لأن المراد في الحديث أن العمل لا يساوى دخول الجنة، ولا يصلح بذاته أن يكون مقابلًا للجنة، فإن الله تعالى هو الذي أقدرنا على العمل الصالح، فإن كافأنا عليه فذلك محض فضل من الله تعالى، وأما الآية فقد أفادت أنه تعالى نفضل فجعل العمل سببًا شرعيا لدخول الجنة، ولولا ذلك لما استحق أحد بعمله هذا الثواب العظيم.
المفردات:
{أَمْرُ رَبِّكَ} : المراد به يوم القيامة أو العذاب الدنيوى. {وَحَاقَ بِهِمْ} : وأحاط بهم، وخصَّ لاستعمال لفظ حاق بالإحاطة في الشر، بعد أن كان في أصل معناه للإحاطة مطلقًا.
{يَسْتَهْزِئُونَ} : يسخرون.
التفسير
33 -
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَة ُ
…
}:
أي ما ينتظر هؤُلاء الكفار بعنادهم إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك وعمل الشر، أو ما ينتظرون إلا أَن تنزل الملائكة عليهم للشهادة بصدق نبوتك.
{أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} : المراد بأمره تعالى العذاب الدنيوي المستأصل لهم جميعا كالزلزلة.
والخسف، والريح الصرصر ونحوها، وفي التعبير برب مضافًا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. إظهار لكمال العناية به والرعاية له.
{كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : أي مثل ما فعل هؤلاه من الشرك والتكذيب فعل الذين سبقوهم مع أنبيائهم. فعاقبهم الله على فعلهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما يشير إِليه قوله سبحانه:
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} : فيما أَنزل بهم من العذاب. لأنه سبحانه أعذر إليهم، وأقام عليهم حججه. بِإرسال رسله، وإنزال كتبه.
{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : حيث عرضوها للعذاب بمخالفة الرسل، والتكذيب بما جاءُوا به، أي أن الله لم يظلمهم بتعذيبهم. ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم لمباشرتهم السيئات الموجبة لعقوبتهم. وذلك ظلم بين منهم لأنفسهم.
34 -
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} : معطوف على قوله سبحانه: {فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا.
والمعنى أن الله جل شأنه أنزل بالأمم السابقة أجزية أعمالهم السيئة التي اقترفوها وتمسكوا بها، وتسمية الأجزية سيئات للمشاكلة كما في قوله:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (1). أو لأنها مسببة عن أعمالهم السيئة، فسميت باسم سببها إيذانًا بفظاعته، وإشارة إلى بالغ قبحه، ويجوز أن يكون المعنى: فأصابهم جزاءُ سيئات ما عملوا.
{وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} : أي وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ويسخرون منه كلما توعدتهم به رسلهم إِن استمروا على كفرهم، وعبر بالحيق الذي خصه الاستعمال اللغوي بإحاطة الشر، للإيذان بأن العذاب لم يقتصر على مجرد إصابتهم، بل شملهم وعمهم، أو المعنى وأحاط بهم جزاءُ استهزائهم برسولهم أو به وبغيره.
(1) سورة الشورى من الآية - 40 - .
المفردات:
{مِنْ دُونِهِ} : من غيره. {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ} : أي فما عليهم. {الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} :
أي التبليغ الواضح أو الذي يبين الحق من الباطل.
التفسير
35 -
شروع في بيان فن آخر من كفر أهل مكة، وهو اقتناعهم مما هم فيه من شرك وضلال واحتجاجهم لصحته بأنه تعالى شاءه لهم ودفعهم إليه، يريدون من قولهم هذا تبرير عدم الاستجابة لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإيمان بما جاءهم به، والتعبير عنهم بالذين أشركوا، لتقريعهم على الشرك وبيان أنه سبب الداء، وقمة البلاء.
والمعنى: وقال مشركو مكة للرسول محتجين لما هم عليه من الشرك: لو شاء الله عدم عبادتنا لشيء غيره لما وقع منا انحراف ومخالفة لمشيئته، ولأخلصْنا العبادة له وحده. فلم نشرك نحن ولا آباؤنا الذين نهتدي بهم، ونتمسك بالاقتداء بآثارهم في كل أمورنا.
{وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} : من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مِما ابتدعوا تحريمه (1) واخترعوه من تلقاء أنفسهم وغرضهم من قولهم ذلك. تكذيب الرسول والطعن في الرسالة رأسًا بما حاصله أن ماشاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئًا، ونحل ما أحله، ولا نحرم شيئا
(1) تقدم بيان هذه المحرمات التي حرموها علي أنفسهم في الآيتين 138 - 139 من سورة الأنعام.
مما حرمنا كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى، لكان الأمر وفق مشيئته من التوحيد ونفى الإشراك وتحليل ما أحله وعدم تحريم شيء مما حرمنا، وحيث لم يتحقق هذا. ثبت أنه جل شأنه لم يشأ شيئًا مما ذكر. بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما تقوله الرسل هو من تلقاء أنفسهم. فرد عليهم سبحانه بقوله:
{كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : أي سئل هذا التكذيب والاستهزاء الشنيع بالرسل وادعاء أن شركهم رضيه الله وشاءه لهم - مثل ذلك كله اقترفه الذين سبقوهم من الأمم المسابقة. فأشركوا بالله، وحرموا ما أحله، وجادلوا رسلهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، وأعرضوا عما يدعونهم إليه استخفافًا بهم فأهلكوا.
وقد أنكر الله عليهم مجابهتهم للرسل، وتماديهم في عنادهم، وبين أن المرسلين ليسوا مسئولين عن كفرهم بعد أن بلغوهم شريعة ربهم بوضوح وإخلاص فقال سبحانه:
{فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} : أي ليس من شأنهم إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحًا. لإظهار طريق الحق وإبانة أحكام الوحى: بما ينبئ أن مشيئته جل شأنه. إنما تتعلق بهداية من صرف قدرته واختياره إلى تحقيق الحق، وفعل الطاعة لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (1).
وهي تتعلق كذلك بإشراك الذين اتجهوا إلى اقتراف الشرك والعصيان، وفق علمه تعالى بطبيعتهم ومباشرتهم الاختيارية لما عملوا. فالله سبحانه إنما شاء شركهم لأنه علم أزلا أنهم لا يؤمنون باختيارهم وسوء تصرفهم، وأما إلجاؤهم إلى الإيمان. فليس ذلك من وظيفة الرسل التي بعثوا بها إلى أممهم، ولا من الحكمة التي يدور عليها التكليف. لأن شأنهم تبليغ الأوامر والنواهي لا تحقيق مضمونها وإجراء موجبها على الناس قسْرًا والجاءً، وإنما المسئولية على الكفار أنفسهم، ولا تنفعهم معاذيرهم الواهنة، ومنها قولهم إنما أشركوا بمشيئة ربهم، فإنه تعالى يقول:{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} .
(1) سورة العنكبوت من الآية رقم (69).
المفردات:
{الطَّاغُوتَ} : كل ما عبد من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع.
التفسير
36 -
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} :
في الآية تأكيد للرد السابق على المشركين الذين أنكروا أنهم على باطل، بدعوى أن ما هم عليه من الشرك وقع وفق مشيئة الله تبارك وتعالى، حسب ما جاء في النص الكريم حكايته عنهم:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} .
والمعنى: ولقد بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولًا خاصا بهم يبلغهم معالم الهدى، ويرشدهم إلى قواعد النظر، ويمدهم بأدلة يدركها السمع والبصر. قائلا لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة سواه كالشيطان والأوثان والكهان وكل داع إلى الضلال، ولما بلغوا ما بعثهم الله به من الأمر بعبادته وحده. واجتناب ما عداه. تفرقت أممهم.
{فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} : أَي أرشده إلى الحق الذي هو دينه، وجنبه الطاغوت بعد أن اتجه العبد إلى ربه، يبتغى منه التوفيق والهداية إلى انتهاج هذا الطريق القويم.
{ومنهم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} : أي لزمته بالقضاء عليه بالكفر إلى موته. لعناده وإصراره على ما اختاره لنفسه من التمسك بالضلال مع وضوح الأدلة الداعية إلى الحق الأبلج. ولم يكن وقوع ذلك عن طريق من طرق القسر والإلجاء كما زعموا.
{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} : أي فسيروا في أكناف الأرض وأنحائها. أيها المشركون المكذبون الذين قلتم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} .
فانظروا معتبرين بما حدث للمكذبين قبلكم من عاد وثمود ومن سلك طريقهم، فإنكم ستشاهدون في ديارهم آثار الهلاك المبيد، والعذاب المستأصل، فاحذروا أَن يحل بكم مثل ما حلّ بهم، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت الضلال عليهم، من غير إخبار بحلول العذاب بهم، لأن في أمرهم بالرؤية والمشاهدة لآثار العذاب لمن قبلهم من المكذبين ما يغني عن ذكر حلوله بهم.
المفردات:
{تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} : تجتهد في طلب هداهم.
التفسير
37 -
{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لإخباره بأن من سبقت له الضلالة بسوء اختياره، وإفساده استعداده. لا يهديه الله مهما بذلت من جهد في تقويمه، وقدمت من نصح لإشاده بعد أن أضله وفق علمه بسوء اختياره. والمعنى: إن تحرص أيها الرسول على هدى قومك فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية جبرًا وقسرًا فيمن وجبت له الضلالة بسوء اختياره.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} : يدفعون عنهم العذاب يوم القيامة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ودع أمرهم لربك، فهو أَعلم بحالهم وما ينبغي لهم.
المفردات:
{جَهْدَ} : الوسع والطاقة وهو بفتح الجيم وضمها: من جهد نفسه في الأمر. بذل أقصى جهدها وطاقتها فيه، وبابه نفع. وجهد الأيمان؛ المبالغة فيها أو في تقويتها.
التفسير
38 -
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} : شروع في بيان فن آخر من أباطيل أهل مكة والتعجيب من صفتهم، فقد ذكر الله تعالى أنهم أقسموا بالله. وبالغوا في تأكيد أيمانهم وتغليظها. بأنه سبحانه لا يبعث مَن يموت، وهذا منهم اضطراب وسوء إدراك فإنهم معترفون بأنه تعالى خالق السماوات والأرض وما فيهن، فكيف ينكرون أن يبعث من في القبور تحقيقًا للعدالة بين عباده، بأن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولهذا رد عليهم سبحانه ردًا بليغًا بقوله تعالى:
{بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} : أي بلى يبعثهم، وقد وعد الله بذلك وعدًا ثابتا، لابد من إنجازه؛ لأنه أخذ على نفسه العهد بوقوعه، ولن يخلف الله وعده.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} : أي ولكن أكثر الناس يجهلون أنهم مبعوثون لجهلهم بشئون الله من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ولعدم وقوفهم على سر التكوين، وعلى أن البعث حق لتحقيق العدل حين الجزاء، فلجهلهم بكل هذا وإعراضهم عن الإدراك والانتفاع بالتوجيه والنصح أنكروه وبالغوا في إنكاره وكذبوا الرسل في إخبارهم به. ويجوز أن يكون قوله:{لَا يَعْلَمُونَ} للإيذان بأن ما عند أكثرهم بمعزل عن العلم المعتد به، وإنما هو توهم صرف، وجهل محض، وعلى هذا يكون لفظ {يَعْلَمُونَ} منزلا منزلة الفعل اللازم لم يراع فيه تعلقه بمفعول أصلا.
38 -
{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
…
}: أي يبعث الله الأموات مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة، ليبين لهم بذلك حقيقة الحال، بما يحصل لهم من مشاهدة حقائق الأمور كما هي، ومعاينتها بصورها الحقيقية. فيصل بذلك علم المؤمنين إلى عين اليقين، ويتضح للمكذبين الجاحدين الحق الشامل لجميع ما خالفوه وأعرضوا عنه. بما جاء به الرسل الذين بعثوا إليهم ويدخل فيه البعث دخولا أوليا.
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : بالبعث وأقسموا على إنكاره وكفروا بالله سبحانه بالإشراك وتكذيب وعده الحق.
{أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} : في كل أقوالهم عن الله ورسله من أَكاذيب ومن جملة ذلك قولهم: "لا يبعث الله من يموت". وجعلت غاية البعث هنا ما ذكر من بيان ما اختلفوا فيه وعلمهم أنهم كانوا كاذبين في إنكاره؛ لأن النص الكريم في معرض الرد علي المنكرين له، وإلا فالمقصود الأصلي من البعث باعتبار ذاته إنما هوالجزاء، وقد تكرر ذكره في مواضع أخر ....
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)}
التفسير
40 -
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ
…
} الآية.
استئناف لبيان أن بعث العباد يوم القيامة، ليس بعسير على الله تعالى حتى يستبعده الكفار وذلك لسهولة التكوين عليه بدءا، والإعادة عليه غاية:
والمعنى: ما قولنا لشيء إذا تعلقت بإيجاده إرادتنا إلا {أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : أي أن نقول تبليغا له: {كُنْ} فإذا قلنا له ذلك فهو يكون. وهو تمثهل لسهولة تأتي المقدورات لله تعالى حسبما تتعلق بها مشيئته، وتصوير لسرعة إيجادها والمقصود أنه تعالى عند تعلق مشيئته بإيجاد شيء أوجده بقدرته في أسرع ما يكون، فلا يمتنع عليه إيجاده عند إرادته له.
كما لا يمتنع المأمور الممتثل عند أمر الآمر المطاع، وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون. فإنه تعالى ليس بحاجة إلى ذلك، كما أن المعدوم الذي يريد الله إيجاده لا يعقل خطابه؛ لأن الخطاب يكون للموجود دون المعدوم وإذا كان كل مقدور لله تعالى يتحقق بهذه السهولة والسرعة. فكيف يمتنع عليه البعث كما يدعي المنكرون الضالون مع أنه بعض مقدوراته سبحانه ..
المفردات:
(الهِجرةُ): بكسر الهاء وضمها: الخروج من أرض إلى أخرى، والهجرة إذا أطلقت انصرفت إلى هجرة المسلمين إلى المدينة قبل الفتح ما لم تدل قرينة علي خلافه كما سيأتي في بيان سبب النزول {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ}: لننزلنهم، يقال بوَّأه منزلا وفيه أنزله. كأباءه.
التفسير
41 -
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ
…
}: هذه الآية قيل إنها نزلت في المهاجرين إلى الحبشة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين اشتد بهم أذى المشركين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج إلى الحبشة فرارا بدينهم، وقد نقل عن ابن عباس أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وأبي جندل وغيرهم، أخذهم المشركون بعد هجرة النبي إلى المدينة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإِسلام، فأما صهيب فقال أنا رجل كبير. إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم. فافتدى منهم بماله. وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال: ربح البيع يا صهيب، وهذا يفيد أنها نزلت بالمدينة، والصحيح في سبب النزول هو الأول لأن السورة مكية عدا ثلاث آيات في آخرها، ومعنى الآية على هذا: وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا إلى الحبشة من وطنهم مكة وتركوا أموالهم، وأهليهم وكل عزيز عليهم في سبيل الله، لنصرة دينه والحفاظ عليه ابتغاء وجهه والتماس رضاه، وكانت هجرتهم بعد أن حل بهم من الظلم أقساه، ومن التعذيب والتنكيل ما يتجاوز الاحتمال. هؤُلاء المهاجرون المظلومون.
{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} : أي لنبوئنهم مباءة حسنة. والمراد بها المدينة أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة بما استولوا عليه من فتوح صارت لهم فيها ولايات.
{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} : أي ولأجر دار الآخرة أكبر مما وعدوه من أجر الدنيا، وكان عمر رضي الله عنه إذا أعطى رجلًا من المهاجرين عطاء قال له: خذ بارك الله تعالى لك فيه. هذا بعض ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا الآية.
والضمير في قوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} : إن كان لكفار مكة فالمعنى، لو علموا ما ادخره الله لهؤُلاء المهاجرين من خيرى الدنيا والآخرة لبادروا إلى الإيمان ولوافقوهم في الدين، وإن كان للمهاجرين فالمعنى؛ لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد والصبر كل الابتلاء.
42 -
{الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} : أي أَصحاب هذى البشرى هم الذين صبروا على إيذاء المشركين لهم، وفراق أهليهم وأموالهم ووطنهم وبيوتهم، وعلى ربهم يتوكلون ويعتمدون ولهذا حقق لهم من فضله ما بشرهم به.
المفردات:
{بِالْبَيِّنَاتِ} : بالحجج والبراهين الواضحات، والمراد بها: المعجزات. {وَالزُّبُرِ} : جمع زبور وهو الكتاب، تقول العرب. زبرْتُ الكتاب، أي كتبْتُه. والمراد بالزبُر، الكتبُ السابقةُ.
43 -
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا
…
}: نزل النص الكريم للرد على مشركي مكة - حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فهلا بعث إِلينا ملكا فقال سبحانه إبطالا لقولهم:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} : أَى جرت السنة الإلهية حسبما اقتضته الحكمة بألا يبعث الله للدعوة إلى دينه، إلا رجالاً يوحى إليهم بوساطة الملك الذي يحمل إليهم أوامر الله ونواهيه لتبليغها إِلى أُممهم، وتلك الأُمم حسب طبيعتها الآدمية لا تستطيع معاينة الملك على صورته الأصلية، فإنهم يهلكون إِن جاءهم بها، فلا بد من أن يكون بصورة رجل لكي يحتملوا لقاءه، ولكنه في هذه الحالة يلتبس عليهم الأمر فيظنونه بشرًا كما قال تعالى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} (1)، ولمَّا كان المقصود من خطاب الله لرسوله هو تنبيه الكفار إلى مضمونه. صرف الخطاب إِليهم حيث قال سبحانه:
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} : أى فاسألوا أهل الكتاب الذين أَسلموا كما قال سفيان، أو المراد أهل الكتاب مؤْمنهم وكافرهم. لأن من لم يؤْمن منهم معترف بأن الرسل كانوا بشرا. أو المراد علماءُ وأَحبار الأُمم السابقة الذين يجيدون ذكرها وحفظها.
{إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : أن جميع الأنبياء كانوا رجالا فاسألوهم ليعلموكم ذلك.
44 -
{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} :
البينات: الحجج، والزبر: الكتب؛ جمع زبور وهو الكتاب أى أرسلنا الأنبياء بالحجج الواضحة، والبراهين الساطعة المؤيدة لهم، الدالة على صدقهم، وأرسلناهم بالكتب المنزلة عليهم بيانا للشرائع والتكاليف.
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} : أى القرآن وهو مأخوذ من التذكير أي الوعظ والإيقاظ من الغفلة.
{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} : من ربهم في هذا الكتاب من العقائد والأحكام والأخلاق بقولك وفعلك. لعلمك بمعنى ما أُنزل إليك، وحرصك عليه. واتباعك له. فتفصل لهم ما أُجمل، وتبين ما أَشكل بيانًا شافيًا، وبنحو هذا المعنى قال مجاهد، فقد نقل عنه أن المراد بهذا التبيين شرح ما أُشكل، وتفسير ما أُجمل إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النص في معناه والظاهر فلا يحتاجان إليه: اهـ نقلا عن الألوسي.
وبالجملة فالمعنى أَنزلنا اليك القرآن لتبين للناس ما خفى عليهم من أسراره وعلومه التي لا تكاد تحصى.
(1) سورة الأنعام الآية: 9.
{وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} : أي رغبة في أن يتأملوا فينتبهوا للحقائق. ليكون ذلك داعيًا لهم إلى الاحتراز عما أصاب السابقين من العذاب، ودافعا إلى الاهتداء ليفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.
المفردات:
{مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ} : أي عملوا السيئات بمكر وخبث.
{أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ} : أي يشق بهم الأرض فيهلكوا في جوفها، يقال: خسف المكانُ أي ذهب في الأرض، وخسفه الله أي شقه وخسفه بفلان أي شق المكان وغيب الشخص بداخله، ومنه قوله تعالى:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} . وبالجملة فهو لازم ومتعد {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} : أي يهلكهم في حركتهم إقبالا وإدبارا، مقيمين أو مسافرين. {عَلَى تَخَوُّفٍ}: على مخافة وحذر من الهلاك، أَو على تنقص في أنفسهم وموارد رزقهم إلى أن يهلكوا جميعًا. {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ}: أي وما هم بممتنعين علينا بقوتهم أو بالهرب فرارا من بأسنا.
التفسير
45 -
{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ
…
}: هذا وعيد للمشركين من أهل مكة الذين احتالوا بالسيئات في إبطال الإِسلام، فمكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دبروا في خفاء كل أسباب الإيذاء له ولأصحابه الذين آمنوا معه واتبعوه، وهو وعيد عام لكل ماكر، والاستفهام للإنكار، ومعناه: يجب ألا يأمن هؤلاه الماكرون العقوبات السيئة التي تحل بهم
كما حلت بالمكذبين قبلهم. وكيف يحق لهم أن يأمنوا إنزال أشد العقوبات بهم مع قدرته جل شأنه على:
{أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ} : أي يهلكهم بالخسف وهو تغييبهم في الأرض بتغْويرها بهم - قال ابن عباس: كما خسف بقارون - يشير بذلك إلى قوله سبحانه {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} (1).
{أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} : أي يأتيهم عذاب الله وهم في غفلتهم ولهوهم، أو من مأمنهم حيث يبتغون الأمن والسلام، أو من الجهة التي يرجون منها الخير والبركة. كما فُعل بقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة.
ولقد حدث لهم ذلك يوم بدر، فقد أهلكوا مع كثرتهم عددًا وعتادًا وهم يأملون النصر والغنيمة.
46 -
{أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} : أي ينزل بهم العذاب في تنقلهم للتجارة بعيدين عن مساكنهم. قاله قتادة، وقال الزجاج: المراد ما يعم سائر حركاتهم في أمورهم ليلا ونهارًا.
{فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} : أي فلا يستطيعون الإفلات والفرار من عذابه تعالى لأنه لا يعجزه شيء يريده، فهو القوي العزيز.
47 -
{أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} : أي يأخذهم على مخافة وحذر من العذاب والهلاك.
بأن يأخذ طائفة. ويدع أخرى، فتخاف أن ينزل بها من العذاب مثل ما نزل بصاحبتها. أو أن تحدث حالات يخاف فيها عادة كالأعاصير والزلازل والصواعق فيتخوفوا منها فيأخذهم العذاب في حال تخوفهم. أو يأخذهم على تنقص في أنفسهم وفي صحتهم وأموالهم وأولادهم وموارد رزقهم إلى أن يهلكوا جميعًا. فهم في كل لحظة بسبب ما حل بهم في خوف من العذاب لأنهم يترقبون وقوعه.
ويلاحظ أن التنقص من معاني التخوف لغة كما سبق بيانه في المفردات. ولما كان المتقلبون في البلاد ليلا ونهارا للتجارة غيرها. بعيدًا عن المسكن والملجأ. مظنة الفرار من العقاب عند ظهور أول بوادره وكذلك المتخوفون من حلول العقاب بهم، فلهذا عبر سبحانه
(1) سورة القصص الآية 81
عن إصابة العذاب لهم بالأخذ الدال على القهر والشدة نظرًا لحالهما، وسدًّا لِمَنافِذِ النجاة على كليهما، وعبر عن إصابة العذاب لهم حال الغفلة بالإتيان لأنه ليس مظنة الفرار وسلوك أي مسلك للنجاة عادة. فلذلك اختلف التعبير في الإِنذار بالعذاب. وليس المراد حصر الإهلاك في هذه الأحوال الثلاثة، وإنما المراد بيان قدرة الله على إهلاكهم بأي وجه كان.
ثم ختمت الآية بما يفيد اقتضاء رحمة الله الواسعة، ورأفته الشاملة ألا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا ليتسنى لهم التفكر في شأنهم والتدبر في أمرهم. حيث قال سبحانه:
{فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} : حيث أمهلكم مع استحقاقكم للعقوبة لما اقترفتم من بغي وعدوان.
المفردات:
{يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} : تفيُّؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار. من فاء يفيء. إذا رجع.
{دَاخِرُونَ} : أذلاء منقادون، من الدُّخُور وهو الصغار والذل، وفعله. كمنع وخرج.
التفسير
48 -
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
…
}: استفهام إِنكارى قصد به تقريع الذين مكروا السيئات، والمعنى أعمى الذين مكروا السيئات ولم ينظروا إلى ما خلق الله من كل جسم قائم له ظل مما تدركه الأبصار، ليعلموا عظمة الله وكبرياءه، وأنه سبحانه دانت
له الأشياء والمخلوقات جميعًا جمادها ونباتها وحيوانتها، وأناسبها. كما دانت له ظلالها.
فكل ذى ظل منها. {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} : أَي ينتقل ويرجع من جانب آخر بارتفاع الشمس وانحدارها. أو باختلاف مشارقها ومغاربها. فإن لها مشارق ومغارب حسب مداراتها اليومية التي تتحرك فيها كل يوم من أَيام السنة وفق تقدير العزيز العليم.
{عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} : المراد بهما جانبا الشيء، استعارة عن يمين الإنسان وشماله، والمعنى أن ظلال الأشياء متفيئة عن جانبي كل واحد منها. ترجع من جانب إلى جانب. فتكون أول النهار على حال، وآخره على حال أخرى وذلك أنها تميل إلى جهة المغرب من وقت الشروق إلى الزوال. وتميل بعده إلى وقت الغروب راجعة إلى جهة الشرق.
{سُجَّدًا لِلَّهِ} : أي حال كون هذه الظلال منقادة لإرادته تعالى في الامتداد والتقلص.
والرجوع من حال إلى حال خاضعة لأحكام تدبيره. غير ممتنعة عليه سبحانه فيما سخرها له، وذلك هو المراد بسجودها.
{وَهُمْ دَاخِرُونَ} : أي أن أَصحاب هذه الظلال التي انقادت ظلالها لما قدر لها من التفيؤ. أذلاءُ منقادون لحكمه تعالى. يستوى في ذلك الأجرام الثابتة، كالجبال والأشجار والأحجار ونحوها، والأجسام المتحركة من كل ما يدب على الأرض إنسانًا وغيره، وعبر بضمير العلاء وصفتهم مع شمول الحكم لسواهم، تغليبًا للعقلاء على غيرهم.
49 -
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ
…
}: شروع في بيان سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة بعد بيان سجود الظلال وأصحابها بصفة عامة تأكيدًا لبيان قدرة الله جل شأنه، وأَنه سبحانه يخص لسلطانه وحده كل شيء، وينفاد له جميع ما في السماوات من الملائِكة والشمس والقمر والنجوم والكواكب والرياح والسحاب، وما في الأرض من كل شيء يدب ويتحرك عليها، وقوله من دابة بيان لما في الأرض، وقيل بيان لما في السماوات وما في الأرض جميعًا بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية في أرض أو في سماء، وربما كان ذلك إشارة إلى وجود أجسام عاقلة على بعض الكواكب، وقد عزى هذا الرأى إلى ابن عباس وغيره.
{وَالْمَلَائِكَةُ} : أي وملائِكة الأرض والسماء يسجدون لله تعالى، وإنما أفردوا بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة، وسجود المكلفين المؤمنين لله يعم سجود الطاعة والعبادة، وسجود الخضوع لمراد الله تعالى، أما سجود غيرهم فهو سجود الخضوع والانقياد لما يريده الله بهم من الأمور الاختيارية والقهرية، فهم في كل ذلك ساجدون أي خاضعون لسلطان الله.
{وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} : أي أن الملائكة مع علو شأنهم لا يستكبرون عن عبادته والسجود له. ومخلوقات نورانية عاقلة مطيعة لله تعالى.
50 -
{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
…
}: أَي يرهبون مالك أمرهم، ويخافونه خوف هيبة وإجلال. وهو فوقهم بالقهر والحكمة والعدم. كما في قوله تعالى:{الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (1).
أو المعنى؛ يخافون عذاب ربهم على حذف مضاف لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء.
وجملة: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} بيان وتقرير لنفي الاستكبار لأن من خاف الله لا يستكبر عن عبادته.
{وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} : أي يؤدون كل ما يوجهون إِليه في سلوكهم. فشأنهم المثابرة على العبادة وتنفيذ ما يكلفون به من التدبيرات في كون الله تعالى، وإنما قال سبحانه:{وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} حيث لم يذكر من يُصْدِرُ لهم الأمْر، لأنه لا يخفى علي أحد، فهو الله تعالى.
(1) سورة الأنعام الآية 18
المفردات:
{فَارْهَبُونِ} : أَي فخافون واخشوا عقابي إن خالفتم أَمرى.
{وَلَهُ الدِّينُ} : وله الطاعة والانقياد أو الجزاءُ، مِن دِنْتُهُ أَي جازيْتُهُ.
{وَاصِبًا} : واجبًا لازمًا، وفسّره الربيعُ بن أَنس بقوله:"واصِبًا" خالصًا.
التفسير
51 -
حذر الله في الآيات السابقة أَهل مكة من عاقبة كفرهم بما أنزله على رسوله من أَن يصيبهم مثل ما أصاب المكذبين بالرسل قبلهم، من الخسف أَو إتيان العذاب من حيث لا يشعرون، أَو إن يأخذهم في تقلبهم ونشاطهم بغير مقدمات، أو يأخذهم على تخوف من الهلاك بأَن يرهبهم قبله بمقدمات مخيفة، وأَتبع ذلك توبيخهم على أَنهم لم يتفكروا فيما خلقه من الأَشياء التي تنتقل ظلالها عن اليمين وعن الشمائل، من الجبال والأَشجار وغيرها، منقادة لله تعالى في أَمرها كله، وبيَّن أنه - سبحانه - يسجد له ما في السماوات والأرض عن دابة، وكذلك الملائكة مع رفعة شأنهم، فإنهم يطيعون ربهم فلا يعصونه، بل يفعلون ما يؤْمرون.
وجاءَت هذه الآية لتأمر أَهل مكة وغيرهم بتوحيده بالعبادة والخوف من التقصير فيما كلفهم به، فإِن منْ هذا شأنه لا يعبد سواه، ولا يخاف غيره. وقد كان مشركو قريش وغيرهم يعترفون بألوهية الله، ولكنهم كانوا يتخذون معه شركاء لتُقرِّبهم إليه، وهم مع ذلك يعتقدون أَن الله يملكها، فهذه قبيلة نزار مثلًا كانت تقول في تلبيتها في الخج: "لبيك اللهم
لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكٌ هو لك. تملكه وما ملك" فهم يوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده، وفي مثل ذلك يقول الله تعالى:
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} . وكانت لهما أَصنام مشتركة، وأخرى لطائفة دون أخرى، أو لبيت دون آخر، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة، وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا فجعل يطعنها بِسِيةِ (1) قوسه في عيونها ووجوهها وهو يقول:"جَاءَ الْحقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" ثم أمر بها فكُبَّتْ على وجوهها، ثم أخرجت من المسجد ودُمِّرت.
معنى الآية:
وقال الله الذي عرفتم سلطانه في هذا الكون: لا تتخذوا يا عبادى لكم إِلهين اثنين فضلًا عما فوقهما إِنما الإِله إله واحد لا شريك له، إذ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} .
ثم التفت النص الكريم من الغيْبةِ إلى التكلم، لِتربِيةِ المهابة والرهبة فقال:
{فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} : أَي إِن كنتم ترهبون شيئًا وتخافون منه، فإِياى ارهبوا وخافوا دون سواى، فليس غيري أحقّ بالرهبة، فارهبوني فإِنني أَنا الواحد الذي يسجد له ما في السماوات والأَرض ويخضع لسلطانه.
ثم بين الله سبب وجوب توحيده بالعبادة والرهبة بقوله:
52 -
{وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} :
أَي ولله وحده كل ما في السماوات والأرض، من أَجزائهما وما استقرَّ فيهما، له كل ذلك خلقًا وملْكًا وتصرفا، وله الطاعة والانقياد واجبًا ثابتًا لا يستحقه سواه، لِما تقرَّر من أَنه الإله الواحد الحقيقُ بأن يُرهب.
وعلى تفسير الدين بالجزاء يكون المعنى: وله الجزاء دائمًا، فلا ينقطع ثوابه عمن آمن وعمل صالحًا، ولا عقابه عمن كفر وصدَّ عن سبيله.
(1) سية القوس: ما عطف من طرفيها.
ثم استنكر الله أن لا يتقي المشركون مَن هذه آيات عظمته فقال سبحانه:
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} :
أي أبعد ما تقدم بيانه من أَن كل ما في السماوات والأرض يسجد ويخضع لله، وأن الطاعة واجبة له، والجزاء حق من حقوقه، أبعد ما ذكر تخصون غير الله بالتقوى؟ مع أنه - تعالى - هو المستحق لها دون سواه، ثم أنكر عليهم شركهم مع توالى نعمه عليهم فقال سبحانه:
المفردات:
{تَجْأَرُونَ} : تتضرعون ليكشف عنكم الضر. والجُؤار، رفع الصوت بالدعاء والاستعاثة (1).
{فَتَمَتَّعُوا} : أمر تهديد لهم وليس أمر إباحة.
التفسير
53 -
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} :
المعنى: وما يصاحبكم من نعمة في أَنفسكم وأَموالكم وأولادكم فهى صادرة من الله تعالى.
مدبرها وخالقها ورازقها، ثم إِذا أصابكم الضرر إِصابة يسيرة فإليه وحده تتضرعون ومستغيثين
(1) قال الأعشى:
يُراوحُ من صلواتِ الملِيـ
…
ـك طورا سُجُودًا وطورًا جُؤارًا
ابتغاء كشفه عنكم، فكيف تشركون معه شركاءكم في العبادة، وليس لها في نفعكم ودفع الضر عنكم من سبيل؟ ثم نعى الله عليهم عودتهم إِلى الشرك بعد أَن كشف الضرَّ عنهم فقال سبحانه:
54 -
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} :
أي ثم إذا كشف الله الضر عنكم بعد تضرعكم واستغاثتكم، إذا جماعة منكم يشركون بربهم أصنامهم في العبادة، مع أنها لا دخل لها في نفعهم ودفع الضر عنهم.
والخطاب في قوله: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمة" وقوله: "إذَا كَشَفَ الضرَّ عَنكُمْ" الآيتين، إن كان للمشركين كما هو الظاهر فلفظ "مِن" في قوله:{إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ} لبيان أن الفريق الكافر هو كلهم، فكأنه قيل: إذا فريق كافرٌ هُمْ أنتم، وأَجاز بعض المفسرين أن يكون مِنْهم منِ اعتبر وازدجر، فتكون "مِنْ" على هذا الرأى للتبعيض، كما في قوله تعالى:{فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . (1)
أما إن جُعل الخطاب في الآيتين للناس كافة، فالكافرون بنعمه وفضله بعضهم لا كلهم فتكون "مِن" في قوله:{إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} للتبعيض لا للبيان ثم بين الله عاقبة إِشراكهم فقال:
55 -
{لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} :
أي أَن فريقًا منهم يشركون باللهِ في العبادة مع توالى نِعَمِهِ عليهم ودفع نِقمِهِ عنهم، لتكون عاقبةُ شركهم وأثرُه أن يكفروا بما آتاهم من النعم، وَيُنكِرُوا كونها منه دون غيره، ثم أنذرهم الله وهددَهُم بسوء المصير فقال:
{فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} :
أَي فاستمتعوا بما أنتم فيه من نعم كفرتم بها ولم تشكروها، فسوف تعلمون عاجلًا أَو آجلًا عاقبة أَمركم وما ينزل بكم من العذاب جزاءَ شرككم وكفرانكم.
(1) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (مقتصد) بدلا من (مهتد)
ثم عقب هذا الوعيد بتعداد جناياتهم المستوجبة له فقال سبحانه:
المفردات:
{لِمَا لَا يَعْلَمُونَ} : لآلهتهم التي لا يعلمون حقيقتها وخِسَّة قدرها.
{تَاللَّهِ} : قسم؛ أي والله.
{تَفْتَرُونَ} : أي تختلفون من الأكاذيب.
{مُسْوَدًّا} : المراد من اسوداده؛ كآبته واغتمامه على سبيل الكناية.
{كَظِيمٌ} : ممتليء غيظًا.
{أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} : أيبقيه على هوان وذل.
{أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} : أم يخفيه ويدفنه فيه. {مَثَلُ السَّوْءِ} : صفة القبح.
التفسير
56 -
{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} :
أي أَن المشركين حين يكشف الله الضر عنهم بعد تضرعهم إليه واستغاثتهم به، يعودون فجأة إِلى الشرك، ويجعلون لأصنامهم التي لا يعلمون حقيقتها وقدرها الخسيس
- يجعلون لها - نصيبًا مما أعطاهم الله من الزروع والأَنعام وسائر الأَوراق، تقربًا إليها، وما لها عليهم من فضل، ولا لها عليهم من سبيل، ولا هي مدركة ما يُتَقَرَّبُ به إِليها، ثم ختم الله الآية بوعيدهم فقال:
{تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} :
أي وحقّ الله المنزه عن الشريك والمثيل ليسأَلنكم الله سؤال توبيخ وحساب يوم القيامة، عن الذي كنتم تختلقونه في الدنيا من شركة أَوثانكم لله، واستحقاقها للعبادة معه، ثم يجزيكم على افترائكم.
57 -
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} :
كانت خزاعة وكنانة يزعمان أَن الملائكة بنات الله، وقد انطوى هذا الزعم على فريتين: إِحداهما: أَن الملائكة إِناث، وثانيتهما: أَنهم بنات الله، فأَما الزعم الأَول فقد ردَّه الله بقوله:{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (1). وأَما الزعم الثاني فقد ردَّه الله بهذه الآية.
والمعنى: ويجعل المشركون البنات لله حيث يزعمون أَن الملائكة بنات الله - سبحانه وتنزيها له عن هذا الزعم الفاسد - والحال أَنهم يجعلون لأَنفسهم ما يحبون من البنين، فهم بذلك يختارون لأنفسهم في التبني، أفضل مما يختارون لربهم، تعالى الله عن التبنى بجانبيه علوًّا كبيرًا.
ثم يُوبِّخُهم الله على هذه النسبة أكثر مما مضى وأَصرح فيقول:
58 -
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} : أَي وإِذا أخْبِر أَحد هؤُلاءِ بولادة أنثى له، صار وجهه قاتم اللون كأَنما علاه السواد غيظًا من شدَّة الغَمِّ والحياء من الناس كأنما ارتكب ما يخجله. {وَهُوَ كَظِيمٌ}: أَي وهو ممتلىءٌ غيظًا وغضبًا، ثم يبلغ به الخجل من البشارة، بالأنثى إِلى ما حكى الله بقوله:
(1) سورة الزخرف، الآية: 19
59 -
{يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} :
أَي يستخفي من قومه حتى لا يروه بسبب ما بُشِّرَ به من السوء حينما أخبروه بولادة أنثى له وجعل يحدث نفسه في شأنه {أَيُمْسِكُهُ} فلا يقْتلهُ. ويظل يمسكه {عَلَى هُونٍ} : على ذلٍّ وهوانٍ. {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} : بأَن يحْفر له فيه حُفْرة فيدفنه فيها حيا. ويهيل التراب عليه كما كانوا يقول: وأْد البنات من المكرمات، وإذا كان هذا حالهم في كراهة نسبة البنات إِلى أَنفسهم فكيف ينسبونها إِلى الله، إِذ يحكمون بأَن الملائكة بناته، ولهذا قبح الله حكمهم هذا فقال:
{أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} : أي أَلا قبُح حكم حيث يجعلون ما هذا شأنه من الحقارة والهوان لديهم - يجعلونه وينسبونه - لله المنزه عن الصاحبة والولد ذكرًا كان أَو أنثى في حين أَنهم يتحاشون الإِناث. ويختارون لأَنفسهم البنين.
فمدار الخطإ نسبتهم البنات لله وهم يأبون ذلك لأَنفسهم في حين أَنه منزه عن الولد مطلقًا ذكرًا كان أَو أنثى، ولذا قال - سبحانه - عقب ما تقدم:
60 -
أي لهؤُلاءِ الذين لا يؤْمنون بالآخرة والحساب فيها على ما افتروه - لهم - صفة القبح، من الحاجة إِلى الولد ليقوم مقامهم ويرثهم عند موتهم، وحب البنين دون البنات للاستظهار بهم والانتفاع بكدهم، ووأْد البنات خوفًا من العار وحذرا من الفقر، ولله - تعالى - المثل الأَعلى والصفة العظيمة الشأن من الاستغناء المطلق عن الولد ذكرا كان أَو أنثى، فهو الغَنِىُّ المطلق الْغِنَى في أَمره كله، المنزه عن الحاجة إلى الصاحبة والولد ذكرًا كان أَو أنثى، المستوجب لكل كمال، المنزه عن كل نقص، وهو العزير الغالبا القادر مؤَاخذتهم، الحكيم في كل شئونه، فلهذا لم يعاجلهم بالانتقام منهم، لعلهم يثوبون إلى رشدهم، لهذا قال الله تعالى عقب ذلك:
المفردات:
{مِنْ دَابَّةٍ} : الدابة ما يدب على الأرضِ، وقيل المراد بها هنا: الكافر، وسنفصل الكلام في ذلك في التفسير. {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}: ولكن يُوخرُ موْتهم إلى وقت سماه الله لذلك فلا يموتون قبله، ويجوز أن يكون المراد. ولكن يؤخر عذابهم إلى أجل مسمى، وهو إما موتهم حيث يعذبون في قبورهم أو يوم القيامة، فهو الأجل الذي سماه الله في لسان الشرع لجزاء الناس كما في قوله تعالى:
{لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} : أي لا يتأخرون عن الأجل المسمى أقل زمن، ولا يتقدمون، والتعبير عنه بالساعة؛ لأنها في لغة العرب مَثَلٌ في القلة. وليس المراد بها الساعة المعروفة عندنا في عصرنا والمقدرة بستين دقيقة، لأَن ذلك اصطلاح مستحدث.
التفسير
61 -
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} :
بيَّن الله تعالى فيما تقدم ما كان عليه المشركون من الضلال مثل زعمهم أن الملائكة بنات الله، مع أنهم يكرهون البنات ويستاءُون من البشارة بِهِنَّ ويدُسُّونهن أحياء في التراب، وأتبع ذلك تنزيهه تعالى عن ذلك وعن نسبة الولد إِليه سواءٌ أكان ذكرا أم أنثى، وبين سوء حكمهم
هذا، وأن له تعالى الصفة العلية الشأن التي هي مثل في العلوّ والرفعة، وأن ما وصفوه به لا يليق به جل وعلا، فهو غير محتاج إلى الولد مطلقًا، لا لِيَرِثهُ ولا لِيُعِينه فهو الحي الذي لا يموت العزيز الحكيم، فليس بحاجة إلى ولد يعتز به، أو يدبر معه ملكوته، وأن أولئك المُتجنِّين على ربِّهم لهم صفة القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم فهم أهل الفناء، أَما الله تعالى فله صفة الحسن وهي كمال الاستغناء.
وجاءَت هذه الآية لتبين رحمة الله بالناس حيث لا يعاجلهم بالعقوبة الشاملة بسبب تماديهم في ظلمهم بل يؤَخرهم إلى أجل مسمى لعلهم يثوبون إِلى رشدهم. قبل أن يحين أجلهم.
والآية تحتمل معنيين. أحدهما: ولو يؤَاخذ الله الكفار، بكفرهم ومعاصيهم التي تحدثت الآيات السابقة بعضها، ما ترك على هذه الأرض من دابةٍ كافرة. حيث يهلكهم بشؤْم كفرهم ومعاصيهم، ولكنه لم يفعل رحمة بهم لعلهم يرجعون إلى رشدهم. ويكفون عن كفرهم ومعاصيهم.
وإِطلاق الدابة على الإِنسان لغوي. مأخوذ من دب على الأرض أي مشى عليها في هِينةٍ وتمهل، فالإنسان نفسٌ دابةٌ على الأَرض، قال الشاعر العربي:
زعمتنى شيخًا ولست بشيْخ
…
إِنما الشَّيخ من يدُبُّ دبِيبًا
والمعنى الثاني: يتجه بالإهلاك إِلى عموم ما يدب على الأرض، أي ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبه أَهل الذنوب منهم ما ترك على الأَرض من إِنسان طالح أَو صالح ولا ترك عليها غيره من دواب الأَرض. بسبب شؤْم أهل الذنوب. قال ابن مسعود في تفسيرها: ولو أخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأَصاب العذاب الجُعْلَان (1) في جحرها. ولأمسك الأمطار من السماء، والنَّبات من الأرض فماتت الدواب ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل: كما قال: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .
(1) جمع جعل بوزن صرد؛ دابة سوداء من دواب الأرض.
ولعل مما يساعد على إِرادة العموم ما جاءَ في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أراد الله بقومٍ عذابا أصاب العقاب من كان فِيهِمْ ثُمَّ بُعثُوا علَى نِياتهِمْ" وقولُه تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} .
وبعد أن بيَّن الله شؤم المعصية وما تجره على أهل الأَرض من الآثار عقب ذلك ببيان رحمته بعباده فقال:
{وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} :
أَي ولكن يؤَخر إِهلاكهم إلى أجل عيّنهُ لذلك لعلهم يطيعون ربهم وينجون من عذابه، فإِنه تعالي خلقهم ليعبدوه وهداهم بالآيات والرسل إِلى طريق معرفته وطاعته، فلا عذر لهم في عصيانه.
ثم بين أَن أجلهم آتٍ لا ريب فيه ولا تغيير له بتقديم أَو تأخير، لعلهم يسارعون في التوبة فقال:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} : أي فإذا جاءَ الوقت المحدد لموتهم لا يتأخرون عنه أقل وقتٍ ولا يتقدمون.
فإن قيل: إن وقت إِهلاكهم إذا جاء لا يتصور تقدمهم عنه، فلماذا قيل:{وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} فالجواب أن ذكره للمبالغة في بيان عدم تأَخره بنظمه في سلك ما يمتنع تنْبيهًا على أنه مثله في الامتناع. كما في قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} فإِن من مات كافرا معلوم بالضرورة أنه لا تقبل توبتُه بعد موته، وليس بحاجة إلى التصريح به، ولكنه ذكر مع من لا تقبل توبته عند الغرغرة ومشارفة الموت للإِيذان بأَنهما سواء في عدم قبول التوبة، لأَنها حدثت منه بعد يأسه من الحياة، فكان مِثْل من مات كافرًا في أَنه لا توبة له.
المفردات:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} : أي ينسبون إليه البنات التي يكرهونها لأنفسهم.
{وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} : أي تحكي الكذب بادعائها أن لهم العاقبة الحسنى في الآخرة.
{لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} : لا بُدَّ ولا محالة (1). {مُفْرَطُونَ} : متروكون منسيون في النار. كما قاله ابن الأعرابى وأبو عبيدة وغيرهما. (2) وقال الحسن وقتادة: مُعجَّلون إلى النار مقدمون إلها، وأصله من أَفرطته أي قدمته في طلب الماء، والفرط الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ" أي متقدمكم إليه.
{تَاللَّهِ} : أي وحق الله. {وَلِيُّهُمُ} : أي متولي إغوائهم أو ناصرهم.
(1) نقل القرطبي في جـ 9 ص 20 دار الكتب في تفسير قوله تعالى في سورة هود: "لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون" الآية 22 أن {لَا جَرَمَ} عند الخليل وسيبويه كلمة واحدة بمعنى (حق) وأنها في موضع الرفع على أنها خبر مقدم وأن وما دخلت عليه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، وأن الفراء قال بذلك كما حكاه الناس، وحكى المهدي عن الخليل أيضا أن معناها لا بد ولا محالة، وحكاه الثعلبي عن الفراء أيضًا وقد اخترنا هذا المعنى في تفسيرها هنا، وفي معناها آراء أخرى وحسب القارئ ما ذكرنا ومن شاء المزيد فليرجع إلى جـ 9 ص 20 من القرطبي في تفسير مثلها في سورة هود - كما تقدم -.
(2)
من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته.
التفسير
62 -
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} :
أنكر الله عليهم في الآيات السابقة زعمهم أَن الملائكة بنات الله، وبيَّن أنه منزه عن الولد مطلقا وأَنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من السيئات لعاقبهم بعقوبات تعُمُّهُمْ وغيرهم بشؤم ظلمهم، ولكنه - تعالى - عظيم الحلم شامل الرحمة، فيؤخرهم إِلى وقتٍ سمَّاه لموتهم لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون، لعلهم يعودون إِلى الرشد، ويدركهم الهدى.
وجاءت هذه الآية لتوبيخهم مرة أخرى على ما زعموه في حقه - تعالى - وما ادعوه لأنفسهم من العاقبة الحسنى، ولإنذارهم بسوء المصير على مزاعمهم وعقائدهم.
والمعنى: وينسبون لله البنات التي يكرهونها لأنفسهم، ومع هذه الجريمة الشنعاء في حق الله تقول ألسنتهم الكذب وتصفه وتصوره حين تزعم أن لهم العاقبة الحسنى - ثم عقب الله زعمهم هذا بالوعيد عليه فقال:
{لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} : أي لا بد ولا محالة من أَن لهم النار مكان ما زعموه لأنفسهم من أن لهم العاقبة الحسنى. ولا بد أنهم منسيون فيها متروكون في سعيرها لا يخرجون منها ولا يبرحونها.
ثم عقب الله هذه الآية بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه من أَلوان الكفر والضلال، بأن ما يحدث له منهم حدث مثلُه للرسل قبله من أممهم، وذلك بقوله تعالى:
63 -
أَي والله لقد بعثنا رسلنا إِلى أُمم من قبلك أيها الرسول، فحدث منهم لرسلهم مثل ما حدث من قومك لك، حيث زين لهم الشيطان ما هم عليه من أَعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي،
فظلُّوا مصرِّين عليها، فهو متولى إِغوائهم اليوم أَي في العصر الذي كانوا يعيشون فيه، ولهم في الآخرة عذاب شديد الإِيلام، ولا يجدون فيها من ينقذهم أو يخفف عنهم، ويجوز أن يكون المقصود باليوم يوم القيامة، والولاية بمعنى النصرة على سبيل التهكم.
والمعنى: فالشيطان الذي أغواهم وزيَّن لهم أعمالهم ناصرهم يوم القيامة، ومن كان الشيطان ناصره يومئذ فهو خالد في العذاب مثله؛ لأنه مذنب ومعاقب وفاقد لأسباب النصرة، ولهذا ختم الله الآية بقوله:{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وأعاد بعض المفسرين الضمير إلى مشركي قريش، والمعنى: ولقد أرسلنا رسلنا إلى أمم من قبلك فزين الشيطان لهم أعمالهم فصدهم عن السبيل فهو ولي مشركي قريش اليوم كما كان ولي مَنْ قبلهم في أَيامهم، فإنهم مثلهم في ضلالهم ولهم في الآخرة عذاب أليم كما كان لمن قبلهم، ثم بيّن أثر القرآن في تبيين الحق من الباطل فقال:
64 -
أي وما أنزلنا عليك القرآن أيها الرسول لسبب من الأسباب إِلا لتبين للناس ما اختلفوا فيه من التوحيد واليوم العظيم الذي هم فيه مختلفون، كما تبين لهما النافع والضار من الأخلاق، والحلال والحرام من الأعمال، وأَنزلناه أيضا للهدى والرحمة لقوم يؤمنون، فإنهم المنتفعون بعلومه. المهتدون بهداه، ويصح أن يراد منهم المستعدون للإيمان المهيئون له بما آتاهم الله من حسن النظر في آياته، فكأنه قال: وهدى ورحمة لقوم شأنهم أنهم يصدقون الحقَّ ويؤمنون به، بما جُبِلُوا عليه من البحث عن الحق والاهتداء إليه بآياته، والبعد عن الجدال بالباطل، ثم شرع الله في ذكر طائفة من آياته العظيمة الشأن فقال:
المفردات:
{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} : أي عن السحاب، وكل ما علاك يطلق عليه سماءٌ.
{بَعْدَ مَوْتِهَا} : بعد يبسها. {الْأَنْعَامِ} : الإِبل خاصة، وقيل: إذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضًا وقال أحمد بن يحيى: هي كل ما أحله الله من الحيوان (1) لقوله تعالى في سورة المائدة: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
{نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} : أي مما في بطون جنس الأنعام (2) من اللبن، والمراد من البطون هنا الضروع. {فَرْثٍ}: هو ما في الكرش من بقايا العلف بعد هضمه.
(1) انظر القرطبي جـ 7 ص 111 طبعة دار الكتب - في تفسير قوله تعالى "ومن الأنعام حمولة وفرشا" من الآية 142 من سورة الأنعام.
(2)
قيل: إنها جمع نعم، وأفرد ضميرها؛ لأن "أل" الجنسية تبطل الجمعية، أما من يجعلها من المفردات التي جاءت علي هذا الوزن كأكياش وأخلاق أو اسم جمع فيكون إفراد الضمير إما لكونه مفردا أو لمراعاة لفظ اسم الجمع: انظر أبا السعود وغيره هذا: والأكياش من الثياب ما أعيد غزله مثل الخز والصوف، أو هو الردئ، والأخلاق من الثياب ما عمه البلى: يقال ثوب أخلاق أي عمه البلى. وثوب أكياش أي أعيد غزله أو رديء.
{سَائِغًا} : هنيئًا لا يُغصُّ به شاربُه.
{سَكَرًا} : ما يسكر وهو الخمر، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر - وسيأتي لذلك بيان أوسع وتأويل أفضل - إن شاء الله تعالى -.
التفسير
64 -
تضمنت هذه الآيةُ الكريمةُ شواهد عظيمة الدلالة على أنه - تعالى - هو الجدير بالألوهية والعبادة له دون سواه، فقد أرشدت أَصحاب الفكر الرشيد إلى أن هذه السماء التي نشاهدها خالية من الماء، صافية الأَديم يسوق الله برحمته السحاب تحتها ويزجيه بعد أن كوَّنه من أَبخرة المياه، وجعله ركاما، ثم يبسطه في جو السماء كيف يشاءُ، ويصيب به من يشاءُ من عباده، فيحيى به الأرض بعد موتها، ويبسط فيها الزرع النضير، وينبت فيها الأشجار ذات الأزهار والثمار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأَسماع والأبصار.
ومعنى الآية إجمالًا: والله أَنزل من السماء ماءً بقدر معلوم، على الأرض اليابسة التي تشبه الموتى في عدم جدواها، وتوقف الانتفاع بها، فلما أنزل الله الماءَ عليها دبَّت فيها الحياة، حيث اخضرَّت وَرَبَتْ وانبتت من كل صنف بهيج، إن في ذلك لعلامة واضحة الدلالة على ألوهيته ووحدانيته، يبينها لقوم يسمعون التذكير به سماع تدبر وتفكر، ثم اتبعها آية أخرى باعثة على توحيده فقال:
65 -
أي وإن لكم أَيها العقلاءُ الذين تحسنون الاستماع وتفكرون في الشواهد والآيات التي تُذكَّرُون بها - إِن لكم - في الإِبل والبقر والغنم والمعز لعظة عظيمة الشأن حيث تشاهدون أننا نسقيكم مما في أَجوافها لبنًا أبيض خالصه مما يؤَثِّر في بياضه أَو ريحه أو طيب طعمه سائغًا
للشاربين، مع أننا أخرجناه من بين فرث وهو ما في الكرش من روث كريه الرائحة، ودم أَحمر لا يستسيغه الطبع الإنساني.
فأنت ترى أن الأنعام تتناول أَعلافَها جافةً ورطبة، فتمضغها وتزدردها، فيحولها القادر الحكيم بما تفرزه كبودها وأجهزتها الهاضمة من العصارات - يحولها - إلى دم أحمر يدفعه القلب بنظام رتيب إلى أجسادها لتغذيتها، وروث تدفعه كروشها إلى أمعائها الغلاظ، لتتخلص منه آنا بعد آن.
وهذا الدم القاني يتجه بتدبير الله وحكمته إلى ضروع الإناث منها، تلك الضروع التي هيَّأها الله بقدرته وأعدَّها لتحويله إلى لَبن خالص من كل شائبة من تلك الشوائب التي مرَّت بها عملية الهضم والتحويل، فلا ترى في بياضه حمرة الدم، ولا في طعمه أَثرًا لطعوم الأعلاف والدماء والفرَث، ولا تحسُّ برائحةٍ كريهة من هذه الروائح التي احتبست في أجوافها، بل تجده لبنًا أبيض ناصعا خالصًا سائغًا للشاربين فتبارك الله أَحسن الخالقين.
66 -
{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} :
قال القرطبي: السكر ما يُسْكِرُ في مشهور اللغة، ونقل عن بعض السلف أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر، وأن المراد بالسكرِ الخمر، وبالرزق الحَسَنِ ما يُؤْكل ويُشرب حلالًا من هاتين الشجرتين، وذلك لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر فيها وإنما حرمت في المدينة، ولست أدري كيف دُسَّ هذا الرأى على أولئك الأعلام من السلف، وكيف أُقحم في كتب التفسير ليقرأه القارئون تفسيرًا لآية من كتاب الله منقولا عنهم، فإما أن يسلموا به تقديرًا لجلال من نسب إِليهم وإِما أن يقولوا ما لا يحل في كتاب الله، حيث يقولون إن هذه الآية نزلت يمتن فيها الله على عباده بما أَنعم به عليهم في النخيل والأعناب من السكر والرزق الحسن، فكيفَ عدل عن استحسان الخمر والامتنان بها في مكة إلى استرذالها وتحريمها في المدينة وهي هي بعينها لم يزد عليها ولم ينقص منها شيء، فإما أن تكون في
ذاتها قبيحة ضارة فتكون حرامًا دائمًا وإما أن تكون حسنة نافعة فتكون حلالًا دائما، فلا يتغير حكمها بتغير المكان.
والصواب: ما قاله الطبرى في معنى الآية وهو أَن السكر ما يطعمُ من طعام النخيل والأعناب ويحل شربه من ثمارها، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} فالبث والحزن بمعنى واحد، وبهذا قال أبو عبيدة، حيثَ قال: السكر الطُّعم. يقال: هذا سَكَرٌ لك: أي طُعمٌ.
وقال آخر - كما نقله القرطبي - السكر العصير الحلو الحلال، وسمى سكرًا لأنه قد يصير مسكرًا (1) إذا بقى، فإذا بلغ الإسكار حُرِّم - قلت وقد جمع صاحب القاموس بعض ما تستعمل فيه كلمة السَّكر من هذه المعاني وغيرها فقال. والسَّكرُ - محركة - الخمر ونبيذ يتخذ من التمر ونحوه، وكل ما يسكر وما حرم من ثمرةٍ، والخل والطعام والامتلاءُ والغضب والغيظ: اهـ بتصرف.
وبما أن الآية للامتنان فالأنسب بمعنى السكر فيها ما يحل من طعام النخل والعنب وشرابهما وإِليك فيما يلي المعنى الإجمالي للآية الكريمة:
ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه عصيرًا حلوا حلالًا، ورزقًا حسنًا منحكم الله إياه منهما، من رطب وتَمْر وعنب وزبيب، وغير ذلك من الأطعمة والأشربة، كالبسر والدبس (2)، والخل وأَصناف الحلوى .. التي تصنع منهما إن في ذلك لعلامة باهرة على قدرة الله ووحدانيته وكرمه وفضله، وهذه الآية والعلامة على ما ذكر موجهة لقوم يستعملون عقولهم فيدركون أنه لا إله سواه، ولا يستحق العبادة غيره.
(1) هكذا قيل، ولكننا نقول: لماذا لا تكون تسميته سكرًا أخذًا من السكر (بتشديد السين المضمومة وتشديد الكاف المفتوحة) فإن أخذه منه يناسب كونه بمعنى العصير الحلو الحلال، أما تعليل التسمية بأنه قد يصير سكرا، فإنه لا يناسب المقام.
(2)
الدبس (بكسر الدال المشددة): عسل التمر - من القاموس.
المفردات:
{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} : ألهمها وعلمها.
{وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} : أي وما يهيئه الناس من العرائش والسقف والبيوت والخلايا.
{فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} : فادخلي طرق ربك لطلب الرزق.
{ذُلُلًا} : جمع ذلول أي مسخرة منقادة.
التفسير
67 -
النحل: من الحشرات النافعة للبشرية، بما تفرزه عن العسل الذي جعل الله فيه شفاء للناس وسميت بهذا الاسم، لأن الله سبحانه نحلها هذا العسل، كما قال الزجاج والجوهرى: أي منحها إياه وقد أخبر الله في هذه الآية والتي تليها عن المنهج الذي تسلكه حتى تخرج لنا العسل من بطونها ليتغذى به الناس ويستشفوا من كثير من الأمراض، وبين سبحانه وتعالى أن سلوكها هذا المنهج بوحى منه جل وعلا.
وللوحى في اللغة معان مختلفة، والمراد منه هنا الإلهام، وهو ما يخلقه الله في القلب ابتداء من غير سببٍ ظاهرٍ.
ولا يقتصر هذا الوحى على النحل، بل تفضَّل الله به على كل حيوانٍ فقد ألهمه الله - تعالى - ما فيه منافعه فيسعى إليه، وما فيه مضاره فيجتنبه، وما فيه معاشه فيدبره، حتى لتراه يختزن قوته في الشتاء إذا كان لا يستطيع الظهور فيه والتعرض لبرده، فلهذا يملأ مخازنه بالطعام
ويعقمه بما يجعله صالحًا ولا يتعرض للفساد، ولم يقتصر هذا الإلهام على الحيوان بل تعداه إلى النبات والجماد، فإن البذور والنوى، يلهمها الله أن تتجه بجذورها إلى أسافل جوف الأَرض لتستمسك بها وتتغذى منها، وتتجه ببراعمها وسيقانها وأوراقها وفروعها إلى أعلى دون أن يطرأَ على منهجها هذا أَي اختلاف.
وألهم الأَرض أَن تغذِّي جذور النبات، وتيسر لها سبيل التعمق داخلها ولو كانت الأرض صخرية، فكم من غابات وأشجار وأَعشاب تنبت فى الأَرض الجبلية. هذا إِلى جانب ما يتم داخلها من التحولات الخطيرة التى تنشأ عنها المعادن والغازات والعناصر المختلفة وكل ذلك يتم بإلهام الله وتدبيره. ولقد أحسن إبراهيم الحربي قوله: لله عز وجل فى الموات قدرة لم يُدْر ما هي، لم يأتها بها رسول من عند الله، ولكن الله تعالى عرفها ذلك (1).
ولا غرابة فى ذلك، فقد جاء القرآن الكريم بذلك صراحة عن الأرض فى سورة الزلزلة فقد قال تعالى:{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} : أى ألهمها وأعطاها من الأَسباب ما نشأَت عنه تلك المسببات.
ولم يحرمنا القرآن العظيمُ ولا السنةُ المطهرة من الإشارة إِلى تلك العجائب التي لم يستطع الإنسان أن يكشف الكثير من أخبارها وأسرارها، فالله تعالى يقول إنه أَمر الجبال والطير أن تُؤَوِّب فى التسبيح وترجِّعه مع داود، وذلك في قوله فى سورة سبإ:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} (2). وفى سورة ص {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} (3).
والرسول يقول في جبل أُحد: (أُحُدٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ) فوصف الجبل الأصم بأنه يحب الرسول. ورجف أُحُدٌ والنبي فوقه وأبو بكر وعمر وعثْمان فخاطبه النبي قائلًا: "اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّما فَوْقَكَ نَبيٌّ وَصِدِّيقٌ وشهيدان ". أخرجه البخاري وغيره.
ومن عجائب إلهام الله للحيوان ما وقع يوم وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث تجاذب الصحابة ناقته القصواء وهو عليها، ليكون الرسول ضيفًا كريمًا على من يفوز بها
(1) نقله القرطبي عنه في تفسير هذه الآية.
(2)
من الآية: 10.
(3)
الآيتان: 18، 19.
منهم، فقال لهم:"خلُّوا سَبِيلها فإنها مأمورةٌ" فتركوها وأرخى النبى زمامها دون أَن يوجهها، فجعلت تنظر يمينا وشمالا أَثناء سيرها حتى بَرَكَتْ بفناء بنى عدى بن النجار أمام مِرْبد سهل وَسُهَيل ولدى رافع بن عمرو، ثم ثارت الناقة والرسول عليها حتى بركت أمام باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت وبَرَكَتُ فى مبركها الأول وَأرْزَمَت (أَي صوَّتَتْ دون أن تفتح فمها) ونزل النبي صلى الله عليه وسلم عنها وقال:"هَذَا الْمَنْزِلُ إنْ شاء اللهُ"، واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، وقال أبو أيوب المرْءُ مع رحله، فنزل النبى عنده، وأخذ سعد ابن زرارة ناقته عنده.
وقصة (الهدهد) العجيبة مع سليمان، وكذا قصة (النملة) فى توعيتها للنمل من أن يحْطِمهُ سليمان وجنوده، وتعليم الله سليمان منطق الطير كل ذلك واضح فى أن لها إِدراكات ونطقا وعبارات لا يعلمها إلا من علمه الله، فلا غرابة فى أن يُعبر الله عن إلهامه للنحل في معاشها بالوحى، لأن لها إدراكات تعي بها هذا الإلهام، فتبارك الله أَحسن الخالقين.
المعنى الإجمالي للآية
وألهم ربُّك النحلَ، قائلا فى إلهامه إياها: اتخذي بيوتا لك تأْوين إليها فى الجبال داخل كهوفها ومغاراتها وكُواها، وفى الشجر داخل أَجوافها وبين أغصانها وفيما يعرشه ويُهيئهُ لك بنو آدم من العرايش والخلايا ونحوها.
وعرش، معناها هنا: هيَّأ، قال القرطبي: وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إِتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها. ومنه العريش الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اهـ ويقول ابن العربي في هندسة النحل لبيوتها: ومن عجيب ما خلق الله في (النحل) أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءَت بينها فرج إلا الشكل المسدس، فإنه إِذا جمع إِلى أَمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة: اهـ من القرطبي.
69 -
{ثُمَّ (1) كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} :
أي وكلي أيتها النحلُ بعضا من كل الثمرات، وهو رحيق الأزهار التى هى أساس
(1) لفظ (ثم) هنا بمعنى واو العطف وليست للترتيب والتراخى، إذ لا ترتيب بين الأكل من الثمرات وبين اتخاذها البيوت ولا تراخي لأكلها عنه، فإنهما قد يكونان متصاحبين، بل ربما سبق الأكل من الثمرات بناء البيوت، فإن البطون الجائعة تضعف قواها عن الباء.
لثمرات أو من الثمرات نفسها، ويقولون إنها قد تأكل من الأزهار المُرَّة، ويعود كل ذلك عسلا حلوا شهيا، وفي ذلك يقول المعرى:
والنحل يجنى المُرَّ مِنْ زَهْرِ الرُّبى
…
فيعود شَهْدًا في طريق رُضَابِهِ (1)
والأمر في قوله تعالى للنحل: "ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثَّمراتِ" ليس على حقيقته، بل المقصود منه أنه -تعالى- يسَّر لها ما تشتهيه من الثمرات لتأكل منه، فتجد نفسها مجبولة على أن تتناول منها ما تريد كأنها مأمورة بذلك، لتحيى وتؤدى وظيفتها فى الحياة، من إفراز العسل لغذاءِ الناس وشفائهم، ثم بيَّن الله أن سبلها إلى ذلك مذللة فقال سبحانه:
{فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} : أي فاذهبي طائرة فى طرق ربك التي توصلك إِلى الحدائق والبساتين فهي مفتوحة لك فى جنبات السماء شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، مسخرة لك، لا يمنعك عنها مانع فأَنت نافعة للزراعة، وجالبة للأرزاق، وكما ذلَّلها الله لك في الغداة وأنت ذاهبة إلى أرزاقك، ذللها لك فى الأصيل وأنت عائدة إلى بيوتك لا تضلين سبلها، فسبحان الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
وقيل فى معنى الآية: فاسلكى ما أكلت من الأزهار والرحيق فى مسالكه التى يتجول فيها بقدرة الله عسلا.
ثم اتجه الكلام من مخاطبة النحل إِلى الكلام مع الناس فى عجائب صنع الله على سبيل الاستئناف، وذلك فى قوله تعالى:
{يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} :
يقُصُّ الله علينا في هذه الآية أن النحل بعد أن تتناول غذاءها من كل الثمرات، يخرج من أَجوافها عسل ألوانه مختلفة تبعًا للون ما تناولته من الأزهار والثمرات، فقد يكون أبيض، وقد يميل لونه إلى الصفرة أو الحمرة أو نحوهما، كما قد يتأثر برائحتها طيبة أو كريهة، وقد يكون للجو (2) أَوْ لِسِنِّ النحل أثر في ألوان العسل، كما يقوله القدامى والله تعالى أعلم، وقد عبر عنه بشراب لأنه مما يشرب.
(1) الرضاب -بضم الراء مشددة- يطلق على الريق في الفم، والشهد -بضم الشين المشددة وفتحها- هو العسل.
(2)
فإن الجو الحار يجعل لون العسل يميل إلى الصفرة والكدمه، وقوامه، إلى الكثافة.
والجمهور على أن العسل يخرج من أفواه النحل، ومن ذلك قول الحسن: لُبَابُ البُرِّ بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم: اهـ ونحن نقول: إنما قال الله سبحانه: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا): لأنها هى التى تحيل الثمرات التي تأكلها النحل إلى عسل، ثم تدفعه وتخرجه من هذه البطون عن طريق أفواهها، وقال الآلوسى: وفى الكشف أَن فى قوله تعالى: (ثَمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمرَاتِ) إشارة إِلى أن لمعدة النحل فى ذلك تأثيرًا، وهو المختار عند المحققين من الحكماء: اهـ يريد بذلك أن يردَّ على من يزعم أن المراد من بطونها أفواهها، وأن الأفواه هى التى تصنع العسل دون دخل للمعدات فى تحويل الغذاء إلى عسل.
وقد بين الله تعالى أَن هذا العسل فيه شفاءٌ للناس، إما مجردًا وإِما مخلوطا بغيره من المعاجين المختلفة، كما كان قدامى الأطباء يعالجون، وقد اعترف الطب الحديث بفوائده فى كثير من الأمراض والقروح وليس بلازم أَن يكون فيه شفاءٌ لكل الأمراض أو لكل الناس فقد يشفى به مرض فى إنسان ولكنه لا يشفى به في إنسان آخر، وقد يشفى به مرض، ويزيد العلة فى مرض آخر، ولهذا لم يعمم الله تعالى فى لفظ الشفاء، إذ لم يقل: فيه الشفاءُ للناس، بل قال:(فِيهِ شِفَاءٌ) بتنكير شفاء للتبعيض، ليكون المعنى: فيه بعض الشفاء للناس لا كل الشفاء دائمًا (1).
وقد ذكر قدامى الأطباء أنه ينقي الجروح ويُدمِّلها ويأكل اللحم الزائد، ويشفى من دموع العين وحكتها وجربها كحلا وبخاصة مع ماء البصل، وإن أُذيب فى الماءِ سكن المغص وقطع العطش، إلى غير ذلك مما كتبته كتب الطب القديم فارجع إليها إن شئت فقد كَتَبَتْ عنه كثيرًا من الفوائد والأضرار، وهذه الآية دليل على جواز التداوى خلافا لمن كره ذلك، بل هو مطلوب لقوله تالى:(وَلا تُلْقُوا بأيدِيكُم إلَى التَهْلُكَةِ). وفى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَكل داءٍ دواءٌ فإذا أُصِيب دواءُ الداء برأ بإذن الله" وأخرج أبو داود والترمذى عن أُسامة بن شريك قال: قالت الأعراب ألا نتداوى يا رسول الله قال: "نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا واحدًا" قالوا يا رسول الله وما هو؟ قال الهرم" لفظ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح إلى غير ذلك من الأحاديث.
(1) و"أل" فى الناس للجنس لا للاستغراق، فيصدق الخبر بحصول الشفاء فى بعضهم.
ثم ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} : فإن أَهل الفكر حين يرون هندستها البارعة في بناء بيوتها، وتحول طعامها من الثمرات ولو كان مرًّا إلى عسل شهي مختلف الألوان، نافع للأبدان، يستدلون بذلك على أن لها ربًّا حكيما ألهمها وأعطاها من العجب ما يحير الأفكار، وما لا يستطيعه الإنسان، ولا يترددون في أن يقولوا:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
المفردات:
{أَرْذَلِ الْعُمُرِ} : أي أخسه وأَحقره. {فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} : أَي متساوون.
{وَحَفَدَةً} : جمع حفيد وهو ولد الولد كما قال الأزهري: ويطلق على الخَتَن وهو الصهر كأبي الزوجة وأخيها وسائر أقاربها. رواه زِرٌّ عن عبد الله، وقال ابن عرفَة: الحفدة عند العرب الأعوانُ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع فهو حافد - قال - ومنه قولهم:"إليك نسعى ونحفد" وقال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم.
{الطَّيِّبَاتِ} : النِّعم التي طابت وطاب أكلها وطعمها، أو ما أحله الله من الأرزاق.
70 -
يحكى الله فى هذه الآية بعض عجائب قدرته وسلطانه فى الإنسان، بعد أن بيَّن عجائب إبداعه وحكمته. فى إنزال الماء من السماء، وإحيائه الأرض بعد موتها، وعظيم العبرة فى الأنعام حيث أخرج لنا من بين فرثها ودمها لبنا خالصا سائغا للشاربين، وبليغ حكمته ونعمته فى (النحل) حيث ألهمها تدبير رزقها ومساكنها العجيبة وأخرج لنا من بطونها شرابا مختلف الألوان كثير المنافع للأبدان، والحكمة فى بيان هذه الآيات توجيه العقول إلى الإيمان بمبدعها، وأَنه قادر على إحياء من في القبور.
والمعنى: والله -تعالى- خلقكم فأحسن خلقكم؛ ورباكم فأحسن تربيتكم، ولم يجعل حياتكم فى دنياكم إلى بقاء بل أعدها إلى فناء، ففي أَول نشأتكم على وجه الأرض تنمون ثم تَشِبون، ثم يتوقف نموكم عندما يكتمل شبابكم، ولكنه يحفظ عليكم فتوَّتكم وقوتكم إلى أن تصلوا إلى سن الكهولة (1) فتضعف قُوَاكُم آنا بعد آن، ويتدرج ضعفكم حينا بعد حين، حتى إذا أطلت الشيخوخةُ بأعبائها، حل على أجسادكم الانحطاط الكبير، وعلى عقولكم الوهن الخطير، فتصبحون في أرذل العمر، وأخسِّ مراتب الحياة، فلا تعلمون من بعد علم شيئا، إِذ تنسون ما كنتم تذكرون ولا تحفظون ما تتعلمون، وفى أثناء هذه الحياة منكم من يتوفاه الله فى طفولته، ومنكم من يميته في شبابه، وبعضكم يأخذه فى كهولة، وآخر يرحلُ إليه فى شيخوخته، ولا يرتبط ذلك كله إلا بإِرادة العليم الخبير، فلا يستطيع حكيم أَن يتحكم فى أجله {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (2).
(1) الكهل: من أصابه الشيب، وعرفه بعض اللغويين بأنه من جاوز الثلاثين إلى الخمسين والهرم بوزن الكرم أقصى الكبر، ومن يوصف به فهو هرم، وفعله هرم كفرح، والشيخوخة تبدأ من الحادية والخمسين، وتنتهي آخر العمر، والهرم داخل فيها، راجع تلك المواد فى القاموس وغيره.
(2)
بعض الآية الأخيرة من سورة لقمان.
وليس لمراتب العمر سن معينة، فقد تأتي الكهولة أَو الشيخوخة فى سن الشباب، فكم من شبابٍ شابوا وانحطت قواهم وضعفت ذاكرتهم، ومفتاح هذا كله وعلمه عند الله رب العالمين، ولهذا ختم الله الآية بقوله جل ثناؤه.
(إن اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ): أى إِنه تعالى واسع العلم بمقادير أَعماركم، عظيم القدرة على إحيائكم وإماتتكم، وهو صاحب المشيئة المطلقة فإن شاء أمات الشاب النشيط وأَبقى الشيخ الفاني، وإن شاء أجرى الأُمور على ضوابط مطردة، فالحكم لله العلى الكبير.
واعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عدة أُمور منها الهرم حيث يحل أَرذل العمر، ففى صحيح البخارى عن أَنس بن مالك قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ فيقول: "اللهم إِنِّى أعُوذْ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ الهرمِ، وأعوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ".
71 -
بيَّن الله تعالى فى الآية السابقة دلائله ونعمه فى خلقنا وتفاوتنا فى آجالنا وعلومنا، وجاءت هذه الآية لبيان فضله فى رزقنا، وأننا لا نرضى أن نسوى بيننا وبين ممالِيكِنا فيه، فكيف يرضى المشركون أن يسووا بينه -سبحانه- وبين خلقه فى الأُلوهية، فيشركوهم معه فيها، ويعبدوهم أَكثر مما يعبدونه.
والمعنى: والله جعلكم متفاوتين فى الرزق والنعمة، إذ جعل بعضكم غنيا والآخر فقيرًا، وبعضكم سيدًا والآخر مملوكا، وبعضكم مخدوما والآخر خادما، وقد جرت عادتكم أَن لا يُعْطِي من فضَّلهُ الله في النعمة مملوكه أَو خادمه ما يجعله مساويا له فيها، بل يعطيه شيئا يسيرًا، فإذا كانوا لا يحبون أن يجعلوا مماليكهم أو خدمهم مثلهم فى الرزق، مع أنهم مساوون لهم فى البشرية والمخلوقية لله والاستحقاق رزقه، فكيف يرضون أن يجعلوا شريكا مع الله مَلَكًا أَو بشرًا أو كوكبا أو صنما، ويسووه به -تعالى- في الأُلوهية والمعبودية، فى حين أنها مخلوقة له وليس لها من أمر نفسها أو غيرها شيء، فإن الأمر كله لله -تعالى- وختم الله الآية بتوبيخهم على إنكارهم لنعمه بهذا الإشراك فقال:
{أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} : أيشركون بالله - تعالى - فيجحدون بهذا الإشراك ما أعطاهم من نعمة حيث اقتضت عبادتهم لآلهتهم أن هذه النعم منهم، أو أنهم شركاء فيها، مع أَنها من فضل الله دون سواه، ثم بين فضله عليهم في الأزواج والأولاد والأَتباع ورزق الطيبات، وعدم قيامهم بموجب إنعام فقال:
72 -
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} :
والله تعالى جعل لكم يا بني آدم زوجات من جنسكم لتأنسوا بهن، ويكون أولادكم أمثالكم، فتتناسلوا وتنجبوا نوعا واحدًا بلا تباين ولا اختلاف، وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم، والأَول أظهر.
{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} :
الحفدة: جمع حافد. وهو من يسرع في الخدمة والطاعة، وقد اختلف العلماء في بيان المراد منه هنا، وقد مرَّ في المفردات بيان بعض ما قالوه في ذلك وأَظهره أنهم أولاد الأَولاد، قال القرطبي: ما قاله الأزهرى من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهرُ القرآن بل نصه، ألا ترى أنه قال:"وَجَعَلَ لَكم منْ أزْوَاجِكُم بنين وحفَدَةً، فجعل الحفدة والبنين منهن" اهـ.
وهو الذي استظهره ابن العربي.
والطيبات: لذائذ النعم، أو حلالها.
والمعنى: والله جعل لكم من جنسكم زوجات لتستريح نفوسكم إلى معاشرتهن، وتسكن قلوبكم عند لقائهن، وتزول همومكم بأحاديثهن، ولم يجعلهنّ من جنس آخر تنفر منه الطباع، ويختلف بسببه الجنس البشرى، ورزقكم لذائذ النعم وما أَحله منها، وكان عليكم أن تشكروه ولا تكفروه، وتوحدوه ولا تعبدوا معه غيره، ولكنكم أخللتم بمقتضى نعمته، ولهذا نعى على الكافرين ذلك فقال:
{أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} :
أفبالباطل من ألوهية شركائهم وحرمة البحائر والسوائب ونحوها يصدقون، وبنعمة الله التي لا حصر لها يكفرون، حيث يضيفونها لآلهتهم، وينسون الله الذي أنعم بها عليهم.
المفردات:
{وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} : ولا يقدرون على أي شيء.
{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} : أي فلا تجعلوا لله الأشباه والنظائر، باتخاذكم له شركاء.
التفسير
73 -
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا
…
} الآية.
أي ويعبد المشركون سوى الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئا من السماء كالضوء والمطر ومن الأرض كالنبات والثمر ولا يستطيع أولئك الشركاء أيَّ قَدْرٍ من الاستطاعة في النفع فضلا عن الضر.
74 -
{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} :
أي فلا تجعلوا لله تعالى الأشباه والنظائر بعبادتكم سواه معه، ولا ينفعكم ما تزعمون من أنها تقربكم إلى الله زلفى، فلا يقربكم إليه سوى توحيده وعبادته وتنزيهه عن الشريك والنظير، أن الله تعالى يعلم الحق فيأمركم به، ويعلم الباطل فينهاكم عنه، وأنتم تجهلون ولا تعلمون، فاجحتنبوا نهيه وأطيعوا أمره.
المفردات:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} : أورد حجة علي سبيل التشبيه والتمثيل.
{هَلْ يَسْتَوُونَ} : المراد أنهم لا يستوون. {أَبْكَمُ} : لا يقدر علي الكلام ولا يسمع.
{كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} : عالة وعبءٌ ثقيل على سيده الذي يتولى أمره.
{يُوَجِّهْهُ} : يبعثه في مهم من الأمر. {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} : يدعو إلى الخير والبر.
{السَّاعَةِ} : المراد بها يوم القيامة.
{كَلَمْحِ الْبَصَرِ} : رجع الطرف من أعلى إلى أسفل أو هو النظر بسرعة، يقال لمحه لمحا إذا نظره بسرعة.
التفسير
75 -
بعد أن نهى الله سبحانه عن الإِشراك به، وقرع المشركين ووبخهم على اتخاذ الأنداد له تعالى ضرب مثلين يوضح بهما عدم التساوى بينه وبين أحد أو شيء من خلقه ليدرك العاقل أنه إِذا انتفت المماثلة فيهما وجب التوحيد وامتنع الشرك بالبداهة.
والمعنى: صور الله حالكم فى إِشراككم أوثانكم العاجزة؛ بالله القدير الكريم الكثير الخير والبر، صور لكم ذلك ومثله بحال من يُسوي بين عبد مملوك عاجز عن التصرف شديد الحاجة إلى غيره وبين حرٍّ رزقه الله رزقا واسعا فهو ينفق منه على غيره ويتفضل به على سواه فى السر والعلانية حسب مقتضيات الإنفاق، ويتصرف فيه بحكمة فكيف يستوى هذا الحر الكامل التصرف مع هذا العبد الشديد العجز عن التَّصرُّف، فضلا عن أَنه لا يملك أَمر نفسه، ولهذا سأل الله العقلاءَ بأسلوب الاستفهام الإنكارى فقال:(هَلْ يَسْتَوُونَ): أي هل يعقل أن هذا العبد الضعيف العاجز عن التصرف يتساوى مع الحر المتصرف على أحسن الوجوه وإذا كانا لا يستويان بداهة، فكيف يسوى هؤُلاء المشركون أوثانهم العاجزة بالله الخالق الرازق المدبر المحسن فى السر والعلن، ثم ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : لبيان أن وضوح هذه الحجة يقتضى الثناء الكامل والحمد التام لله وحده لأنه المستحق له دون سواه، ولكن أكثر هؤلاء الكفار لا يعلمون أن هذا هو الحق وذلك لجهالتهم وغفلتهم، ولمّا كان فريق آخر منهم يعلم ذلك ويعرفه ولكنه لا يعمل بموجبه عنادا واستكبارا فلهذا قيل:(بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون) ولم يقل: بل هم لا يعلمون.
وقيل: المراد أنهم جميعا لا يعلمون فعبَّر بأكثرهم عن جميعهم.
76 -
وهذا مثل آخر مؤَكد للمثل الأول فى الدلالة على ما دل عليه بأوضح وجه وأظهر بيان. أي وذكر الله مثلا آخر يوضح فساد مساواتهم آلهتهم بالله، وهو يتجلى فى رجلين أحدهما: أَخرس أَصم لا يُفْهِم ولا يَفْهم وهو مع ذلك لا يقدر على شىء لنفسه أو لغيره من جلب نفع أو دفع ضر لجهله وسوءِ تقديره، وهو لذلك عبءٌ على غيره حيثما يرسله مولاه فى أمر فإنه لا ينال
نجحا ولا يصيب خيرا، أَما ثانيهما: فرجل عاقل له رأى، سليم الحواس ينفع نفسه وغيره يأمر الناس بالإنصاف والعدل، وهو على منهج قويم وسيرة صالحة هل يستويان؟ وإذا كانا لا يستويان ولا يتشابهان فكيف يسوى المشركون الصنم الأصم الأبكم العاجز عن كل شيء بالله القادر الذي يفيض على عباده الكثير من آثار رحمته ونعمته، ويأمرهم بالعدل في توحيده وطاعته وفي أمرهم كله، وهو فيما يدعوهم إِليه على طريق مستقيم موصل إلى خيري الدنيا والآخرة.
77 -
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} :
بعد أن بين الله تعالى عن طريق ضرب المثل استحالة أَن يستحق العبادة غير الواحد الأحد جاءَ بهذه الآية لتدل على كمال علمه وعظيم قدرته وبعيد حكمته.
والمعنى: ولله وحده ما غاب في السماوات والأرض وخفى فيهما على خلقه، لهُ ذلك خلقا وملكا وعلما وتصرفا، ولا سبيل لغيره في شيءٍ من ذلك.
{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} : أي وما الشأن في سرعة مجيء الساعة التي يقوم فيها الناس لرب العالمين إِلا كرجع الطرف بإطباق الجفن، فإنه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ونحوه قوله:{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} أَي أن قيام الساعة وبعث الخلق للحساب والجزاء في السرعة كطرف العين، وقوله:{أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} : ليس للشك بل لتخيير الْمُمثِّل في التمثيل به أو بالذى قبله، وكلاهما كناية عن بالغ السرعة وقيل: إن المعنى بل هو أَقرب عند الله في الحقيقة. وإنما خص الساعة بالذكر من بين علوم الغيب التي لا تحصى لكثرة المماراة والمجادلة فيها وتكذيب الأمم رسلها في إِخبارهم بها: ولذا ختم - سبحانه - الكلام عنها بما يثبت قدرته وأنه تعالى - لا يمتنع عليه شيء أَراده فقال:
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} : فلا يعجزه أمر الساعة، وبعث الأَجساد بعد موتها، كما لا يعجزه شيء سواد.
المفردات:
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : لكي تشكروا. {مُسَخَّرَاتٍ} : مُيَسَّرَات مُهيآت للطيران.
{سَكَنًا} : موضعا تسْكُنُون فِيهِ أو تسكنون وتطمئنون إليه.
{الْأَنْعَامِ} : هي الإبل والبقر والغنم والمعز.
{تَسْتَخِفُّونَهَا} : تجدونها خفيفة سهلة المأخذ. {ظَعْنِكُمْ} : سفركم وارتحالكم.
{أَثَاثًا} : الأثاث متاع البيت كالبساط والفراش والغطاء والكساء.
{مَتَاعًا} : ما يتمتع وينتفع به. {إِلَى حِينٍ} : إِلى وقت انقضاء حاجتكم وتمتعكم به.
{مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} : ما يستظل ويتقي به حر الشمس وضوءها من سقف وشجر وغمام وغير ذلك.
{أَكْنَانًا} : جمع كِنٍّ وهو ما يستتر به ويسكن فيه كالكهوف.
{سَرَابِيلَ} : هي الثياب مطلقا، جمع سربال أو سربالة.
{تَقِيكُمُ الْحَرَّ} : تحفظكم منه، كما تحفظكم من البرد أيضًا، ففيه اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر.
{وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} : هي لباس الحربِ كدروع الحديد وأغطية الرأس منه.
التفسير
78 -
بعد أَن ضرب الله المثل للناس على فساد الشرك، واتخاذ الأوثان شركاء لله في العبادة، شرع في ذكر عدد من دلائل قدرته وبديع حكمته وجليل نعمته على عباده التي يستحق بموجبها أَن يُعْبد دون سواه، وأن يشكر ولا يكفر به، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى يخرجكم من بطون أُمهاتكم وليست لديكم القدرة علي تحصيل العلم، فقد كانت ملكاتكم في طفولتكم عاجزة عن أداء وظيفتها فمنَّ الله عليكم بنمو أَجسادكم وحواسكم وملكاتكم، لكي تُحصِّلوا بها العلم والمعرفة، فبالسمع تسمعون، وتُدركون المسموعات، وبالبصر تدركون المرئيات، وبالعقول والأفئدة تميِّزُون بين الخير والشر والنافع والضار، وتحصلون العلم، وقد فعلنا ذلك لكم وأنعمنا به عليكم.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : أَي لكي تشكروا الله وتعرفوا له فضله فلا تعدلوا به أحدًا سواه.
79 -
{أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} :
هذه آية أخرى حثنا الله فيها علي النظر في عجائب صنعه.
والمعنى: ألم ينظر المشركون إلى الطير مسخرات للطيران بما خلق الله لها من الأجنحة والأسباب المساعدة عليه، فإن من تأمل الطيور السابحة في الجو: لا شيء يجذبها إلى أعلى، ولا سبب يحفظها من السقوط في أسفل، أَدرك أَن الله هو الذي سخرها للطيران وسخر لها الجو وأمسكها فيه، ولم يمسكها سواه، وذلك بما أَمدها به من أسباب تحفظها وتمسكها إن تسقط إلى الأرض، وتجعلها تجوب الفضاء وتعلو وتهبط وتسرع وتبطىءُ، وتميل يمينًا وتنحرف شمالًا، إِنه الله الذي أَعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} : إن في ذلك الذي ذكر من تسخير الطير في الجو وإمساكهَا من السقوط لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، يسوقها لقوم لهم علم وعقل وإِيمان فما بال المشركين يعرضُون عن هذه الآيات الجليلة المستوجبة لطرح الشركاء، والتوحيد الخالص لرب العالمين.
وخص المؤْمنين لأنهم هم المنتفعُون بالنظر والتَّدبُّر، وإن كانت الحجة قائمة على كل عاقل.
80 -
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} :
وتلك آية أخرى ساقها الله، مبيِّنًا بعض نعمه المستوجبة لشكره والإيمان به.
والمعنى: أنه هداكم إِلى اتخاذ البيوت لكي تستريحوا وتسكنوا فيها بين أهليكم وأولادكم ولم يترككم تأوون إلى الغابات أَو تعيشون في الكهوف وقت إِقامتكم الدائمة، أما في الترحل والانتقال فقد ألهمكم ما يعينكم على تلك الحياة وهو ما ذكره تعالى بقوله:
{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا} : أي أرشدكم إلى صنع الخيام وضرب القباب في أَسفاركم، وهداكم إِلى اتخاذها من جلود الأنعام حيث:
{تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} : تجدونها خفيفة الحمل قليلة الكُلْفة، فيسهل عليكم نقضها وحملها ونقلها إِذا ارتحلتم، فإذا ما أقمتم سهل عليكم ضربها للإقامة، فيها ما أَقمتم.
{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} : أي وهداكم كذلك إلى أن تتخذوا من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز أثاث المنازل من البسط والفرش والكساء والغطاء والخيام، وما قد تحتاجون إليه في إقامتكم وأسفاركم تتنعمون به أنتم، أَو تتجرون به فتتسع أرزاقكم وتنمو بذلك أموالكم وتزداد ثرواتكم وتتمتعون به على أي وجه بما ذكر إِلى حين انقضاء آجالكم وانتهاء أعماركم أو حاجاتكم.
81 -
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا
…
} الآية.
أي أَنه تعالى جعل للضاربين في الأرض مما خلق من الأشجار والجبال والتلال ونحوها ظلالا يستظلون بها من الحر، كما جعل لهم من الجبال ما يسكنون فيه أو يأوون إليه عند الحاجة، من المغارات والكهوف.
{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} : ومن نعمه سبحانه أَن ألهمكم اتخاذ ملابس للسلم تقيكم الحر مثل الجلابيب والأردية والقمص والقلانس ونحوها مما يستر أجسادكم ويقيكم حر الشمس وبرد الشتاء. وقد استغنى بذكر الوقاية من الحر عن ذكر الوقاية من البرد لأن العرب تستغنى في لغتها كثيرًا بذكر أحد المتقابلين الآخر اكتفاء بأحدهما؛ لأنه يشعر بالمحذوف ويدل عليه، وكما أرشدكم إلى صنع لباس السم، ألهمكم أَن تصنعوا من الحديد ما يدفع عنكم الضربات ويرد الطعنات في بأس الحرب وشدتها.
{كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} : أي هكذا تتوالى نعم الله عليكم في حياتكم حتى تتكامل وتتم، لعلكم أنتم وكل من يصلح للخطاب والتذكير تتأملون وتتدبرون فتدركوا نعم الله عليكم، وتعرفوا لِواهِبِها قدْرَهُ فتنقادوا له، ولا تتخذوا معه الأنداد ولا تعبدوا ربًّا سواه، فأنت ترى من سرد هذه النعم أنه تعالى شمل بنعمته أهل الحضر وأهل المدر، فالكل بنعمته ينعمون، وبفضله يتمتعون.
المفردات:
{تَوَلَّوْا} : أَعرضوا وأبوا. {الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} : التبليغ البيّنُ الواضح.
{يُنْكِرُونَهَا} : يجحدونها ولا يعرفون فضل المنعم بها. {أُمَّةٍ} : جماعة من الناس.
{شَهِيدًا} : أي نبيا يشهد بكفرهم أو بإيمانهم.
{لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : أَي لا يسمح لهم بالاعتذار إذ لا عذر لهم.
{وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} : ولا يطلب منهم العُتْبى أَي إرضاء الله يوم القيامة؛ والعُتْبى تطلق على الرضا - انظر القاموس.
{يُنْظَرُونَ} : يمهلون ويؤَجل عذابهم. {نَدْعُو} نعبُد.
{يَفْتَرُونَ} : يختلقون ويكذبون.
{وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} : أي وأظهروا الاستسلام إلى الله يوم القيامة.
التفسير
82 -
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} :
أي فإن أَعرض المشركون يا محمد بعد بيان الآيات الكونية والتنزيلية ولم يؤمنوا بما جئت به من الحق، فلا تحزن عليهم ولا تأسف على ما يصنعون فلست مسئولًا عن كفرهم.
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} : أى فما عليك إِلا أن تبلغهم ما أُرْسِلْت به إليهم تبيينًا يوضح معالم الدين ويبين الصراط المستقيم وقد فعلت على أتم وجه وأَكمله، وهم مسئولون ومحاسبون على عدم استجابتهم، أمَّا خلق الإيمان فى قلوبهم فلست بقادر عليه.
قال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (1).
83 -
{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} :
أى يعرف المشركون أن هذه النعم المذكورة وغيرها من عند الله فإذا سألتهم من الذى خلقها؟ قالوا: خلقها الله، وكان مقتضى هذه المعرفة أن لا يشركوا بالمنعم بها، وأن لا يعبدوا سواه، ولكنهم ينكرون نسبتها إلى الله بأفعالهم، وذلك بعبادة غير واهبها، وشكر غير مُسْدِيها من صنم أو غيره وعطف بثم التى تفيد التراخي والبعد، للدلالة على أَن إنكارهم أَمْرٌ ينبغى أن يكون مستبعدًا، وذلك بعد أن عرفوا نعم الله وسعدوا بها؛ إذ أَن من الواجب على من عرف النعمة وعاش فيها أن يعترف بها لمنعمها لا أن يجحدها وينكرها.
{وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} : أى وأكثر أهل مكة هم الكافرون بها، حيث عبدوا غير الله وأعرضوا عن الحق، أما القليل منهم فقد آمن بالمنعم بها واستجاب لدعوة نبيهم الى توحيده.
ويجوز أن يراد من نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يعرفونها بعقولهم ثم ينكرونها بألسنتهم عنادًا، وأكثرهم الجاحدون به، أمَّا القليلون منهم فقد هداهم الله، فآمنوا به صلى الله عليه وسلم، وثبتوا على إِيمانهم مع ما قاسوه من التعذيب والإيذاء.
84 -
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} :
لما بين سبحانه حال الكافرين وأنهم عرفوا نعمة الله ثم أَنكروها؛ جاء بهذه الآية وعيدًا للمنكرين.
(1) سورة الرعد، من الآية:40.
والمعنى: واذكر لهم أيها النبى يوم القيامة، ونبئهم بما يقع فيه من الأهوال حيث يبعث من كل أمة شهيدًا من المرسلين، يشهد لمن آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر، حسبما علمه عن أُمته فى حياته.
{ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : أي لا يؤذن لهم فى الاعتذار إذ لا عذر لهم ولا حجة لديهم يدافعون بها عن أَنفسهم.
{وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (1): أى ولا يطلب منهم أَحد فى هذا اليوم العتبى -أَي أَن يرضوا ربهم بتوبة أَو عمل صالح- فقد فات أَوان ذلك حيث كانوا فى دنيا التكليف، وقد أُعطوا الفرصة فيها فلم يفعلوا، فلا سبيل لهم بعدها إلى ذلك، فإِن الآخرة دار جزاء.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (2).
85 -
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} :
وتلك صورة أُخرى لما يكون عليه الكافرون من أَهل النار، أَى وإذا رأَى هؤلاء الذين ظلموا أَنفسهم بالكفر. -إِذا رأوا العذاب على كفرهم ومعاصيهم وعاينوه وشاهدوه، {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}: إذ لا مجال للتَّخْفِيف بتوبة أو اعتذار، {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (3).
86 -
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ
…
} الآية.
وهذه صورة من الصور التى تكون بين الكافرين وبين من أشركوهم مع الله فى العبادة، أو عبدوهم من دون الله، فإِذا رأوهم نادوْا ربَّهم أذلَّاء صاغرين.
{هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ} : أَضلونا وحملونا على عبادتهم.
كأنما يقولون: هم الذين يستحقون العذاب دوننا. وكل شيء يومئذ ينطق بإِذن الله فلهذا تكذبهم معبوداتهم من كل نوع كما حكى الله بقوله:
(1) أصل الاستعتاب طلب إزالة العتب والغضب ويكنى به عن سلب الرضا وبهذا فسر قوله تعالى: "ولاهم يستعتبون" بمعنى ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم.
(2)
سورة فصلت، الآية:461.
(3)
سورة التحريم، الآية:7.
{فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} : أي إنكم كذبتم فيما زعمتم أننا شركاء لله، كما كذبتم في دعائكم أننا أَضللناكم ورضينا بكفركم، أو فيما تقولتم في دنياكم من استحقاقنا للعبادة، وما أضللناكم ولكنكم أَضللتم أنفسكم وعطلتم عقولكم، وما كان لنا عليكم من سلطان.
87 -
{وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} :
وهذه خاتمة أحوال الكافرين يوم الدين: إنها خزيهم واستسلامهم.
والمعنى أَن المشركين استسلموا صاغرين بعد أن قامت عليهم الحجة وخاب أملهم في آلهتهم وضل سعيهم، وحقت عليهم الكلمة وباءُوا بغضب من الله.
{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} وغاب عنهم كل ما افتروه من شرك آلهتهم لله، وشفاعتها لهم عند ربهم، غاب عنهم كل هذا ولقوا ربهم بفضيحة كفرهم وخزى معاصيهم.
المفردات:
{صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : منعوا الناس عن الإيمان بدين الله.
{شَهِيدًا} : شهيد كل أمة نبيها، فهو شاهدها.
{هَؤُلَاءِ} : المشار إِليهم الأمم أَو الأنبياءُ، أَو الكفار من أمة سيدنا محمد.
{الْكِتَابَ} : القرآن. {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} : توضيحًا لأحكام كل شيء.
التفسير
88 -
{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
…
} الآية.
بعد أن ذكر سبحانه وتعالى استسلام الكافرين واعترافهم بكفرهم بين يدي أَحكم الحاكمين أَوضح جزاءهم في تلك الآية الشريفة.
والمعنى: أَن الذين كفروا بالله فلم يعترفوا بوحدانيته، وصرفوا الناس عن دينه الذي هو سبيله الأقوم.
{زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} : ضاعفنا عذابهم ضعفين، عذابًا بكفرهم وغيهم وضلالهم، وعذابًا بصدهم الناس عن الإيمان وحملهم إياهم على الكفر والفسوق والعصيان فاستحقوا أن يزادوا عذابًا.
{بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} : بسبب استمرارهم على الإِفساد وإصرارهم على الضلال، وفي الآية دليل على تفاوت العذاب في دركاته كما يتفاوت النعيم في درجاته.
89 -
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} :
واذكر أيها الرسول للناس يوم القيامة حيث نبعث في كل أمة شَهيدًا عليهم من أنفسهم، أَي من بينهم وجنسهم وبلغتهم لمعذرتهم.
وشهيد كل أمة نبيها، يشهد لها أَو عليها بما كان منها من الاستجابه له، أَو الإعراض عنه والصد عن سبيله كما تقدم بيانه.
{وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} : وأَحضرناك يا محمد يومئذ شهيدًا على أمتك هؤلاء، تشهد عليهم كما يشهد كل نبي على أمته، ويجوز أن يكون المراد من {هَؤُلَاءِ}: الأنبياءُ، فهم يشهدون على أممهم، وأنت يا محمد تشهد لهم بأنهم بلغوا ما أمروا بتبيلغه كما أخبرك به العليم الخبير في كتابه العزيز، أو جئنا بك يا محمد شهيدًا على الأمم بما لاقوْا به رسلهم من إِيمان وتصديق أَو إِنكار وتكذيب على ما أعلمك ربك.
وقد ورد في تفسير تلك الآية عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إنه قرأ سُورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حسْبُنا.
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} : أي وآتيناك القرآن مبينًا لأحكام كل شيءٍ من شئون معاش الناس ومعادهم، والبيان الذي جاء به القرآن للأحكام إما بإيراد نص فيها، أَوبالإِحالة على السنة كقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1). أَوبالإِحالة على الإِجماع حيث أَوجب الأخذ به وتوعد على مخالفته في قوله تعالىَ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2). أوبالإِحالة على القياس وذلك في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (3) فالاعتبار التَّبصُّرُ والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس فهذه أَربعة طرق لا يخرج عنها شىءٌ من أحكام الشريعة الإِسلامية، وكلها مذكورة في القرآن، فكان بحق تبيانًا لكل شيء.
{وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} : أَي وكان منشأ الهداية والرشد، كما أنه رحمة للمسلمين وبشرى لهم بحسن المصير وطيب المنقلب إلى ربهم؛ لأنهم أَسلموا وجوههم إلى الله، وأَحسنوا أقوالهم وأَعمالهم ونياتهم لربهم. {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (4).
المفردات:
{يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} : يأمر بالإنصاف وعدم الظلم. {وَالْإِحْسَانِ} : هوإتقان العمل وإِكماله.
{ذِي الْقُرْبَى} : المراد به صاحب القرابة طلقًا.
{وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ} : الفحشاء ما عظم قبحه قولًا أوفعلًا، ويكثر إِطلاقه على الزنى.
(1) سورة الحشر، من الآية: 7
(2)
سورة النساء، الآية، 115
(3)
سورة الحشر، من الآية: 22
(4)
سورة لقمان من، الآية: 22
(وَالمُنكَرِ): كل ما أَنكره الشرع من الذنوب والمعاصي.
(وَالبَغْي): وهو التطاول على الناس ظلمًا وعدوانًا.
التفسير
90 -
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
…
} الآية.
هذه الآية كما يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "أَجمع آية في القرآن للخير والشر ولو لم يكن فيه غيرها لكفت فى كونه تبيانًا لكل شيء وهدى ". أخرجه البخارى فى الأدب والحاكم وصححه ابن جرير واللفظ له.
وقد قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة. فقال له: يا ابن أَخى أعد على فأعادها عليه. فقال له الوليد والله إِن له لحلاوة. وإن عليه لطلاوة، وإن أَعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، وما هو بقول بشر، ولما سمعها أكثم بن صيفي من وفد قومه إِلى الرسول قال: إني أَراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مذامها. فكونوا فى هذا الأمر رءُوسًا ولا تكونوا فيه أَذنابًا، ذلك لأنها جمعت إجمالًا بين ما يجب عمله من الفضائل وما يتعين تركه من الرذائل، والعدل الذى يأمر به سبحانه خُلقٌ جامع لكل الفضائل من القول والعمل. يغرس فى الإنسان حب الاستقامة والمساواة، والرغبة فى طاعة الله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وإنصاف الناس من نفسه، وإِنصاف بعضهم من بعض وهذا الخلق يجعله إذا ما تصرَّف فى أَمر من الأمور أو تخلَّق بخلق يتوسَّط فيه بين الإفراط والتفريط، وقال سفيان بن عيينة العدل استواءُ السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا وكما يأمر سبحانه بالعدل ويدعو إليه. فإنه يأمر بالإحسان، وهو إحسان العمل وإتقان العبادة أَى الإتيان بها على الوجه المطلوب الذى يليق بها من حيث الإخلاص لله، وكمال العبودية له، ويشير إلى ذلك ما رواه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم:"الإحْسَانُ أن تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَم تكُنْ تَرَاهُ فَإنهُ يَرَاك" هذا بحسب الكيفية، وأَمَّا بحسب الكمية فبكثرة التطوع بالنوافل الجابرة لما قد يقع فى الواجبات من شائبة التهاون والنقص
أو بالاستزادة من كل ما يحقق للطاعة مراتب الكمال، ويجوز أن يراد به الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم، وأَسْمى درجاته على هذا المعنى، الإحسان إِلى المسيء مع التمكن منه والقدرة عليه، وقد أَمر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن الحكم المنسوبة إلى عيسى عليه السلام قوله:"إنَّمَا الْإحْسَانُ أنْ تُحْسنَ إلَى مَن أسَاء إِلَيْكَ. لَيْسَ الْإحْسَانُ أَنْ تحْسِنَ إلَى مَنْ أحْسَنَ إلَيك" أَخرجه ابن أبي حاتم عن الشعبى.
ثم يأمر سبحانه بصلة الأقارب حفاظًا على روابط الدم والنسب فيقول:
{وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} : أي أنه يأمر بصلة ذوى الأرحام. على أي درجة كانت قرابتهم، وذلك بإعطائهم ما يحتاجون إليه، لا فرق بين الأقربين منهم والأبعدين، ويشير إلى ذلك ما جاء في النص الكريم من طلب إعطاء ذى القرابة مطلقًا، ولو طلبها للأقرباء أو للأقارب أو للأقربين لم يفد التعميم؛ لأن هذه الصيغ تقيد الإحسان لأكثرهم قرابة، فلذا جيء بهذا النص الكريم ليعم ذوى القرابة مطلقا، والتصريح بإيتاء ذى القربى مع أنه داخل في الإِحسان الذي يأمر به الله سبحانه، للاهتمام بشأن صلة القرابة وإعطائها حق قدرها، وبعد أن ذكر سبحانه ثلاثة من المأمورات. أَتبعها بذكر ثلاثة من المنهيات فقال تعالى:
{وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} : أَي ينهاكم عن الفحشاء قولا وعملًا، والفحشاءُ: كل ما عظم قبحه من الذنوب ويكثر إطلاقها على الزنى، وكما ينهاكم عن الفحشاء ينهاكم عن جميع ما أنكره الشرع من المعاصي والآثام، وينهاكم أيضًا عن البغى على الناس ظلما وعدوانًا بانتهاك حرماتهم، واغتصاب حقوقهم.
{يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} : جملة مستأنفة لبيان الحكمة في تشريعات هذه الآية الكريمة التي تعتبر دستورًا لمكارم الأخلاق.
والمعنى: أَنه تعالى ينبهكم بما جاء في هذه الآية الكريمة، لكي تتعظوا فتسلكوا سبيلها وتعملوا بما جاء بها.
المفردات:
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} : العهد ما ألزم الإنسان به نفسه أو أَلزمه به غيره بموافقته، وعهد الله يعم كل تكليف من الله، ويدخل فيه البيعة على الإِسلام.
{وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ} : المراد من نقضها عدم الوفاء بها.
{كَفِيلًا} : شاهدًا أو رقيبًا. {نَقَضَتْ غَزْلَهَا} : حلَّته بعد فتله وإحكامه.
{أَنْكَاثًا} : جمع نِكْث على وزن حِمْلٍ وهو الصوف بعد حله.
{دَخَلًا بَيْنَكُمْ} : أي خديعة ومفسدة. {أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} : أَكْثَر منها مالا وأَعز نفرًا.
التفسير
91 -
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} :
لما ذكر سبحانه في الآية السابقة الأمور التي يترتب عليها إصلاح الفرد واستقرار الجماعة علي سبيل الإجمال. أتبع ذلك تفصيل بعض ما أجمل ليوضح لعباده معالم الطريق إلى الأمن
والسلامة فقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} أي التزموا الوفاء بكل عهد وبيعة لله تعالى، ويدخل فيها البيعة على الإِسلام، والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله سبحانه:{إِذَا عَاهَدْتُمْ} بعد قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} لتأكيد وجوب التزامهم بالوفاء، وذلك بتذكيرهم بأن هذا العهد قطعُوه على أنفسهم برغبة منهم واختيار.
{وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} : أي لا تحنثوا في الأيمان التي تحلفون بها عند البيعة وغيرها، ولا سيما الأيمان التي أَكدتموها بتكرارها وتنويعها.
{وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} : أَي رقيبًا يتكفل بوفائكم، حينما تعاقدتم، فلا سبيل لكم إِلى نقض العهد والحنث في الأيمان لأن الكفيل مراع لحال المكفول مهيمن عليه، فلا يستطيع الإفلات من قبضته، فكيف إِذا كان هذا الكفيل، هو الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض يعاقب الغادرين، ويثيب الأوفياء.
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} : من نقض المواثيق والعهود أَو الوفاء بها، وفي هذه الجملة تعليل للنهي عن نقض الأيمان، مشعر بالوعد على الوفاء والوعيد على الغدر.
92 -
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} :
أي ولا تكونوا في نقضكم لما تعقدون من عهود كالمرأَة الحمقاء التي كانت تغزل غزلها قويا متماسكًا ثم تنقضه من بعد ما أحكمته، تنقضه أنكاثًا أي طاقات، وذلك بفك أجزائه بعضها من بعض ونفشه لتعاود غزله وتلك حماقة لا تعدلها حماقة، ويراد من هذا التشبيه تقبيح حال النقض للعهد، بتمثيل الناقض له بحال هذه المرأة المعتوهة في أخس أحوالها، تنفيرًا منه وتقبيحًا له. حيث جعل في عداد حمقى النساء، والكلام من باب ضرب المثل، ولم يقصد به امرأَة معينة، كما قاله مجاهد وقتادة.
{تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} : الدخل في اللغة ما دخل في الشيء وليس منه، والمراد به هنا الغش والخديعة والمعنى: لا تكونوا في نقضكم للعهود مشابهين للمرأة التي سبق بيان شأنها، حال كونكم متخذين أيمانكم التي حنثتم فيها خديعة ومفسدة حيث جعلتموها وسيلة للغدر وعدم الوفاء وكان من حقها عليكم أَن تكون سبيلا إِلى أن تلتزموا بما عاهدتم الله عليه، والجملة مستأنفة على سبيل الاستفهام الإنكارى تقديرا. أي أتتخذون إيمانكم دخلا بينكم بمعنى لا ينبغي أَن يقع ذلك م
{أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} : أي لا تنقضوا العهود طمعًا فى التحالف مع جماعة هى أكثر مالًا وأَعز نفرًا، بدل جماعة أخرى أَقل منها وأَهون، كما كانت تفعل قريش، فكانوا ينقضون العهود مع حلفائهم، ويحالفون أعداءهم إذا ما رأَوا فيهم قوة ومنعة، قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون منْ هُو أكثر منهم وأعز نفرًا فينقضون حلف هؤُلاء ويحالفون أُولئك فنهوا عن ذلك اهـ - وعلى هذا تكون الآية تحذيرًا للمؤْمنين أَن يغترُّوا بكثرة قريش وسعة أموالهم، فينقضوا بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيًّا كان السبب فالآية قاعدة عامة تحض على الوفاءِ بالعهود.
والمعنى الإجمالي للآية: ولا تتخذوا أَيمانكم للخديعة والمكر، بأن تحلفوا للناس على ما عاقدتموهم عليه ليطمئنوا إليكم، ثم تغدروا بهم رغبة فى إِرضاءِ أُمة أقوى من الأُمة التى عاهدتموها، لتكون قوة لكم ومنعة بدلا منهم.
وإِذا كان الله سبحانه قد نهى عن الغدر والحالة هذه. فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة الذاتية بطريق الأولى.
{إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} : أَى إِنَّما يختبركم بكثرة أُمة عن أُمة، لينظر أَتتمسكون بعهد رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أم تخدعكم كثرة قريش وقوة شكيمتهم وقلة المؤْمنين وضعفهم حسبما يدل عليه ظاهر الحال. أو يختبركم أَيها المؤْمنون جميعًا بهذا التشريع فى عهودكم ومواثيقكم ليظهر ما تضمرونه من غدر أو وفاءٍ.
{وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} : فى الدنيا، فيجازى كل عامل على عمله خيرًا كان أَو شرًّا. وستجد كل نفس ما عملته محضرًا، لا تخفى منه خافية، وفى ذلك إشارة واضحة إِلى الإِنذار والتحذير.
93 -
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} : أى ولو شاء الله إِلْجاءَكُمْ على الإِيمان لجمعكم عليه وجعلكم أمة واحدة.
{وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} : أَي ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك حيث أضل فريقًا وهدى آخر، فأما الفريق الأول. فهو من استحب العمى على الهدى، وأما الفريق الثاني فهو من آثر الحق على الباطل، فقد اقتضت عدالته أَن يجعل لعباده اختيارًا، فمن اختار شهوات الدنيا على طاعة ربه. تركه وما يريد تبعًا لاختياره وإصراره، ومن
اختار رضا الله بالعمل الصالح سهَّل له ما أَراد تحصيله بدافع مما عنده من رغبة واختيار، وفي ذلك يقول الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
{وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : أَي وتأكدوا بلا شك أَنكم ستسألون جميعًا يوم القيامة سؤال محاسبة عن عملكم في الدنيا، لينال كل عامل جزاء عمله ثوابًا أَو عقابًا.
المفردات:
{الدَّخَل} : الغدر والمكر والخديعة ونحوها.
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} : زلَلُ القدمِ حسب اللغة زلقُها في طين ونحوه، ويُكنى به عن الوقوع في البلاء والمحنة بعد العافية والنعمة كما هنا {السُّوءَ}: المكروه.
{بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : بسبب إِعراضكم عن أَحكام دينه، في سبيله إلى الوفاء بالعهود والأيمان وسائر الفضائل. {ثَمَنًا قَلِيلًا}: عرضا قليلًا، {يَنْفَدُ}: يذهب ويفنى.
التفسير
94 -
{وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} الآية.
تحذير صريح من الله لعباده من اتخاد الأيمان دخلا أي خديعة، بعد تحذيرهم فيما سبق تلميحًا واستنكارا في قوله سبحانه:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} .. الآية قصدًا إلى المبالغة في قبح الغدر المنهي عنه، وللتمهيد لقوله سبحانه:
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} :
والمعنى: احذروا هذه الأيمان الكاذبة لئلا تحيد قدم عن سبيل الإِسلام بعد رسوخها فيه، وإفراد القدم وتنكيرها للإِشعار بأَن زلل أي قدم ذنب عظيم وإثم كبير، فكيف بالأقدام الكثيرة. وهو مثل يضرب لكل من كان على الطريق المستقيم فجانبه.
{وَتَذُوقُوا السُّوءَ} : إلى ما يسوءُكم من العذاب الدنيوى ومختلف المكاره.
{بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : بسبب إعراضكم عن دين الله وعدم الاهتمام بتعاليمه، أو بما تسببتم فيه من صد غيركم عن هذا الدين، لأَن الكافر إذا رأى المؤْمن قد عاهد ثم غدر أَو حلف فحنث أو نقض عهد رسول الله وارتد. لم يبق له وثوق بدين، وكان داعيا له إلى شدة الإعراض عن الإسلام.
{وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : أي ولكم في الآخرة عذاب لا يعلم مداه ولا يحيط بقدره إلا الله جل شأنه. لقاء ما اقترفتم من كبائر وسيئات.
95 -
{وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
…
}:
قيل المراد من عهد الله، بيعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الإيمان أو هو الآيات الداعية إلى إيجاب المحافظة على العهود والأيمان.
والمعنى: لا تستبدلوا به ولا تعتاضوا عنه. {ثَمَنًا قَلِيلًا} : أي تأخذوا بمقابل عهده سبحانه عرض الدنيا وزينتها، فإن هذا العرض مهما كثر في موازينكم فإِنه يكون ضئيلا بالنسبة إلى عطاء الله. أو هو عرض يسير في واقعه وحقيقته فلا يحل لأحد أن يتناوله، ويتخلى عن عهد الله الذي يجب الوفاءُ به، ويستحق الوفيُّ به عند الله أجرًا عظيمًا أَما عرض الحياة الدنيا فهو قليل وزائِل كما قال تعالى:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} . ويشار بالثمن القليل القليل إلى ما كانت تعد به قريش ضعفاء المسلمين للارتداد عن الإِسلام، وقال ابن عطية: هذا نهْىٌ عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الآخذ فعله. أو فعل ما يجب عليه تركه، وعلى ذلك فالمراد بعهد الله ما يعم ما سبق وغيره.
{إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ} : أي إِن الذي عند الله من نصر وتوفيق وثواب أخروى دائم.
{هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . من هذا الثمن القليل الذي يعدونكم به لإِغرائكم بنقض العهود، أَو الذي يصل إِليكم عن أَي طريق، في مُقابل ترك عهد الله والتخلى عنه.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} : أَي إن كنتم من أهل العلم والإدراك والفهم. فتدبروا التفاوت البين بين خيري الدنيا والآخرة. وبين ما يمقته سبحانه وما يرضى عنه.
96 -
{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ
…
}:
أي ما لديكم من خيرات الدنيا وطيباتها يذهب وينتهي مهما طال به الأَمد، وامْتدَّ به الزمن. وكثر منه العدد.
{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ باقٍ} : فهو يعطيكم من فيض رحمته. وخزائن نعمه التي لا نفاد لها ولا فناء لنعيمها في الدنيا والآخرة. أَما حصول ذلك في الآخرة فظاهر. وأما في الدنيا فلأن نعيمها موصولا بنعيم الآخرة ومستتبع له، ولهذا الارتباط كان النعيمان من الباقيات الصالحات، ومن هنا كان التعبير في الآية بلفظ {بَاقٍ} أولى من التعبير بلفظ يبقى لإِفادة الدوام والاستمرار.
{وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : أكّد سبحانه النص على منح الصابرين أَجرهم الخاص بهم بجملة القسم {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ} المعبر فيها بنون العظمة، لحفزهم على قوة الاحتمال والثبات على إِيذاء المشركين لهم، والصبر على مشاق التكاليف التي تنتظم احتمال الأذى في سبيل الوفاء بالعهود والبر بالأيمان.
والمعنى: ولنَجزينَّ الذين صبروا على مشاق التكالف الشرعية ومنها الوفاء بالعهد، - لنجزينهم - بحسب أَحسن اعمالهم. فيكون عطاؤُنا لهم جزاءً الأدنى من هذه الأعمال كعطائنا لهم جزاءَ الأعلى منها من الأجر الجزيل، تفضلا منَّا وكرمًا، وتلك عِدَة كريمة بغفران ما قد يعترى صبرهم على مشاق التكاليف من تفسير أَو قصور، فإن أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون يقتضي هذا التجاوز والغفران.
المفردات:
{حَيَاةً طَيِّبَةً} : يراد بها حياة هنيئة مرضية.
{قَرَأْتَ} : أَردت القراءَة. {الرَّجِيمِ} : المطرود من رحمة الله.
{سُلْطَانٌ} : تسلط وقهر. {يَتَوَلَّوْنَهُ} : يتخذونه وليًّا يتبعون أَمره.
التفسير
97 -
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} :
شروع في ترغيب المؤْمنين جميعًا وحثهم على كل عمل صالح. تدعو إِليه شرائع الإسلام وتعاليمه، إِثر ترغيب جماعة منهم في الثبات على العهد والاستمساك بما هم عليه من عمل صالح خالص مهما قدم لهم عن المغريات على نكثه.
والمعنى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى من المكلفين وهو مصدق تمام التصديق بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن أَعمال الكفرة لا اعتداد بها ، لا وزن لها مهما كان فيها من البر، وأوثرت الجملة الإِسمية في قوله {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لدلاتها على الدوام والاستمرار.
{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} : أَي فلنُعطينَّهُ في الدنيا ما تطيب به حياته من كل ما يتطلبه عيشه، من سعة في المال، وبركة في الصحة والعيال أو بما وهبناه من قناعة ورضا بما قسم له، وتوقُّعٍ للأجر العظيم في آخرته. وقيل: هي حياة الآخرة التي تكون في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر. وصحة بلا سقم. وسعادة بلا شقاوة. أخرج ابن جرير،
وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحدٍ إِلا فى الجنة، وقيل هى حياة البرزخ ففيها يشعر الميت بأنه من أهل السعادة أو من أَهل الشقاء، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر.
{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : أَي ولنجزينهم فى الآخرة جزاء موافقا لأحسن أَعمالهم حسبما نفعل بالصابرين الذين ذكر جزاؤُهم فى الآية التى سبقت.
وقد ذكر الجزاء هناك خاصًّا بالصابرين، وهنا عاما لبيان شموله لكل من يعمل عملا صالحا خالصا لوجه الله. وذلك لا يدع أى مجال لشائبة التكرار بين الآيتين حيث اختلف الغرض المقصود من كل منهما.
98 -
{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} :
بعد أن ذكر سبحانه أن أَساس الجزاء الموفور هو صلاح العمل واستقامته. جاءت هذه الآية لبيان ما يصان به العمل الصالح ويخلص من شوائب النقص أو الفساد.
والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاسأل الله سبحانه أن يعيذك ويحفظك من وساوس الشيطان المطرود من رحمة الله، والأمر بالاستعاذة منه للندب عند جمهور العلماء، وروى عن الثوري وعطاء أنه للوجوب، نظرًا لظاهر النظم الكريم، وهو مخالف للمنقول عن جمهور العلماء، والخطاب عام لكل مسلم يقرأ القرآن الكريم، وهذا هو الذى يقتضيه السياق، وقيل إِنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وتوجيه الخطاب إليه، على هذا الرأى، للتنبيه على أنها لغيره صلى الله عليه وسلم آكد، فإنه صلى الله عليه وسم مُحصَّن من الشيطان، ومع هذا فقد أُمر بالاستعاذة منه، فما ظنك بغيره، وصيغة الاستعاذة المأثورة هى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لتضافر الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ كذلك. وروى عن ابن مسعود أنه قرأ على النبى صلى الله عليه وسم: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له صلى الله عليه وسلم:" يا ابن أُم عبْدٍ: قُلْ أعُوذُ بِاللهِ مِن الشَّيطانِ الرَّجِيم. هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ" روى ذلك الثعالبى والواحدى.
99 -
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} :
أي أنه ليس للشيطان تسلط وتأثير على المؤْمنين المتوكلين على الله ربهم، حيث إن دعوته لهم إلى الشرك والمعاصي غير مستجابة، ووسوسته لا تؤثَر فيهم، لاعتصامهم بالإيمان المتين،
وإخلاصم العبادة لله رب العالمين، وتوكلهم عليه وحده في كل ما يعملون وما يتركون، واستعانتهم به على تحمل مشاق التكاليف ونزغات الشيطان، أو أنه كما قال الثورى: ليس له عليهم سلطان يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه.
100 -
{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} :
أي ما سلطانه وتأثيره وهيمنته وولايته، إلا على أتباعه الذين يطيعونه ويستجيبون لإغرائه ووسوسته إلى درجة الشرك، وهم بمعزل في غوايتهم هذه عن القهر والإكراه، فلو أصروا على عصيانه لنجوا من كيده، حيث يقول جل شأنه حكايته عن إبليس:{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} وفي ذلك يقول الله تعالى لإبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (1).
المفردات:
{بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} : جعلناها بدلا منها لإحلال حكم محل آخر.
(1) سورة الحجر؛ الآية: 42
(مفْتَرٍ): مختلق وكاذب. (روحُ القُدُسِ): جبريل عليه السلام، والقدس الظهر.
(يُلْحِدُونَ إلَيْهِ): يميلون إلَيْه من الإلحاد وهو الميل عن القصد. ومنه اللحْدُ لميل الشق فيه إلى الجنب. (أَعجَمِيٌّ): أَى أنه فى نطقه عجمة تتنافى مع الفصاحة القرآنية.
التفسير
101 -
{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} :
أي وإِذا أنزلنا من القرآن الكريم آية تفيد حكما جديدا، وجعلناها مكان آية فى شريعة سابقة تخالفها فى الحكم أَو جعلنا معجزة بدل معجزة كانت لنبى سابق.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} : على أنبيائه من أَحكام أو معجزات ويعلم وجه مناسبته لزمانه، فكل وقت من الأحكام والآيات ما يناسبه، فما يكون مصلحة فى زمن. قد يكون مفسدةً في زمن غيره، وما يكون معجزة لنبي مع قوم بعث إِليهم قد لا يتناسب مع آخرين ليحصل به التحدي والإفْحام.
وجملة {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} ذكرت اعتراضا بين الشرط والجواب لتوبيخ المشركين والتنبيه على فساد رأيهم، لأنهم لو أنصفوا أنفسهم لتركوا أمر ذلك إلى علم الحكيم الخبير.
وحكى شأنه جرمهم الذي اقترفوه عندما وقع التبديل، فقال تعالى:
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} : أي قال الكافرون مخاطبين الصادق الأمين: ما أَنت إلَّا مُتقولٌ على الله مختلق نسبة الأحكام إليه لأنك تنسخ أَحكاما جاءت فى الرسالات السابقة، مع أنها من عند الله، ولم يقولوا ذلك عن دراية {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: شيئًا أصلا فهم جهلاء أَغبياءُ أو لا يعلمون أن في التبديل حِكمًا بالغة.
وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم، لأن بعضهم كان يعلم يقينا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإِنما يصفه بالافتراء مكابرة وعنادا.
102 -
قل أَيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يصفونك بافتراء القرآن، قل لهم ليس هذا القرآن مفترى بل نزله روح القدس جبريل عليك بالحق من ربك الذى يحيطك بآثار ربوبيته، نزله عليك ليُثبت الذين آمنوا على الإيمان ويبعدهم عن ضلال العقيدة، لما فيه من الحجج والبراهين المطمئنة للقلوب، وليثبتهم على التصديق بأن النسخ فيه لمصلحة
البشر، وليهديهم إلى سبيل الرشاد، ويبشرهم بحسن الجزاء وكريم اللقاء، وفيه دليل على أن أَضداد الصفات المذكورة للمفترين من الكفار، فلهم خزي الدنيا وعذاب النار.
وإطلاق روح القدس على جبريل عليه السلام؛ لأنه ينزل بالقدس أي الطهر من الله، والمراد به الوحى الذى يطهر النفوس من الجهل والإثم، وقيل لطهره من الأدناس البشرية، فهُو من إِضافة الموصوف إلى صفته، فكأنه قيل: نزله الروح المقدس .. أي المطهر - كما يقال: حاتم الجود .. أي حاتم ذو الجود.
103 -
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} :
رد من الله سبحانه لفرية خبيثة أثارها كفار مكة حول محمد صلى الله عليه وسلم. حيث قالوا: إنه لا يعلمه هذا القرآن إلا بشر نعرفه، يريدون به غلامًا أعجميا كان يقرأ التوراة والإِنجيل ورأَى فيهما أَوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه بعد أَن تحقق من صفات النبوة فيه. ولقد كذبهم الله تعالى في زعمهم هذا بقوله جل شأنه:
{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} : أَي كلام الرجل الذي ينسبون إِليه تعليم الرسول، ويُميلون إليه فريتهم ما هو إِلا كلام أعجمي لا يفهمه عربي.
{وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} : أي وهذا القرآن الذي تدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعلمه من أعجمي، إنما هو كلامٌ عربي بلغ القمة في البيان والفصاحة والبلاغة، حتى عجزت العرب عن محاكاته، وهم على ما هم عليه بلاغة وفصاحة وقوة بيان، وعذوبة لفظ، وسلامة قول: بل لو اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لاستبان عجزهم، وظهر قصورهم، ولو كان بعضهم لبعض نصيرًا ومعينًا، فكيف تجعلونه من تعليم بشر أعجمي، وهو لا يمكن أن يصدر إلا عن واهب القوى والقدر جل وعلا.
104 -
{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} :
المراد بالآيات هنا القرآن الكريمُ، كما دلت عليه الآيات السابقة.
والمعنى: إن الذين لا يؤْمنون بآيات القرآن ولا يصدقون بأنها آيات الله وينسبونها تارة إلى الكذب والافتراء، وأخرى إلى أنها مُعلمة من بشر {لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ}: أي لا يوفقهم إلى طريق النجاة، لعلمه سبحانه أنهم ليسوا أهلا لذلك، لسوء حالهم التابع لسوء اختيارهم.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : في الآخرة لكفرهم بآيات الله، وإعراضهم عن هداه.
105 -
{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} :
ردّ لقولهم إنما يعلمه بشر، ببيان أن الذين ينسبون الافتراء والكذب إلى رسول الله ما هم إلا الذين اعتادوا الكفر بآيات الله وحججه الدالة على وحدانيته، فلا غرابة في تكذيبهم رسول الله المؤيد بآياته الواضحة في القرآن العظيم الذي أعجز
…
الجن والإنس، وظهر لهم عجزهم عن الإتيان بسورة مثله، وثبت بذلك أَنه منزل من عند الله، فهم بإنكارهم هذه الحقيقة يفترون على الله الكذب، حيث زعموا أَن ما هو كلام الله مفترى عليه، ولا يجرؤُ على افتراء الكذب وقلب الحقائق إِلا الكافرون الذين اعتادوا على تكذيب آيات الله وبراهينه أمثالهم. ويصح أن يكون المعنى: ما يفتري الكذب وينسبه إلى الله إلا الذين لا يصدقون بالبراهين والآيات الدالة عليه سبحانه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس منهم، فهو أكمل الناس علمًا بربه، وإيمانا بآياته الدالة عليه، وقد عرفتموه بينكم ودعوتموه بالصادق الأمين، فكيف يفترى الكذب على الله، كما نسبتموه إليه زورا وبهتانا.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} : أي أولئك الموصوفون بعدم الإيمان بآيات الله، هم المتناهون في الكذب، إذ لا كذب أشنع من تكذيب آيات الله والطعن فيها، مع وضوح أنها آياته وبراهينه سبحانه وتعالى.
المفردات:
{أُكْرِهَ} : أُجْبر على التلفظ بكلمة الكفر.
{اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} : آثروها على الآخرة فعملوا لها.
{طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : ختم عليها، والمقصود أنه حال بينها وبين الحق لإصرارها على الكفر.
{مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} : من طابت به نفسه.
{لَا جَرَمَ} : لا محالة، {فُتِنُوا}: امتحِنُوا وابتلوا.
التفسير
106 -
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} :
هذا ابتداءُ كلام. لبيان حال من كفر بآيات الله بعد إيمانه إثر بيان شأن من جحدها.
ولم يؤْمن بها أصلًا.
والمعنى: من جحد وجود الله أو أَنكر دينه الحق من بعد إيمانه، وسلوكه سبيل المؤْمنين فإِن الله يغضب عليه ويعذبه عذابا عظيما (1). ثم استثنى الله من هذا العقاب منْ أكره على الكفر بقوله:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} : أي إلا من أُرغم على الكفر بشيء يخشى منه على نفسه أو على عضو من أَعضائه. فكفر. وحاله في اطمئنان قلبه، وسلامة عقيدته لم تتغير، فلم يخالط يقينه أي شك أَو تردد فلا، يضره وهذا الكفر. بل هو في كنف الله ورعايته. {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}: أي لم يكن مكرها على الكفر. بل آثره واطمأنت إليه نفسه، وتفتَّح له قلبه. انشرح به صدره {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ}: أَي فينزل عليهم ويحل بهم غضب عظيم من الله. لا يدركون كنهه، وقد أَشعر إظهار اسمه الجليل في معرض الوعيد بشدة العذاب لهؤُلاءِ الكافرين المتعمدين للكفر.
وفي سبب نزول هذه االآية روىَ العوفِيُّ عن ابن عباس: أنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرها ، وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأَنزل الله هذه الآية، هكذا قال الشعبي وأَبو مالك وقتادة، وفي رواية ابن جرير. فشكا ذلك إِلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كيف تجد قلبك" قال مطمئنا بالإيمان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فَعُد".
107 -
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} :
الإشارة راجعة إلى وعيد من كفر بعد الإيمان. أَي ذلك الوعيد السابق. بإِنزال الغضب والعذاب العظيم عليهم منه تعالى بسبب إيثارهم الدنيا وزينتها وتعلقهم بمطامعها ومفاتنها وإِعراضهم عن الآخرة. إيثارا للعاجل الفاني. على النعيم الباقي.
{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} : أَي وذلك الوعيد أيضا بسبب أَن الله تعالى لا يهدي القوم الكافرين الإِيمان، على سبيل القهر والإلجاء؛ لأنه ثبت في علمه المحيط اختيارهم الكفر على الإيمان وإِصرارهم عليه، فلهذا لم يعصمهم من الزيغ، ولا مما يؤدي إِليه من إنزال الغضب عليهم. والعذاب العظيم بهم، فمن بعُد عن الله بعد اللهُ عنه وأَدناه من عقابه، ومن تقرب إلى الله قرب الله منه وأدناه من رحمته.
(1) هذا الجواب الذي قدرناه هنا مستفاد من قوله تعالى فيما سيأتي: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
108 -
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ .. } :
أي أولئك الموصوفون بما ذكرته الآيات السابقة من ألوان الكفر، وقبائح الأعمال، ختم الله على قلوبهم فصارت مغلقة لا تقبل الحق، وعلى أسماعهم فلم يعودوا يسمعون سماع فهم وتدبر كأَنهم صُمّ، وختم على أبصارهم فلا تحسن رؤْية ما يحيط بهم من عجائب الكون التى تتحدث بقدرة الخالق، ووحدانية المبدع جل شأنه. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}: أي وأُولَئِك هم الغارقون فى الغفلة البالغون غايتها ومنتهاها دون سواهم، إذ لا غفلة أقوى في آثارها من الغفلة عن تدبر العواقب الوخيمة، والتفكير فى المصالح العظيمة.
وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما. أنه قال: غافلون عما يراد بهم في الآخرة.
109 -
{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :
أَى لا محالة أَنهم هم الخاسرون فى أُخراهم، حيث ضيَّعوا أعمارهم فيما لا يفيد، وصرفوها فى اقتراف المعاصي والآثام التي تفضي بهم إِلى غضب الله عيهم، والخلود فى العذاب الأليم، وكان عليهم أَن يتجهوا إلى ما خلقوا له من توحيد الله وعبادته، وإلى كل عمل نافع لهم فى الدنيا والآخرة.
110 -
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} :
أي ثم إن ربك يا محمد نصير لمن هاجروا من دار الكفر إِلى دار الإِسلام من بعد ما فتنهم الكافرون وآذوهم بالعذاب لحملهم على الارتداد، ثم جاهدوا أنفسهم وصبروا على أذى معذبيهم، فلم يشكوا ولم يكفروا، بل ظلموا على سلامة عقيدتهم التى يخفونها ويضمرون التمسك بها.
والآية نزلت فى عمار وخباب ونحوهما ممن أُوذوا في سبيل الله.
وقرأ ابن عامر: {مِنْ بَعْدِ مَا فَتَنُوا} بالبناء للفاعل أي من بعد ما فتنوا غيرهم، أي من بعد عذب المشركون المؤْمنين كالحضرمي أَكْره مولاه جبْرًا على الارتداد ثم أسلما وهاجرا.
وأصل الفتْن إدخال الذهب فى النار لتمييز الجيد من الرديء. ثم أُطلق على البلاء وتعذيب الإنسان مجازًا، {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}: إِن ربك يا محمد من بعد ما فعلوه من الهجرة والجهاد فى سبيل الله والصبر على المشاق لعظيم المغفرة. يغفر لهم ما أُكرهوا عليه من كلمة كفر قالوها ليتقوا بها العذاب. ويغفر لهم غيرها من السيئات -إن ربك عن بعد
ذاك - لواسع المغفرة والرحمة فيتفضل بإثابتهم على ما صنعوا من هجرة وجهاد وصبر، من بعد فتنتهم وإيقاع العذاب بهم، وفي إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. إشارة إلى إظهار كمال اللطف به، والعناية بشأنه، مع الإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة ببركته عليه الصلاة والسلام لكونهم أتباعًا له صلوات الله عليه وسلامه.
المفردات:
{تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} : أي تدافع عن ذاتها بالاعتذار.
التفسير
111 -
{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا
…
} الآية.
لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة طرفا مجملا من طغيان المشركين، وقسوتهم في تعذيب الضعفاء من المؤْمنين - عقب ذلك بذكر الحساب على الأعمال:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (1) ودفاع كل إنسان عن نفسه، وأن كل مكلف ينال جزاء ما عمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
والمعنى: اذكر أيها المكلف من الناس - اذكر اليوم الذي تجيءُ فيه كل نفس تدافع عن ذاتها وتعتذر بشتى المعاذير جاهدة في خلاصها يشغلها إلا شأنها من شدة الكرب الذي يحيط بها، حتى تفِر من أقرب الأقربين إليها، كما قال الله جل شأنه:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)} (2).
ومن هول الكرب في ذلك اليوم، يقسم المشركون كاذبين، يقولون:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (3)، يتبرأ المتبُوعون والتابعون بعضهم من بعض، كما قال جل سلطانه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ
(1) سورة المطففين: الآية: 6
(2)
سورة عبس: الآيات: 34 - 37
(3)
سورة الأنعام، من الآية: 23
اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (1).
{وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} :
أي ويعطى الله تعالى في ذلك اليوم العظيم كل نفسٍ جزاء الذي عملته. وافيًا غير منقوص {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (2).
وضمير الجمع في قوله عز من قائل: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : عائد على كل نفس. أَي وكل النفوس التي يجزيها الله يوم القيامة لا يظلمون بزيادة في العقاب. ولا ينقص في الثواب، ولا تعاقب نفس ما بغير ذنب، ذلك لأن الذي يتولى الجزاء يومئذ، هو الحكم العدل اللطيف الخبير، الذي يقول وقوله الحق:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} (3).
وبالجملة فقد ختمت الآية بقوله سبحانه: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لتأكيد عدالة الله مع المقصرين في عبادته وغيرهم، فكل يأخذ جزاءه عادلا، ويضاعفُ أجر حسناته حسب كيفية أدائها، ويجازي سيئاته بمثلها.
المفردات:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} : المثل في هذه الآية ونظائرها، الحال أو القصة التي لها شأنٌ وفيها غرابة. وضرب المثل ذكره للاعتبار به.
(1) سورة البقرة، الآيتان: 166 - 167
(2)
سورة الزلزلة، الآيتان: 7 ، 8
(3)
سورة النساء، الآية: 40
(قَرْيَةً): المراد أَهل قرية. (رَغَدًا): واسعًا سهلًا.
التفسير
112 -
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
…
}:
أَشار الفخر الرازى فى ربط هذه الآية بما قبلها بقوله: اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد فى الآخرة هددهم أيضًا ببعض آفات الدنيا، وهي إصابتهم بالجوع والخوف كما ذكره فى هذه الآية: اهـ.
ولما كان هذا المثل ينطبق على أَهل مكة، ذهب كثير من المفسرين إلى أَن القرية فى الآية الكريمة هى مكة، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما. وقال ابن كثير: هذا مثلٌ أُريد به أَهل مكة فإِنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، وكان يجبى إليها من ثمرات كل شيء فكفرت بأنعم الله وأعظمها بعثة محمد إليهم، فعوقبت بالجوع والخوف: اهـ. بتصرف، ويشارك أهل مكة فى انطباق المثل عليهم كل من حذا حذوهم وسار سيرتهم إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بالقرآن حجة بالغة، وعظة ناطقة.
والمعنى: وجعل الله تعالى مثلا قرية كانت ذات أمن وسلامة من كل مَخُوف، لا يهيج أهْلَها أحدٌ بإغارة أَو اعتداءٍ عليها، وكانت (مُطْمَئِنَّةً): ساكنة قارَّة، لا يزعج أَهلها مزعج، ولا يرتحل عنها أَحد بسبب جوع أو خوف. يسوق الله إليها أَقواتها واسعة سهلة من كل بلد، وتحمل إليها من كل مكان برًّا وبحرًا (1).
أي جحد أَهل هذه القرية نِعم الله عليهم فقابلوها بالكفر بدل الشكر، وبالمعصية بدل الطاعة فعاقبهم الله بعقاب من الجوع والخوف تمكن منهم، وأحاط بهم إِحاطة اللباس بلابسه، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والمعاصي.
والتعبير عن سيئاتهم بقوله سبحانه: (بِمَا كاَنُوا يَصْنَعُونَ). للإيذان بأَن كفران النعم صار صناعة لهم وخلقًا راسخًا فيهم.
(1) والتعبير عن هذه الصيغة بالفعل المضارع (يأتيها رزقها) لإفادة أن أرزاقها متجددة وأما كونها آمنة مطمئنة، فهو ثابت مستمر، فلذا عبر عنه بالاسم المفيد للدوام والاستمرار.
ومن تتمة المثل قوله تعالى:
113 -
{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} :
فقد جيءَ به لبيان أن ما صنعه أهل تلك القرية من الكفر بأَنعمه سبحانه، لم يكن امتهانًا للعقل وتحقيرًا له فقط، بل كان كذلك معارضة لرسولهم، أى ولقد جاء أهل تلك القرية رسول من أنفسهم، هم أدرى الناس بأصله ونسبه وخُلُقه، يخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وينذرهم سوءَ عاقبتهم إن لم يفعلوا عن الكفر والمعصية، ففاجأُوه بالتكذيب من غير تروٍّ ولا تدبر، ثم استمروا فى كفرهم وعنادهم إِلى أن حلَّ بهم عذاب الله بالجوع والخوف وهم متلبسون بالظلم واغلون فيه.
وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى. وهى أنه لا يعذب من كفر به حتى يبعث إِليهم رسولا يحذرهم عاقبة كفرهم، ويرشدهم إلى آيات ربهم وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (1).
ولقد تم المثل بعذاب القرية الظالمة، وظهر جَلِيًّا أن حال أهل مكة أشبه بحال تلك القرية، في السوء واستحقاق العذاب، فقد كانوا فى حرم آمن، ويُتَخطَّف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف والفزع، وكانت تجبى إِليهم فيه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه سبحانه، استجابة لدعوة خليله إِبراهيم عليه السلام، إِذ قال:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (2).
ولقد جاءهم رسول من أَنفسهم هو أَعظم الناس خُلُقًا وأَكرمهم معدنًا ونبلا، نشأَ بينهم زكيًّا نقيًّا حتى سموه الأمين، قبل أَن يرسله ربه رحمة للعالمين.
دعاهم رسول الله إلى الله، وأنذرهم. وحذرهم: ولكنهم آذوهُ وكذبوه، واستمروا فى تكذيبهم عنادًا وكبرًا، حتى أخرجوه وأَصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
هنالك انتقم الله منهم واستجاب دعاء نبيه فيهم إذ قال: "اللَّهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف": فأصابتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع والجهد (3).
(1) سورة الإسراء، من الآية:15.
(2)
سورة البقرة، من الآية:126.
(3)
اقتباس من حديث البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، في تفسير سورة الدخان.
المفردات:
{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} : أَي وما ذكر اسم غير الله تعاد عليه: وسُمِّى الذكر على الذبيحة إِهلالًا لأنهم كانوا يرفعون به أصواتهم.
{غَيْرَ بَاغٍ} : أي غير ظالم لغيره.
{وَلَا عَادٍ} : ولا متجاوز ما يسد رمقه ويدفع جوعه.
التفسير
114 -
{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا
…
} الآية.
الظاهر أن الخطاب في هذه الآية لمن ضرب لهم المثل من كفار مكة وأَمثالهم كما قدمنا، لأنه هو الذي يقتضيه النظم الكريم، فهو مفرَّع على التمثيل السابق، وصادٌّ لهم عما يؤدى إِلى مثل عاقبته.
والمعنى: وإذ تبين لكم حال من كفر بأنعم الله وكذب رسوله، وما حل بهم - بسبب ذلك من العذاب فانتهُوا عما أنتم عليه من الكفر والتكذيب، والتحليل والتحريم بأهوائكم، وكلوا مما رزقكم الله في أَرضه من الأنعام والحرث حال كونه حلالًا لا حرمة فيه ولا إثم، طيبًا لا تعافه النفوس الكريمة.
{وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} : بطاعته وطاعة رسوله.
والفاءُ في المعنى داخلة على الأمر بالشكر، وإِنما أُدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل وسيلة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله عقب أكلها، واعرفوا لها حقها، ولا تقابلوها بالمعصية والكفران.
{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} :
أي إن كنتم تعبدون الله كما تزعمون، فأطيعوه فيما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه: ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ولا تفتروا على الله الكذب بتحريم البحائر والسوائب ونحوها.
وقيل إن الخطاب في الآية الكريمة للمؤْمنين، وهو مروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه اقتصر ابن كثير.
ومعنى الآية على أن الخطاب فيها للمؤمنين خاصة:
وإذ تبين لكم أيها المؤمنون حال من ضُرب لهم المثل من الكفار وما انتهوا إليه. فاسلكوا أنتم سبيل الشكر، وكلوا بما رزقكم الله وجعله لكم حلالا طيبا، ولا تحرموه على أنفسكم، واشكروا نعم الله عليكم بطاعته وطاعة رسوله، إن كنتم تخصون الله ربكم بالعبادة، كما هو مقتضى إيمانكم به وحده.
ويجوز أن يكون الخطاب في الآية الكريمة للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم. فيشمل القولين السابقين، وهو مناسب لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (1).
ولعل هذا هو مراد شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى إذ قال: يقول تعالى ذكره: (فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم - كلوه - حلالًا طيبا مُذكَي بريئًا من الإثم، واشكروا الله علي نعمه التي أنعم بها عليكم، من ذلك من غيره من النعم، إن كنتم تعبدون الله وحده فأطيعوه فما يأمركم به وينهاكم عنه) اهـ بتصرف يسير.
ولما أمرهم الله تبارك وتعالى أن يأكلوا مما أحل لهم من رزقه ناسب أن يبين ما حرم عليهم ليعلموا أن ما عداه حلال طيب، وأن التحلل والتحريم بأمره سبحانه لا بأهوآئهم فقال:
(1) سورة البقرة، الآية: 168
115 -
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
…
} الآية.
أي ما حرم الله عليكم من المطعومات إِلا هذه الأصناف الأربعة، التي حرمها لمصلحتكم دينًا ودنيا:
أولها: (الْمَيْتَة) على أيِّ نحوٍ كان موتها، وهي كل ما لم يُذكَّ ذكاة شرعية.
ويستثنى من الميتة السمك والجراد فقد أُحلت ميتتهما، لما أخرجه ابن ماجه والحاكم وغيرهما من حديث ابن عمر رضى الله عنهما مرفوعًا:(أُحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطُّحال).
وثانيها: (الدَّم) والمراد به الدم المسفوح، كما جاء صريحًا فى قوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} (1).
وإِنما حرم الدم المسفوح: لأنه يحتوى على جراثيم الأمراض، ويسرع إليه الفساد، بخلاف المعقود وهو الكبد والطّحال، ولذا يحل أكله إذا كان من حيوان مذكًّى.
وثالثها: (لَحْمُ الخِنْزِيرِ) فإنه قذر، وأشهى الغذاء إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة منها. وأكل لحمه من أسباب الدّودة الشريطية الفتاكة: ومثل لحمه شحمُه وغضاريفه فإِن جميع أَجزائه قذر نجس ولو ذبح.
ورابع هذه المحرمات: (مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بهِ) أى ما ذكر اسم غير الله تعالى عليه.
حرمت الثلاثة الأُولى لخبث ذاتها، وحرم ما ذكر اسم غير الله تعالى عليه لخبثه معنًى، فقد ذكر عليه عند ذبحه اسم غير خالقه المنعم به.
والمراد بغير الله تعالى: ما يشمل الأصنام وغيرها من المعبودات.
وذهب جماعة من التابعين وأَهل العلم، إلى أن المراد بما أُهل لغير الله به: ما ذبح للأَصنام، لا ما ذكر عليه اسم المسيح أو عُزَير، لقوله تعالى في سورة المائدة -وهي من آخر السور نزولًا-؛ {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}. فالمراد بطعام الذين أُوتوا الكتاب: ذبائحهم، كما روى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما، أمَّا مطلق الطعام كالخبز والفاكهة فإنه يحل من أيِّ كافر كان بالإجماع. قال الآلوسي فى تفسيرها:
(1) سورة الأنعام، من الآية:145. والدم المسفوح هو المصبوب السائل من الحيوان.
واختلف العلماءُ فى حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم عزير والمسيح، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تحل، وهو قول ربيعة؛ وذهب أَكثر أهل العلم إلى أَنها تحل، وهو قول الشعبي وعطاء، قالا: فإِن الله قد أَحل ذبائحهم وهو أَعلم بما يقولون؛ وقال الحسن: إِذا ذبح اليهودى والنصراني فذكر اسم غير الله تعالى، أَنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله تعالى لك. اهـ.
وإلى هذا الرأْي نذهب. فلا نرى أكل ما علمنا أن اسم غير الله ذكِر عليه عند ذبحه، ولو كان الذابح كتابيًّا، هذه المحرمات الأربع المحصورة فى هذه الآية. هي نفسها المحصورة فى آية البقرة وفى آية الأنعام. وأما ما زاد على هذه الأربع فى قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
…
} الآية (1) فإِنه مندرج فيها فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية. والنطيحة، وما أكل السبع - داخلة في الميتة، وما ذبح على النصب داخل فيما أُهل لغير الله به.
وبهذا تبين أنه تعالى حصر المحرمات -في الأَصناف الأربعة- فى هذه السور الأربع: فى العهد النبوي الكريم مكيَّة ومدنية؛ فإِن سورتي الأنعام والنحل مكيتان، وسورتي البقرة والمائدة مدنيتان. والمائدة من آخر ما نزل. وفي إعادة البيان قطع للأعذار، وإزالة للشُّبه.
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
أي فمن دعته الضرورة الملحة إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، غير ظالم لمضطر آخر، ولا متجاوز قدر الضرورة وسد الرمق (2)، فإِن الله واسع الغفران، شامل الرحمة، فلهذا يرفع عنه الإِثم لاضطراره ويرحمه ولا يعاقبه - وقد صرحت آية البقرة برفع الإثم فى مثل هذه الحالة وذلك فى قوله تعالى:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3).
هذا، واستُدل بالآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. على اعتبار أن الآية خطاب لجميع المكلفين: مسلمين وكافرين.
(1) سورة المائدة، من الآية:3.
(2)
أجاز مالك للمضطر إلى أكل الميتة أن يشبع منها ولا يقتصر على ما يسد به رمقه.
(3)
سورة البقرة من الآية: 173.
المفردات:
{لَا يُفْلِحُونَ} : أي لا يفوزون بمحبوب. ولا ينجون من مكروه.
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ} : أي انتفاع قليل لا يدوم.
التفسير
116 -
{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ
…
} الآية.
لما حصر الله تبارك وتعالى المحرمات في الأصناف الأربعة التي ذكرت في الآيات السابقة جاءَ بهذه الآية لتأكيد ذلك الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء.
والمعنى: ولا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم - لا تقولوا الكذب في شأن حل أكلها وحرمته، كقولكم - فيما حكاه الله عنكم -:{مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} (1): وغير ذلك من أَقاويلكم الباطلة التي لا دليل لكم عليها في وحى الله وشرعه، ولكنها ناشئة عن الهوى والكذب على الله عز وجل.
أو المعنى: ولا تقولوا شأن البهائم هذا حلال وهذا حرام عند الله، لكي تصف ألسنتكم الكذب بذلك القول، فإنه دعوى من غير حجة ولا بينة، فإذا حكته ألسنتكم فقد صورت الكذب بصورته وأوضحته على حقيقته.
وقوله تعالى: {لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : معناه أَن قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بدون حق. عاقبته أنكم تفترون على الله الكذب ، وتقولون عليه ما لم يقل، وتلك كبيرة الكبائر.
(1) سورة الأنعام، من الآية: 139
وخلاصة المعنى: لا تقولوا في شأن الذبائح والأطعمة برأيكم تحلون وتحرمون دون علم أو وحي، فإن قولكم هذا هو الكذب؛ إذ لا سند له ولا دليل عليه.
ثم توعد المفترين على الله الكذب عامة فقال:
{إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} : أَي لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، اللهم إلا بانتفاع قليل زائل في هذه الدنيا الفانية، كما قال تعالى:
117 -
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :
أي متاعهم في هذه الدنيا بنعيمها وزخرفها متاع ضئيل زائل لا يعتد به، ولهم في الآخرة عذاب شديد الإِيلام، كما قال سبحانه:{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (1).
ويدخل في هذا الوعيد الشديد كل من أَحل ما حرم الله، أو حرم ما أَحل الله، بمجرد رأيه وهواه. ومن هنا كره كثير من السلف - ومنهم مالك - أن يقول المفتى: هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه ، أَو رسوله صلى الله عليه وسلم. ويقال في المسائل الاجتهادية: إني أَكره كذا وكذا، أَو نحو ذلك، فهو أَبعد من أَن يكون فيه توهم الافتراء على الله عز وجل.
قال ابن كثير: ويدخل في هذا كل من ابتدعَ بدعة ليس له فيها مستند شرعى. اهـ.
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" أي فإِثْمُهُ عليه، وعمله مردود عليه.
ثم يبين الله تعالى ما حرمه على اليهود دون غيرهم فقال سبحانه:
(1) سورة يونس: الآيان: 69، 70
المفردات:
{هَادُوا} : أَي اعتنقوا اليهودية ودانوا بها.
التفسير
118 -
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
…
} الآية.
والمعنى: وعلى أمة اليهود خاصة دون سائر الأمم. حرمنا ما قصصاه عليك أيها الرسول، من قبل نزول هذه الآية، وذلك قوله تعالى في سورة الأنعام:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (1) اهـ. وقوله تعالى في سورة النساء: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)} (2).
دلت الآيتان في سورتي الأَنعام والنساء كما نبهت إليها هذه الآية من سورة النحل، على أَن هذا التحريم إِنما كان بسبب ظلمهم وعصيانهم. وكانوا يقولون: لسنا أَول من حُرِّمت عليهم هذه الطيبات، وإِنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومنْ بعْدهما حتى انتهى الأَمر إِلينا. فكذبهم الله تعالى.
وقد نفى سبحانه ظلمه إِياهم؛ لأَنه هو الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وصدق الله إذ يقول:
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} : بذلك التحريم الذي كانوا هم السبب فيه.
{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : حيث جنوا عليها بالكفر والمعاصي، فعوقبوا دون سواهم بالحرمان من الطيبات بسبب ظلمهم لأَنفسهم.
وفي الآية تنبيه على أن التحريم كما يكون دفعًا للمضرة، يكون للعقوبة.
(1) الآية: 146
(2)
الآية: 160
المفردات:
{السُّوءَ} : لفظ جامع لكل قبيح؛ من كفر ومعصية وإيذاء ويشمل الافتراء على الله عز وجل.
{بِجَهَالَةٍ} : أي بِسُوء معرفة باللهِ تعالى وشديد عقابه، أو بطيش وغفلة وسفه.
التفسير
119 -
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا
…
}.
لما هدد الله تعالى المشركين بالعقوبة على قبائحهم من ضروب الكفر والمعصية، بين في هذه الآية أَن قبائحهم - وإن عظمت وطال أمدها - لا تحول دون قبول التوبة منهم والفوز بمغفرته ورحمته سبحانه إذا رجعوا إليه وأنابوا وأصلحوا.
والمعنى: ثم إن ربك يا محمد للذين عملوا القبائح بجهالة وسوء معرفة بالله تعالى وشديد عقابه؛ أو غير متدبرين في العواقب، لغلبة الشهوة والغفلة عليهم، ثم أقلعوا عن سوء ما عملوه تائبين نادمين، وأصلحوا أَعمالهم واستقاموا على التوبة.
{إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} :
أي إن ربك يا محمد من بعد التوبة عن عمل السوء مع الإقبال على الصلاح - إن ربك من بعد ذلك لعظيم المغفرة للتائبين المصلحين، واسع الرحمة بهم، يثيبهم على الطاعة فعلا وتركًا، فضلا منه وإحسانًا.
وتكرير قوله: "إنَّ رَبكَ" لزيادة تأكيد الوعد، وإظهار كمال العناية بإنجازه ، وللترغيب في التوبة النصوح الصادقة، فهي التي يتقبلها الله عن عباده، وفي إضافة لفظ
(رب) إِلى ضميره صلى الله عليه وسلم إِشارة كريمه إِلى كمال اللطف به صلى الله عليه وسلم، ثم بالتائبين الصادقين. حيث تشير إلى أنه تعالى أكرمهم بسببه، لأنهم من أتباعه.
المفردات:
{كَانَ أُمَّةً} : الأمة، الجماعة الكثيرة، والمراد أَنه كان بمنزلة أمة في الإيمان باللهِ وعبادته حيث كان رائد التوحيد في أُمة مشركة ولم تلن له قناة.
{قَانِتًا لِلَّهِ} : أَي مطيعا خاضعًا لله سبحانه وتعالى، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع.
{حَنِيفًا} : أي مائلا عن الباطل إِلى الحق، من الحنِفِ وهو الميل.
{اجْتَبَاهُ} : أَي اختاره واصطفاه.
التفسير
120 -
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :
لما أبطل الله تعالى في هذه السورة مذاهب المشركين: منَ ادعائهم الأنداد والشركاء له سبحانه وتعالى، وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافترائهم الكذب على الله في
التحليل والتحريم، مع قولهم نحن على ملة أبينا إبراهيم، جاءَت هذه الآية للثناء على إِبراهيم ووصفه بصفات تدل دلالة قاطعة على أنه عليه السلام، بريءٌ من الشرك والمشركين وأنهم أعق الأبناء لأَكرم الآباء.
المعنى: إن إبراهيم كان أمة أي بمنزلة جماعة عظيمة في الإيمان باللهِ وحده والإِخلاص له في العبادة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان عنده من الخير ما كان عند أمة اهـ: وذلك لاستجماعه من الخيرات والفضائل ما لا يكاد يوجد إلا متفرقا في أمة عظيمة.
ليس على الله بمستنكر
…
أن يجمع العالم في واحد
فهو إمام الموحدين ، وقدوة أَهل اليقين، نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامه، وخفض رايات الشرك وحطَّم أصنامه، وبذل نفسه وأسلم وجهه لله رب العالمين. وقال مجاهد: سمِّى عليه السلام أُمة، لانفراده بالإيمان في وقته مدةً ما. وفي صحيح البخاري ومسلم أنه قال لامرأته: يا سارَّة، ليس على وجه الأرض مؤْمن غيري وغيرك ..
{قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :
أي مطيعًا لله سبحانه، مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق غير زائل عنه.
{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} في أَمر من أمور دينهم، صرح بذلك مع ظهوره للرد على كفار قريش في قولهم: نحن على ملة أبينا إبراهيم، وزعمهم أَنه عليه السلام كان علي ما هم عليه.
121 -
{شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} :
أي كان إبراهيم عليه السلام شاكرًا لنعم ربه كلها عليه، لم يخلَّ بشكر نعمة منها قولًا أو عملا. وفي هذا تعريض بالمشركين، وإيذان بأنهم في شركهم باللهِ وإسنادهم النعم لشركائهم ليسوا على منهاج أَبيهم إِبراهيم عليه السلام.
{اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} :
أَي اختاره ربه واصطفاه، وهداه إِلى الطريق الموصل إِليه سبحانه وهو الإِسلام: دين الله الذي أَرسل به جميع رسله قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (1). وقال سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (2).
وإجتباءُ الله للعبد: تخصيصه إِياه بفيض إِلهي يحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي ولا اجتهاد، ويكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام خاصة، وقيل يكون لهم ولمن على سنتهم من الصديقين.
وهداية الله ولإبراهيم عليه السلام، كان لها أثران عظيمان: أحدهما في نفسه، والثاني في قومه، حيث دعاهم إلى دين الله وأَرشدهم إلى آيات ربه.
122 -
{وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
…
} الآية.
أَي أعطيناه في الدنيا نعمة حسنة إذ جعلناه قدوة لجميع أَهل الأَديان السماوية، وأَورثناه ثناءهم عليه وحب الانتساب إليه، تحقيقًا لدعائه عليه السلام إذ قال:{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (3). وللعلماءَ أَقوال في تفسير الحسنة التي أَعطاها الله خليله إبراهيم في الدنيا فعن الحسن - أَنها النبوة وقيل هي الأولاد الأَبرار على الْكِبر، والمال الكثير ينفقه في وجوه الخير والبر؛ والعمر الطويل في السعة والطاعة، وقد من الله عليه بكل ذلك في الدنيا.
والانتقال إِلى ضمير المتكلم في قوله سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} . لإِظهار الاعتناء بشأنه، وتفخيم مكانه عليه السلام.
{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} :
أي داخل في عداد إخوانه المرسلين، الكاملين في الصلاح، ذوى الدرجات العلا، تحقيقًا لدعوته إِذ قال:{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (4).
(1) آل عمران، من الآية: 19
(2)
الثورى، من الآية: 13
(3)
الشعراء، الآية: 84
(4)
الشعراء، الآية.: 83
ولما أثني الله على خليله هذا الثناء العظيم، قال لخاتم النبيِّين صلوات الله عليه وعليهم:
123 -
وملة إِبراهيم عليه السلام، هي الإِسلام المعبر عنه آنفًا بالصراط المستقيم، والمقصود بها: العقائد وأصول شريعته، فمحمد صلى الله عليه وسلم مأمور باتباعها دون فروعها فإنها خاصة بأمة أبراهيم عليه السلام، وكل رسالة تشترك غيرها في العقائد والأصول العامة، وتختص بفروع من الشريعة تناسب عصرها واستعدادها. وذلك هو المقصُود بقوله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1).
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} تكرير لما سبق من قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} لزيادة التوكيد والتقرير. ولتنزيهه عليه السلام عما. كانوا عليه من عقائد الشرك والضلال المبين.
المفردات:
{جُعِلَ السَّبْتُ} : المراد؛ فرض تعظيم يوم السبت وتقديسه.
التفسير
124 -
{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
…
} الآية.
كان اليهود يزعمون أنَّ تعظيم يوم السبت والتخلي للعبادة فيه من شعائر ملة إِبراهيم عليه السلام، وأَنه كان من المحافظين عليه - فكذبهم الله تعالى، وبين أَنه لم يشرع ذلك
(1) سورة المائدة، من الآية: 48
التعظيم إِلا لبني إِسرائيل في رسالة موسى، بعد إِبراهيم عليهما السلام بمدة طويلة كما سيأتي بيانه.
والمعنى: ما فرض الله تعالى تقديس يوم السبت بالتخلى للعبادة فيه، إلا على الذين اختلفوا في تقديسه على نبيهم، حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فاختاروا السبت، وهم اليهود، أخرج الشافعي في الأم، والشيخان في الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أَنهم أوتوا الكتاب من قبلنا (1) ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد".
وقيل إن موسى عليه السلام لما جاءهم بتعظيم الجمعة اختلفوا فيما بينهم، فأبى أكثرهم إلا السبت، وقالوا إِنه اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض، ورضيت شرذمة منهم بالجمعة، فأذِن الله تعالى لهم بالسبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه؛ وهكذا شددوا على أَنفسهم فشدد الله عليهم.
وقد أطاع فريق منهم فكانوا لا يصيدون يوم السبت، وعصى أكثرهم فكانوا يصيدون فيه، فأَبغضهم الله ولعنهم، وجعلهم في خِسة القردة، قال تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (2). وقال سبحانه: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (3).
(1) في إحدى روايات الشيخين زيادة (وأوتيناه من بعدهم) والحديث رواه النسائي أيضًا.
(2)
البقرة، الآية:69.
(3)
الأعراف، الآية: 166 وقد قدمنا في بيان المراد من قوله تعالى "كونوا قردة خاسئين" أنه إما علي الحقيقة وأن الله تعالى حولهم قردة وإما أنه مجاز عن مسخ قلوبهم وصرفها عن الخير. راجع الوسيط في تفسير الآية 65 من سورة البقرة، ط ثانية.
ثم جاء عيسى عليه السلام بتعظيم الجمعة. كذلك، فاختلف عليه النصارى، وأبوا إلا الأحد، وكأنهم إنما اختاروه لأنه مبدأ الخلق عندهم.
ثم جاءَ بتعظيم يوم الجمعة خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - لخير أمة أخرجت للناس، فهداهم الله له. ففازوا بفضيلته، وحماهم الله تبارك وتعالى من الاختلاف فيه، ولله سبحانه الحمد والمنة.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} :
الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يصلح للخطاب، أي وإن ربك سيقضي يوم الجزاء الحق بين المختلفين على نبيهم، أو المختلفين فيما بينهم، فيجازى كُلا بما يستحقه من الثواب والعقاب.
المفردات:
{سَبِيلِ رَبِّكَ} : أي طريق ربك الموصل إِلى مرضاته، وهو الإسلام.
{بِالْحِكْمَةِ} : أي بالمقالة الحكيمة وهي الحجة الموصولة لليقين.
{الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} : أي النصيحة الجميلة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل.
{وجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} : أَي وراجعهم بالطريقة التي هي أحسن في إظهار الحق.
التفسير
125 -
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
…
}:
بعد أَن أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم حنيفا - بين له في هذه الآية طريق الدعوة إليها.
والمعنى: ادع أيها الرسول جميع المكلفين الذين بعثت إليهم. ادعهم إلى الإِسلام، بالحجج المزيلة للشبهة، الموصلة إلى اليقين، وبالنصائح الجميلة المرغبة في الحق والخير، المنفِّرة من الباطل والشر، ومن جادلك منهم فجادلهم بأحسن طرق المراجعة والمجادلة، أَي باللين والرفق، كما راجع إِبراهيم أباه وقومه، وكما حاجّ الطاغية الذي آتاه الله الملك (1).
وإنما لم يقل: ادع إِلى سببيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هي أَحسن لأن الجدال ليس طريقًا أصيلًا في الدعوة إلى الله عز وجل، وإِنما يكون عند المراجعة والمحاورة بقصد إظهار الحق والرجوع إليه والطمأنينة به، لا لقصد إفحام الخصم وغلبته، كما يتبع ذلك بين أهل الجدل والخصومة.
ذلك بأن منهج القرآن الحكيم في دعوته وهدايته، قائم على الحجج القاطعة، والنصائح الرشيدة الهادية، في كل ما دعا إليه، وما جاءَ به .. من وحدانيته تعالى وقدرته، وبعثه الناس ليوم لا ريب فيه {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (2).
(1) إشارة إلى الآية الكريمة رقم 258 من سورة البقرة.
(2)
سورة النحل، الآية 111.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} :
هذا إعلام من الله تبارك وتعالى، بأن ليس على الرسول إلا البلاغ بالطريقة التي بيَّنها له، فأما ما وراء ذلك من حصول الهدى والضلال، والجزاء عليهما، فإِلى الله تعالى وحده، فإِنه هو العليم بمن يبقى على الضلال، وهو العليم بمن يهتدى إِلى ربه، فيجازى كلا بما يستحقه، طبقًا لما اختاره لنفسه.
وتقديم الضالين في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} لأَن الكلام فيهم، وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث، لأن الضلال تغيير لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وذلك أَمر عارض، بخلاف الاهتداء فإنه ثبات على الفطرة، فلذا جىء به على صيغة الاسم المنبىء عن الثبات، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، من اللطف والعناية.
التفسير
126 -
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ
…
} الآية.
سبب النزول:
عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأَنصار أَربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة رضي الله عنه، فمثلوا بهم، فقالت
الأنصار: لئِنْ أَصبنا منهم يوما مثل هذا لنرْبيَنَّ عليهم في التمثيل، فلما كان يوم الفتح نزل:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية. فقال رجل .. لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كفوا عن القوم إلا أَربعة .. أخرجه الترمذي.
وفي رواية عن أُبيٍّ أَيضا .. "
…
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. نصبر ولا نعاقب" والآية - بناءً على هذا السبب نزلت .. في فتح مكة، وتسمى مدنية على الأرجح وهو أَن كما ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة وقال القرطبي: وتبعه الأَلوسى: أطبق جمهور أَهل التفسير أن هذه الآية مدنية لما شق على المسلمين ما رأوا من تمثيل المشركين بقتلاهم، في غزوة أحد فتوعدوهم بأزيد مما فعلوا، إذا ظفروا بهم!! وقال النحاس: إِنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا، ثم قال القرطبي: ولكن ما قاله الجمهور من أنها مدنية أثبت، وساق حديثا رواه الدارقطني عن ابن عباس مؤيدا لما ذهب إِليه الجمهور من مدنيتها.
وسواء أكانت هذه الآية الكريمة مكية أم مدنية، وسواء أصح نزولها في شأن التمثيل بحمزة أم لم يصح، فإِن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ..
ووجه اتصال هذه الآية بقوله تعالى قبلها: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} الآية.
أن الدعوة إِلى الله سبحانه لا تكاد تخلو من مخاصمة الأَعداء .. ومقابلتهم لها بالعداوة والإيذاء، لأنها تتضمن رفض عقائدهم الباطلة الموروثة، ونبذ عاداتهم السيئة المورثة، ولما كان هذا شديدا عليهم وباعثًا لهم على الخصومة الشديدة، فلهذا أَمر الله تعالى نبيه وأَصحابه أَن يقابلوا إِساءتهم بمثلها إِن أرادوا عقابهم عليها - والمعنى: وإِن أردتم أيها المؤْمنون عقاب من يصدكم عن دين الله، ويعتدي عليكم وأنتم تدعونه إِلى سبيل الله، فعاقبوه بمثل ما فعل بكم، وما ناله منكم، ولا تجاوزوا هذا المثل بحال، كما قال سبحانه:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (1) وليس ما فعله العدو أولًا
(1) سورة البقرة، الآية:
عقابا ولكن العقاب هو الثاني؛ لأنه هو الذي يرد به المسلمون عدوان العدو، عقابًا له ودفاعا عن دينهم وأَنفسهم، وإِنما سمى اعتداء العدو عقابا من باب مماثلة الكلام ومشاكلته .. (1) كما سمى جزاء الاعتداء اعتداء في قوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (2) وكما سمى جزاء السيئة سيئة في قوله سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (3).
ولم يقتصر العدل الإلهي على طلب المماثلة في العقوبة، وعدم التجاوز فيها. بل حث على العفو والصبر؛ فقال سبحانه:
{وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} :
أي ولئن صبرتم أيها الداعون إلى الله تعالى. لصبركم هذا هو خير لكم في دنياكم وآخرتكم من الانتصار بالمعاقبة، فإن الصبر والعفو وكظم الغيظ من أمهات الفضائل التي يسمو بها العبد، ويرفعه الله بها درجات، ويرد بها عدوَّه الألَد وليًّا حميما وصديقا مصافيا .. وإنما يحمل العفو عند القدرة، وحيث تدعو إليه المصلحة في عزة الإِسلام وسماحته، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر أمرا صريحا بعد ما ندب إِليه من قبل تعريضا فقال جل ثناؤُه:
127 -
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
…
} الآية.
لأنه عليه الصلاة والسلام أولى الناس بعزائم الأمور، لمزيد علمه بشئون ربه، ووثوقه به أي اصبر أيها الرسول على ما أصابك من قومك، من إِعراضهم عن دعوتك، وايذائِهم لك .. وما صبرك إلا بمعونتة تعالى وتأييده وتوفيقه وتثبيته.
{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} : أي ولا تحزن على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم لك، كما قال تعالى:{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (4).
(1) المشاكلة التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته وهي فن من فنون البديع.
(2)
سورة البقرة، من الآية: 194
(3)
سورة الشورى، من الآية: 40
(4)
سورة المائدة، من الآية: 68
{وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} : أَي ولا تكن في حرج وضيق صدر من مكر الكفار بك، فإِن الله كافيك وحافظك منهم، ومظفرك بهم، وفي هذا تأكيد لتسليته صلى الله عليه وسلم، ولأمر الله له بالصبر، ثم ختم الله سبحانه هذه السورة الكريمة بتلك البشارة العظيمة؛ بمعيته للمتقين المحسنين - والنبى إِمامهم، فقال عز من قائل:
128 -
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} :
والمعنى أَن الله جلت آلاؤُه، مع الذين جمعوا بين فضيلتي التقوى والإحسان، واستمروا عليهما .. والمقصود من معيَّته تعالى هنا أنه سبحانه يعينهم ويحفظهم من مكر الأعداء بهم، وينصرهم عليهم، فهي معية رعاية وحفظ. كالتي يشير إِليها قوله تعالى لموسى وهارون وقد أَرسلهما إلى فرعون:{لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (1). والتي يشير إِليها قول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار، كما حكى الله:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (2).
ولا ريب أَن هذه المعية الخاصة أعلى وأجل من المعية العامة التي في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (3). فإنها معية العلم والرقابة والمحاسبة، وتلك معية العناية والرعاية والمحبة. وشتان ما بينهما - ذلك وقد اشتملت خواتيم هذه السورة على تعليم حسن الأَدب في الدعوة وترك التعدى، والأمر بالصبر على المكروه. وعظيم البشارة للمتقين المحسنين. وقد روى ابن جرير .. وغيره أن هرم بن حبان (4). قيل له عند الاحتضار أوصِ. فقال: إِنما الوصية من المال ولا مال لي: وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.
(1) سورة طه، الآية: 46
(2)
سورة التوبة، من الآية: 40
(3)
سورة الحديد، من الآية: 4
(4)
قائد فاتح من كبار الزهاد التابعين ولى بعض الحروب في أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما ومات في إحدى غزواته.