المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا] - الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

[سعيد بن علي ثابت]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌[الفصل الأول الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم]

- ‌[توطئة الفصل الأول]

- ‌[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في أول خطبة جمعة للرسول صلى الله عليه]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع]

- ‌[الفصل الثاني مقومات منهج الخطاب الإعلامي في خطب الرسول صلى الله]

- ‌[المقوم الأول الثقة بالمصدر]

- ‌[المقوم الثاني العلم]

- ‌[المقوم الثالث التلازم بين الحرية والمسؤولية]

- ‌[المقوم الرابع عالمية الإعلام الإسلامي]

- ‌[المقوم الخامس التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل]

- ‌[الفصل الثالث أصول الإقناع في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الأصل الأول المصدر المقنع]

- ‌[الأصل الثاني الهدف من الإقناع]

- ‌[الأصل الثالث الرسالة المقنعة]

- ‌[الأصل الرابع الوسيلة المناسبة]

- ‌[الأصل الخامس مراعاة أحوال المخاطبين]

- ‌[الخاتمة]

- ‌[قائمة المراجع]

الفصل: ‌[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا]

[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا]

المبحث الأول

الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا - روايات الخطبة.

- الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في هذه الخطبة.

ص: 13

روايات خطبة الصفا: لقد بقيت الدعوة سرا ثلاث سنوات إلى أن أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه ، قال تعالى:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94](1) ثم أتبع هذا الإنذار العام بإنذار خاص لقومه وعشيرته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 214 - 215](2) عندئذ انطلقت صيحة الحق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبا لك سائر هذا اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 1 - 2] (3) » (4) .

وفي رواية أخرى «لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين)(5) .

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف:" يا صباحاه "، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد.

(1) سورة الحجر، آية:94.

(2)

سورة الشعراء، آية: 214-215.

(3)

سورة المسد، آية 1-2.

(4)

أخرجه الإمام البخاري، صحيح البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني، جـ 8 (الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، د. ت) ، ص 50، (ك: 65، ب: 2) .

(5)

(ورهطك منهم المخلصين) قال القرطبي: وظاهر هذا أنه كان قرآنا يتلى، وأنه نسخ إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر، انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، جـ 13، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1952م) ص:143.

ص: 14

فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان!! يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! ، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ ، قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام. فنزلت هذه السورة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] » (1) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فخص وعم، فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ببلالها» (2) .

(1) أخرجه الإمام مسلم، صحيح مسلم، جـ1، (الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1400هـ) ص: 194، (ك 1 ب 89) .

- قال محمد فؤاد عبد الباقي في تحقيقه لصحيح الإمام مسلم: (ورهطك منهم المخلصين) قال الإمام النووي: (الظاهر هذا كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في رواية البخاري) .

- وقال في (تبت يدا أبي لهب وقد تب)(هكذا قرأ الأعمش) ومعناه أن الأعمش زاد لفظ: (وقد) بخلاف القراءة المشهورة. انظر صحيح مسلم، جـ1، ص:154.

(2)

أخرجه الإمام الترمذي، صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي المالكي، جـ 2، (بيروت: دار الكتاب العربي) ص: 60-61. وقال ابن العربي المالكي: (سأبلها ببلاها يعني الدعاء لهم والشفاعة عند الله، كما فعل بأبي طالب وهو كافر، فكيف بالمؤمنين من ذريته) .

- وقال أيضا: (جاء في صحيح مسلم: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين) وهذا من المنسوخ، فلا يفتقر إلى نظر فيه) انظر المدرك نفسه.

ص: 15

الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا 1 - مبدأ البشارة والنذارة: وهو مبدأ أصيل من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي؛ حيث إن الاتصال من خلال المنظور الإسلامي ينبغي له أن يلتزم هذا المبدأ في مخاطبة الناس وتوجيه الأحداث، فالإعلام الإسلامي يبشر الناس، ويفتح أمامهم آفاق الأمل، ولا يثبط هممهم، وهو أيضا ينذرهم من سوء المصير لمن لم يعتبر بالآيات والسنن، وأتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

2 -

من الاتصال الشخصي إلى الاتصال الجمعي: لقد كانت هذه الخطبة نقلة عظيمة للحركة بالدعوة الإسلامية في العهد المكي، حيث كانت البداية الحقيقية للاتصال الجمعي، الذي تميزت به الحضارة الإسلامية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وفي العهود الإسلامية الزاهرة.

لقد كان الاتصال الدعوي قبل هذه الخطبة يدور في إطار الجماعات الأولية مثل: الأسرة ، والأصدقاء، ومن يثق بهم الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: زوجته خديجة بنت خويلد، وابن عمه علي بن أبي طالب، وصديقه أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعا (1) .

فلما نزل قول الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94](2)

(1) لقد بدأت الدعوة سرا، واستمرت ثلاث سنوات تدور في إطار الاتصال الشخصي، بما له من سمات إقناعية حتى بلغ عدد المسلمين قرابة ستين ما بين رجل وامرأة، كانوا القاعدة الأساسية لجماعة المسلمين، تربوا في مدرسة النبوة، في دار الأرقم، وفي شعاب مكة، وحين نراجع هذا الرصيد من جماعة المسلمين نجدهم أهل السابقة، الذين حملوا الإسلام على أكتافهم واضطلعوا بعبء حمل الرسالة وقيادة المجتمع الإسلامي، فيما بعد، فمنهم الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، ولا غرابة في ذلك فقد كانت التربية التي تلقوها تؤهلهم ليكونوا صناع التاريخ بحق. انظر مزيدا من التفاصيل عند:

- محمد بن يوسف الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق: عادل أحمد عبد الواحد وعلي محمد معوض، جـ 2، 2 / 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ) ص: 322 وما بعدها.

- منير محمد غضبان، فقه السيرة النبوية، ط / 3، سلسلة رقم 5 من بحوث الدراسات الإسلامية (مكة: جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، 1415هـ) ص: 144 وما بعدها.

(2)

سورة الحجر، آية:94.

ص: 16

أرشد الله تعالى نبيه إلى هذا الشكل الاتصالي الجديد في حمل الدعوة الإسلامية.

3 -

فن التوقيت: لقد اهتبل الرسول صلى الله عليه وسلم ظروف الزمان المواتية، ودرس اللحظة المناسبة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإقناع برسالات ربه.

لقد جاءه الأمر الإلهي بالصدع برسالته، ومكاشفة المجتمع الجاهلي بدعوته، فساق لهم الحقيقة كاملة، والجدير بالذكر أن هذه الدلالة الإعلامية في خطبة الصفا تؤصل لنا مبدأ من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي، ألا وهو العرض الموضوعي، وقول الحقيقة، والبعد عن التعتيم الإعلامي، وتزوير الأخبار، وتلفيق الوقائع، وتزييف الحقائق ، لما في ذلك من امتهان لحرية الإنسان وكرامته، وتلاعب بعقله (1) .

ومع ذلك وأنه لا يلبث الواقع

(1) انظر مزيدا من التفاصيل في هذا الجانب عند كل من:

- الشيخ زين العابدين الركابي، النظرية الإسلامية في الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية، بحث ضمن كتاب: الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية: بين النظرية والتطبيق، ط / 1، (الرياض: منشورات الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 1399هـ) ص:322.

- وانظر أيضا: رمضان لاوند، من قضايا الإعلام في القرآن، (الكويت: مطابع الهدف، د. ت) ص:153.

- وانظر د. محمد فريد محمود عزت، دراسات في فن التحرير الصحفي في ضوء معالم قرآنية، (جدة: دار الشروق، 1404هـ) ، ص 83 وما بعدها.

ص: 17

حتى يكشف عوار هذا الإعلام الدعائي التضليلي ويفقده ثقة الناس بأهله ومؤسساته، فقد أثبت التاريخ فشل التضليل والكذب في اكتساب القلوب، وإقناع العقول، والهيمنة على النفوس، وما التجارب الدعائية النازية والفاشية والبلشفية من ذلك ببعيد.

4 -

المقاصد الحسنة والغايات السامية تقتضي استخدام الوسائل المناسبة: فقد وفق الرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى وسيلة تختصر مساحات المكان، وتخاطب أكبر عدد من الناس في أسرع وقت ممكن، فصعد جبل الصفا، ولعل في هذا دلالة أهمية العناية بالوسيلة، والتألق في فنون الاتصال الإعلامي لإقناع الناس بالحق ، وحتى لا يكون سبب الإعراض عن الدعوة الإسلامية عجز القائم بالاتصال عن القيام بواجبه.

5 -

المدخل الاتصالي المناسب: لقد كانت كلمة: " يا صباحاه" التي استهل بها الرسول صلى الله عليه وسلم خطبة الصفا غاية البدايات الجيدة، والاستهلاك الحسن، والمدخل المثير للانتباه والاهتمام، والمحرك للوعي، والملفت للنظر في مجتمع ديدنه الحروب التي كانت تنشب بين قبائله لأتفه الأسباب؛ لذا كان حسن الابتداء هذا مفتاحا لعقول القوم، فجاءوا زرافات ووحدانا، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا، حتى امتلأت ساحة الصفا.

6 -

إشراك الجمهور في العملية الاتصالية والحوار المفتوح: وهذا الأسلوب الحواري في الإعلام له أثره الفعال في تحقيق الإقناع والاقتناع ، وهذا ما تؤكده الدراسات الاتصالية، حيث تعد من مؤهلات الإقناع بالرسالة الإعلامية إشراك الجمهور المتلقي في العمل الإعلامي (1) .

(1) انظر د. حمدي حسن أبو العينين، الاتصال وبحوث التأثير - دراسات الاتصال الجماهيري، (القاهرة: كويك حمادة للطباعة، 1993م) ص:41.

- وانظر د. عصام سليمان موسى، المدخل في الاتصال الجماهيري، ط / 1، (أربد: مكتبة الكتاني، 1986م) ص:148.

- وانظر ديز موند فيشر، الحق في الاتصال تقرير عن الوضع الحالي، ترجمة: محمد فتحي، (باريس: مكتب مطبوعات اليونسكو، 1982م) ص:3.

ص: 18

كما أن الدراسات الإعلامية تؤكد أيضا على احترام إرادة الإنسان وحريته الاتصالية، والحوار، والمناقشة (1) .

فالإعلام إنما يكون للناس وليس للقائم بالاتصال، فإذا كان الناس لا يستمعون للقائم بالاتصال، وإذا كان لا يقرأ رسائله إلا هو فالسكوت له أفضل من صرخة في واد.

7 -

القدرة على بث الثقة في الجمهور: من أهم عوامل الإقناع في الاتصال وهذا يعني ثقة القائم بالاتصال بما عنده، وبقيمه، وأهدافه، وغاياته السامية، وثقة الناس في صدقه، وأمانته، وعدله، وهذه الدلالة تؤكد على أهم مؤهلات القائم بالاتصال.

والقائم بالاتصال في هذه الخطبة هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي انتزع الله له إجماعا عاما من قريش بأنه الحكم العدل والصادق الأمين كلمة قالوها، وشاء الله أن تكون عليهم حجة إلى يوم القيامة.

وقريش شوكة العرب ، وهي عندهم المأمونة على حرم الله، المحروسة بحراسة الله، وحمايته لبيته وحرمه، وخاصة بعد حادثة الفيل؛ حيث عجز العرب قاطبة أن يقفوا في وجه أبرهة الحبشي ويمنعوا البيت الحرام، ولكن الله

(1) انظر تفصيلات مفيدة في هذا الجانب في كتابي: الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام، (الرياض: عالم الكتب، 1412هـ) ص:55.

- وانظر د. سيد محمد الساداتي، وظيفة الإخبار في سورة الأنعام (الرياض: عالم الكتب، 1410هـ) ، ص:352.

ص: 19

حمى بيته وأهله، ولذا كانت قبائل العرب تقول: إذا دخلت قريش الإسلام دخلنا؛ لأنها قبيلة مؤيدة بتأييد الله لها، فما إن فتحت مكة حتى سمي العام التاسع من الهجرة بعام الوفود؛ لكثرة وفود العرب المسلمة.

8 -

إحكام الاتصال: وهذا يعني تنظيم طرح حقائق ومضامين الاتصال، إذ إن لكل حقيقة في الإسلام حدا لا ينبغي أن تتجاوزه، والمساواة بينها في الطرح الإعلامي من أهم أسباب الاضطراب في عملية الاتصال، فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة لم يتجاوز حقيقة الألوهية والعبودية، وحقيقة البعث والنشور والجزاء والحساب يوم القيامة، وما ينتظره المحسنون من الأجر والمثوبة، والمعاندون الكافرون من العذاب.

وإحكام الاتصال غاية الحكمة لذلك عرف ابن القيم الجوزية الحكمة بقوله: هي (أن يعطى كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه)، ثم يقول:(وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا ، فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، ويعجلها عن وقتها كحصاده قبل إدراكه كماله (1) والحكمة إذا فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي.

9 -

ربط الطرح الإعلامي بمسلمات الأمة: وذلك لأن الإطار المرجعي يقوم بتمرير المعلومات والمعارف المقبولة بناء على أساس المخزون المعرفي الذي تكون نتيجة العوامل الثقافية المؤثرة على شخصية الإنسان، بالإضافة إلى قيم المرء الدينية وتقاليده الاجتماعية،

(1) ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين، جـ 2، (القاهرة: دار الحديث، دت) ، ص:499.

ص: 20

ولذلك فإنه ينبغي على القائم بالاتصال مراعاة الرواسب الفكرية والاجتماعية (1) .

التي تكون الإطار المرجعي، حتى يقرر الإطار المرجعي قبول هذه المعلومات، ومن ثم تمثلها واختزانها، لتكون نظاما معرفيا، يحكم مواقفه وسلوكه (2) .

وقد جاءت دلالة الطرح الإعلامي بالمسلمات العقلية والفكرية والاجتماعية عندما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم خطبة الصفا بقوله:

" يا صباحاه "، وهذا الهاتف له دلالة في مجتمع القبائل والعشائر التي يغير بعضها على بعض لأتفه الأسباب، هذه الكلمة تعني: الجيش صبحكم أو مساكم.

" يا بني فلان، يا بني فلان " يدعو العشائر القرشية بأحب الأسماء إليها، وبما تعارفوا عليه في مجتمعهم، ليثير فيهم النخوة والحمية.

ثم يوجه لهم الخطاب والطرح الإعلامي من خلال مسلمة في أدمغتهم، وحتى يلزمهم بالحجة العقلية بدأ بسؤالهم:«أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ".»

فما تفوه أحد بكلمة إلا من سبقت عليه الشقاوة في الدنيا والآخرة أبو لهب عليه لعائن الله.

10 -

التكرار والملاحقة: هذه الدلالة تؤكد على أسلوب من أساليب الإعلام وهو التكرر

(1) انظر تفصيلا مفيدا في هذا الجانب عند الدكتور زيد بن عبد الكريم الزيد، الرواسب الفكرية والاجتماعية عند الداعية وأثرها على دعوته، (مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد: 12، ص20-46، 1415هـ)، ص: 19-54.

(2)

وانظر تفصيلا أيضا في هذا الجانب عند الدكتور عصام سليمان موسى، المدخل في الاتصال الجماهيري، ط / 1، أربد، الأردن، مكتبة الكتاني، 1986م) ص: 59-60.

ص: 21

الذي يساعد العمل الإعلامي على الانتشار بين الجماهير، ويعد من أجدى الأساليب الإعلامية، وأكثرها فاعلية في تغيير اتجاهات الرأي العام (1) .

إذا أتقنه القائم بالاتصال، وأخذ في اعتباره الأوقات التي يتم فيها التكرار، والوسائل الإعلامية الملائمة، والظروف المرتبطة بها، والسوابق الإعلامية، والتأثير الممكن حدوثه.

وتزداد أهمية هذا الأسلوب في الإعلام الإسلامي؛ لأنه احتفى به القرآن الكريم احتفاء عظيما، لما له من الأثر النفسي في تثبيت المعنى وتقريره، حتى يصبح عقيدة راسخة.

يقول صاحب تفسير الكشاف عند تعليقه على أسلوب التكرار وبيان أثره في النفس الإنسانية عند تفسير قول الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23](2)(مثاني) بيان لكونه متشابها؛ لأن القصص المكرورة لا تكون إلا متشابهة والمثاني جمع مثنى، مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه في أحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه ثم قال فإن قلت: ما فائدة التثنية التكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة فما لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله

(1) انظر مزيدا من التفاصيل عند د. عبد الحميد حجازي، الرأي العام والإعلام والحرب النفسية، ط / 1، (القاهرة: دار الرأي العام للصحافة والنشر، 1987م) ص:212.

- وانظر: د. سيد محمد الساداتي الشنقيطي، وظيفة الإخبار في سورة الأنعام، مرجع سابق، ص:353.

- وانظر أسامة يوسف شهاب، وسائل الاتصال الجماهيري في الإسلام، (الزرقاء: دار المعرفة، 1402هـ) ص:103.

- وانظر محمد علي العويني، دور التكتيك في الإعلام الدولي، (القاهرة: عالم الكتب، 1979م) ص:19.

(2)

سورة الزمر، آية:23.

ص: 22

ومن ثم كانت عادة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح (1) .

ومما يؤكد هذا الأسلوب الفعال أن خطبة الصفا جاءت بأكثر من رواية، وهذا يعني أنها كررت في أوقات متعاقبة لاعتبارات ترتبط بالظرف الاتصالي جملة، فالتكرار المتنوع على هذه الصورة هو جوهر الفاعلية المطلوبة لكل رسالة إعلامية.

11 -

المسؤولية الإعلامية ودرجاتها: هذه الدلالة يؤكدها الانتقال من الإنذار العام إلى إنذار عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وذوي قرباه وكان من الممكن الاكتفاء بعموم الأمر الأول في قول الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94](2) فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار العشيرة؟

الحقيقة أن في هذا الانتقال إلماحا إلى درجات المسؤولية التي تقع على عاتق رجل الاتصال في الإعلام الإسلامي.

فأدنى درجات المسؤولية هي المسؤولية الشخصية وهي مسؤولية الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه، وإعدادها لهذا العمل العظيم، ومن أجل ذلك استمرت فترة ابتداء الوحي تلك المدة الطويلة، ريثما يطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه نبي مرسل، وأن ما ينزل عليه هو وحي من الله عز وجل، فيؤمن أولا ويوطن ذاته على حمل حقائق الإسلام وقيمه للناس، فالعلم النافع قاعدة العمل الصالح ، قال الله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19](3) .

ومن هنا فإن رجل الاتصال الحر لا بد أن يكون على علم بما يقدمه

(1) الزمخشري، جار الله الزمخشري: تفسير الكشاف، جـ 3 (القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، 1392-1972م) ص: 295.

(2)

سورة الحجر، آية:94.

(3)

سورة محمد، آية:19.

ص: 23

من معلومات وأفكار حتى يستطيع أن يؤثر في الناس.

الدرجة الثانية من درجات المسؤولية هي مسؤولية الإنسان تجاه أهله وعشيرته الذين يلوذون به للقيام بحق هذه المسؤولية، خص الله تعالى الأقارب بضرورة الإنذار والتبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ والجهر به - وليس من فرق في مضامين دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوة رجال الاتصال في الإسلام إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى شرع جديد نزل عليه.

ورجل الإعلام الإسلامي يدعو أهله وعشيرته الأقربين بدعوة الرسول الذي بعث إليه، فهو يبلغ عنه ويدعو بدعوته وينطق بلسانه، وكما أنه لا يجوز للنبي أو الرسول أن يقعد عن تبليغ الناس ما أوحي إليه، فكذلك لا يجوز لرجال الإعلام الإسلامي والدعاة المخلصين أن يقعدوا عن إنذار قومهم ، بل يجب إقناعهم بالإسلام وحملهم عليه وإلزامهم به.

أما الدرجة الثالثة فهي مسؤولية رجل الاتصال الإسلامي في مسؤولية رجل الاتصال في الإسلام تجاه الإنسانية بهدف إنقاذ أكبر عدد ممكن من البشرية من النار، رحمة بهم ووفاء بالأمانة وأداء لواجب البلاغ المبين، وهذه المسؤولية كان يضطلع بها الرسول صلى الله عليه وسلم انطلاقا من قول الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28](1) وقال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107](2) .

وانطلاقا من هذه المسؤولية فإن وسائل الإعلام في المجتمع المسلم ينبغي أن تحسن الخطاب الإعلامي لأمة الدعوة فتصمم برامج على أسس علمية دقيقة تقنع الناس وتكفل الاستجابة لها وذلك عندما تراعي خصائص المجتمعات التي توجه لها الرسالة وخلفياتها الفكرية والاجتماعية

(1) سورة سبأ، آية:28.

(2)

سورة الأنبياء، آية:107.

ص: 24

انطلاقا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الصفا.

12 -

المكاشفة والمصارحة في الطرح الإعلامي: هذه الدلالة تؤكدها نصوص خطبة الصفا جميعها، فقد صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة الألوهية وحقيقة الإنسان وحقيقة الدين وحقيقة ما عليه ذلك المجتمع الجاهلي من خلال ما عاب على قومه أن يأسروا أنفسهم للتقاليد الموروثة عن آبائهم وأجدادهم دون تفكير ودون تحرير لعقولهم من أسر الاتباع الأعمى لجاذبية تلك المواريث التي لا تقوم على الفكر والمنطق السليم.

لقد كانت هذه الخطبة غاية في مفاصلة القوم على المبدأ كما كانت غاية في البلاغ، إذ لم تكن طريقا أقصر من هذا البيان وأوضح وأبين، فقد أوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق برسالة الإسلام هو أس الصلة، والرابطة الحقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه، بل وبينه وبين أقرب الناس إليه. والمكاشفة بالحقائق من مبادئ الإعلام الإسلامي؛ لأن الإعلام الذي ينطلق من هدي النبي صلى الله عليه وسلم لا يبالي فيما يدعو إليه وفي طريق تعامله مع الناس بالمصلحة الآنية ولا المكاسب السياسية المرحلية، ولا يهتم بتحقيق أغراض وأعراض دنيوية طارئة، فيتنازل وينادي بنصف الحقيقة ويوافق على إجراء أي تسوية أو تأييد مشروط؛ لأنه الإعلام الهادف إلى نشر عقيدة التوحيد الملتزم بالأوامر والنواهي الموصول بها، لا يقول إلا الحق ولا يهدف إلا إلى إظهار دين الحق في الأرض. من أجل ذلك كله تميز الإعلام الإسلامي في عهود الحضارة الإسلامية الزاهرة بالوضوح والصراحة والواقعية دون مراعاة لمصلحة فرد أو فئة من الناس؛ لأن مصير المجتمع الذي يبنيه الإعلام الإسلامي لا تقرره حماية فرد أو فئة مهما عظم شأنها، كل ذلك بفضل القاعدة الأساس التي ينطلق منها وهي عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد التي حررت الإنسان من أنواع العبودية لغير الله وجاذبية الأعراف الجاهلية.

ص: 25