المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع] - الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

[سعيد بن علي ثابت]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌[الفصل الأول الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم]

- ‌[توطئة الفصل الأول]

- ‌[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في أول خطبة جمعة للرسول صلى الله عليه]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات]

- ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع]

- ‌[الفصل الثاني مقومات منهج الخطاب الإعلامي في خطب الرسول صلى الله]

- ‌[المقوم الأول الثقة بالمصدر]

- ‌[المقوم الثاني العلم]

- ‌[المقوم الثالث التلازم بين الحرية والمسؤولية]

- ‌[المقوم الرابع عالمية الإعلام الإسلامي]

- ‌[المقوم الخامس التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل]

- ‌[الفصل الثالث أصول الإقناع في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الأصل الأول المصدر المقنع]

- ‌[الأصل الثاني الهدف من الإقناع]

- ‌[الأصل الثالث الرسالة المقنعة]

- ‌[الأصل الرابع الوسيلة المناسبة]

- ‌[الأصل الخامس مراعاة أحوال المخاطبين]

- ‌[الخاتمة]

- ‌[قائمة المراجع]

الفصل: ‌[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع]

[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع]

المبحث الرابع

الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع - روايات خطبة حجة الوداع. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة الوداع.

ص: 67

روايات خطبة حجة الوداع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: فسار الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال:«إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات» (1) .

الرواية الثانية للخطبة: وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله

(1) أخرجه الإمام مسلم (من حديث طويل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، (بيروت: دار الفكر 1392هـ) ص: 183-184.

- وأخرج أبو داود بعضه، عون المعبود وشرح سنن أبي داود، ج7، ط / 3، (بيروت: دار الفكر، 1399هـ) ص: 183 البيوع وضع الربا.

ص: 68

عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته المخضرمة بعرفات: «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، ألا وإني فرطكم على الحوض، ألا وإني مستنقذ أناسا، ومستنقذ مني أناس، فأقول: يا رب: أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (1) .

الرواية الثالثة: قال ابن إسحاق في السيرة: (مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجته، فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف أبدا ، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت ، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله تعالى أنه لا ربا، وأن ربا عمي عباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضعه دم ابن عمي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس: فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس: إنما النسيء زيادة في الكفر يضل

(1) أخرجه الإمام ابن ماجه، سنن ابن ماجه، جـ 2، ك التجارات، حديث رقم 2295.

- وأخرج الإمام أحمد نحوه، مسند الإمام أحمد، جـ 5، ص:267.

ص: 69

به الذين كفروا فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهم ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن المسلم أخ المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت» ، ويقول ابن إسحاق ذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اللهم اشهد "(1) .

الرواية الرابعة: قال صلى الله عليه وسلم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة،

(1) ابن هشام، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، جـ4، (القاهرة: دار الفكر) ص: 275، وما بعدها.

ص: 70

وأول دم أبدأ به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاه موضوعة غير السدنة والسقاية، والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصى والحجر ، وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم، أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحدة فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق: لكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعظوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئا، إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس: إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن الله

ص: 71

قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، وإنه لا وصية لوارث، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث. والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله» (1) .

(1) د. محمد بن محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة، جـ 2، ط / 2، (دمشق: دار القلم، 1412هـ) ، ص: 572-574.

- والظاهر كما أثبت في مراجع الخطبة في المدرك نفسه أنه رحمه الله جمع بين رواية مسلم والبخاري في فتح الباري شرح صحيح البخاري (ك64، ب 77) ورواية ابن ماجه وابن إسحاق الثاني لإشارة إليها بالإضافة إلى ما جاء عند ابن كثير في كتاب البداية والنهاية، جـ 5، 170- 171.

ص: 72

الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع 1 - حسن الابتداء وبراعة الاستهلال لتهيئة المتلقي لقبول الفكرة: إن من بلاغة القول التألق في المدخل المثير للانتباه، وجعله نابضا بالحركة والحياة، حتى يصل المعنى إلى قلب السامع في أحسن صورة، فيكون أدعى للإقناع بالأفكار في أعذب لفظ، وأجزله، وأرقه، وأسلسه، وأصحه معنى ، وأوضحه وأخلاه من التعقيد، وقد تميزت خطب النبي صلى الله عليه وسلم في اتصاله بالناس كلها بحسن الابتداء وخاصة في هذه الخطبة، وقد جاءت في الرواية الثانية بصيغة الاستفتاح بالاستفهام؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام وشهر حرام ويوم حرام» ، وتؤكد الدراسات الإعلامية أن هذه طريقة مهمة وناجحة في إثارة اهتمام القارئ (1) وهي أيضا من أساليب الخطاب القرآني (2) وعلى كل حال فإن من المتعارف عليه عند علماء البلاغة والبيان أن هناك أمورا معينة وأحوالا خاصة إذا أجاد فيها القائم بالاتصال براعة الاستهلال أجاد في غرض من أغراض الاتصال، لذا عرف بعض شعراء العرب بجودة المديح، وآخرون بالهجاء، وكانت الأسبقية لبعضهم في وصف الحروب وغيرهم في الحكمة ودقة التعبير عن المعاني العقلية والنفسية، أما تسنم ذروة الفصاحة والبيان في كل صغيرة وكبيرة فهذا

(1) انظر مزيدا من التفاصيل في هذا الجانب عند د. عبد العزيز شرف، فن التحرير الإعلامي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م) ص:177.

(2)

انظر د. محمد فريد عزت، دراسات في فن التحرير الصحفي في ضوء معالم القرآن (جدة: دار الشروق، 1984م) ، ص:188.

ص: 73

ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر؛ لأنهم كما يقول ابن عطية: (يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما، ولا يكون ذلك إلا للخالق جل جلاله وتعالى شأنه، الذي أحاط بالكلام كله، فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب، وما يصلح أن يكون رديفا لها، فلذا جاء نظم القرآن الكريم في الغاية القصوى من الفصاحة)(1) وجاء كلام المصطفى المعصوم في غاية البيان، كيف لا وهو من قال الله تعالى عنه:

{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4](2) والمتتبع للبداية المثيرة للانتباه في هذه الخطبة البليغة يجد الاستفتاح بجملة خبرية هزت الجمهور المتلقي وأثرت فيه أيما تأثير، وهي الإعلان بقرب أجله، وقرب ختم الرسالة المحمدية؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم «أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف؟!!» ، وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه البداية أسلوبين من الاستهلال هما: الاستفتاح بالنداء الشامل للناس، والاستفتاح بالجملة الخبرية المثيرة لاهتمام جماعة المسلمين، لا سيما وأنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسهم، ومشاركة الناس همومهم والتعاطف مع قضاياهم ومشكلاتهم تعد من المداخل الهامة لجذب الاهتمام، وتحريك الوجدان، واستثارة العقول، وقد أتقن الاتصال النبوي هذا الأسلوب في الاتصال، فأقنع الناس بالحق، وأتقن الإعلام المعاصر هذا المدخل فخاطب الإنسان واتصل به من خلال غرائز التملك والطموح والمحافظة على الصحة، وظهر ما يعرف بنظرية إشباع الحاجات في الاتصال

(1) ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، جـ1، ط / 1 (الدوحة: دار إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر، 1398هـ) ص:60.

(2)

سورة النجم، الآيتان:4.

ص: 74

الحديث (1) وربط هذا المدخل بمصالح دنيوية، وأغراض وأعراض هابطة. بينما في الاتصال الإسلامي ربط بالقيم الراشدة والتصورات الصحيحة والمعلومات السليمة ، فانعكس ذلك التأثير الراشد على مواقف الإنسان وسلوكه في الحياة في عهد النبوة والعهود الإسلامية الراشدة التي كانت تهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاتصال بالناس.

2 -

في هذه الخطبة الجامعة نقلة عظيمة للبلاغ في الاتصال بالجماعة الإسلامية من الاتصال المباشر إلى الاتصال الجماهيري: فقد كانت هذه الخطبة بمثابة البيان الختامي لرسالة الإسلام، حمل الرسول صلى الله عليه وسلم أمته أمانة تبليغها إلى من لم تبلغه من البشر في كل أصقاع الدنيا ، وما أروعها من كلمات تلك التي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في عرفات ، راح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ، بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، ثلاثة وعشرين عاما لا يكل ولا يمل، ما أروعها من ساعة تلك التي جمع حوله فيها الألوف المؤلفة، خاشعين متضرعين لله تعالى، وطالما تربصوا به متآمرين ومحاربين، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر من خلال تلك الوجوه الطيبة إلى الأجيال المقبلة إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها «أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا» ، وأنصتت الدنيا لتسمع قوله صلى الله عليه وسلم ووصاياه لأمته.

3 -

الإعلان عن حقوق الإنسان في الإسلام وبيان أن المسلم محرم دمه

(1) انظر تفصيلات مفيدة في هذا الجانب عند د. عصام سليمان موسى، المدخل في الاتصال الجماهيري، مرجع سابق، ص:155.

- وانظر د. شاهيناز محمد طلعت، تأثير بيئة وسائل الإعلام على الاستخدامات وإشباع الحاجات، مجلة الدراسات الإعلامية (القاهرة، العدد 47، يوليو 1987م)، ص: 87-109.

ص: 75

وماله وعرضه: قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» ، وكرر ذلك في خاتمة الخطبة زيادة في التأكيد على ضرورة هذا المبدأ، فقال صلى الله عليه وسلم:«تعلمون أن المسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم» .

بهذا البيان في هذه الخطبة الجامعة حقنت الدماء التي لم يكن لها قبل الإسلام حرمة كالتي حظيت بها بعد الإسلام، فكم من قبيلة أبادتها قبيلة، وكم من فصيلة طحنتها فصيلة، وكم من بريء قتل جهرة أو غيلة بجريرة غيره، وربما كان ذلك من أجل شاة رعت حول الحمى ، أو مستجير فر من عقوبة يستحقها، أو غير ذلك من الأسباب الحقيقية أو الموهومة ، فلما شرف الله البشرية بالرسالة الخاتمة، رسالة الإسلام، حقن الله بها دماء الناس إلا بحق، فحقن الدماء في الإسلام ليس قاصرا على المؤمن، بل يتعداه إلى غيره من أهل الكتاب والمشركين الذين بيننا وبينهم عهد ممن دخل في دار الإسلام أو في ذمة المسلمين بأمن، فيحرم على المسلمين قتله، بل حتى الكافر أو المشرك الذي استجار بالمسلمين قال الله تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6](1) وهذا أقصى ما يطلب في المحافظة على حقوق الإنسان.

وهذه الحقوق التي يؤكد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم تشكل الإطار العام للنظام الإسلامي، ويربط بها حق الاتصال والإبلاغ، وحرية الإعلام المرتبط بخصوصية الأمة الإسلامية، وبعد هذا الإعلان بأربعة عشر قرنا أدرك المجتمع الدولي أن هذه الحقوق مجتمعة ضرورة إنسانية أساسية،

(1) سورة التوبة، آية:6.

ص: 76

وعماد للنظام الاجتماعي، ولذلك أقرها المجتمع الدولي ممثلا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أقرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في تقريرها الذي نشرته تحت عنوان: أصوات متعددة وعالم واحد، واعتبرت حق الاتصال مرتبط بحقوق الإنسان العامة، وهو حق شامل (1) .

وتقضي بنود السلة الثالثة بأن تتصرف الدول المشتركة في اتفاقية هلسنكي على أن تضع دول الاتفاقية نصب أعينها تيسير عملية توزيع المعلومات من كل البلاد المشتركة في اتفاقية هلسنكي (2) .

وهكذا فإن حقوق الاتصال هي مجموعة متكاملة من الحقوق التي تم الاعتراف بها في إطارات عديدة على المستوى الدولي في واقعنا المعاصر، ولكن الإسلام قد سبق إلى ذلك كله بإعلان حقوق الإنسان في خطبة حجة الوداع، وأعطتها الحضارة الإسلامية للناس بعد ذلك، فأصبحت واقعا ملموسا، بينما لا تزال الحضارة المعاصرة تنادي بهذه الحقوق ولا تطبقها في واقع الناس، فهي مجرد أماني وطموحات.

4 -

تأسيس مبدأ الحرية على قاعدة العبودية لله الواحد الأحد: يقول صلى الله عليه وسلم «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» ، وهكذا فإن فكر الجاهلية وقيمها ومسلماتها التي ترتبط بها وضعت كلها ودفنت في غياهب النسيان، ثم عدد الرسول صلى الله عليه وسلم بعض تلك القيم الجاهلية التي كانت ترتبط بها قيمة الحرية عندهم، فقال: «دماء الجاهلية موضوعة. . . وربا الجاهلية

(1) انظر مزيدا من التفاصيل عند شون ماليرايد وآخرون، أصوات متعددة وعالم واحد، الاتصال والمجتمع اليوم وغدا (الجزائر: منشورات اليونيسكو، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، عام 1981م) ص:546.

(2)

توماس برجنتال، حقوق الإنسان، ترجمة جورج عزيز (القاهرة: مكتبة غريب، 1977م) ، ص:117.

ص: 77

موضوع. . كله. . . ومآثر الجاهلية موضوعة» ، ثم أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ الحرية في الإسلام على أساس العبودية الخالصة لله تعالى الواحد الأحد فقال صلى الله عليه وسلم «أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم» . هكذا أسس مبدأ الحرية على الخروج من مآثر الجاهلية، ومن قيد الشيطان والدخول في قيم الإسلام وقيد الرحمن، ومن هنا تكون حرية الإنسان المسلم وإرادته لما يصلح حياته في إطار هذه القيم الثابتة، والسير في ركاب هذا المفهوم يجعل حياة الإنسان في توافق وانسجام مع نواميس الكون وسنن الله في فطرة الوجود كله (1) .

وبعد تأسيس مبدأ الحرية العام في الإسلام جاء التأكيد في هذه الخطبة الجامعة على الحريات المتعلقة بخصوصية الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق» ، وقال في رواية أخرى:«فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. . .» .

وفي هذا تحديد للعلاقة بين الرجال والنساء في الإسلام وتأسيس لحرية المرأة المسلمة التي كفلها لها الإسلام.

5 -

إعلان مبدأ المسؤولية الإعلامية في الإسلام: في هذه الخطبة البليغة أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن مبدأ من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي وهو مبدأ المسؤولية الإعلامية التي هي جزء من المسؤولية العامة في الإسلام بشتى أنواعها، المسؤولية الخلقية، والاجتماعية،

(1) انظر مزيدا من التفاصيل في كتابي: الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام (الرياض: عالم الكتب، 1412هـ) ص: 71، وما بعدها.

ص: 78

والإعلامية، التي يؤكد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة؛ لارتباطها بحرية القول التي جعلها الإسلام حقا لكل إنسان بل تكون واجبا فيما يمس الأخلاق والصالح العام والدعوة إلى الله انطلاقا من قول الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104](1) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (2) ولذا حمل الرسول صلى الله عليه وسلم جمهور خطبة حجة الوداع مسؤولية الإعلام بدين الله، وأداء واجب البلاغ المبين، وهم بدورهم حملوا هذه المسؤولية لكل أفراد الأمة، قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الثالثة:

«وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها» ، وفي الرواية الرابعة قال:«وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس اللهم اشهد ، اللهم اشهد، اللهم اشهد» ، وجاء في بعض الروايات:«فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (3) .

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

(ليبلغ الشاهد الغائب أي الحاضر في المجلس الغائب عنه، والمراد

(1) سورة آل عمران، آية:104.

(2)

أخرجه الإمام مسلم، صحيح مسلم، مرجع سابق، جـ1، ص: 69، (ك: الإيمان، ب: 20) .

(3)

أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب: رب مبلغ أوعى من سامع، صحيح البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني، جـ1، ص:157.

ص: 79

إما تبليغه القول المذكور في الحديث أو تبليغ جميع الأحكام. فرب مبلغ أوعى من سامع، أي عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد، ثم قال: وفي هذا الحديث من الفوائد: الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم) (1) .

هكذا علم الرسول صلى الله عليه وسلم أمته مبدأ المسؤولية الإعلامية، فقد أمره الله تعالى تبليغ رسالة ربه للناس جميعا، وأن يحاج المكذبين والكفار ويخاطب عقولهم، ولكن الله تعالى لم يترك لرسوله وهو النموذج الأول لرجل الاتصال حرية القول على الإطلاق بل حدد له منها حدا للقول وللاتصال، وأوجب عليه أن يعتمد في اتصاله بالناس على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل الناس بالتي هي أحسن، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله ، وأن يقول للناس حسنا، هذه الحدود لحرية القول وللمسؤولية الإعلامية علمها الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته وحملهم إياها كما علمهم الصلاة، وقال صلوا كما رأيتموني أصلي، وحج وقال خذوا عني مناسككم.

هذه المسؤولية الإعلامية لها أثرها في حياة الناس، فهي بلا شك تعود على الأفراد والأمم بالنفع العام ، وتؤدي إلى الإخاء والحب والاحترام والتعاون بين الأفراد والهيئات داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وتجمع كلمة أولي الأمر على الحق، وتقضي على النعرات الشخصية والطائفية، وهذا كله ينقص النظام الإعلامي العالمي اليوم، إن المسؤولية الإعلامية في

(1) ابن حجر العسقلاني، شرح صحيح البخاري، جـ1، ص:159.

ص: 80

الإسلام حصن لحماية الأخلاق والآداب والنظام من الاعتداء، واحترام لكل حق.

6 -

أساس الحق في الاتصال: لقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة البليغة مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في أكمل صورها، مقررا أن الناس سواسية بحسب خلقهم وعناصرهم الأولى، قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الرابعة:«أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد» ، أي كلكم منحدرون من أب واحد، وأم واحدة، فلا فضل لأحدكم على الآخر بحسب عنصره وطبيعته، وإنما معيار التفاضل هو التقوى، وهي ثمرة العمل الصالح، وهكذا صان الإسلام مبدأ المساواة والعدل بين الجميع، ثم ترك الباب مفتوحا أمام كل فرد، للتفاضل بجهده ونتاج عمله وثمرة سعيه وخبرته، ولم يحصر التفاضل في الجوانب المادية فقط كما تزعم الحضارة الغربية المعاصرة، وتكرس ذلك في نظامها الإعلامي المعاصر، ولم يحصر المساواة في العامل الاقتصادي كما يزعم النظام الإعلامي الشيوعي (1) وإنما جعل للاتجاه الروحي دوره البارز في جمع الناس والمساواة بينهم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الثالثة:«أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن المسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة» ، وهكذا يقرر الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ المساواة على أساس العقيدة والمبدأ، ومن هنا كانت المساواة في الإسلام مؤكدة لدفع الأفراد نحو السعي والعمل، وسعي الإنسان وعمله كما يكون في مجال السلوك اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم يكون

(1) انظر مزيدا من التفاصيل في هذا الجانب عند: د. حسن خليل، مفهوم المساواة في الإسلام دراسة ومقارنة (الرياض: دار الرشيد، 1393هـ) ص: 72 وما بعدها.

ص: 81

أيضا في مجال المعرفة وفي المجالات الأخرى التي يسهم فيها الإنسان بنشاطه الفكري، وقدرته الإبداعية، وفي مقدمتها الاتصال بأشكاله المختلفة، فمن الثابت أن دراسات الاتصال تؤكد على هذا الحق المبني على مبدأ المساواة، فقد جاء في دراسة لليونسكو أن من أهم مقومات الحق العام في الاتصال ما يلي (1) .

1 -

حق الكلام.

2 -

حق الإنسان في أن يستمع إليه.

3 -

الحق في الحصول على رد.

4 -

حق الرد.

5 -

حق الاستماع.

6 -

حق الإنسان في أن يرى.

7 -

حق الإنسان في أن ينظر إليه.

8 -

حق التعبير عن النفس كتابة أو طباعة.

9 -

الحق في التعبير عن النفس بشكل من أشكال الإبداع الفني.

10 -

الحق في الخيار أي حق الامتناع عن الاتصال.

وفي نظري لا يمكن أن تتحقق هذه الحقوق في ظل نظم إعلامية لا تقر مبدأ المساواة في الجانب المادي والروحي كما جاء في الإسلام وكما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في أروع العبارات وأبلغها في خطبة حجة الوداع،

(1) انظر مزيدا من التفاصيل عند: ديز موند فيشر، الحق في الاتصال - تقرير عن الوضع الحالي - ترجمة محمد فتحي (طبعة اليونسكو رقم 94) ص: 19-20.

- وانظر: حق الاتصال وارتباطه بمفهوم الحرية والديمقراطية (تونس: طبعة المنظمة العربية للتراث والثقافة، 1994م) ص: 9.

- وانظر كتابي: الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام (الرياض: عالم الكتب، 1412هـ) ص: 39 وما بعدها.

ص: 82

وبهذا وضع أساسا متينا للاتصال الإنساني الذي تعددت أشكاله وأساليبه وفنونه ومضامينه وأهدافه تبعا لغاية القائم بالاتصال، لأنه ضرورة إنسانية للأفراد والمؤسسات والمجتمعات والشعوب على حد سواء.

7 -

النظام الإعلامي من الجاهلية إلى الإسلام: إن الإسلام نظام متكامل يقوم على أسس ثابتة ومبادئ محددة بوضوح يفهمها العامة، ويجد فيها المتخصصون مجالات للتعمق والتأمل، والإطار العام للأمة الإسلامية يتكون من عدة أجزاء، يمكن اعتبار كل جزء منه نظاما فرعيا في حد ذاته، وهو النظام العام للأمة الذي أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم استقلاليته عن النظام الجاهلي، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى من هذه الخطبة:«ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. . . دماء الجاهلية موضوعة. . . وربا الجاهلية موضوع» ، والمعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار هو أن نظام الجاهلية وقيمها وتقاليدها التي تتمسك بها، وفوارق اللغة والأنساب والأحساب والنزعة العرقية واستعباد الإنسان أخاه بالإرهاب المادي أو الفكري قد بطل أمره ومات اعتباره، فهو جيفة منتنة غيبتها شريعة الإسلام في باطن الأرض، وأصبح مكانها من حياة المسلم تحت الأقدام؛ لأنها رجس ونجس ولى، وعماهة أدبرت، وغاشية بادت، فمن ذا الذي يرجع لينبش التراب عن جيفة منتنة، وأي عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح بها ثانية، وأي أبي يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه فيحاول إصلاحه ليعود يتقيد به اليوم بعد أن أنقذه الله منه.

لقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم للدنيا كلها وسجل على مسامع القرون والأجيال قيام النظام الإسلامي، الذي يشكل الإطار العام للأمة الإسلامية، وترتبط به كافة النظم، كالنظام الاقتصادي ، والنظام الاجتماعي، والنظام السياسي الذي يعد النظام الإعلامي جزءا منه بكل مستوياته وأبعاده، فمن

ص: 83

الثابت أن كثيرا من الدراسات الإعلامية تؤكد هذا الارتباط الوثيق بين النظام الإعلامي والإطار العام للمجتمع (1) كما أن مقومات العملية الإعلامية الذاتية والموضوعية تؤثر على الظروف الاتصالية جملة، والمقومات الموضوعية هي البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية وكل القيم والعادات والتقاليد المرعية، التي تحكم العملية الإعلامية وتحكم عليها، ويظهر ذلك فيما يعرف بسياسات الإعلام ونظمه وتشريعاته التي ترتبط بأهداف وغايات النظام العام للمجتمع، ويقصد بها مجموعة المبادئ والقواعد الأساسية والأسس التي تشكل نسقا أو طريقة لتنظيم وإدارة وتوجيه النظام الاتصالي، وعادة ما تكون هذه الخطوط العريضة بعيدة المدى، وتتناول الأمور الأساسية، وتنبع من الأيدلوجيات الأساسية ، والظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والقيم الشائعة في المجتمع (2) ومن هنا تظهر أهمية التأسي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة الرائعة، وتخليص السياسات الإعلامية في عالمنا الإسلامي من الرؤى المرتبطة بالفلسفة المادية، والأفكار والتصورات الجاهلية الموضوعة، وصياغة سياسة إعلامية تنبثق من هدي الإسلام، وتلتزم به وتستمد معانيها من شريعته، وتستند في قوتها ومتانتها على الفكر الإسلامي الواعي، والضمير الإنساني الحي، والانتماء الوطني الصادق (3) .

(1) انظر مزيدا من التفاصيل عند د. سعيد محمود عرفة، الإعلام الإسلامي في ضوء نظرية النظم (بحث طبع في كلية التجارة، جامعة القاهرة) ص: 80.

(2)

انظر مزيدا من التفاصيل في هذا الجانب عند: د. ليلى عبد المجيد، سياسات الاتصال في العالم الثالث، (القاهرة: دار الطباعي العربي، 1986م) ، ص: هـ من المقدمة.

(3)

انظر مزيدا من التفاصيل في مقدمة سمو الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود وزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام في المملكة العربية السعودية، السياسة الإعلامية في المملكة العربية السعودية (طبعة وزارة الإعلام، 1404هـ) ص: 5.

ص: 84

8 -

أسلوب التكرار: ويظهر هذا الأسلوب في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي لخطبة حجة الوداع، فقد كرر صلى الله عليه وسلم كثيرا من مضامين خطبة حجة الوداع في خطبة يوم النحر، حيث جاء فيها عن أبي بكرة عن أبيه ذكر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (1) . ومن الثابت في الدراسات الإعلامية أهمية أسلوب التكرار في تغيير الرأي العام، وتعديل الاتجاهات (2) .

وللتكرار أهمية بالغة في العملية الإعلامية باعتباره يحقق الأهداف التالية:

أ) - جذب انتباه المستقبل: للرسالة الإعلامية ليقبل بعقله وحواسه لتلقي الرسالة وليبتعد في نفس الوقت عن مختلف عوامل التشويش التي تؤثر على فاعلية العملية الإعلامية.

ب) - التأكيد على أهمية الرسالة: وقيمها وضرورة استيعابها وحفظها.

9 -

أسلوب الحوار والتساؤل: ويظهر هذا الأسلوب في خطبة حجة الوداع في صدر الرواية الثانية

(1) أخرجه الإمام البخاري، صحيح الإمام البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني، مرجع سابق، جـ1، (ك: العلم، ب: رب مبلغ أوعى من سامع) ص: 156-157.

(2)

انظر د. محمد عبد القادر حاتم، الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية.

- والكتاب الثاني: الإعلام والدعاية، (بيروت: مكتبة لبنان، 1973م) ، ص:162.

- وانظر أيضا د. عبد الحميد حجازي، الرأي العام والإعلام والحرب النفسية، جـ1، (القاهرة: دار الرأي العام، 1987م) ، ص:212.

- وانظر د. منير حجاب، التفسير الإعلامي لصحيح البخاري، (القاهرة: دار الفجر، 1993م) ، ص:144.

ص: 85