الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تُرك، فوقع في خاطره الميلُ إليها، فاقتضى رأيه الشَّريفُ أن أظهر تغيُّظًا منها بسبب تقصيرها في بعض الخدمة، وحلف أنَّها لا تقيمُ بمنزله، فبادرت زوجتُه لبيعهَا بعد أن أمرها أن تأمرَ القاصد بعدم التوقُّف في بيعها بأيِّ ثمنٍ كان. قال: وكلُّ ما رُمْتيه مِنَ الزِّيادة على ذلك، أقومُ لك به، ففعلَتْ.
وأرسل هو الشيخَ شمس الدين ابن الضياء الحنبلي، فاشتراها له بطريقِ الوَكالة، وأقامت ببعضِ الأماكن حتى استبرأها، ثم وطئها، فحملت بولده القاضي بدر الدين أبي المعالي محمد.
وكان مولده في ثامن عشر صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستدعى صاحبُ التَّرجمة بالطَّلبة ونحوهِم يومَ السابع إلى منزلِ أمِّ أولاده، وعمل لهم شواءً، فكنت العقيقةُ عندها وهي لا تشعر. وأقام عند أمِّه وشيخُنا يتردَّدُ إليهما حتَّى بلغ الخبرُ أمَّ أولاده قبل انفصالِ الولد عَنِ الرَّضاع، فركبت هي أو أمها (1) مِنْ فورها إلى المكان الذي كانا به، وأحضرتهما معها إلى منزلها، فتركتهما ببعض المعازل إلى أن حضر شيخُنا مِنَ الركوب وليس عنده شعورٌ بما وقع، فاستخبرته عَنْ ذلك، فما اعترف ولا أنكر، بل ورَّى بما يُفْهَمُ منه الإنكارُ، فقامت وأخرجتِ الولدَ وأمَّه، فسُقِط في يده، وبادر فاختطفَ الولدَ، وذهب به إلى بعضِ مَنْ يثقُ به مِنَ النِّسْوَةِ بمصر، ثم توجهت إليه أمُّه بعد ذلك. ولم تزل به إلى أن زوَّجها بالزَّين عبد الصمد ابن صاحبِه الشَّيخ شمس الدين الزركشي، أحد مِنْ سمعنا عليه الحديثَ، واستمرت معه حتى ماتت (2).
[ابنه محمد]:
وأما الولد (3) فأشغله والدُه بحفظِ القرآن، فختمه.
(1) في (ب): "هي وأمها".
(2)
في (ب): "حتى مات".
(3)
مترجم في الضوء اللامع 7/ 20.
وصلى بالنَّاس على جاري العادة في رمضان سنة ست وعشرين وثماني مائة بالخانقاه الرُّكنيَّة البَيْبَرسية، وحضر الأعيان، وكتب قاضي القضاة العلاءُ ابن المغلي لصاحب التَّرجمة حينئذٍ ما سلف في الباب الخامس في فصل المطارحات. وأسمعه الحديثَ على الواسطي والفخر الدَّنديلي وجماعة.
وأجاز له باستدعاءِ والدَه في سنة مولده فما بعدها خلقٌ مِنْ كبار المسندين، ذكر الكثيرَ منهم والدُه في "معجم شيوخه"، ومنهم عائشةُ ابنَة محمد بن عبد الهادي، وأبو بكر بن الحسين المراغي.
وأثبت الحافظُ أبو النَّعيم اسمَه قديمًا فيمن يستجاز. وترجمه، فقال: سمع بقراءتي على عُثمان الدَّنديلي "جزء ابن حذلم"، وكتب عن والده باستملائي كثيرًا، وأجاز له خلقٌ لا يُحصَوْنَ، منهم عائشةُ ابنةُ ابن عبد الهادي. انتهى.
وكنتُ أسمع أنَّ والده صنَّف "بلوغ المرام" لأجله، ولا أستبعد لملك، فإنَّه كما تقدم- فرغ مِنْ تأليفه سنة ثمان وعشرين، لكنه ما تيسَّر له حفظه، بلى، حفظ يسيرًا منه ومِنْ غيره، وكتب عَنْ والده كثيرًا مِنْ مجالس الإملاء كما قرأت [ذلك بخط المستملي الذي أسلفت حكايته، ورأيت كثيرًا منها](1) بخط البدر المذكور. ولازم مجلسَه، حتَّى سمع عليه شيئًا كثيرًا مِنَ الكتب الكبار في رمضان وغيره.
واشتغل بالقيام بأمر القضاة والأوقاف ونحوها حتى فاق، وصارت له خبرةٌ تامَّة بالمباشرة والحساب، واشتدت محبَّة والده له، بحيث لا يصده عنه صادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، وللَّه درُّ القائل ممَّن توفي له عدَّة أولاد، ثم وُلدَ له بعدَ تعطّشٍ واشتياق:
أُحِبُّه حُبَّ الشَّحيحِ مالَه
…
قد كان ذاقَ الفَقْرَ ثُمَّ نَالَه
انتهى.
(1) ما بين حاصرتين ساقط مِنْ (أ).
وولي في حياته عدَّة وظائف، أجلُّها مشيخةُ الخانقاه البَيْبَرسية، وتدريس الحديث بالحسينية (1)، ناب عنه فيهما والدُه. والإمامةُ بجامع طولون، وغير ذلك.
وكان حَسَنَ الشّكالة، متكرِّمًا على عياله، قل أن يكون في معناه مِنْ نظرائِه مثله.
ولما مات والده، ما التفت لشيءٍ مِنْ وظائفه، حتى ولا ما يصلُح أن يكونَ باسمه، كالخَطَابَة بجامع عمرو، والخَزْن لكتب المحمودية، والمرتب بالجوالي، ونحو ذلك. نعم، جُهِّزَتْ له مربعة ببعض جوالي أبيه، فأباها.
وأمضى أكثرَ ما أوصى به والدُه مِنَ الصَّدقات ونحوها، وهو قدر كبير، بحيث قضى النَّاس العجبَ مِنْ ذلك، لكنه -عفا اللَّه عنه- ضيَّع ما كان الأولى به الحرص على بقائِه مِنْ تصانيفِ أبيه وغيرها ممَّا كتبه بخطِّه، ونقل أكثر ذلك لناظر الخاصِّ الجمال يوسف ابن كاتب جكم كما تقدَّم قريبًا وتفرقت شذرًا مذرًا مِنْ غير مُقابل في ذلك، بحيث لم يحصُل الانتفاع ممَّا لم يُبَيَّض في حياته إلا بما أعملت (2) الفكر في تحصيله منه بخطِّي، وهو شيء كثيرٌ، فللَّه الحمدُ.
وقد رأيت بخطِّ ابن أُخته هجوًا فيه، واستغفرُ اللَّه مِنْ حكايته:
قولُوا لخالي الَّذي قَدْ كُنْتُ راجيهِ
…
عِنْدَ الشَّدائِدِ في تَقْديمِ إخلالي
ضيَّعت كُتبًا بلا حقٍّ خَسِرْتَ بها
…
دُنْيا وأُخْرَى فَقَد آذيْتَ يَا خَالي
وأيضًا:
قولُوا لخالٍ قد غَدا خَالِيا
…
مِنْ عَقلِهِ والعِلْمِ والمَالِ
أخْلَيْتَ دَار الخَيرِ مِنْ كُتبِها
…
وَيْحَكَ مُذْ أدْعُوكَ يَا خالِ
(1) في (ب): "بالحسنية".
(2)
في (أ، ط): "أعلمت"، تحريف.
وأيضًا:
قولوا لذا الخَالِ الَّذي قَدْ غَدَا
…
مُسْتْنقِصًا قَدْرِي بإذْلالِ
اللَّه حَسْبِي وكَفَى عالِمًا
…
بالنَّقْصِ والإكْمَالِ يَا خَالي
وللَّه درُّ القائل:
وإنَّ ابْنَ أُخْتِ القوم مُصْغَى إناؤه
…
إذا لم يُزَاحِم خَالَه بأبٍ جَلْدِ
وحرصت كل الحرص أن يُقبل بعدَ موتِ أبيه على المُطالعة والاشتغال على بعض جماعةِ أبيه، كابن حسَّان وغيره، وكاد يوافق على ذلك، لكنَّه ما تمَّ.
وسمعت مَنْ يذكُر عَنْ شيخنا صاحبُ التَّرجمة أَنَّه كان يقول: قلَّ أن يجتمع الحظُّ لامرىءٍ في تسله وتصانيفه معًا. انتهى.
وقد حدَّث باليسير، وخرَّجت له "جزءًا"، وكتبَ على الاستدعاءات، وقابلَ معي بعضًا مِنْ تصانيف والده، وعُرِضَتْ عليه حِسبَةُ القاهرة ومصر، فما وافق، وكانت الخِيرَةُ في ذلك. وكذا التمس منه بذل شيء في عود وظيفة مشيخة الخانقاه، فتوقف إلا أن أُضيف النَّظرُ لها. ولم تكن همَّتُه منصرفة لشيءٍ مِنْ ذلك.
وقد حجَّ في حياة أبيه سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة، ثم بعده غير مرَّةٍ بتجمُّلٍ زائدٍ، ومصرفٍ كبير، وجاور، وأنشأ عدَّة أماكن في حياة أبيه وبعده، أنفد غالبها في النَّفقة مع ما تخلَّف مِنْ تركة والده عن آخره، بحيث يزيدُ ما صرفَه مِنْ بعد موته وإلى أن مات على ثلاثين ألف دينار، وكاد الحالُ أن يضيق، لكن جمَّل اللَّه تعالى ببركة والده.
وابتدأ به الوعك، وقاسى شدائد أقام فيها أزيدَ مِنْ مائة يوم، وتفتَّحت في أعصابه عدَّةُ أماكن، وتخلّى، وانتحل، وصار إلى هيئة أرجو أن يكفَّرَ عنه بسببها. كل ذلك وهو صابرٌ حامدٌ شاكر، إلى أن ماتَ مبطونًا شهيدًا يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الثَّاني سنة تسع وستين وثماني مائة، ودُفِنَ