الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وماتت رحمة في حياة أيوب عليه السلام وقيل: عشت بعده قليلاً، وماتت ودفنت بأرض الشام. والله أعلم.
[9]
حنة بنت فاقوذا
وهي زوجة عمران، وأخت زوجة زكريا عليه السلام وأم مريم عليها السلام تزوجها عمران، ولم تحمل منه وأسنت، ولم يكن لها ولد فأبصرت يوماً طائراً يطعم أفراخه، فتحركت لذلك نفسها، واشتاقت للولد، وتمنت أن يكون لها ولد حتى تحن عليه مثل هذا الطائر، فهنالك دعت إلى الله تعالى أن يهب لها ولداً، وقالت: اللهم لك علي بأن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس. فواقعها زوجها عمران، فحملت مريم ولفتها في خرقة من يومها، وحملتها إلى المسجد الأقصى، ووضعتها عند الأحبار، من أبناء هارون عليه السلام وقالت لهم: دونكم وهذه النذيرة. وذلك قوله تعالى: (فلمَّا وضعتها قالتْ ربِّ إنِّي وضعتها أنثى..) الآي، فتنافس فيها الأحبار، وكان عمران قد مات قبل الولادة، فطلبها زكريا ليأخذها وقال: أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فتقارعوا عليها فوقعت القرعة لزكريا عليه السلام قيل: إنها لم تلقم ثديا منذ ولدت، وقيل: إن أمها كانت ترضعها. وذكر في كتاب "تأريخ ابن الوردي": أن حنة أم مريم عليها السلام، وهي أخت إيشاع زوجة زكريا عليه السلام وذكر مثل ما سبق ذكره من دعاء حنة، وطلبها الولد بعد ما كبرت، وقيل: إن عمرها لما ولدت مريم كان ستين سنة، وقيل: إنها توفيت وقد بلغت مريم من العمر عشر سنين. والله أعلم.
[10]
مريم عليها السلام
بنت عمران بن آذن بن ماثين بن فيلقوس بن آسابن ياهوثا بن إينا بن رجعيم ابن سليمان عليه السلام بن داود عليه السلام بن اثيا بن سلمون بن عدن بن جابر ابن عسوار بن عمران بن دارم بن عمر قاص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام ابن اسحاق عليه السلام بن إبراهيم الخليل عليه السلام. وأمها حنة، وقد سبق الذكر في كيفية حملها، في ترجمة أمها. ومات أبوها عمران وأمها حامل بها، ولما وضعتها، و (
…
قالتْ ربِّ إنِّي وضعتها أنثى
…
) لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد وسمتها مريم.
قال في "المعالم": ومعنى مريم: العابدة والخادمة بلغتهم، وكانت مريم من أجمل النساء في وقتها، قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما منْ بني آدمَ [من] مولودٍ لا يمسُّه الشَّيطانُ حين يولدُ فيستهلُّ [الصبي] صارخاً منْ مسِّ الشيطانِ غيرِ مريم وابنها". ولما دخلت بها على الأحبار من أولاد هارون قالت: لهم دونكم وهذه المندورة. فتنافس فيها الأحبار، لأنها كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم وقد مات قبل ولادتها، فقال لهم زكريا عليه السلام: أنا أحق بها لان عندي خالتها. فلم ترض الأحبار. فتقارعوا عليها، فوقعت لزكريا، فتكلفها وذلك قوله تعالى: (
…
وكفَّلها زكريَّا
…
) وضمها إلى خالتها حتى إذا بلعت مبلغ النساء بنى لها زكريا محراباً في المسجد وجعل بابها في الوسط [لا] يرقى إليها [إلا] بسلم، وكان لا يدخل عليها غيره، يأتيها بشرابها وطعامها ودهنها كل يوم، وإذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب. قال [أبو] الحسن: منذ ولدت مريم لم تلقم ثدياً قط، بل كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا (
…
أنَّى لكِ هذا) معناه من أين لك هذا؟ قالت: (
…
هوَ منْ عندِ اللهِ
…
) تكلمت وهي صغيرة.
وذكر في "المصابيح" عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كملَ منَ الرِّجالِ كثيرٌ، ولمْ يكملْ منَ النِّساءِ إلا مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ امرأةُ فرعونَ وفضلُ عائشةُ على النساءِ كفضلِ الثَّريدِ على [سائرِ] الطَّعامِ".
وذكر في كتاب "كشف الأسرار": إنما سميت مريم من قولهم رمت غي طلبت ويقال: مرت في الطاعة كمرور الحوت في اليم، وسماها الله مريم باسمها سبع مرات في القرآن العظيم ولم يسم من النساء غيرها. وخاطبها فقال: (يا مريمُ
…
) ، كما خاطب الأنبياءَ، وقال: (واذكرْ في الكتابِ مريمَ
…
) كما قال لإبراهيم وغيره من الأنبياء. وقال: (
…
يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ
…
) .
ومن كراماتها: رزقها بغير حساب، كما أعطى سليمان، وقال:(هذا عطاؤنا فامننْ أو أمسكْ بغيرِ حسابٍ) ، وتكليم الملائكة لها، وإرسال جبرائيل إليها، وولادتها من غير مس، وبراءتها بلسان صبي، وضمها مع نبي في آية واحدة فقال تعالى: (وجعلنا ابنَ مريمَ وأمَّهُ آيةً
…
) وبهذا ذهب بعضهم إلى أنها نبية.
وذكر في "حلية الأبرار" قوله مريم عليها السلام ولقمان هل هما نبيان أم لا؟ فأجاب الشيخ محي الدين النووي: إن الجماهير على أنهما ليسا نبيين، وقد شذ من قال في نبوتها، ولا التفات إليه، ولا تعريج عليه.
وذكر في كتاب "شرح اللآلي"لعلي القادري قوله: ظاهر الأدلة يشير إلى نفي النبوة عن الأنثى، وعن ذي القرنين ولقمان ونحوهما كتبع، فإنه صلى الله عليه وسلم قال:"ولا ادري أنّّهُ نبيٌ أمْ ملك"، وكالخضر عليه السلام فإنه قيل: نبي، وقيل: ولي، وقيل: رسول على ما في "التمهيد" فلا ينبغي لأحد أن يقطع بنفي أو وذكر في "شرح الجوهرة": أن النبي الذي تظهر المعجزة على يده فذلك يحكم بنبوته وعلى هذا [ال] قول قد ذكر صاحب "كشف الأسرار" ما ظهر على مريم من المعجزات وعد منها: كان يأتيها رزقها، وتكليم الملائكة لها، وحملها بعيسى من غير رجل. فعلى قول صاحب "كشف الأسرار" أنها نبية والله أعلم.
وذكر في "شرح الجوهرة": قيل بنبوة مريم بنت عمران كما اختاره القرطبي في "شرح مسلم" وآسية امرأة فرعون، وقيل: بعدم نبوتهما كما هو الصحيح وعليه الأكثر، فإن قلت: فقد صح الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه من طرق عدة "خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مزاحم امرأةُ فرعون، وخديجةُ، وفاطمةُ". وصح أيضاً حديث ابن عباس رضي الله عنه: "أفضلُ نساءِ الجنَّةِ خديجةُ وفاطمةُ ومريمُ وآسية" فهذا يقتضي التسوية بينهن، فيعارضه قوله تعالى (
…
إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ واصطفاكِ على نساءِ العالمين) وقد تحمل على نساء العالمين في زمانها، وفضل مريم من حيث الاختلاف في نبوتها وذكرها في القرآن مع الأنبياء عليهم السلام. وقد اختلف بنبوتها، ممن قال بنبوتها فقد احتج بقوله تعالى: (وجعلنا ابنَ مريمَ وأمَّهُ آيةً
…
) وغيرها من الآيات الدالة على نبوتها، ومن قال أنها ليست بنبية احتج بقوله: (وجعلنا
…
) أي شانها آية، وقيل: معناه جعلنا كل واحد آية.
واختلف العلماء في كيفية الإيمان بالأنبياء المتقدمين الذين نسخت شرائعهم، وحقيقة الخلاف أن شرعه لما صار منسوخاً فهل تصير نبوته منسوخة؟ قال: إن نسخ الشريعة لا يقتضي، نسخ النبوة قالوا: نؤمن بأنهم أنبياء ورسل في الحال، وقد تنبه لهذا بعض الفضلاء، وقد ذكر في "الفقه الأكبر" قوله صلى الله عليه وسلم:"كملَ منَ الرِّجالِ كثير، ولمْ يكملْ منَ النِّساءِ إلا ثلاثةَ: مريمُ وآسيةُ وخديجةُ".
وذكر في "المعلم" في تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتابِ مريمَ إذِ انتبذتْ منْ أهلها مكاناً شرقياً) أي تنحت واعتزلت من قومها مكاناً في الدار مما يلي الشرق، وكان يوماً شاتياً شديد البرد، فجلست في مشرفة تفلي رأسها وقيل: إنها طهرت من الحيض فذهبت للغسل فضربت ستراً وتجردت للغسل من الحيض إذ عرض لها جبرائيل في صورة شاب أمرد، فلما رأته يقص نحوها نادته من بعيد، قوله تعالى:(إنِّي أعوذُ بالرَّحمنِ منكَ إنْ كنتَ تقياً) فقال لها جبرائيل: (إنَّما أنا رسولُ ربِّكِ لأهبَ لكِ غلاماً زكيّاً) فقالت له مريم: (
…
أنَّى يكونُ لي غلامٌ ولمْ يمسسني بشرٌ ولمْ أكُ بغيّاً) فقال لها جبرائيل: (
…
كذلكَ قالَ ربُّكِ هوَ عليَّ هيِّن
…
) ثم رفع جبرائيل درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبست درعها، وقيل نفخ في كم قميصها، وقيل: في فيها، وقيل: نفخ من بعيد فوصل إليها الريح إليها فحملت وتنحت بالحمل وانفردت بعيداً من أهلها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة، وقيل: في تسعة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقال مقاتل: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وعمرها إذ ذاك عشر سنين، ولما ولدته حملته في الحال إلى قومها فأنكروا عليها. وذلك قوله تعال:(يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امرأ سوءٍ وما كانت أمُّكِ بغيَّاً) فلما سمعت إنكارهم وقولهم (فأشارتْ إليهِ) أي كلموه (قالوا كيفَ نكلِّمُ من كان في المهد صبياً) فقال له زكريا عليه السلام: أنطق بحجتك إن كنت أمرت بها. وقيل لماسمع عيسى عليه اليلام كلامهم وإنكارهم اتكأ على يساره، وترك الرضاع وأقبل عليهم يشير بيمينه (قال إنِّي عبدُ اللهِ آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيّاً، وجعلني مباركاً أينَ ما كنتُ وأوصاني بالصلواتِ والزَّكوة ما دمتُ حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقياً، والسَّلام عليَّ يومَ ولدتُ ويوم أموتُ ويومَ أبعثُ حيَّا) فلما كلمهم صدقوا وعلموا براءة مريم، عليها السلام. ثم سكت عيسى بعد ذلك فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان.
وذكر في كتاب "كشف الأسرار": أن أسماء عيسى عليه السلام أربعة: عيسى، وكلمة، ومسيح، وروح، فعيسى هو: الأبيض في اللغة، ويقال: غير هذا الاشتقاق له. وروح لأنه من ريح جبرائيل، ويقال: لا بل خرج من الماء من تربة أمه إلى رحمها بنفخة جبرائيل، وهو من الماء لا من الريح، ويقال: ولد من ساعته، ويقال: لثمانية أشهر، ويقال: للمدة الكاملة، وأما تسميته كلمة فلأنه صار بكلمة مخلوقاً وسماه مسيحاً لأنه كان يسيح في الأرض، ويقال: ولد ممسوحاً بالدهن، ويقال: لأنه كان يمسح الضر عن الأعمى والأكمه والأبرص ويقال: المسيح الذي لا يكون لقدميه أخمص. وفيه أيضاً: لما أمرها بهز جذع النخلة بقوله تعالى: (وهزِّيَ إليكِ بجذعِ النَّخلةِ تساقطْ عليكِ رطباً جنيّاً) قيل: لأنها من ولد بغير أب فقال لها ذلك، فهزت بجذع يابسة بلا فحل ولا طلح طلع، لها أربع عجائب: الرطب من نخل يابس بلا فحل كيلا تعجب من ولد بغير أب ولا مس. وفيه أيضاً، لم أجري النهر بغير سعيها ولم يعطها الرطب إلا بسعيها؟ قيل: لان الرطب غذاء وشهوة. والماء سبب للطهارة والخدمة، ويقال: لما كانت وحيدة بعث إليها طعاماً من الجنة بلا سبب، فلما ولدت جاءت الواسطة فأمرها بهز النخلة. وذكر في "تاريخ ابن الوردي" ناقلاً من "الكامل" لابن الأثير قال: ولدت مريم عيسى في بيت لحم سنة أربع وثلاثمائة لغلبة الاسكندر، ولهبوط آدم عليه السلام خمسة آلاف وخمسمائة وأربع وثمانون، ولطوفان نوح عليه السلام ثلاث آلاف وثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة، ولمولد إبراهيم عليه السلام ألفان ومائتان وإحدى وستون، ولوفاة موسى عليه السلام ألف وسبعمائة وست عشرة سنة، ولابتداء ملك بخت نصر سبعمائة وثمان وثلاثون سنة، وقبل الهجرة بستمائة وإحدى وثلاثين سنة، ولما ولدته أتت به قومها تحمله فأخذوا الحجارة ليرموها ويرجموها فتكلم عيسى وهو في المهد معلقاً في منكبها (قال إني عبد الله..) الآية، فلما سمعوا كلام عيسى تركوها، فأخذته مريم وسارت به إلى مصر مع ابن عمها يوسف النجار ابن يعقوب، وزعم بعضهم أن يوسف تزوج مريم، ولم يقربها، ويوسف هذا هو أول من أنكر حملها ثم تحقق براءتها وسار معها، فأقاما في مصر اثنتي عشرة سنة، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة وبها سميت النصارى، وأقام بها حتى أرسل وقد صار له من العمر ثلاثون سنة، وابتدأ بالدعوة لستة أيام خلت من كانون الثاني، وأظهر المعجزات، وأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، ولبس الصوف والشعر، وأكل من نبات الأرض، وبما تقوت من غزل أمه، وجعل من الطين طيراً، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء.
والحواريون الذين اتبعوه اثنا عشر، وهم: شمعون الصفا، وشمعون القناني، ويعقوب بن زيدي، ويعقوب بن خلفي، وقولوس، ومارقوس، واندراوس، وتمريللا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى.
ولما رفعه الله إلى السماء وقال اليهود ما قالوا، أنزله الله من السماء إلى أمه مرين وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفعني إليه، ولم يصبني إلا الخير وأمرها فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض رسلاً عن الله. ثم رفعه الله تعالى وتفرق الحواريون. وكان رفعه لمضي ثلاثمائة وست وثلاثين من غلبة الاسكندر، وكان بين رفع عيسى ومولد النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة وخمس وأربعون سنة تقريباً.
وعاشت مريم عليها السلام ثلاثاً وخمسين سنة، وحملت بالمسيح ولها ثلاث عشرة سنة، وحاضت قبل حملها حيضتين، وعاشت مجتمعه معه ثلاثاً وثلاثين سنة، وبقيت بعد رفعه ست سنين.
وكان ملك اليهود الذي هم بقتل عيبس اسمه هردوس. قال ابن سعيد: وكانت اليهود قد جدت في طلبه فحضر بعض الحواريين إلى هردوس ملك اليهود، وقال له ولجماعة اليهود، ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح. فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فرفع الله المسيح إليه وألقى شبهه على الذي دلهم عليه، فقبضه اليهود وربطوه بحبل وقادوه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتي، أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل ويبصقون في وجهه، ويلقون عليه الشوك وهو يستغيث بهم ويقول لهم: أنا فلان وهم لا يصدقونه وصلبوه على الخشبة ست ساعات ثم استوهبه يوسف النجار من هردوس ودفنه في قبر كان يوسف قد أعده لنفسه ثم ظهر لهم أنه هو الحواري الذي دل على عيسى، وأنزل الله عيسى على أمه وهي تبكي واجتمع بالحواريين وبعثهم رسلاً إلى البلاد.
وبزعمهم قال متى في إنجيله: إن المسيح قال: إني أرسلتكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم، فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن والروح القدس.
قلت: تعالى الله عن ذلك علواً كثيراً، إنما هذا من كلامهم، فإن كلام الله قوله تعالى:(لا تدع مع الله إلهاً آخر)(إنما هو إله واحد) وقال تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) والظاهر أن قول عيسى عليه السلام لهم: "الحق ليكفرن لبين أحدكم" يحتمل أنه أراد به متى، وقوله: ليبيعني.. ذلك الذي دل اليهود عليه،، اخذ ثلاثين درهماً ثم صلب [بعد] ذلك.
ومن فضائح النصارى، ذكر في كتاب "تخجيل من حرف الأناجيل": أن للنصارى كنيسة يحجون إليها، ويزعمون أن يد الله تخرج إليهم من وراء الستر فتصافحهم في يوم من السنة، فبلغ ذلك بعض ملوكهم، فمضى إلى الكنيسة في ذلك اليوم، فلما ظهرت اليد قربها الأقساء إليه ليقبلها فقبضها، فصاح به الأقسة قالوا: الساعة تخسف بنا الأرض فقال: دعوا عنكم، لا أضعها حتى أرى صاحبها. فقالوا له: رجعت عن دينك فقال: لا، ولكني أردت معرفة ذلك فقالوا: إنها يد أسقف من أصحابنا فلا تفضحنا.
ومن فضائحهم: كان في الروم كنيسة يحجون إليها في يوم من السنة فيرون صنماً بها، إذا قرئ الإنجيل بين يديه در ثدياه، وخرج منهما اللبن، فبحث ملكهم عن ذلك فوجد القيم قد نقب من وراء الجدار طاقة وهندمها حتى أوصلها ثدي الصنم وجعل فيها أنبوبة من نحاس. وأخفاها فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها لبناً فيخرج من ثدي الصنم ويقطر قطة قطرة، فلا يشك من حضر أنها آية، فلما علم ملكهم ضرب عنق القيم وحلف أن لا يبقي في الكنائس صوراً، وكفر بعضهم [ب] بعضٍ.
وزعم النصارى: أن المسيح علم هذه الأقوال إلى الحواريين، ويقولون: إنها سورة ويسمونها فاتحة الأناجيل وهي: أبانا الذي في السموات، قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، كما في السماء كذلك يكون على وجه الأرض. آتنا خبزنا قوتاً في اليوم، واغفر لنا ما وجب علينا، كما نحب أن تغفر لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لك المجد والقوة والملك إلى الأبد. آمين فانظر رحمك الله إلى هذه الألفاظ وانظر إلى فاتحة الكتاب، فبين الفاتحة وبين هذه الكلمات كما بين الأرض والعرش لا السحاب.
ومما يقرءونه في الساعة الأولى من صلاتهم: المسيح الإله الصالح، الطويل الروح، الكثير الرحمة، الداعي الكل إلى الإخلاص، قلت: إذا كان المسيح هو الإله فلم لا خلص نفسه من الصلب كما يزعمون، إنما هو كلمة الله وروح منه. (وما صلبوه ولكن شبه لهم..) ويقرءون في صلاة السحر: تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا. وقاله تعالى (يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحث إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم..) .
فتعساً لهم ما أظلمهم وأعمى أبصارهم. ولهم من هذه الخرافات والكفريات أشياء كثيرة، فمنها أنهم يقرءون في الساعة الثالثة من صلاتهم: يا والدة الله يا مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة. وغير ذلك مما تنفر عنه الطباع.
ومن فضائحهم: أنه ظهر لهم في الموصل دين جديد سنة ألف ومائة وثلاث وتسعين أتت به البواتر من بلاد الفرنج، ويسمونه المسيحي، وهو أراجيف من الأول، وصارت غالب نصارى الموصل على ذلك الاعتقاد، وجعلوا يلعنون من مات قبلهم من آبائهم وأمهاتهم، ويشهدون عليهم بالكفر، فلعنهم الله وأخزاهم، ولي فيهم قصيدة ذكرت فيها فضائحهم، وقد ذكرتها في كتابي "الدر المنتشر في أدباء القرن الثالث عشر". وذكر ابن الأثير، أنه اجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة في مدينة القسطنطينية بمحضر من ملكهم قسطنطين، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً واتفقوا على هذه الكلمات اعتقاداً ودعوة، وهي قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الوحيد إيسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع. غله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء، الذي من أجلنا وأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد في روح القدس، وولد من مريم البتول، وصلب ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه وبمعمودية واحدة، ولغفران الخطايا، وبالجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين.
فانظر وفقك الله بين هذا المعتقد السخيف، والإيمان الصادق الطاهر العفيف [في] قولنا: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى.
وذكر في "النقاية" أن العالم حادث، وصانعه الله واحد قديم لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء لذاته، وذاته مخالف لسائر الذوات، وصفاته: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر، والكلام القائم بذاته المعبر عنه بالقرآن المحفوظ بألفاظه المقروءة [ال] القديم، منزه عن التجسم واللون والطعم والعرض والحلول، ليس كمثله شيء، وما ورد في الكتاب والسنة نؤمن به، والقدر خيره وشره منه. أرسل رسله بالمعجزات الباهرات وختم بهم محمداً صلى الله عليه وسلم ونعتقد أن عذاب القبر حق، وسؤال الملكين حق، وأن الحشر والمعاد حق، وأن رؤية المؤمنين له تعالى حق، وأن المعراج بجسد المصطفى صلى الله عليه وسلم حق يقظة، وأن نزول عيسى بن مريم قرب الساعة وقتله الدجال حق، وأن رفع القرآن حق، وأن الجنة والنار حق مخلوقتان اليوم، وأن الجنة في السماء، والنار تحت الأرض السابعة، ونعتقد أن الموت بالأجل فإذا [قال] الإنسان هذه الأشياء واعتقدها فقد حظي بالإيمان الكامل.
وفي سنة ألف مائتين وواحد قرأت ما ذكره ابن الأثير من معتقد النصارى على قس للنصارى فقال: هذا هوالإيمان الكامل؟ فسحقاً له من إيمان كامل، إنما هو ناقص وكفر محض، وكلام أساقفة وشمامسة لعنهم الله ما أظلمهم وأعمى أبصارهم.