الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلاج العشق، قال في "الفوائد": لا شيء أنفع للعاشق من وصال المعشوق، وإن لم يتّفق بالوجه الشرعي، فتسليط العجائز على العاشق حتى تُكرِّهه المعشوق بإظهار بعض العيوب. وإن كان من أهل الكمال فتنفعه النصيحة والاستهافة، وإلا بتصوير صورة المحبوب، وإلا فبالاشتغال بالعلوم العقلية والمحاكاة، وكثرة الجماع واللعب، وإلا فبسفر طويل، وقال في الأسباب: الجماع لغير المعشوق ينقص العشق. وقال في الكامل: ينفع العاشق الرياضة المعتدلة والنظر إلى البساتين والمزارع والأزهار، ويهيج العاشق المخاصمة والمنازعة، وذكر بعضهم: أن عظم اللقلق إذا علق على العاشق سلى عن محبوبه، وكذلك أربع شعيران نيل محلول بالماء إذا شربه العاشق سلي. وفي ذكر العشاق المشهورين في الآفاق ما حكى، أن الملك العزيز الأيوبي كان في أيام أبيه السلطان صلاح الدين يوسف يهوى جارية فبلغ أباه ذلك. فمنعه عن صحبتها، فحزن ولم يقدر على الاجتماع بها، فأرسلت له الجارية مع خادم لها كرة عنبر، فكسرها فوجد فيها زراً من الذهب فلم يفطن لذلك فحدث به القاضي الفاضل، فأنشد القاضي:
أهدت لك العنبر في وسطه
…
زرٌّ من التبر رقيقُ اللحام
فالزرُّ بالعنبرِ تفسيرهُ
…
زر هكذا مستتراً في الظلامِ
ففهم الملك العزيز المراد واجتمع بها في الليل، وحكى الجاحظ أن محمد بن حميد الطوسي كان جالساً مع ندمائه وقد أخذ الشراب برؤوسهم إذ غنت جارية له من وراء الستارة هذين البيتين شعراً:
يا قمرَ القصرِ متى تطلعُ
…
أشقى وغيركَ يستمتعُ
إن كان ربّي قضى كل ذا
…
منك على رأسي فماذا أصنعُ
وكان على رأس محمد غلام أحسن ما يكون، وبيده قدح فوضعه، وقال: تصنعين مثل ذا، وألقى بنفسه من الدار إلى دجلة، فلما رأت الجارية ذلك هتكت الستارة وألقت بنفسها على إثره فغرقا جميعاً فحزن لذلك محمد، وقطع الشراب شهراً كاملاً.
وذكر في كتاب "ديوان الصبابة" أن رجلاً من بني عذرة عشق جارية فراسلها، وأظهرت له الجفاء فوقع مضنى، وظهر أمره فلم تزل النساء يكلمن الجارية حتى جاءت تعوده فلما دخلت عليه ونظر إليها بكى، وأنشد يقول شعر:
أريتك إن مرّت عليكِ جنازتي
…
تلوحُ بها أيدٍ طوالٍ وشرّعِ
أما تتبعين النّعشَ حتى تسلمي
…
على رمم ميّت بالحفيرة مودعِ
فبكت الجارية رحمة له، وقالت: ما ظننت الأمر يبلغ بك إلى هذا، فوالله لأواصلك متى عوفيت فهملت عيناه بالدمع. وأنشد:
دنت وحياض الموت بيني وبينها
…
وجادت بوصلِ لا ينقطع الوصلُ
وشهق ومات فوقعت عليه الجارية تبكي، وأغشي عليها، وما مكثت بعده إلا أياماً قلائل، وماتت.
وحكى أحمد بن الفضل: أن غلاماً وجارية كانا في كتاب فعشق الغلام الجارية، ولم يزل يتلطف بمعلمه حتى قربه إليها، فكتب الغلام في لوح الجارية هذا البيت. مفرد:
ماذا تقولينَ فيمنْ شفّه سقم
…
منْ طولِ حبّك حتّى صارَ حيرانا
فقرأته الجارية وذرّفت عيناها بالدموع رحمة له، وكتبت تحته: مفرد:
إذا رأينا محبّاً قدْ أضرَّ به
…
طولُ الصبابةِ أوليناهُ إحسانا
فقدم المعلّم، وسمع ذلك، فأخذ اللوح وكتب فيه هذين [البيتين: شعر] .
صلي العريفَ ولا تخشينَ منْ أحدٍ
…
إن العريفَ صغيرُ السنِ ولهانا
أمّا الفقيهُ فما يسطوا إذاً أبداً
…
لأنّه قدْ بُلي بالعشقِ ألوانا
وحكي: أنّ بعض الأدباء كان يعشق جارية فقالت له: أنت صحيح الحبّ كامل الوفاء؟ فقال: نعم. قالت: فامض بنا حيث شئت. فلمّا حصلت في منزله لم يكن له همّة، إلاّ أن رفع ساقيها، وجعل يجامعها بجميع جواره، فقالت له، وهي في القالب، وأنشدت، مفرد:
أسرفتَ في.. و.... مصلحة
…
أرفق بصبّك إنّ الرِّفق محمود
فأجابها وهو في عمله لا يفترّ عنه. مفرد:
ولمْ
…
منْ تبقى مودّته
…
لكن
…
هذا فيك مجهود
فنفرت من تحته، وقالت: أراك يا فاسق على خلاف العادة كأنك جماعي سببا لذهاب حبّك، والله ما جمعني وإياك بعد هذا سقف. انتهى.
[12]
قطام
هي من الخوارج، وهي امرأة من تيم الرّباب، وكانت فائقة الجمال، وكان قد قُتل أبوها وأخوها يوم معركة النّهروان، في قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوارج فلقيها ابن ملجم لعنه الله، فأحبّها وهام بها، ثم أرسل إليها يخطبها لنفسه، فقالت له، لا أتزوجك حتى تُشفي قلبي! قال: ما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف. وعبد، وقنية، وقتل علي بن أي طالب رضي الله عنه فقال اللعين: أما قتل علي رضي الله عنه فأراك ذكرته وهو قصدي، وأنت تريديني! فقالت: أريد ألتمس الغرّة فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قُتلتَ فما عند الله خير وأبقى من الدنيا وما فيها، فقال لها: والله ما جاء بي إلا قتل علي رضي الله عنه ولك ما سألت. فقالت له: سأطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك، فدعت رجلاً من قومها، اسمه وردان وكلّمته بذلك، فأجابها إلى ما طلبت، واتّفق مع ابن ملجم، وسارا إلى قتل علي. فكان من ابن ملجم ما كان، وغدر بعلي رضي الله عنه وقتله، ثم قُتل ابن ملجم لعنه الله وفي قطام يقول ابن أبي ميّاس المرادي:
ولمْ أرَ مهراً ساقهُ ذو سفاهةٍ
…
كمهرِ قطام بينَ عُربٍ وأعجمِ
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٍ وقنيةٍ
…
وضربُ عليٍّ بالحسامِ المسمّمِ
فلا مهرَ أغلى منْ عليِّ وإن غلا
…
ولا فتكَ إلاّ دونَ فتك ابنِ ملجمِ
وفي ابن ملجم لعنه الله يقول شاعر الخوارج، وقوله خطأ: شعر:
يا ضربة منْ تقيٍّ ما أرادَ بها
…
إلاّ ليبلغَ منْ ذي العرشِ رضوانا
إنّي لأذكرُه يوماً فأحسبهُ
…
أوفى البريّة عند اللهِ ميزانا
ولله درّ أخي أمين العمري حيث غيّرهما، وحرّفهما فأصاب: شعر:
أيا ضربة منْ شقيِّ ما أرادَ بها
…
إلاّ ليدخلَ يومَ البعثِ نيرانا
إنّي لأذكرُه يوماً فأحسبهُ
…
أوفى البريّةَ عند اللهِ خُسرانا
ذكر المؤرخون أنّ عليّاً، رضي الله عنه لمّا اصطلح مع أهل الشام على التّحكيم، وكتبوا بذلك محضراً، غضب القرّاء، واعتزلوا عليّاً رضي الله عنه، وقالوا: كفر عليٌّ، وكفر معاوية، وارتحلوا عن علي رضي الله عنه ونزلوا حرزراء بقرب الكوفة، وهم ستّة آلاف مقاتل، [وقيل] : ثمانية آلاف، وقيل: أربعة آلاف، وقيل: ألف وأكثر، وقيل: غير ذلك، وبايعوا عبد الله بن وهب الرّاسبيّ وخرج بهم إلى النّهروان، فتبعهم علي رضي الله عنه فأوقع بهم، وقتل منهم ألفين، وثمانمائة، وقيل: قُتلوا عن آخرهم، وقُتل من أصحاب علي رضي الله عنه سبعة، أولهم يزيد بن نويرة، شهد أُحداً.
وذكر في شرح ذات الشفاء سميت الخوارج طائف الكلاب لقوله: صلى الله عليه وسلم "الخوارج كلاب النار" وقال في شرح المواقف: كانوا بع فرق من قبائل شتى، واعتقادهم يخالف بعضهم بعضا، وذكر في شرح ذات الشفاء: أن الخوارج اجتمعوا وقالوا: إن علي رضي الله عنه والحجاج بن عبد الله الضميري لقتل معاوية وزادويه العنبري التميمي لقتل عمرو بن العاص، ودبروا أن يكون مقتل لثلاثة ليلة السابع عشر من رمضان، فدخل ابن ملجم الكوفة، واشترى سيفاً بألف وسقاه السم وكمن لعلي رضي الله عنه ليلة السابع عشر من رمضان، فلما خرج علي رضي الله عنه إلى صلاة الفجر ضرب ابن ملجم على يأفوخه، وضرب معاوية في تلك الليلة فخرجت أليته، وكان معاوية كبير الأوراك فقطع منه عرق النكاح، فلم يولد له بعد ذلك، وأما وزادويه فضرب إمام الجماعة في تلك الصلاة ليلة سبع عشرة، وكان نائب عمرو ولأنه وجعه بطنه فأناب عنه خارجة بن حذاقة فقتله، فلما تبين أنه خارجة قال: أردت عمرو، وأراد الله خارجة، فذهبت مثلاً، وفي ذلك يقول عبد المجيد بن تعبدون الأندلسي: شعر.
وليتها إذْ فدت تعمراً بخارجةِ
…
فدتْ علياً بما شاءتْ من البشرْ
وسلم عمرو كمان يقول ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة، وقال معاوية:
نجوت وقد بلَّ المرادي سيفهُ
…
من ابن شيخ الأباطح طالبِ
ولما ضرب معاوية بض على الحجاج، فقال لهم: لكم البشارة فقد قتل علي رضي الله عنه في هذه الليلة، وحكى لهم ما عزموا عليه فاستبقاه حتى أتاه الخبر بذلك فقطع يده ورجله وأطلقه فسكن البصرة.