الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهي زوجة سلام بن مشكم اليهودي، كانت من أهل البغي والغدر، وهي التي سمت الشاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرت السم في الذراع، لأنها بلغها أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الذراع، فأكل منها صلى الله عليه وسلم وأكل معه بعض أصحابه، ثم أحس به صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه، "ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني، أي الشاة، أنها مسمومة". فكف الصحابة أيديهم، ثم قال، صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اجمعوا من هنا من اليهود، فجمعوهم فسألهم صلى الله عليه وسلم عن أشياء فأجابوا، وكذبهم صلى الله عليه وسلم ثم قال لهم: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم فقال صلى الله عليه وسلم: ولم ذاك؟ قالوا أردنا بذلك إن كنت كاذباً استرحنا منك، وإن كنت نبياً مرسلاً لم يضرك منها شيء، فعفى صلى الله عليه وسلم عن اليهودية ولم يعاقبها، ومات بعض من أكل من ذلك الطعام ثم إنه صلى الله عليه وسلم بعدما كلمته الشاة، وأخبرته أنها مسمومة، ومنع أصحابه من الأكل، احتجم من أجل ذلك على كاهله، وممن مات من ذلك السم بشر بن البراء، فقيل: إنه صلى الله عليه وسلم دفع اليهودية إلى أهل بشر فقتلوها، والصحيح أنه عفى عنها صلى الله عليه وسلم وقال ابن إسحاق: إن المسلمين ليرون أنه ما تصلى الله عليه وسلم شهيداً يعني من ذلك السم، لأن في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: إن أكله خيبر ما زالت توجعه وتعادوه حتى قطعت أبهرة. والأبهر عرق في الظهر وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك في مرض موته. وحكي: أن الإمام عمر رضي الله عنه أهدى له ملك الروم سماً في زجاجة، وقال له: إذا أردت أن تهلك أحداً من أعداءك فضع قطرة من هذا الطعام وأطعمه، فإنه يموت لوقته، فأخذ عمر رضي الله عنه الزجاجة من يد الرسول وقال: إن شر العداة لي نفسي، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم وشرب ذلك السم كله فلم يضره شيئاً بأذن الله. وجعل رسول ملك الروم يتعجب من ذلك وظن أنه يموت من ساعته. وهذا الذي فعله الإمام عمر رضي الله عنه ترغيباً في الإسلام. وإلا فإن السم أثر فيه صلى الله عليه وسلم وكذا في الحسن بن علي رضي الله عنه فإن زوجته سقته السم ومات به وهي جعدة بنت الأشعث، دس إليها يزيد أن تسم الحسن رضي الله عنه ليتزوجها، وبذل لها مائة ألف درهم فتابعته، وفعلت ما أمرها، فمرض الحسن رضي الله عنه أن يخبره من سقاه السم فلم يخبره وقال له: إني لأجد كبدي ينقطع وإني لعارف من أين دهيت، فأنا أخاصمه إلى الله، فبحقي عليك لا تكلمن في ذلك بشيء وتوفي سنة تسع وأربعين، ولا يبعد ذلك عن الإمام عمر، رضي الله عنه إنه شربه ولم يضره، فإن الإمام عمر رضي الله عنه به أظهر الله الدين، وكان إسلامه بدعوة رسول الله حين قال"اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين". وفي رواية بأعز الرجلين. فأسلم عمر رضي الله عنه وكراماته كثيرة، وهذه من بعض كراماته، وذكر في كتاب "نصاب الاحتساب ". أنه كانت زلزلة في الأرض، في خلافة عمر رضي الله عنه فخرج مع أصحابه وضرب بالدرة على الأرض، وقال: اسكني بإذن الله. فسكنت وهذه أعظم من شرب السم. وقيل: إن ماء النيل في مصر غار مرة في زمن عمر رضي الله عنه فسأل عمر رضي الله عنه: أكان قبل الإسلام؟ فقالوا: نعم. قال: فما كانوا يصنعون به؟ فقالوا: يوقعون فيه بيتاً بكراً بثيابها وحليها فينبع الماء. فكتب عمر رضي الله عنه: من عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى وادي النيل، أما أنا فلا أشتغل برسم الجاهلية، ولكن سر بإذن الله تعالى، وأمر تلك الورقة أن تلقى في النيل، ففعلوا فنبع الماء، وهو يسير كذلك إلى يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[10]
سجاح بنت الحارث التميمية
كانت صاحبةُ نيرنجات وشعبذات، وبلغ منها أنها ادّعت النبوة، وذلك في العام الذي تُوفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعها بنو عمِّها، وأظهرت لهم أنها أُنزل عليها سورة مِثل القرآن، فمنها: يا أيها المتَّقون لنا نصفُ الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريش يبغون. فتبعها بنو عمّها بنو تميم، وأخوالها بنو تغلب وبنو ربيعة، وعظُمتْ عندهم، وكثرت جيوشها واشتهرت بين الناس، وأظهرت دعوتها، وقصدت مُسيلمة الكذّاب، وكان في اليمن مقامه، وقومه بنو حنيفة، وهو الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم [في وفد بني حنيفة وأسلم وأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم] لكل واحد بخمس أواق من الفضة، فقال مسيلمة: إن جعل لي هذا الأمر من بعده اتّبعته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لو سألتني هذا ما أعطيتك؛ وكان بيده عسيبُ نخل، فلمّا رجع عدوّ الله إلى مكانه ارتدّ، وادّعى النبوّة استقلالا، ثم مشاركة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وذُكر في "مختصر ابن الوردي": لمّا قُتل حمزة رضي الله عنه قال بعضهم: ويل لوحشيٍّ من النار! فقال صلى الله عليه وسلم: "أمّا حمزة فأجله قد انقضى، وأما وحشي فسوف يدرك الشرف من بعده". فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "هو يقتل مُسيلمة الكذّاب" فكان كما قال.
ولما قربت سجاح من اليمّامة، خرج إلى قتالها مسيلمة، ونزل قريبا منها، ثم أرسل لها مسيلمة قبّة مبخّرة، بخّرها بالعود والعنبر والمسك، وطيّبها، وسبب ذلك الطيب أن النساء إذا شممن رائحة الطيب هجن للجماع، فسارت سجاح إليه ودخلت القبّة، واجتمعت به تحت القبّة وقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: ألم تر كيف فعل ربُّك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاوق وحشا، ثم قالت: ما أنزل عليك أيضا؟ قال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهنّ أزواجا، لهنّ أزواجا، فيولجن فيهنّ أولاجا، ثم يخرج ما يشاء إخراجا. فقالت: أشهد أنك نبي: حق، فقال: هل لكِ أن أتزوّجكِ؟ قالت: نعم. فقال لها، وأرجز، لعنه الله:
ألا قومي إلى
…
... فقد هيي لك المضجع
فإن شئت ففي البيت
…
وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت ضجعناك
…
وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه
…
وإن شئت به أجمع
فقالت: بل به أجمع يا رسول الله! فقال لها: وبذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاث ليال. ثم خرجت من عنده، وقدمَت إلى عند قومها، وهم لها منتظرون فلما دنت منهم سألوها عنه، فقالت: وجدته نبيا حقا فاتبعته وصدّقت به، ثم بعث مسيلمة يخطبها من قومها، فزوّجوه إياها، وطلبوا مهرها منه. فقال لهم: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر. وذلك لزيادة تأكيدها بالفريضة لقوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
…
" الآية. قيل: هي صلاة العصر. فبنو تميم لا يُصلّون العصر، ويقولون: هذا مهر كريمتنا. ودخل عليها مسيلمة وصب نبوَّته في رحمها ولم تحمل منه. وقتل مسيلمة الكذّاب في أول خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه. وكان لمسيلمة نيرنجات، وبذلك اغترَّ قومه، ومن أراجيزه قوله: يا ضفدع نقِّي كم تنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. وقوله: أُخرجُ لكم حنطة وزوانا ورطبا وتمرنا. ولمّا قُتل مسيلمة الكذّاب، انتقلت سجاح إلى أخوالها بني تغلب، وقد ذهبت نبوّتها بقتل زوجها، قال الشاعر:
إذا ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمرو
…
فلا عادتْ ولا عادَ الحمارُ
وأقامت في بني تغلب، وهم أخسّ العرب، فلله درّ القائل:
والتّغلبيّ إذا تنحنحَ للقرى
…
حكَّ استه وتمثّل الأمثالا
فلمّا ولي الخلافة معاوية ونفى بني تغلب أسلمت سجاح وانتقلت إلى البصرة، وأقامت هناك إلى أن ماتت.
وممّن سوّلت له نفسه العصيان، وتابع الشيطان أحمد بن الحسين المتنبّي، الشاعر المشهور، ادّعى النبوّة في بريّة سماوة، وتبعه خلق من بني كلب، وفيه يقول بعضهم:
أيُّ فضلٍ لشاعرٍ يطلبُ الفضلَ
…
منَ الناسِ بُكرةً وعيشَّا
عاشَ حيناً يبيعُ في الكوفةِ الماءَ
…
وحيناً يبيعُ ماءَ المحيَّا
ولمّا ادّعى النبوّة، وأظهر الدّعوة وأغوى كثيرا من الناس قبض عليه ابن علي الهاشمي واسمه لؤلؤ في قرية كوثلين من أعمال حمص، وحبسه وجعل في رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف فقال:
زعمَ المقيمُ بكوثلينَ بأنّهُ
…
مِنْ آلِ هاشم وبنِ عبد منافِ
فأجبته مذُ صرتَ منْ أبنائهمْ
…
صارت قيودهمْ منَ الصفصافِ
وله عبارات يزعم أنّها مثل القرآن، فمنها:[والنّجم] السّيّار والفلك الدّوّار، والّليل والنّهار، إنّ الكافر لفي أخطار، امض على سننك: واقفُ على أثر من قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضلّ عن سبيله. وسئل مرة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: أخبر بنبوتي بقوله: لا نبي بعدي، وأنا اسمي في السماء لا. ثم تاب المتنبي وأسلم ولبعضهم فيه:
يا نسمة الصبح هبّي
…
من قفا المتنبيّ
ويا قفاهُ تدانى
…
حتى تكونَ بقربي
ويا يدايا اصفعيه
…
ولا ترفقا بضربِ
إن كنتَ أنتَ نبيا
…
لا شكَّ أن القردَ ربي
وممّن أظهر الزندقة فغضب الله عليه، ومحقه أحمد بن عبد الله الضرير أبو العلاء المعرّي الشاعر المشهور، فإنه كان يُظهر الزندقة، وعارض القرآن العظيم بكلام ذميم، وممّا ظهر من كلامه السخيف قوله: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بالليل، بين الشّرط ومطالع سُهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الزّيل، اتّق مدراج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنجُ، وما إخالك بناج ومِنْ شعره وجرأته قوله:
إذا ما ذكرنا آدمَ وفعالهِ
…
وتزويجهُ بنتيهِ ابنيه ِبالخنا
علمنا بأنَّ الخلقَ منْ نسلِ فاجر
…
وأنَّ جميعَ الناسِ منْ عنصرِ الزّنا
قبّحه الله ما أجرأه على الفكر، وقد ردّ أهل ملّة الإسلام، وأثبتوا أنّه هو مقرٌّ بالزنا، فإقراره عليه هكذا ذكره السّيوطي، وقال في "تاريخ ابن الوردي": كان علاّمة عصره في النحو واللغة، وله تصانيف، وله من النظم "لزوم ما لا يلزم" في خمس مجلدات و"سقط الزّند" ولا يبعد أنّه تاب وأناب.
وممّن أظهر الكفر والخلاف، وتخلّق بالكفر وقلّة الإنصاف كرمنيّة إمام القرامطة، ظهر بسواد الكوفة، وتبعه خلق كثير، وأظهر لهم كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان من قرية نصرانة أنّه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبرائيل، وأنا المسيح تصوّر في جسم إنسان وقال: إنك الدّاعية، وإنك النّاقة، وإنك الدّابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس وعرفة، وإن الصلاة أربع ركعات، ركعتان قبل الشمس، وركعتان بعد الغروب، وإن الأذان، الله أكبر ثلاث مرات، أشهد أن لا إله إلا الله مرّتان، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن عيسى رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله، انتهى. ويقول الخبيث: القِبلة بيت المقدس.
وممّن استحقّ اللعان، وطرد عن باب الرحمن: ابن يحيى بن إسحاق المعروف [بابن الرّواندي] . مات إلى لعنة الله سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان له في الكفر والإلحاد، ومناقضة الشريعة الغرّاء مصنفات منها "قضيب الذهب" و"والدّامع" و"الفريد" و"الزّمرّد". وقد أجابه العلماء عن معارضته السمجة والرّكيكة، وكان الخبيث وضع كتابا لليهود، وقال لهم: إن موسى عليه السلام قال: لا نبيّ بعدي. وقال العلاّمة ابن الجوزي: إن الله يُعذّب هذا الزنديق أشدّ كم إبليس [الذي] خاطب الله تعالى، بالأدب فقال: "
…
فبعزّتك
…
" وهذا الملعون أساء الأدب مع الله، وتكلم بكل كفر، ومن العجيب أنّ العوام يضحكون لأقواله، ويغفلون عن كونه سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في مصنفاته. شعر:
ألا ليتني مكِّنتُ منهُ
…
فكنتُ فعلتُ فيهِ ما أشاءُ
فإنَّ أبي ووالدتي وعرضي
…
لعرض محمدٍ منهُ وقاءُ
وممّن بدمشق ظهر وادّعى النبوة وكفر عيسى الدمشقي، ادّعى أنه نبي الله عيسى بن مريم، عليه السلام وأضلّ طائفة، وكان يزعم أنّه أُنزلت عليه هذه السورة، وهي معارضة ل"سورة الكوثر" قوله: لعنه الله: إنّا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربِّك، ولا تجاهر، ولا تطع كلّ ساحر. ولمّا شاع ذكره قبض عليه صاحب دمشق وصلب على عود، فوقف عنده الظّرفاء وقال له مخاطبا: يا لعين، إنّا أعطيناك العود، فصلّ لربّك قعود، وأنا ضامن لك أن لا تعود، انتهى. وفي ذكر هؤلاء الزّنادق كفاية.