الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هجوتَ محمداً فأجبت عنهُ
…
وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
وكان قد قدم أبو سفيان ومعه ولده جعفر وعبد الله ابن عمته وهو أخو أم سلمة رضي الله عنها، في غزوة الفتح إلى عند النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم فقالت أم سلمة، رضي الله عنها: يا رسول الله لا يكون ابن عمك وأخو ابن عمك أشقى الناس بك، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ابن عمي فهو الذي هجاني، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال يعني قوله تعالى (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) ثم قدما مسلمين فقبل إسلامهما ورضي عنهما، وشهدا معه الفتح وحنين والطائف، ويروى أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى النبي حياء منه. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أبو سفيان من شباب أهل الجنة أو سيد فتيان الجنة" ويروى أن أبا سفيان حفر قبر نفسه قبل موته بثلاثة أيام وسبب موته أنه حج فلما حلق قطع الحلاق ثألولاً كان في رأسه، وتمرض ومات وصلى عليه عمر ودفن في دار عقيل، وكان صلى الله عليه وسلم يقول فيه:"إني لأرجو أن يكون خلفاً من حمزة" وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أبو سفيان خير أهلي، أو من خير أهلي" ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: "هلمي فانظري إلى ابن عمتي الذي كان يهجو أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه" وكانت ثويبة أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والحمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان أسن من النبي بسنتين أو بأربعة.
ولما ولد سارت ثويبة إلى مولاها أبي لهب، وبشرته بولادة النبي المنتخب فأعتقها، وقد ذكرنا سابقا أن مما لا يجوز القول به لمخالفته القرآن من قال إنه يخفف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين أو ليلته وأما الرؤيا التي ذكرت عن العباس أنه رأى فيها أبا لهب بالمنام فسأله عن حاله فقال له يخفف عني العذاب كل ليلة اثنين وأمص من بين أصابعي ماء مثل هذا وأشار إلى نقرة إبهامه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة حين بشرتني بولادة محمد صلى الله عليه وسلم ابن أخي وبإرضاعها له فهذا لا يقبل ومردود عليه لمخالفته ما جاء في قوله تعالى عن الكفار في النار (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) سورة البقرة.
وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه إنما أعتقها لما هاجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، وكانت خديجة تكرمها، وطلبت من أبي لهب ابتياعها فأبى، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم أعتقها وكان صلى الله عليه وسلم يبعث لها بصلة وكسوة، وهي بمكة. وجاء خبر موتها مرجعه من خيبر، سنة سبع من الهجرة، والله أعلم.
[18]
حليمة السعدية رضي الله عنها
بنت أبي ذؤيب السعدية، وزوجها الحارث وهي من بني سعد بن بكر ابن هوازن أدركت الإسلام وأسلمت هي وزوجها الحارث وبنوها: عبد الله والشيماء وأنيسة، قيل كان صلى الله عليه وسلم جالساً على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة وهو الحارث فوضع له شق ثوبه، فقعد عليه، ثم: أقبلت أمه حليمة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاع فقام وأجلسه مكانه، وقعد قبالته، وقيل: إن الحارث أسلم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا غير صحيح، لأنه لما قدم مكة قبل الهجرة فأخبرته قريش بما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، فقال: أي بني إن قومك يشكونك ويزعمون أنك قلت: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة أو نار فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم أنا أقول ذلك ولو كان ذلك اليوم فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم" فأسلم الحارث وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.
ووفدت حليمة رضي الله عنها على رسول صلى الله عليه وسلم في أيام خديجة فأعطتها خديجة رضي الله عنها عشرين رأساً من الغنم، وبكرات من الإبل، وفي رواية: أربعين شاة وبعيراً. ثم وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه. قال القاضي عياض: وزارت أبا بكر، رضي الله عنه ففعل كذلك وزارت عمر رضي الله عنه وفعل مثل ذلك، والظاهر أنها توفيت قبل خلافة الصديق، رضي الله عنه ولما سبيت أخته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة الشيماء يوم هوازن، فقالت لمن سباها: أنا أخت صاحبكم. فحملوها إليه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا أختك. فقال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها صلى الله عليه وسلم فقام لها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله:
وأتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ
…
وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ
بسطَ المصطفى لها من رداءٍ
…
أي فضلٍ حواهُ ذاك الرداءُ
وذكر الأموي في مغازيه عن حليمة، قالت: خرجت مع نسوة إلى مكة نريد الرضاع ومعي أتان ضعيف وشارف لنا لا ترض علينا بقطرة، وصبي لا ينام الليل من بكائه، فلما قدمنا مكة عرض علينا صلى الله عليه وسلم فما منا امرأة قبلته، وكان أبوه قد مات، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئاً، وقد أخذت صواحباتي، فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه، قال قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيراً. قالت حليمة: فانطلقت وأخذته في حجري، فدر ثديي عليه فشرب وشرب أخوه حتى رويا ثم ناما وقام زوجي من الليل إلى شارفنا فإذا قد حفلت قالت: فشرب وسقاني وقال: إني أرجو أن تكوني قد أصبت نسمة مباركة، قالت حليمة: ثم خرجنا فذهبت الأتان أمام الركب فقالوا: يا حليمة أليست الأتان التي نعرف؟ قلت بلى. فقدمنا بلادنا وهي مجدبة، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فترجع أغنامهم جياعاً وترجع غنمنا شباعاً، فما كان في أرضنا من يشرب اللبن غيرنا، وذكر في بعض السير، قالت حليمة: لما بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين قدمنا به إلى أمه فلما نزل بها حتى قالت: ارجعا به. وذكر أن عبد المطلب خرج يلتمس له مرضعة فعثر بحليمة فدفعه إليها. وقيل: إن أتانها كانت تنطق وتقول إن شأناً ثم شأناً، وتسبق الركب وكان صلى الله عليه وسلم حين بلغ ثمانية أشهر يتكلم بحيث يسمع كلامه، وفي تسعة أشهر تكلم بالكلام الفصيح، وفي عشرة أشهر، كان يرمي مع الصبيان، وعن ابن عباس رضي الله عنه أن أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم حين فطمته حليمة: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي رواية: أنه تكلم صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي، وهو عند حليمة بقوله: لا إله إلا الله قدوساً نامت العيون، والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي رواية: أنه كان لا يمس شيئاً إلا قال: بسم الله. قالت حليمة: كان ينزل عليه كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه. وكان يشم من منازل سعد نسيم المسك، حين حصل فيهم وأخصبت أراضيهم، وكانت حليمة ترقصه بقولها:
يا رب إذا أعطيتهُ فأبقهِ
…
وأعلهِ إلى العلى ورقّهِ
وادحض أباطيلَ العدا بحقّهِ
وكانت أخته الشيماء ترقصه بقولها:
هذا أخي ولم تلدهُ أمي
…
وليس من أبي ونسل عميّ
فديته من مخوّل معمِّ