الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما تعاقدا قال شعيب عليه السلام لابنته، وأمرها أن تعطي موسى عصاً فأعطته. وأقام يرعى الأغنام إلى أن تم الأجل، وسلم شعيب عليه السلام ابنته صفورة إلى موسى عليه السلام فقال لها موسى يوماً: اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب عليه السلام لها: لكما كل ما ولدت هذا العام كل أبلق وبلقاء.
فأوحى الله إلى موسى عليه السلام في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستسقى الأغنام، ففعل موسى ثم سقى الأغنام فوضعت كلها ما بين أبلق وبلقاء، فوفى لهم شعيب عليه السلام بشرطه، وأقام موسى عليه السلام بعد ذلك الأجل عشر حجج أخر ثم استأذن شعيب عليه السلام بالمسير إلى مصر، فأذن له. فخرج موسى من مدين بأهله قاصداً إلى مصر، فلما انتهى إلى قريب من جبل الطور أتى امرأته الطلق، وذلك قوله تعالى: (
…
آنسَ من جانبِ الطُّورِ ناراً قالَ لأهلهِ امكثوا إنِّي آنستُ ناراً لعلِّي آتيكم منها بخبرٍ
…
) وذكر في كتاب "المدارك" في التفسير: روي أن شعيب عليه السلام كان عنده عصي الأنبياء عليهم السلام فقال لموسى عليه السلام بالليل: ادخل ذلك البيت، فخذ عصا من تلك العصي. فدخل موسى وأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة، ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فمسها شعيب، وكان مكفوف البصر، فرماها بالبيت [وضن بها] وقال لموسى: خذ غيرها، فدخل موسى فما وقع في يده غيرها سبع مرات فعلم شعيب أن له شأناً، فقال له: خذها.
ولما أصبح الصباح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطرق، فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها كثيراً، إلا أن فيها تنيناً أخشى عليك وعلى الغنم منه. فسار موسى بالغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر موسى على كفها، فمشى على إثرها، فإذا عشب ومرعى لم ير مثله، فنام موسى عليه السلام والأغنام ترعى. فأقبل التنين فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامية، فانتبه موسى عليه السلام وأبصرها دامية، والتنين مقتولاً فارتاح لذلك، ولما رجع لمس شعيب عليه السلام الأغنام فوجدها ملأى البطون، غزيرة اللبن، فأخبره موسى عليه السلام بخبر العصا والتنين، ففرح شعيب عليه السلام وحمد الله تعالى وعلم أن لموسى والعصا شأناً، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام، أن اضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل، ثم سقى الأغنام، فوضعت كلهن أدرعاً ودرعاء، فوفى له بشرطه. وذلك قوله تعالى: (فلمَّا قضى موسى الأجلَ
…
) قال صلى الله عليه وسلم "قضى أوفاهما، وتزوَّجَ صغراهما".
قيل: ولما عاد موسى عليه السلام من الطور وجد امرأته صفورة قد ولدت ابناً، فحملها إلى مصر وأقام بمصر يدعو فرعون إلى الإيمان وماتت صفورة في حياة موسى عليه السلام.
[6]
آسية عليها السلام
بنت مزاحم بن فاحث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام بن إسحاق عليه السلام بن إبراهيم الخليل عليه السلام وهي ابنة عم موسى عليه السلام وزوجة فرعون واسمه الوليد بن مصعب، وكان أبوه يرعى البقر، وبلغ من العمر مائة وسبعين سنة ولم يرزق ولداً، فرأى بقرة يوماً ولدت عجلة فتأوه وتألم، فنادته النقرة: يا مصعب لا تحزن فسيولد لك ولد مشؤوم يكون من أهل جهنم.
ورجع مصعب فواقع زوجته، فحملت بفرعون، ومات مصعب قبل وضعه وولدته أمه وربته، وتنقلت به الأحوال حتى ملك مصر، وطغى وتجبر، وادعى الربوبية، فبلغه حسن آسية وجمالها: فأرسل إلى أبيها مزاحم أخي عمران يخطبها، وحمل إليه أموالاً وتزوجها.
وقيل: إن الله عصمها منه فكان إذا واقعها تتشبه بها جنية فيواقع الجنية. وقيل: إن السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام كانوا مائتي ألف وأربعين ألف ومائتين واثنين وخمسين رجلاً وهم من رؤساء السحرة وكان غرق فرعون سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين من هبوط آدم عليه السلام ووفاة آسية قبل غرق فرعون بأعوام قليلة، نحو عامين أو أكثر، والله سبحانه أعلم.
وذكر في كتاب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة": وقد قيل بنبوة نسوة دخلن مصر: مريم بنت عمران، وسارة امرأة الخليل، وأم موسى عليه السلام وآسية امرأة فرعون. وممن آمن مع آسية ماشطة بنت فرعون.
أخرج الحاكم في "المستدرك" وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لمْ يتكلَّمْ في المهدِ إلا عيسى، وشاهدُ يوسف، وصاحبْ جريح، وابن ماشطة ابنة فرعون". وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم "لما كانت ليلة أسري بي أتيت على رائحة طيبة، فقلت: يا جبرائيل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون، ذات يوم، إذ وقع المدرى من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أوَ لكِ ربٌّ غيرُ أبي؟ قالت: لا، لكن ربي ورب أبيك الله تعالى. قال: فأخبرت أباها بذلك، فدعاها وقال لها: يا فلانة أو أن لك رباً غيري!؟ قالت: نعم ربي وربك الله. فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر أن تلقى بها هي وأولادها. فألقوا بين يديها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها رضيع، فجيء به فتقاعست من أجله، فانطقه الله تعالى وقال: يا أمَّاه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت فما تجده هو من رائحتها".
وذكر الرازي في تفسيره قال وهب: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى وهذا غير صحيح إذ كان بين دخول يوسف عليه السلام مصر وموسى أكثر من أربعمائة سنة. وقال محمد بن إسحاق: هو غير فرعون يوسف، فإن فرعون يوسف اسمه الريان بن الوليد.
وذكر في كتاب "حسن المحاضرة": أن فرعون موسى أقام بالملك خمسمائة سنة حتى أغرقه الله،. وطان قبطياً واسمه طلما، وقيل: كان من العمالقة وكان يكنى بأبي مرة. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كان فرعون موسى أثرم. وقيل: مكث فرعون أربعمائة سنة الشباب يغدو عليه ويروح، وقيل: مكث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، وكان يملك ما بين مصر إلى إفريقية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقعد على كراسي فرعون مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب.
وذكر فخر الدين الرازي في تفسيره: لما أراد الله غرق فرعون والقبط أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم بطلب المال، ولتبقى أموالهم في أيدي بني إسرائيل، ثم نزل جبرائيل بالعشي فقال لموسى: أخرج قزمك ليلاً، وكانوا ستمائة ألف نفس. فلما خرج بهم، بلغ فرعون ذلك، فقال فرعون: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، وما صاح ليلته ديك. فلما أصبحوا، قال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس من القبط، كل واحد على فرس حصان. فتبعوهم نهاراً، وذلك قوله تعالى:(فأتبعوهمْ مُّشرقينَ) أي بعد طلوع الشمس (فلمَّا ترآءى الجمعانِ قالَ أصحابُ موسى إنَّا لمدركونَ، قال كلَاّ إنَّ معي ربِّي سيهدينِ)، فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع عليه السلام أين أمرك ربك؟ فقال له: إلى أمامك، وأشار إلى البحر، فاقتحم يوشع البحر بنفسه فسبح به الفرس، ثم رجع وقال له: يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. ففعل ثلاث مرات فأوحى الله إلى موسى: (
…
أنِ اضرب بعصاكَ البحرَ فانفلقَ
…
) الآية، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد الطريق، فقال له: ادخل. وهبت الصبا فجف البحر وصار كل طريق يابساً، وأخذ كل سبط منهم طريقاً، فقال لموسى: إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب البحر بعصاه فصار بين الطرق منافذ وكوى يرى بعضهم بعضاً، ثم أتبعهم فرعون فرأى إبليس واقفاً ونهاه عن الدخول فهم بالرجوع فجاء جبرائيل على مهرة أمام فرعون، وكان فرعون على فحل فتبعه، ودخل فرعون البحر فصاح ميكائيل عليه السلام بهم: ألحقوا، آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر كلهم أمر الله البحر فنزل عليهم الماء، فذاك قوله تعالى: (
…
وأغرقنا آل فرعونَ وانتمْ تنظرون) ذلك يوم عاشوراء فصام موسى شكراً لله تعالى.