المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بابالكلام في معنى الإصرار - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٩

[ابن الوزير]

الفصل: ‌بابالكلام في معنى الإصرار

الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32]، وكلهم مصطفى:{وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59]، فكيف يُسمَّى مُصطفىً من لا يُسمَّى مُتَّقِياً، مع ما ورد من تفسيرها في الحديث كما تقدم.

ويتمُّ هذا بالكلام على معنى الإصرار والاستغفار.

فأما الاستغفار، فقد تقدَّم مستوفىً.

وأما الإصرار، فنذكر ما حضر فيه.

‌باب

الكلام في معنى الإصرار

قال صاحب " ضياء الحُلوم ": الإصرار على الشيء: الإقامة عليه، لا يَهُمُّ بالإقلاع عنه، قال الله تعالى:{وأصَرُّوا واستكبروا استكباراً} [نوح: 7]، وقال صاحب " القاموس " (1): أصر على الأمر: عزم.

وقال القاضي عياض في " مشارق الأنوار ": الإصرار: الإقامة على الشيء، وقيل: المُضيُّ على العزم، وقوله: يُصِرُّ على أمرٍ عظيمٍ: أي يعتقده، ويُقيمُ عليه.

وقال الجوهري في " الصِّحاح "(2): الإصرار: الإقامة والدوام.

وقال أبو البقاء في كتاب " المشوف المعلم "(3)، عن ابن السِّكِّيتِ: إنه الإقامة.

وقال الزمخشري في كتابه " أساس البلاغة "(4): ومن المَجاز: أصرَّ على

(1) ص 543 طبع مؤسسة الرسالة.

(2)

2/ 711.

(3)

1/ 446.

(4)

ص 353.

ص: 322

الذنب، مِنْ أصرَّ الحمارُ على العانة.

وقال الزمخشري أيضاً في " الكشاف "(1) في تفسير قوله تعالى: {وأصروا واستكبروا استكباراً} من أصرَّ الحمارُ على العانة: إذا صرَّ أذنيه، وأقبل عليها، يكدُمها ويطرُدُها، استُعِير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها. انتهى بحروفه من " الكشاف ".

وقوله: صرَّ أُذنيه: أي سوَّاها، وقوله: يكدُمها: أي: يعَضُّها.

وقال (2) في تفسير قوله تعالى: {ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135]، ولم يقيموا على قبيح فعلهم، غير مستغفرين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:" ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرةً "(3). ورُوِيَ: " لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار "(4) انتهى بحروفه من " الكشاف "(5).

وقد ظهر من مجموع كلامهم أن منهم من جعل الإصرار مجرد الإقامة على الذنب، ومنهم من شَرَطَ في هذه التسمية العزم على عدم التوبة والهمِّ بها، كما صرَّح به صاحبُ " الضياء "، وقد صرَّح به القاضي عياض بالاختلاف في تفسير الإصرار، وإن منهم من قال: هو المُضِيُّ على العزم، وظاهر كلام الزمخشري في " كشافه " يعضُدُ هذا القول، كما هو الحقيقة في إصرار الحمار على العانة، إلا أن يُقال: هو قبلَ تمامِ الفعلِ المضي على العزم، وبعده: العزم على المُعاوَدَة والإقامة، ولا شك أن هذين إصرارٌ، وأما الإقامة مع العزم على التوبة وتسويفها، أو مع الهمِّ بها، والندم والاستغفار، ففي كونه إصراراً نظرٌ، لاختلاف أئمة اللغة في النَّقل، ولما في ظواهر القرآن والحديث في الاستغفار، والاعتراف والندم.

(1) 4/ 162.

(2)

في " الكشاف " 1/ 464.

(3)

تقدم تخريجه ص 180 من هذا الجزء.

(4)

تقدم تخريجه ص 173 من هذا الجزء.

(5)

من قوله: " وقوله: حد أذنيه " إلى هنا سقط من (ف).

ص: 323

أما الاستغفار، فقد تقدم ما ورد فيه من الكتاب، والسنة، واللغة العربية، التي يجب تفسيرُ كلام الله ورسوله بها، ولا حاجة إلى التطويل بإعادته، ومن أحسنه حديث:" ما أصَرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرةً " وأمثاله، حتى قال الزمخشري في " كشافه " في تفسير:{ولم يُصِرُّوا على ما فَعَلوا} : ولم يصرُّوا غير مستغفرين، وروى الحديث المقدم.

وأما الاعتراف، فلقوله تعالى:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102].

وفي " البخاري " من حديث سَمُرَةَ كما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في رُؤياه الطويلة أنه رأى قوماً نِصْفُ خُلوقهم كأحسن ما خلق الله، ونصف خلوقهم كأقبح ما خلق الله، فقال. " ما هؤلاء؟ " فقيل له: هؤلاء الذين خَلَطُوا عملاً صالحاً تاب الله عليهم (1).

أو كما ورد في سيِّدِ الاستغفار عن شدَّادِ بن أوسٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلَاّ أنت، خلقتتي وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلَاّ أنت، قبل أن يُصْبِحَ، فمات فهو من أهل الجنة " رواه البخاري والنسائي، ورواه الترمذي بنحوه، واللفظ لهما (2).

فقوله فيه: أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي: أي أُقِرُّ وأعترِفُ، فدل على أن للاعتراف أثراً في مغفرة الذنوب، وكذلك الاستغفارُ، وقد جُمعا في هذا الاستغفار العظيم، ولو كان بمنزلة التوبة، لم يشترط في المغفرة (3) لصاحبه أن

(1) تقدم حديث الرؤيا غير مرة.

(2)

تقدم تخريجه في الجزء السابع.

(3)

" في المغفرة " ساقطة من (ف).

ص: 324

يموتَ من يومه قبل أن يُمسي أو في ليلهِ قبل أن يُصْبِحَ، فإن التائب يُغفر له ما لم يَعُدْ بالإجماع، ولأنه رتَّبَ المغفرة على القول واليقين به، لا سوى.

وفي باب الندامة على الذنب من كتاب " التوبة " في " مجمع الزوائد "(1) عن عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري، فإن التوبة من الذنب: النَّدامة والاستغفار ". رواه أحمد (2) ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن يزيد الواسطي وهو ثقة.

وفي الصحيح منه: " إنْ كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري "(3).

وعن أبي أُمامة مرفوعاًً نحو ذلك. ذكره الهيثمي (4) في باب العجلة بالاستغفار من كتاب التوبة، وقال: رواه الطبراني (5) بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا.

فهذا ما لم يتقدم ذكرُه من الاستدلال على الفَرْقِ بين التوبة الشرعية والاستغفار، والفرق بينهما أكثرُ من أن يُحصى إذا تتبَّعت.

وأما التوبة اللغوية، فقد تُوافِقُ الاستغفار وتُلازِمُه، لأنه رجوعٌ إلى الله سبحانه بطلب مغفرته، وسؤال فضله ورحمته، وذلك هو معناها، ومنه توبة الله على عبده: أي رجُوعه عليه، قال الله عز وجل:{ثمَّ تاب عليهم ليتوبوا} [التوبة: 118]، وقال:{فَتَلَقَّى آدَمُ من ربه كلماتٍ فَتَابَ عليه} [البقرة: 37].

(1) 10/ 198.

(2)

6/ 264.

(3)

قطعة من حديث الإفك الطويل، وقد تقدم تخريجه.

(4)

" مجممع الزوائد " 10/ 207 - 208.

(5)

في " الكبير "(7765) و (7787)، ولفظه: " إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطىء أو المسيء، فإن ندم واسغفر منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.

ص: 325

وفي " الصحيحين "(1) من حديث أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم:" يضحَكُ الله لرجُلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخُلُ الجنة، يُقتل هذا، فيَلجُ الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يُجاهِدُ فيُسْتَشْهَدُ ".

وقد تدل بعض القرائن على تفسير التوبة بذلك، كما جاء في حديث أبي أُمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلِصٍّ اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له:" ما إخالُك سرقت ". قال: بلى، قال:" اذهبوا به، فاقطعوه، ثم جيئوا به "، فقطعوه، ثم جاؤوا به، فقال له:" قل: أستغفِرُ الله وأتوب إليه "، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال:" اللهم تُبْ عليه ". فهذا رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق كلها عن حمَّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي المنذر مولى أبي ذر، عن أبي أمية به (2).

فتعليقه الأمر بالقول من غير قرينةٍ، ولكنها هنا معارضة باعترافه، وقد يأتي الوعد معلقاً بالقول من غير قرينةٍ معارضةٍ، بل مع قرينةٍ أُخرى، كذكر يوم الجمعة:" من قال يوم الجمعة بين الأذان والإقامة ثلاث مرات: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلَاّ هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله له ". رواه ابن السُّنِّي، عن أنس.

فالتوبة هنا تقوى بالقرائن أنها اللغوية لِمَا ذكرنا من تعليقها بالقولِ والاشتراط المخصوص، وتكرير ذلك ثلاثاً، ونظائره كثيرةٌ، والله أعلم.

(1) البخاري (2826)، ومسلم (1890)، ومالك 2/ 460، وابن حبان (215).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 293، وأبو داود (4380)، والنسائي 8/ 67، والطبراني في " الكبير " 22 (905)، والبيهقي و8/ 276. وأبو المنذر مولى أبي ذر: لم يرو عنه غير إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقال الذهبي في " الميزان ": لا يعرف، ولذا قال الخطابي في " معالم السنن " 3/ 301: في إسناد هذا الحديث مقال، والحديث إذا رواه مجهول، لم يكن حجةً، ولم يجب الحكم به.

ص: 326

وفي " الترمذي "(1) عن الخدري مثله سواء، لكن قال: عندما يأوي إلى فراشه، عِوَضاً عن الجمعة. وقال: حسن غريب.

وأما قوله في سيِّدِ الاستغفار: " وأنا على عهِدك ووعدِك ما استطعتُ "، فقال ابن الأثير في " النهاية " (2): أي أنا مقيمٌ على ما عاهدتُك عليه من الإيمان بك، والإقرار بوحدانيتك [لا أزول عنه]، واستثنى بقوله:" ما استطعتُ " موضع القدَر السابق في أمره: أي: إن كان قد جرى [القضاء] أن أنقُضَ العهدَ يوماً [ما]، فإني أخلُدُ عند ذلك إلى التَّنَصُّل والاعتذار، لعدم الاستطاعة على دفع ما قضيتَه علي.

وقيل: معناه: إني متمسِّكٌ بما عهدتَه إليَّ من أمرِكَ ونهيك، ومُبْلي العُذْر في الوفاء به قَدْرَ الوُسْعِ والطاقة، وإن كنت لا أقْدِرُ على أن أبلُغَ كُنْهَ الواجب فيه. انتهى.

وفيما ذكره في التفسيرين معاً نظر:

أما الأول: فَذِكْرُه الاعتذار بعدم الاستطاعة، والاستطاعة هي حجة الله على عباده عند أهل السنة والمعتزلة الجميع، كما قرَّرتُه في هذا الكتاب، وإنما أراد بالاستثناء رد الأمير في الاستقامة إلى مشيئة الله تعالى ولُطْفه، وإعانته، كقول شعيبٍ:{وما توفيقي إلَاّ بالله} [هود: 88]، وقول يوسف (3): {إنَّ

(1) برقم (3397)، وفيه عطية العوفي وعبد الله بن الوليد الوصافي، وهما ضعيفان.

(2)

3/ 243، وما بين حاصرتين منه.

(3)

وجعل ابن كثير في " تفسيره " 4/ 320 قوله: {وما أبرىء نفسي

} من قول امرأة العزيز، فقال: تقول المرأة: ولست أبرىء نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته، لأنها أمارة بالسوء:{إلَاّ ما رحم ربي} أي: إلَاّ من عصمه الله تعالى: {إن ربي غفور رحيم} ، وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، فأفرده =

ص: 327

النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسُّوء إلَاّ ما رَحِمَ ربِّي} [يوسف: 53]، وقول شعيب:{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89]، وقول نوح:{وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34].

وقد بسطتُ القول في هذا الكتاب في أن الاستطاعة للعبد من الله تعالى لكمال حُجَّة الله، فيعمل العبدُ باختياره، ومشيئته، تبعاً لمتقدِّم قَدَرِ الله ومشيئته، وذلك أن الله أراد وقدَّر أن يكون العبدُ فاعلاً مختاراً، لِمَا يُوجِبُ

= بتصنيف على حدة. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عيه السلام من قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب} الآيتين، أي: إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز: {أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب} وأن الله لا يهدي كيد الخائنين {وما أبرىء نفس إن النفس لأمّارة بالسوء} وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه.

قلت: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في " دقائق التفسير " 3/ 273: وقوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] فمن كلام امرأة العزير كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم} فهذا كله كلام امرأة. العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز:{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته. فحينئذ: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِين} [يوسف: 54] وقد قال كثير من المفسرين: إني هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه وقد بسط الكلام علي هذه الأمور في غير هذا الموضع.

ص: 328

مثوبته، أو قيام الحجة عليه، فيعمل مطابقاً لسابق القَدَرِ في اختياره، وقيام الحجة عليه، فلو كان مجبوراً غير مختار، لم يقع ما أراده الله تعالى من اختياره وقيام الحجة عليه به، ومراد الله واجب الوقوع قطعاً، عقلاً وسمعاً، ولو لم يسبق تقدير الله لذلك الاختيار ومشيئته، لم يقع ذلك البتة، لأن الله هو المكلف المريد للتكليف، المقدر له ولمقدماته وتوابعه، وهو العزيز العليم، القدير الحكيم، الخبير، فبعزته استقل بسابق التقدير والمشيئة، وبحكمته أقام الحجة على عباده بالاختيار على جميع البرية، والعمل مع القدر صحيح (1)، والجمع بينهما لازم، وقد بينت الوجوه العقلية والسمعية في ذلك في موضعه من هذا الكتاب فيما تقدم مستوفى (2).

وأما التفسير الثاني؛ فلو كان كما زعم، لناقض قوله:" وأبوء بذنبي "، فإن من أبلى في (3) الوفاء بأوامر الله على قدر وسعه وطاقته، فقد خرج من العهدة.

وقد نص الله تعالى على أنه لا يكلف نفساً إلَاّ وسعها، وإلا ما آتاها، وقال:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32]، مع أنه قد ناقض أوله بقوله في آخره: وإن كنت لا أقدر على أن أبلغ كنه الواجب فيه، ولزمه فيه ما لزم صاحب التفسير الأول، وهذا عارض، ولكنه محتاج إليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في دُعائه ومناشدته لربه عز وجل:" اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك "، رواه البخاري من حديث خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في الجهاد والمغازي، والتفسير (4).

وفيه جواز أن يكون تفسير العهد والوعد في سيد الاستغفار مثل تفسيرهما في هذا الحديث، فيقرب من أن يكون معناه: إني على انتظار ما عهدت ووعدت

(1) في (ف): " الصحيح ".

(2)

من قوله: " في موضه " إلى هنا ساقطة من (ش).

(3)

في (ش): " من ".

(4)

أخرجه البخاري (2915) و (3953) و (4875) و (4877)، وأحمد 1/ 329.

ص: 329

من وحَّدك ودعاك ورجاك، ولم يَدْعُ ولم يرجُ سواك. كما رواه أنس بن مالك أنه سَمِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك، ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بَلَغَتْ ذنوبك عِنَانَ السماء، استغفرتني، غفرتُ لك، ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو أتيتني بقُرابَِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشْرِكُ بي شيئاً، لأتيتُك بقُرابها مغفرة ".

رواه أبو عوانة في " مسنده الصحيح "، والترمذي في " جامعه "، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (1)، وختم به النووي كتابه " الأربعين " الذي سماه " مباني الإسلام ".

ولم أجده فيما جمع ابن الجوزي من " مسند أحمد "، ولكن لأحمد (2) معناه من حديث أخشن السَّدُوسي، قال: دخلتُ على أنسٍ، فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفسي بيده، لو أخطأتُم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتُمُ الله، لغفر لكم. والذي نفسي بيده، لو لم تُخطئوا، لجاء الله عز وجل بقومٍ يُخطئون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم " وهذا الحديث الخامس والثمانون بعد الثلاث مئة من " مسند أنس " في " جامع ابن الجوزي ".

وفي الحديث الثاني والأربعين بعد الثلاث مئة نحوه من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ أنه صلى الله عليه وسلم قال:" يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني "(3).

والعجب ممن يستنكر هذه الأحاديث، ومعناها في كتاب الله عز وجل، وهل فيها زيادة على قوله تعالى:{وقال ربُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:

(1) تقدم غير مرة.

(2)

3/ 238. وأخشن السدوسي لم يوثقه غير ابن حبان، وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم، وقد تقدم تخريجه في الجزء الرابع.

(3)

هو في " المسند " 3/ 210 و277، وإسناده صحيح.

ص: 330

60]، وقوله تعالى:{وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أُجِيبُ دَعْوَهَ الداع إذا دعان} [البقرة: 186]، وقال:{وما كان الله مُعَذِّبَهُم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33].

ويشهد لذلك قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [فصلت: 30]. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما تقولون في قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} ؟ قالوا: ثم استقاموا، فلم يلتَفِتُوا. قال: حملتموها على غير [وجه] المحمَلِ، ثم استقاموا، فلم يلتفتوا إلى إله غيره. رواه الحاكم في " التفسير ". وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (1).

قلت: وهو الظاهِرُ لغةً، حيث يُحذفُ المفعول، وقد تقدَّم ما يُردُّ إليه، ويدل عليه، أنه يقتصر على تقديره، ولأن التقدير خلاف الأصل، فيجب ألا يقدر ما لا دليل عليه، والقدر الذي ذكره الصديق مجمعٌ على تقديره، والقرينة تسوق الفهم إليه، وتقدير ما زاد عليه تَقُوُّلٌ على الله، ودعوى على (2) كتاب الله من غير بُرهانٍ، وتقدمت شواهده في تفسير الإحسان، وتفسير الصِّراط المستقيم، بأنه عبادة الله وحده لا شريك له، لقوله تعالى حكايةً عن عيسى عليه السلام:{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم} [مريم: 36]، وقوله تعالى في يس:{وأنِ اعْبُدُوني هذا صراطٌ مستقيمٌ} [يس: 61].

وبحديث معاذ المتقدم في حق الله على عباده، وحقِّهم عليه، فتقرَّر أنه لا قاطع على أن المسلم المعتَرِفَ، المستغفرَ، النَّادِمَ، يُسمَّى مصرَّاً في اللغة، والشرع، والعُرف الأول.

وأما الندم، فقد قال جماعةٌ من أئمة العلم: إنه توبةٌ، ومنهم جماعةٌ من

(1) 2/ 440، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً الطبري 24/ 115، وأبو نعيم في " الحلية " 1/ 30، وأورده السيوطي في " الدر المنثور " 7/ 322، وزاد نسبته إلى ابن راهويه، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن مردويه.

(2)

" على " ساقطة من (ف).

ص: 331

أئمةٍ المعتزلة، وقوَّاه الشيخ محمودٌ الملاحميُّ في " الفائق " ونصره الشيخ مختارٌ في كتاب " المجتبى "، واختاره الإمام يحيى بن حمزة من أئمة العترة، واحتج الشيخ مختار بقوله تعالى:{وآخَرونَ اعترفوا بذنوبهم} [التوبة: 102] الآية، لأن الاعتراف يُلازِمُ الندم فيما قال، وهؤلاء لم يجعلُوا العَزْمَ رُكْناً للتوبة، بحيث لو غَفَلَ النادِمُ عن تذكُّر المستقبل حتى يموت، صحَّت توبته، أما لو تذكَّرَهُ، فإن النَّادِمَ الصادق عندهم يستلزم العزم، فلو لم يعزِمْ مع التَّذكُّرِ، كان ذلك قادحاً في صدق ندمه عندهم.

قلت: والصحيح، الاحتجاج على أن الندم توبةٌ بما ورد في الحديث، لأن التوبة شرعيةٌ، وقد ورد في ذلك أحاديث، وقد روى الهيثمي فيه تسعةَ أحاديث في بابٍ في كتاب التوبة في " مجمع الزوائد "(1).

وقد جمع الحاكم ذلك في بابٍ جعله من الأبواب التي يجمعها أهلُ الحديث، ذكره في كتابه " علوم الحديث "(2) في النوع الموفي خمسين منها، ولم أقف على ما جمع الحاكم فيه، ولكني أذكر ما حضرني، وهو أحاديث أربعةٌ:

الحديث الأول، وهو المشهورُ؛ حديث ابن مسعودٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الندم توبة " رواه ابن ماجه في " سننه "(3) وذكره المزي في " أطرافه "(4) في ترجمة عبد الله بن معقل بن مُقرِّن المُزني، عن ابن مسعودٍ، وذكر اختلافاً في سنده ينبغي ذكره لمن أحبَّ معرفة مقدار الحديث من القوة، وماله من العِلَّةِ، فأهل الحديث يقولون: بِجَمْعِ الطُّرُقِ تُعْرَفُ عِلَّةُ الحديث.

قال المزي: رواه ابن ماجة في " الزهد "، عن هشام بن عمارٍ، عن

(1) 10/ 198 - 199.

(2)

ص 250.

(3)

برقم (4252). وصححه ابن حبان (612) و (614)، وانظر تمام تخريجه، والتعليق عليه فيه.

(4)

7/ 72 - 73.

ص: 332

سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزرِيِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقلٍ به.

قال المزيُّ: ورواه سفيان بن عيينة أيضاً عن أبي سعد البقَّال، عن عبد الله بن معقل، رواه سهل بن عثمان، عن سفيان بالإسنادين جميعاً.

قلت: لكن ذكر الحافظ العلائي في كتابه في المدلِّسين (1) ما يدلُّ على أن هذه المتابعة لا تتقوَّى بها، فقال: قال ابن المبارك: قلتُ لشريك بن عبد الله النَّخعي: تعرفُ أبا سعد البقَّال؟ قال: إي والله، أعرفه، عالي الإسناد، أنا حدَّثته (2)، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن معقلٍ، عن ابن مسعودٍ حديث:" الندمُ توبة "، فتركني، وترك عبد الكريم، وترك زياد بن أبي مريم، ورواه عن ابن معقل. انتهى.

قال المزي: وتابعه سفيان الثَّوريُّ، عن عبد الكريم. رواه عن الثوريِّ عليُّ بن الجعد (3) وغيره كذلك. وكذلك رواه معمر بن سليمان الرَّقيُّ، عن خُصَيفٍ، عن زياد بن أبي مريم، ورواه النَّضْرُ بن عربيٍّ، وفرات بن سليمان، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي الجراح، عن عبد الله بن معقل، وكذلك رواه شُريك بن عبد الله في المشهور عنه، عن عبد الكريم.

وقال زهير بن معاوية: عن عبد الكريم، عن زياد -وليس بابن أبي مريم-، عن عبد الله بن معقل. ورواه عبيد الله بن عمروٍ الرَّقيُّ عن عبد الكريم، فاختلف عليه، فقال: عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم.

وقال لُوين وغيره: عن عبيد الله (4) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن زياد بن الجَرَّاح.

(1)" جامع التحصيل " ص 129. وانظر أيضاً " تهذيب الكمال " 11/ 53 - 54.

(2)

تحرفت في الأصول إلى: " أخبرنا حذيفة " وهو تحريف قبيح.

(3)

في " مسنده "(1814).

(4)

تحرف في (ش) إلى: " عبد الله ".

ص: 333

وقال علي بن الجعد في موضع آخر (1): عن سفيان الثوري وشريكٍ، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم، وكأنه حملَ حديث شريكٍ على حديث سفيان، والمحفُوظُ عن شريك:" زياد بن الجراح ".

وقال مغيرة بن عبد الرحمن بن عون بن حبيب بن الزَّيَّات الحرَّانيُّ (2): قال لي أبي يوماً: من أين جئتَ؟ قلت: من عند معمر بن سليمان، قال: ما حدثكم؟ قلت: أخبرنا عن خُصَيْفٍ، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الندم توبة ". قال أبي: هذا هو زياد بن الجَرَّاح، وهو عم جدتك، وكان رجلاً من أهل الحجاز من موالي عثمان، وكان زياد بن أبي مريم رجلاً من أهل الكوفة، قدم حرَّان، فنزلها، وكان يتوكَّلُ لزياد بن الجَرَّاح. ثم قال: حدثني أبي عون بن حبيبٍ، عن زياد بن الجرَّاح، عن ابن معقلٍ، عن ابن مسعودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديث:" الندم توبة ".

وقد روى عبد الكريم عن زياد بن أبي مريم حديثاًً غير هذا في القولِ عندَ تدليَةِ الميت في القبر. انتهى ما ذكره المزي.

فقد تابع عبد الكريم على أصل الحديث اثنان: خُصَيْفٌ، وعون بن حبيب، ولم يبق الكلام إلَاّ في زيادٍ: من هو؟ والصحيح أنه ابن الجراح، ولم يذكره في " الميزان "(3) بجرحٍ قطُّ. وإن يكن ابن أبي مريم، فكذلك لم يُذكر إلا بأنه مجهولٌ، لم يرو عنه إلَاّ عبد الكريم (4)، وجهالته من هذا الوجه باطلةٌ، فقد تابعه خصيفٌ على الرواية عن زياد بن أبي مريم، وقد وُثِّقَ فيما رواه الذهبي، فزالت جهالة العين برواية اثنين عنه، وجهالة الحال بالتوثيق، وتوبع عن ابن معقل، فزال الشذوذ والنكارة. ويشهد له حديث عائشة وابن عباس الآتيان، وإسناد مغيرة بن عبد الرحمن قويٌّ، لا غبار عليه. مغيرة وثَّقه النسائي،

(1) في " مسنده "(2347).

(2)

تحرف في الأصول إلى: " الجراصي ".

(3)

2/ 93.

(4)

" الميزان " 2/ 93.

ص: 334

وأبوه وجدُّه عون لم يُذكرا في " الميزان " بجرحٍ أصلاً، ووثَّقهما.

وأما خُصيف، فمن تابعي التابعين، وثقه أبو زرعة، وابن معين، وتُكلِّم عليه بالإرجاء وسوء الحفظ، فهو ثقةٌ عند البعض، وصالحُ في التوابع عند الجميع.

الحديث الثاني: ما خرجه الحاكم في كتاب التوبة من " المستدرك " من حديث أبي الزِّناد، عن القاسم، عن عائشة، رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ما علم الله من عبدٍ ندامةً على ذنبٍ، إلَاّ غفر له قبل أن يستغفره منه ".

قال الحاكم: هذا حديث صحيح (1).

ويعضدُ ذلك حديث ابن عباسٍ، وهو الحديث الثالث. رواه أحمد في " المسند "(2) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النُّكريّ، عن أبيه، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عباسٍ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كفارة الذنب الندامة "، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لو لم تُذنِبوا، لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم ".

ويحيى بن عمرو النكري ضعيف، ولكنه شاهدٌ لما تقدَّم، وهو من رجال الترمذي.

الحديث الرابع، عن أنس أنه سمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" الندم توبةٌ ". خرَّجه الحاكم في التوبة من " المستدرك "(3)، وقال: على شرطهما (4)، وهذا إسناده:

(1) تقدم تخريجه ص 291 من هذا الجزء، وهو حديث ضعيف.

(2)

1/ 289، ورواه مختصراً البزار (3250)، والطبراني في " الكبير "(12794) و (12795)، وإسناده ضعيف لضعف يحيى بن عمرو النكري، وعدّه الذهبي في " الميزان " 4/ 399 من جملة مناكيره.

(3)

3/ 243.

(4)

ورده الذهبي بقوله: هذا من مناكير يحيى.

قلت: وأخرجه أيضاً ابن حبان (613)، والبزار (3239).

ص: 335

أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، أخبرنا أبو حاتمٍ الرازي، وحدثنا أبو النضر الفقيه، وأبو الحسن العَنْزي، قالا: حدثنا عثمان بن سعيدٍ الدَّارمي، حدثنا عثمان بن صالحٍ السهمي، حدثنا عبد الله بن وهبٍ، عن يحيى بن أيوب، عن حُميدٍ الطويل، قال: قلت لأنس بن مالكٍ: أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الندم توبةٌ "؟ قال: نعم.

وفيه عثمان بن صالح بن رجال البخاري، وادعى ابن حجرٍ (1) أنه إنما روى له ما عَرَفَ صحته من حديثه ولم يستوعِبْهُ، وعدَّه الذهبي في غرائب يحيى.

ويقوي ما ذكره من ذهب إلى ذلك، وما ذكره صاحب " ضياء الحلوم " من تفسير الإصرار أن الإصرار من أفعال القلوب في المعاصي، كالاستقامة في الإسلام وقد ثبت أن من أسلم، أو تاب من ذنب دون ذنبٍ (2)، ثم عَزَمَ على تسويف المُعاوَدَة إلى الكُفر، أو الذنب، ونَدِمَ من إسلامه أو توبته، فإنه -مع ذلك- لا يُسمَّى مستقيماً على الإسلام، ولا على التوبة، فيلزم فيمن ندم من ذنبه، وعَزَمَ على تسويف التوبة، وبادر بالاستغفار والاعتراف وسؤال التوفيق للتوبة النَّصُوح ألا يُسمَّى -مع ذلك- مصرّاً على جهة القطع، لأن الإصرارَ في الشرِّ كالاستقامة في الخير إن شاء الله تعالى.

ومع عدم القطع بذلك يبقى الخوف والرجاء، وبهما يتوسَّلُ إلى التوبة بلُطفٍ الله تعالى وتوفيقه، ويقوِّي ذلك حديث:" من همَّ بحسنةٍ، كتبها الله له حسنةً كاملةً ". رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس (3). ولمسلم والترمذي عن أبي هريرة مثله من طرق (4). وفي " صحيح البخاري ": " أراد " مكان " هم "، رواه البخاري منفرداً به في " التوحيد " (5) في الباب الخامس والثلاثين وهو باب قوله تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] من حديث قتيبة،

(1) في " مقدمة الفتح " ص 424.

(2)

" دون ذنب " ساقطة من (ش).

(3)

تقدم تخريجه ص 274 من هذا الجزء.

(4)

تقدم تخريجه ص 274.

(5)

برقم (7501).

ص: 336

عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به.

ورواية الهَمِّ أكثر وأحوط لأن إرادة المعصية ذنبٌ، ولذا جاء في حديثِ الفتنة:" القاتل والمقتول في النار "(1) تعليل استحقاق المقتول للعذاب بأنه كان حريصاً على قتل صاحبه، وفي رواية للترمذي:" يحدِّثُ نفسَه ".

وليس بمعنى العزم أيضاً، لأن العزم حسنةٌ كاملةٌ، لا سيما في التوبة، فإنه (2) كمالُها، ويدل على أن الهم غيرُ العزم قوله تعالى:{ولقد هَمَّتْ به وَهَمَّ بها} [يوسف: 24]، فدل ذلك على أن صاحب الهم بالتوبة مع الندم على الذنب لا يُقْطَعُ بتسميته مُصِرّاً، وهو مرتبة بين التائب والمصر، لأن الاصرار على أحد القولين: العزم على الإقامة، والاستمرارُ على الذنب، وعدم الهم بالإقلاع عنه، ولذلك لم يرد في الأخبار: الاستغفار من الإصرار، وقد ورد في الاستغفار من الإسراف، لأن الإصرار المجمع عليه لا يتصوَّرُ من مسلمٍ معترفٍ بقُبْحِ ذنبه، راجٍ لفضلِ ربِّه، كارهٍ للموت على العصيان، خائفٍ أن يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان، نعوذ من ذلك (3) برحمة الرحمن، ونستعينه على طاعته، وهو نعم المستعان.

وقد طال الكلامُ في جانب الرجاء لأرحم الراحمين، وخير الغافرين، ولولا الملالة، وخشية إملال (4) الحريص، لسُقْتُ آيات الرجاء وأحاديثه على ترتيبِ

(1) أخرج أحمد 5/ 43 و46 - 47 و48 و51، والبخاري (31) و (6875) و (7083)، ومسلم (2888)، وأبو داود (4268) و (4269)، والنسائي 7/ 125، وابن ماجه (3965)، وابن حبان (5945) و (5981) من حديث أبي بكرة مرفوعاً:" إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار "، فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:" إنه قد أراد قتل صاحبه ".

ولم يخرجه الترمذي، ولم أجد اللفظ الذي أشار إليه المصنف عنده.

(2)

في (ش): " فإنها ".

(3)

" من ذلك " ساقطة من (ش).

(4)

في (ف): " إملاء "، وهو خطأ.

ص: 337

السُّوَرِ في كتاب الله، وترتيب رجال المسانيد، وقد كنتُ عزمتُ على ذلك، وشرعتُ فيه، فوجدته يُمِلُّ الرَّاغِبَ. ولا يأتي إلَاّ في مجلدٍ ضخم، وقد تقدم ما فيه كفايةٌ، وإذا كان المتقدم يزيد على قدر التواتر، فإن الخصوم نصُّوا على أن التواتر قد يحصل بخمسةٍ من آحاد الناس، فكيف لا يحصُلُ برواية جماهير الصحابة الذين يحصل العلم عند بعض أهل العلم بخبرِ الواحد منهم، وكانوا يُخبرون بذلك في المحافل، فلا ينكر أحدٌ عليهم، وعدم الإنكار من الباقين حجةٌ إجماعيةٌ، وقرينةٌ ضرورية، لأن ذلك صدر من الجَمِّ الغفير صدوراً كثيراً متكرِّراً في المحافل، فاستحال عادة أن يكون منكراً ولا ينكر، أو أن يكون قد أنكر ولم ينقل.

وجملة ما تقدم من عدد الأحاديث مئة حديثٍ وخمسة وسبعون حديثاًً عن ثمانيةٍ وأربعين صحابياً، وهم على ترتيب رواياتهم في هذا الكتاب: عِتبانُ بنُ مالكٍ الأنصاري، وأنس بن مالكٍ له (17)(1) وعبد الله بن عمر بن الخطاب، له خمسةٌ، وعبد الله بن مسعودٍ، له (15)(2)، وأبو الدرداء، له (3)، وسَمُرَةُ وعبَّاس بن مِرداسٍ، وعبادة بن الصامِتِ له (4)، وجابر بن عبد الله له (8)، وعمر بن الخطاب، له خمسة، ومعاذ بن جبل، له (2)، وأبو ذر (6)، وأبو هريرة (27)(3)، وعلي بن أبي طالبٍ عليه السلام، له (10) و (3) آثار، وعائشة (2)، وأبو أُمامة خمسة، وأبو سعيد الخُدري (3)، وأبو بكر الصِّديق (3)، وأبو موسى الأشعري (3)، وبريدة ووائل، وعبد الله بن عباس (9)، وأبو رَزين العقيلي وعمَّار بن ياسرٍ وأبو مُوَيْهِبَة وعُمارةُ بن رُوَيبة وفضالة، وعثمان بن عفان (4)، وأبو طلحة وعبد الله بن عمرو:(8)، وأبو أيوب وعقبة بن عامر:(2)، وعمرو بن العاص في فضل الصلوات، وعبد الله الصُّنابحيُّ، وسعد بن أبي وقَّاص:(2)، والبراء بن عازبٍ، والفضل بن العباس، وأبو رافعٍ، وأبو بكرة، وزيد بن

(1) في (ف): " 7 ".

(2)

في (ف): " 10 ".

(3)

في (ف): " 17 ".

ص: 338

ثابتٍ، ومعاوية بن الحكم، والشَّريدُ بن سُوَيْدٍ، وعبد الله بن عتبة عن أبيه عن جده، والعباس بن عبد المطلب، وشداد بن أوسٍ وثلاثة غير مسمَّين.

وأما حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ: " أعتقها، فإنها مؤمنة "(1) فأظنه مرسلاً، وثلاثة أحاديث لم يحضرني (2) أسماءُ رواتها من الصحابة حال كتابته، وأحد عشر صحابياً من رواة حديث الثناء على الحسن عليه السلام بالصلح بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، لم تحضرني أسماؤهم، ويمكنُ أن يكونوا من هؤلاء، وأن يكون فيهم غيرهم، ذكرهم ابن عبد البر في ترجمة الحسن عليه السلام من كتابه " الاستيعاب "(3)، وقد نبَّهتُ عليها بكتابة اسمِ الصحابي الرَّاوي للحديث في حاشية الكتاب، وأزيدُ على ذلك أشياء على جهةِ الإيجاز الكثير.

فمن ذلك الذي حضرني من أحاديث خروج أهل الكبائر من النار اثنا عشرَ حديثاً بلفظ الخروج من النار عن عشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: علي بن أبي طالب عليه السلام (4)، وأبو بكر رضي الله عنه (5)، وأبو سعيد الخدري (6)، وأنس بن مالك (7)، وأبو هريرة (8)، وابن عباس (9)، وأبو موسى (10)،

(1) تقدم ص 277 من هذا الجزء.

(2)

في (ش): " لم أعرف ".

(3)

لم يذكرهم ابن عبد البر إنما قال (1/ 369): تواترت الآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن بن علي: " إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يبقيه حتَّى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". رواه جماعة من الصحابة.

(4)

تقدم ص 341 ت (1).

(5)

انظر الصفحة 341.

(6)

انظر الصفحة 341.

(7)

انظر الصفحة 342.

(8)

انظر الصفحة 342.

(9)

انظر الصفحة 342.

(10)

أخرجه أحمد 4/ 415، والطبراني في " الكبير " و" الصغير " (784). قال الهيثمي 10/ 369: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات، وقد رواه في " الصغير " بنحوه. قلت: فيه حمزة بن علي بن مِحْفَن (تحرف في المطبوع من المسند إلى مخفر)، وهو مجهول كما قال الحافظ في " تعجيل المنفعة ".

ص: 339

وعبد الله بن مسعودٍ (1)، وجابر بن عبد الله الأنصاري (2)، وحذيفة بن اليمان (3)، وعمران بن حُصَيْنٍ (4) في " مجمع الزوائد "(5) في مواضع متقاربةٍ في باب الشفاعة وما يناسبها. مثل ذلك عن عبادة بن الصامت (6)، وعبد الله بن عمرو وأبيه (7)، وخَرَشَةَ بن الحُرِّ (8)، والمغيرة (9)، وعوف بن مالك (10)، وأبي أُمامة (11)، وعبد الله بن سلامٍ (12)، وأبي بكرة، وحديثه فيما جاء في " الميزان "، والصراط والورود (13)، رواه أحمد برجال الصحيح والطبراني في " الصغير "، و" الكبير "، والبزَّار برجال الصحيح (14).

وفضالة بن عبيدٍ عند أحمد (15) في باب الرحمة.

(1) أخرجه الطبراني في " الكبير "(10509). قال في " المجمع " 10/ 379: وفيه من لم أعرفهم. وانظر ص 342.

(2)

انظر " المجمع " 10/ 375 - 376 و379. وانظر الحديث الآتي ص 343.

(3)

انظر " المجمع " 10/ 377.

(4)

انظر ص 343.

(5)

210/ 367 - 380.

(6)

أخرجه أحمد 5/ 326. قال في " المجمع " 10/ 367 - 368: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.

(7)

انظر " المجمع " 10/ 376 و378.

(8)

عن عبد الله بن سلام. قال الهيثمي في " المجمع " 10/ 381: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

(9)

قال في " المجمع " 10/ 379: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف.

(10)

قال الهيثمي 10/ 369: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها ثقات.

(11)

قال الهيثمي 10/ 377 - 378: رواه الطبراني في " الكبير "(7483)، وفيه جميع بن ثوب الرجبي، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: رواياته تدل على أنه ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.

(12)

" المجمع " 10/ 381.

(13)

" المجمع " 10/ 359.

(14)

أخرجه أحمد 5/ 43، والطبراني في " الكبير " و" الصغير "(929)، والبزار (3467).

(15)

5/ 330. قال الهيثمي 10/ 384: رجاله وثقوا على ضعف فيهم.

ص: 340

أمَّا حديث علي عليه السلام، فرواه محمد بن منصورٍ في كتابه " علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم "، ويُعرف بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد، ذكره في باب ما يقال بعدَ الصلوات، وقد تقدم ذكر ذلك وذكرُ إسناده وأن رجاله من أهل البيت عليهم السلام (1).

وروى الترمذي عن عليٍّ عليه السلام ما يشهد لذلك، ولكن بغير لفظ (2) الخروج من النار، وذلك أنه روى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن مستظهِرَ القرآن يُشَفِّعُهُ الله في عشرةٍ من أهل بيته، كلهم قد استوجب النار (3).

وعنه عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أشفعُ حتى يناديني ربي: قد رضيتَ يا محمد؟ فأقول: أي ربِّ، قد رضيتُ ". رواه البزار (4).

وأما حديث أبي بكر رضي الله عنه، فرواه أحمد في " المسند "(5)، وصحَّحه ابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح "(6).

وأما حديث أبي سعيد، فرواه البخاري ومسلم والنسائي (7).

(1) تقدم تخريجه.

(2)

في (ش): " بلفظ ".

(3)

تقدم تخريجه ص 113 من هذا الجزء وهو ضعيف جداً.

(4)

برقم (3466)، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلَاّ بهذا الإسناد.

قلت: ورواه أيضاً ابن خزيمة في " التوحيد " ص 279، وأبو نعيم في " الحلية " 9/ 123.

وزاد نسبته السيوطي في " الدر المنثور " 8/ 543 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

وقال الهيثمي في " المجمع " 10/ 377: رواه البزار، والطبراني في " الأوسط "، وفيه محمد بن أحمد بن زيد (تحرف عند البزار وأبي نعيم إلى " يزيد ") المداري، ولم أعرفه.

قلت: ذكره ابن حبان في " ثقاته " 9/ 123، ففال: محمد بن أحمد بن زيد، أبو جعفر المداري (تحرف فيه إلى المدادي) من أهل البصرة، يروي عن الأنصاري والبصريين حدثنا عنه عبد الله بن قحطبة وغيره. وذكره أيضاً الحافظ ابن حجر في " تبصير المنتبه " 4/ 1352، فقال: محمد بن أحمد بن زيد المداري، عن عمرو بن عاصم.

(5)

1/ 5 - 6، وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

(6)

ص 205 - 206.

(7)

تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

ص: 341

وأما حديثُ أنسٍ، فرواه البخاري ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة، وهو أول حديثٍ في " مسنده " في " جامع المسانيد " لابن الجوزي (1).

وقال المِزِّيُّ في " أطرافه "(2): رواه البخاري في " التفسير "، ومسلم في " الإيمان "، والنسائي في " التفسير "، وابن ماجه في " الزهد ".

وأما حديث أبي هريرة (3)، فرواه البخاري ومسلم والترمذي، ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول "(4) في حرف القاف في الباب الثاني من ذكر القيامة وأحوالها مع غيره.

وأما حديث ابن عباس، فرواه أحمد، وهو الحديث الرابع والأربعون بعد الثلاث مئة من مسند ابن عباس من " جامع المسانيد " لابن الجوزي (5).

وللحاكم عن ابن عباس نحوه، كما يأتي في حديث أبي موسى، فرواه الطبراني وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد "(6) في تفسير سورة الحجر.

وللحاكم في " المستدرك "(7) نحوه عن ابن عباس بغير لفظه.

وأما حديث ابن مسعود، فرواه مسلم في ذكر آخر من يدخل الجنة (8).

(1) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

(2)

1/ 307.

(3)

تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

(4)

10/ 440 - 445.

(5)

تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

(6)

7/ 45، وقال: فيه خالد بن نافع الأشعري. قال أبو داود: متروك، قال الذهبي: هذا تجاوز في الحدِّ، فلا يستحق الترك، فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره، وبقية رجاله ثقات.

(7)

2/ 353 من رواية جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! مع أن جريراً روى عن عطاء بعد الاختلاط.

(8)

برقم (186)، وأخرجه أيضاً البخاري (6571) و (7512)، والترمذي (2598)، وابن ماجه (4339).

ص: 342

وأما حديث جابر بن عبد الله، فله حديثان: تقدم أحدهما، وكلاهما عند مسلم (1).

وأما حديث حذيفة، فرواه أحمد في " المسند "(2)، وهو الحديث السابع والأربعون من مسند حذيفة من " جامع المسانيد ".

وأما حديث عِمران بن حُصينٍ، فرواه البخاري في " الرقاق "(3)، وذكره ابن حجر في ترجمة الحسن بن ذكوان من " مقدمة شرح البخاري "(4)، وقال: إن له شواهدَ كثيرة.

وقال الحافظ المزي في " أطرافه "(5) في ترجمة أبي رجاء عنه: رواه البخاري في صفة الجنة، وأبو داود في السنة، والترمذي في صفة النار، وابن ماجة في الزهد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى.

وأظن في المسانيد أكثر من هذه الطرق، فيُنقل ذلك من " مجمع الزوائد " ويُضَمُّ إلى هذا إن شاء الله تعالى، فهؤلاء أكثر من عشرةٍ كبار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم روَوْا ذلك جهاراً في مواطن مختلفةٍ، ولم يُذكَرْ من بقية الصحابة نكيرٌ لذلك، ولا عن (6) أحدٍ من التابعين، ولا أعلم أنه تقدم من هذه الأحاديث إلا حديث جابرٍ وعليٍّ عليه السلام، وقد نبهت عليه فيما تقدَّم، والرواة عنهم أكثرُ في الوسط والطرف الآخر، ولولا خشية الإطالة، لذكرتُ من روى عنهم من التابعين، وعن التابعين من تابعيهم، لتظهرَ كثرة الرواة في الطرف الأخير وزيادتهم.

(1) برقم (191).

(2)

5/ 402 و403، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في " التوحيد " ص 275 - 276، وقال الهيثمي في " المجمع " 10/ 380، وقال: رواه أحمد من طريقين.

(3)

برقم (6566). وأخرجه أيضاً أبو داود (4740)، والترمذي (2603)، وابن ماجه (4315).

(4)

ص 397.

(5)

8/ 196.

(6)

" عن " ساقطة من (ش).

ص: 343

وأما ما يلزم منه موافقة هذه الأخبار بغير لفظ الخروج من النار، فما لا يُحصى، مثل الأحاديث التي فيها أن الشفاعة نائلةٌ من مات (1) لا يشرك بالله شيئاً، هذا مرويٌّ من طرقٍ، حضرني منها طريق عبد الله بن عمر بن الخطاب (2)، وأبي ذر الغفاري (3)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (4)، وعوف بن مالكٍ (5)، ومن الأولين: أبو هريرة (6)، وابن عباسٍ (7)، وبلفظ:" شفاعتي لأهلِ الكبائر من أمتي " عن أنس (8)، وابن عمر (9)، رواهما الهيثمي.

حديث أبي ذر خرَّجه البزار برجال الصحيح، والحاكم في تفسير سورة سبأ، وقال: على شرطهما، ولم يخرجاه بهذه السِّياقَة، إنما أخرجا ألفاظاً من الحديث متفرِّقة (10).

قلت: وهي أنها نائلةٌ من لم يشرك بالله شيئاً، وقال: في " مسند " البزار انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر. وعن أنس وجابر رواهما الحاكم في " المستدرك "

(1) في (ش): " تاب "، وهو تحريف.

(2)

قال البزار بعد أن أخرجه (3460) من حديث مجاهد عن ابن عباس: رواه واصل عن مجاهد " عن أبي ذر، ورواه سلمة بن كهيل عن مجاهد، عن ابن عمر.

(3)

انظر ت (10).

(4)

أخرجه أحمد 2/ 222، وقال الهيثمي 10/ 367: رواه أحمد ورجاله ثقات.

(5)

أخرجه أحمد 6/ 28 و29، والترمذي (2441)، وابن ماجه (4317)، وصححه ابن حبان (211)، والحاكم 1/ 67.

(6)

أخرجه مسلم (199)، والترمذي (3602)، وابن ماجه (4307).

(7)

انظر " مجمع الزوائد " 10/ 372 - 373.

(8)

أخرجه أبو داود (4739)، والترمذي (2437)، وابن ماجه (4310)، وصححه الحاكم 1/ 69.

(9)

أخرجه الخطيب في " تاريخه " 8/ 11.

(10)

أخرجه البزار (3461) من طريق مجاهد عن أبي ذر، ولم يسمع منه، وأخرجه الحاكم 2/ 424 من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر.

ص: 344

وصحَّحهما، وقال بعد حديث أنس ما لفظه (1): ومن توهَّم أن هذه لفظة من ذلك الحديث -يعني حديث أنس الطويل في خروج الموحِّدين من النار المشار إليه أوّلاً- قال الحاكم: من توهَّم أن هذه لفظة من الحديث، فقد وَهِمَ، فإن هذه شفاعة فيها قمعُ المبتدعة المفرِّقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر. قال: وله شاهدٌ من حديث قتادة وأشعث بن جابرٍ الحُدَّانِيِّ، وساقهما، وقال في حديث أشعث: إنه على شرط مسلم، ثم رواه بلفظٍ من طريق جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ:" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " رواه عن الصادق من طريقين: إحداهما على شرط البخاري ومسلم (2).

وذكر الحاكم النوع الموفي خمسين من كتابه " علوم الحديث "(3) أنه قد ذكر أخبار الشفاعة في باب، وأنه من الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، فانظر إلى كلام الحاكم في إرغام المبتدعة بذلك، وهو من رؤوس الشيعة، ومحبي العترة، يعلم أن موافقة كثير منْ متأخري الشيعة لوعيدية المعتزلة أمر حادث، وأن عنق الشيعة كانوا على السنة وموافقة الحديث في أكثر الأمور، كما ذلك مبين بالنقل الصحيح في كتاب الزيدية المعروف " بالجامع الكافي " تأليف أبي عبد الله العلوي الحسني رحمه الله.

وفي " مجمع الزوائد " للهيثمي في أحاديث الشفاعة طرق غير ما ذكرته، منها عن ابن عمر أن " شفاعتي ليس للمؤمنين المتقين، لكنها للمذنبينَ الخاطئين المتلوثين "، رجاله ثقات (4). وعن عبد الله بن بسر، ولفظه: "شفاعتي

(1) 1/ 69.

(2)

وقد تقدم ص 140 من هذا الجزء.

(3)

ص 254.

(4)

أخرجه أحمد 2/ 75، وابن أبي عاصم في " السنة "(791)، عن علي بن النعمان بن قراد، عن رجل، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسمُ.

وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه (4311)، وصححه البوصيري في "الزوائد" 273/ 2.

ص: 345

للمذنبين المُثْقَلِينَ" (1). وعن أم سلمة، ولفظها: " وشفاعتي للهالكين " (2)، وعن أبي أمامة: " لِشرَار أمتي " وسنده ضعيف (3).

وأما أحاديث الشفاعة لأهل لا إله إلَاّ الله، فكثيرٌ غير ما تقدم، منها في " مجمع الزوائد " عن معاذ وأبي موسى من طريق عاصم القارىء، وبقيتهم رجال الصحيح (4)، وعن أبي موسى برجال ثقات (5) وأنس من طريق علي بن قرة بن حبيب (6)، وعنه (2) من طريق يزيد الرقاشي (7)، وعنه (3) برجال الصحيح (8)، وعنه حديث (4) وقد تقدم. وعن أبي أيوب من طريق ابن لهيعة (9)، وعن أبي

(1) أخرجه الطبراني في " الكبير "، و" الأوسط "، وابن أبي عاصم في " السنة "(823)، وابن عساكر في ترجمة عبد الله بن بُسْر من " تاريخ دمشق " ص 454. وقال الهيثمي في " المجمع " 10/ 377: فيه عبد الواحد النصري، متأخر، يروي عن الأوزاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

(2)

أخرجه الطبراني في " الكبير " 23/ (872). قال الهيثمي في " المجمع " 10/ 378: فيه عمرو بن مخزم، وهو ضعيف.

(3)

تقدم تخريجه ص 340 ت (11).

(4)

أخرجه أحمد 5/ 232، والطبراني في " الكبير " 20/ (342) و (343)، والبزار (3463). قال الهيثمي 10/ 368: رواه أحمد والطبراني، وإحدى روايتي أحمد رجالها رجال الصحيح غير عاصم بن أبي النجود، وقد وثق، وفيه ضعف، ورواه البزار باختصار، ولكن أبا المليح وأبا بردة لم يدركا معاذ بن جبل.

(5)

أخرجه أحمد 4/ 404 و415. وانظر " المجمع " 10/ 368 - 369.

(6)

" المجمع " 10/ 370، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه علي بن قرة بن حبيب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

(7)

أخرجه أبو يعلى (4130)، ويزيد الرقاشي ضعيف. وانظر " المجمع " 10/ 373.

(8)

أخرجه أحمد 3/ 178، وابن خزيمة في " التوحيد " ص 254. وانظر " المجمع " 10/ 373 - 374.

(9)

أخرجه أحمد 5/ 413، والطبراني في " الكبير "(3882)، وقال الهيثمي في " المجمع " 10/ 375: فيه عباد بن ناشرة من بني سريع، ولم أعرفه، وابن لهيعة، وضعفه الجمهور.

ص: 346

سعيد في أبواب البعث (1)، وفي فضل لا إله إلَاّ الله، عن يعلى بن شداد

(2).

وأما بلفظ " شفاعتي لأمتي "، و" اختبأت دعوتي لأُمَّتي " فكثيرةٌ جداً، بالغٌ مبلغ التواتر، والله سبحانه أعلم.

وهذا كله مع شهادة كتاب الله لذلك، حيث قال تعالى في النار:{أُعِدَّتْ للكافرين} [البقرة: 24]، وقال:{لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15 - 16]، وقال تعالى:{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 86 - 87]، وقال:{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48].

وقال في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]، إلى سائر ما تقدم ذكره.

وقال تعالى في أهل الجنة: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] على ما تقدم بدلائله أن الاستثناء في الخير للزيادة، وفي الشر للنقصان وغير هذه الآية مما يذكر في هذا الموضع، ومن ذلك أحاديث:" من كان آخر كلامه لا إله إلَاّ الله، دخل الجنة "(3)، وهي مشهورةٌ، بل متواترةٌ.

وممن روى ذلك من أهل البيت عليهم السلام السيد الإمام أبو طالب في " أماليه "، وذلك أيضاً مرويٌّ عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في " مجموع " زيد بن عليٍّ عليه السلام في آخر كتاب الصلاة منه، ورواتها يزيدون

(1) لعله الذي في " المجمع " 10/ 371.

(2)

بياض في الأصول. والحديث أخرجه أحمد 4/ 124، وقال الهيثمي 10/ 81: فيه راشد بن داود، وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف.

(3)

تقدم تخريجه في الجزء الخامس.

ص: 347

على عدد التواتر، والذي حضرني منهم أربعة عشر صحابياً، وهم: عليُّ بن أبي طالب عليه السلام، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو ذر، وعبادة، وطلحة، وجابر، وابن عمر، وتقدم حديث علي عليه السلام وذكر بقيتهم الحافظ ابن حجر في كتابه " التلخيص " الحبير في أحاديث الشرح الكبير " (1)، وعزا كلَّ حديثٍ إلى من خرَّجه، فاستغنيتُ بذلك عن التطويل بنقل جميع ما ذكره.

ومن ذلك أحاديث تكفير الذنوب بالمصائب والآلام والموت (2)، وموت الأولاد، إلى أدنى المؤذيات من الفقر، والتعب، والهم، والنَّكد (3)، والشوكة، كما مضى في تفسير:{فمن يعمل مثقال ذرةٍ شرَّاً يره} [الزلزلة: 8](4) وفي تفسير: {من يعمل سوءاً يُجْزَ به} [النساء: 128] مثله، قال ابن عبد البر: وهو عن أبي بكر من وجوهٍ شتَّى (5).

وفي " أسباب النزول " للواحدي له شواهد عن غيره أيضاً، عن أبي هريرة وعائشة، وفي الباب عن أنس.

وقال ابن عبد البر: إن تكفير الذنوب بالآلام والمصائب أمر مجمع عليه.

قلت: ثبت بل قد تواتر أن " من مات له ثلاثة أولادٍ لم يبلُغُوا الحِنْثَ، أو اثنان، كانوا له حِجَاباً من النار ". خرَّجه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد (6)،

(1) 2/ 103.

(2)

" والموت " ساقطة من (ش).

(3)

في (ف): " والنكبة ".

(4)

انظر ص 55 من هذا الجزء.

(5)

انظر الحديث (111) و (112) و (113) من مسند أبي بكر للمروزي بتحقيقنا.

(6)

أخرجه البخاري (101) و (102) و (1249) و (7310)، ومسلم (2633) و (2634)، وأحمد 3/ 34، وابن حبان (2944)، وانظر تمام تخريجه فيه.

ص: 348

وخرَّجاه هما، ومالك، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة (1)، والترمذي (2) عن ابن مسعود، والبخاري ومسلم عن أنس (3)، ولفظ البخاري عنه:" بفضل رحمته إياهم "، وهو يفيد عدم النظر إلى عِظَمِ الحزن وقلَّته. رواه ابن الجوزي كذلك، وعزاه إلى أفراد البخاري في الحديث الثالث والثمانين بعد الثلاثمئة من مسند أنس.

وقال الترمذي في كتاب الجنائز بعد رواية حديث أبي هريرة (4): وفي الباب عن عمر، ومعاذٍ، وكعب بن مالكٍ، وعتبة بن عبد، وأم سُليم، وجابر، وأنس، وأبي ذر، وابن مسعودٍ، وأبي ثعلبة الأشجعي، وليس هو بالخشني، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وأبي سعيد وقرة بن إياسٍ المُزَنِيِّ، فهو عنده عن خمسة عشر صحابيّاً.

ورواه مالك (5) عن أبي النضر السُّلميِّ، والنسائي (6) عن أبي ذر، وليس في حديثه ذكر الاثنين. والترمذي (7) عن ابن عباس، وفي حديثه (8) زيادةٌ عظيمةٌ، ولفظه:" من كان له فَرَطَانِ من أمتي، دخل الجنة بهما "(9). قالت عائشة: فمن كان له فرطٌ من أمتك، قال:" ومن كان له فرطٌ يا مُوَفَّقَةُ " قالت: فمن لم يكن

(1) تقدم تخريجه 8/ 420.

(2)

برقم (1061)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (1606)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، (يعنى عبد الله بن مسعود).

(3)

البخاري (1248) و (1381)، والنسائي 4/ 24، وابن ماجه (1605)، وابن حبان (2943)، ولم يخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله.

(4)

برقم (1060).

(5)

في " المؤطأ " 1/ 235.

(6)

4/ 34، وأخرجه أحمد 5/ 151 و153 و159 و164، والبخاري في " الأدب المفرد "(150)، وصححه ابن حبان (2940)، وانظر تمام تخريجه فيه.

(7)

برقم (1062)، وقال: حسن غريب.

(8)

في (ف): " وفيه ".

(9)

لفظ الترمذي: " أدخله الله بهما الجنة ".

ص: 349

له فرطٌ من أمتك؟ قال: " أنا فرطُ أُمَّتي، لم يُصابوا بمثلي ". رواه الترمذي.

وروى النسائي (1) من حديث معاوية بن قرَّةَ عن أبيه ما يشبهُه بغير لفظه في الفَرَطِ الواحد.

وفي " صحيح البخاري "(2) شاهدٌ لذلك في الفرط الواحد ولفظه: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّهُ من الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ".

وهذا الحديث، وحديث عائشة في الفرط يعمُّ الأولاد كسائر القرابات، والزوجات، والأزواج، والأصدقاء.

وتقدم (3) حديث: " الحُمَّى حظُّ كل مؤمن من النار " من حديث أبي هريرة وأبي أمامة. وفي " مسلم "(4) عن جابر نحوه.

وفي " الصحيحين " و" الترمذي " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معاً أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يصيبُ المؤمن من وَصَبٍ، ولا نصبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهمِّ يُهَمُّهُ، إلَاّ كفَّر الله به سيئاته "(5). وفيهما وفي " الموطأ " و" الترمذي " نحوه عن عائشة (6) وفيه: " حتَّى الشوكة يُشاكُها ". وفيهما (7) عن ابن مسعود نحوه، وفيه:" حطَّ الله به خطيآته كما تَحُطُّ الشجرةُ ورقها ".

(1) 4/ 23 و118 وإسناده صحيح.

(2)

برقم (6424).

(3)

8/ 420.

(4)

برقم (2575). وأخرجه أيضاً ابن حبان (2938).

(5)

أخرجه البخاري (5641 و5642)، ومسلم (2573)، والترمذي (966).

(6)

أخرجه مالك 2/ 941، والبخاري (5640)، ومسلم (2572)، والترمذي (965).

(7)

البخاري (5647) و (5648) و (5660) و (5661) و (5667)، ومسلم (2571)، وأحمد 1/ 381 و441 و455، وابن حبان (2937).

ص: 350

ورواه أبو داود (1) عن أمِّ العلاء: " إن مرض المسلم يُذْهِبُ خطاياه كما تُذهِبُ النارُ خبث الفضة ". ولمالك (2) نحوه عن يحيى بن سعيد، وعزاه رزين إلى النسائي، وعن أنس نحوه في " الترمذي "(3).

وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: " ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وليست له خطيئةٌ " رواه مالك والترمذي (4).

ولمحمد بن خالدٍ السُّلمي عن أبيه، عن جده، وكانت له صحبةٌ أنه صلى الله عليه وسلم قال:" إذا سَبَقَتْ للعبد من الله منزلةٌ، فلم يبلُغها -يعني بعمله- ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده " -زاد في رواية: " ثم صبَّره على ذلك "، ثم اتفقا-:" حتَّى يُبَلِّغَه المنزلة التي سبقت له " رواه أبو داود (5).

وعن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم:" من يُرِدِ الله به خيراً يُصِبْ منه ". رواه مالك والبخاري (6).

وفي الباب غير هذا، وهو أمر متواتر، فهذه ثلاثة وعشرون حديثاًً، في كتب الترغيب والترهيب، وفي حرف الفاء من " جامع الأصول "(7) في كتاب الفضائل شواهد لما نحن فيه، ينبغي الوقوف عليها لمن أراد الفائدة مثال ذلك في فضل العتق (8) خمسة أحاديث مصرِّحةٌ بنجاة من أعتق مسلماً من النار: عن أبي هريرة

(1) برقم (3092).

(2)

في " الموطأ " 2/ 942، وهو مرسل. وانظر " جامع الأصول " 9/ 583.

(3)

برقم (2398)، وإسناده حسن.

(4)

الترمذي (2399)، وأخرجه مالك 1/ 236 بلاغاً. وأخرجه أيضاً أحمد 2/ 450، ابن حبان (2913) و (2924)، والحاكم 1/ 346، ووافقه الذهبي.

(5)

برقم (3090)، ومحمد بن خالد السلمي مجهول.

(6)

أخرجه مالك 2/ 941، ومن طريقه البخاري (5645)، وأحمد 2/ 237، وابن حبان (2907).

(7)

في المجلد التاسع.

(8)

9/ 527 - 530.

ص: 351

(البخاري ومسلم)، وأبي أمامة (الترمذي)، وأبي نجيح (أبو داود)، وشُرحبيل بن السّمط (أبو داود والترمذي)، والغريف بن الدَّيلمي (أبو داود).

وفي عيادة المرضى (1) خمسة يستلزم ذلك عن علي عليه السلام (أبو داود والترمذي)، وثوبان (مسلم والترمذي)، وأنس (الموطأ)، وجابر (الموطأ)، وأبي هريرة، (الترمذي).

ففي كل جنس أو نوع تواترٌ وشهرةٌ حتى يحصل بالمجموع فوق شجاعة علي عليه السلام، وجُودُ حاتمٍ المضروبَيْنِ مثلاً في التواتر بأضعافٍ مضاعَفَةٍ.

فإن في فضل الصوم ستة عشر (2)، وفي فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله أربعة عشر (3)، وفي الحج ستة عشر (4)، وفي الجهاد أربعة وأربعين (5)، وفي الشهادة أربعة وعشرين (6)، وفي الذكر والدعاء خمسة عشر (7)، وفي الصلاة، والأذان، والمشي إليها وانتظارها، والجمعة، وصلواتٍ مخصوصةٍ؛ قدر تسعين حديثاً ونيِّف (8).

وهذا الذي في " البخاري " و" مسلم " و" أبي داود " و" الترمذي " و" النسائي " و" الموطأ "، غير ما في المسانيد، وهو أضعاف هذا، ألا ترى أن في هذه الكتب في صلاة الضحى ستة أحاديث، وفي " مجمع الزوائد " نيف وأربعون؟ فهذه مئتا حديث وتسعون حديثاًً من فضلِ الشهادة عند الموت إلى فضل الفقر والفقراء، فقد تقدم منها مقدار ثلاثين حديثاً في الوجه الثاني من وجوه الجمع بين قوله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، وقوله:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]، في أدلة المعتزلة، وإذا أضفتَ هذه العدة الكثيرة إلى ما تقدم، وهو (175) حديث صار المجموع منها قدر ثلاثمئة حديثٍ

(1)"جامع الأصول" 9/ 531 - 534.

(2)

9/ 450 - 459.

(3)

9/ 517 - 527.

(4)

9/ 460 - 468.

(5)

9/ 468 - 497.

(6)

9/ 497 - 510.

(7)

9/ 510 - 516.

(8)

9/ 377 - 449.

ص: 352

وخمسة وأربعين حديثاًً (1) من غير المكرَّر، إلَاّ ما سهوتُ عنه، وهو النادر إن وقع، وغالبها صحاحٌ، وبقيتها تصلح في الشواهد والاعتبارات، وتصح على قواعد الفقهاء والأصوليين، ثم لحق بعد هذه خمسةٌ وثلاثون حديثاًً من " مجمع الزوائد " من أول باب فيه عن خمسةٍ وعشرين صحابياً كما تقدم في موضعه، صارت ثلاث مئة وثمانين حديثاًً، وفيها شاهدان لحديثٍ عن أبي بكرٍ الصدِّيق عن كوثر وسويد بن عبد العزيز (2).

قال الهيثمي (3): فيهما متروكان، وقد قيل إنهما ضعيفان، لا متروكان.

وأما قوله (4) في حديث عمران بن حصين (5): فيه عمران القصيرُ، متروكٌ.

فخطأٌ فاحشٌ، فإنه من رجال الجماعة إلَاّ الترمذي، وثَّقه جماعةٌ، وفيه كلامٌ سهلٌ قريبٌ مثل غيره من الأئمة.

وإنما ذكرت هذا لأعرِّفَك أنِّي لم أُورِدْ في هذه الأحاديث من رواية الكذابين شيئاً فيما أعلمه، والله الهادي.

ثم لَحِقَتْ عشرةُ أحاديث عن سبعة صحابةٍ في نجاة الميِّت عندَ المسألة في القبر بسبب الشهادتين فقط، منها عن أنسٍ (6) والبراء (7)، متفق على صحتهما، وبقيتها في " مجمع الزوائد " و" جامع الأصول ".

(1) قوله: " وخمسة وأربعين حديثاً " ساقط من (ش).

(2)

أخرجها أبو يعلى (19) و (105).

(3)

في " المجمع " 1/ 15.

(4)

في " المجمع " 1/ 22.

(5)

رواه البزار (14) وابن خزيمة في " التوحيد " ص 348، وفيه عمر بن محمد بن عمر بن معدان، قال البزار: لا بأس به، وقال الهيثمي 1/ 19: واهي الحديث. وعبد الله بن أبي القلوص لم يوثقه غير ابن حبان.

(6)

أخرجه البخاري (1338) و (1374)، ومسلم (2870)، وأحمد 3/ 126 و233، والنسائي 4/ 97 - 98، وابن حبان (3120).

(7)

تقدم تخريجه ص 282 من هذا الجزء.

ص: 353

لحق حديثان من " البغوي " عن أنس في العفو عن حقوق الله، وعن ابن عمر رواه أحمد.

وفي باب سجود الشكر من " مجمع الزوائد "(1) في هذا المعنى (3) أحاديث: عن حذيفة عند أحمد (2)، وعن معاذ (3) وعبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني (4).

ومن مظانه في " مجمع الزوائد " فضل الأمة في المناقب (5)، وذكر رحمة الله وذكر الشفاعة والبعث من علامات النبوة (6).

وفي " البخاري "(7) في تفسير (حم السجدة) أثر عن ابن عباسٍ، لكنه في حكم المرفوع، لأنه تفسيرٌ، وهو المغفرة لأهل الإخلاص، صارت أربع مئة تنقصُ خمسة. وفي مسند هشام بن عامرٍ حديثٌ، وفي مسند يزيد بن أسد حديث (8)، وفي مسند يزيد بن شجرة (9) وهو (28)، وحديث آخر، وهو الثالث (10).

(1) 2/ 287 - 290.

(2)

5/ 393. وقال الهيثمي 2/ 287: فيه ابن لهيعة، وفيه كلام.

(3)

أخرجه الطبراني في " الكبير " 2/ (199) من طريق الحجاج بن عثمان السكسكي عن معاذ. وقال الهيثمي 2/ 288: لم يدرك معاذاً، فقد ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وهو من طريق بقية، وقد عنعنه.

(4)

قال الهيثمي 2/ 289: فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.

(5)

" مجمع الزوائد " 10/ 67 - 71.

(6)

" المجمع " 10/ 328 - 385.

(7)

8/ 556 في ترجمة الباب تعليقاً، ووصفه الطبراني في " الكبير "(10594).

(8)

انظر " المسند " 4/ 70، والطبراني 1/ (1001) و (1002)، و38/ (625)، والإصابة 1/ 49 و3/ 614.

(9)

أخرجه عبد الرزاق (9538)، والطبراني 22/ (641) و (642)، وقال الهيثمي في " المجمع " 5/ 294: رواه الطبراني من طريقين، رجال أحدهما رجال الصحيح.

(10)

في (ف): " وهو 53 ".

ص: 354

وبذلك كمُلَتِ الأحاديث أربع مئة في عدتي، وأظنها أكثر، لأنِّي قد زدت فيها (1) بعد فراغى من التسويد لحق بعد كمال الأربع مئة حديث في الرجاء أحاديث كثيرة في ذلك من " مجمع الزوائد "(2) منها (11) حديثاًً في المغفرة ليلة النصف من شعبان، وفى كل اثنين وخميس لجميع العباد إلَاّ لمشركٍ، أو مُشاحنٍ لأخيه، ومنها ستة في خروج الموحدين من النار إلى (11) حديثاًً، صارت (17)، ومنها في الشفاعة لأهل لا إله إلَاّ الله في " مجمع الزوائد "، ومنها خمسةٌ وعشرون حديثاًً في الحبِّ في الله، فيها اثنا عشر رجالها ثقات وفي " جامع الأصول " خمسة أحاديث في ذلك، صارت ثلاثين، وبقيتهم رجال التواتر.

وأحاديث: إن أحداً لا يدخل الجنة بعمله، لكن برحمة الله. اتفق البخاري ومسلمٌ منها على حديث عائشة (3)، وحديث أبي هريرة (4)، وتفرد مسلم (5) بحديث جابر في ذلك، وزاد الهيثمي في " مجمع الزوائد "(6) عشرة أحاديث أو أحد عشر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة حديثان، وأبي موسى وشريك بن طريفٍ، وأسامة بن شريكٍ، وأسد بن كُرزٍ، وأنس، وابن عمر بن الخطاب، وواثلة، وُثِّق رجال أربعة أحاديث منها، تقدمت في إثبات الحكمة في آخر مسألة الأفعال.

وأحاديث الحسنة بعشر أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو، خمسة (7) صار الجميع أربعةً وسبعين حديثاًً بعد الأربع مئة

(1)" فيها " ساقطة من (ف).

(2)

8/ 65 - 66.

(3)

أخرجه البخاري (6464) و (6467)، ومسلم (2818).

(4)

أخرجه البخاري (5463) و (5673)، ومسلم (2816)، وأحمد 2/ 514، وابن ماجه (4201)، وابن حبان (348) و (660)، وانظر تمام تخريجه فيه.

(5)

برقم (2817)، وأخرجه أيضاً ابن حبان (350)، وأحمد 3/ 337، والدارمي 2/ 305.

(6)

10/ 356 - 358.

(7)

في (ش) و (ف): " أربعة أو خمسة ".

ص: 355

وفي شفاعة المسلمين للميت في صلاة الجنازة أحاديث.

وما لم نذكر ربما يكونُ أضعاف ذلك في المسانيد الحافلة، وضممتُ إلى ذلك إظهار الرواة لذلك، وتكرارهم له من بين الصحابة فَمَنْ بعدهم من غير نكيرٍ ولا اختلافٍ، وعرفت قدر العناية بعلم الحديث وأن فائدته العُظمى التَّنزُّه عن الجهل الفاحش بالمعلومات من ضرورة الدين، والمماراة فيما هو عند العارفين من الحق اليقين المستغني بالضرورة عن البراهين، ولقد كان في كتاب الله كفاية لو قدَّمت النصوص، ولم ترجِّحِ العُموم على الخصوص، ولا زيادة على هذا البيان والله المستعان.

ويتصل بهذا ما ورد في فضل الفقر في الأحاديث الصحيحة، والبلوى بالفقر كثيرةٌ، والغمُّ به كثيرٌ لأجل الجهل بفضله، فلنُورِدْ ما حضر من ذلك ليهون على الفقراء كراهته، ونقتصر على قدر (1) خمسة وعشرين حديثاًً منتقاة من الصِّحاح، وما له حكمها.

فروى البخاري ومسلم من حديث حارثة بن وهبٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أهل الجنة كل ضعيفٍ متضعِّفٍ لو أقسم على الله لأبرَّه "(2).

قال ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري "(3) هو الخاضع الذي يضع (4) نفسه لله، وهذا يقتضي أن العين مكسورةٌ من " متضعِّفٍ ".

وقال ابن الأثير في " النهاية "(5) في شرح ذلك، يقال: تضعَّفتُه (6)،

(1)" قدر " ساقطة من (ف).

(2)

أخرجه البخاري (4918) و (6071) و (6657)، ومسلم (2853)، والترمذي (2608)، وأحمد 4/ 60، وابن ماجه (4116)، والطبراني (3255) - (3258).

(3)

ص 147.

(4)

عند ابن حجر: " يذل ".

(5)

3/ 88.

(6)

في (ف): " ضعفته ".

ص: 356

واستضعفته، يريد الذي يتضعفه (1) الناس ويتجبرون عليه وهذا يقتضي أنه بفتح العين.

وكلام ابن حجر أرجح، لأنه أحفظُ لضبط الحديث، وأكثرُ عناية بذلك، ولأن كلامه أنسبُ بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:" لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ "، لأنها فضيلةٌ تُناسِبُ الأفعال الاختيارية.

ولكلام ابن الأثير وجهٌ أيضاً، وهو أنه يقع معه (2) مجموع الضعف.

والاستضعاف ذوقُ الافتقار إلى الله تعالى، فيحمله على الالتجاء إلى الله تعالى بذَوْقِ الضرورة إلى ذلك، وذلك أقرب أحوال العبد إلى الله تعالى، وهو سبب فضيلة الفقر والمصائب والضرورات. ألا ترى إلى قوله تعالى:{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43]، فجعل التَّضرُّع سبباً للنجاة بعد مجيء بأس الله، والضرورات تستلزمه، فإن الغنى والعافية يسلُبان ذوق الافتقار إلى الله، ويجد صاحبها في قلبه (3) برد الغنى، وكفاية الاستغناء، فيغفل عن التضرع، ولا يذوق طعم الافتقار، فيبعد بذلك عن الله تعالى، وإن ذَوْقَ الافتقار والإقبال على الله تعالى في طلب كشف الضرورات، وقضاء المهمات خيرٌ للعبد من مطلوبه الذي طلبه، وإنما الضرورات للعبد كالسَّوط للدَّابَّة.

ويؤيد هذا المعنى الذي ذكره ابن الأثير حديث: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه ". رواه مسلم عن أبي هريرة (4). وروى الحاكم (5) في تفسير سورة القلم من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه

(1) في (ف): " يستضعفه ".

(2)

في (ش): " مع ".

(3)

" قلبه " ساقطة من (ش).

(4)

مسلم (2622) و (2846) " وابن حبان (6483).

(5)

2/ 499، وزاد نسبته السيوطي في " الدر المنثور " 8/ 49 إلى ابن مردويه.

ص: 357

يقول: " أهلُ النار كلُّ جَعْظِريٍّ جَوَّاظٍ مُستكبرٍ جمَّاعٍ، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون " وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، وسيأتي شيءٌ (1) من كلام الصُّوفيَّةِ في ذلك، وكذلك سائر الأحاديث التي تأتي الآن، فإنها تُناسِبُ تفسير ابن الأثير، والله أعلم.

فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في محاجة الجنة والنار: وقالت الجنة: " فما لي لا يدخلني إلَاّ ضعفاء الناس وسَقَطُهُم؟ "(2).

وروى مسلمٌ (3) عن أبي سعيد في مثل ذلك: " قالتِ الجنة: فيَّ ضُعُفاءُ الناس ومساكينُهم ".

وفي " البخاري " في " صفة الجنة "(4) عن عوفٍ، عن أبي رجاء، عن عِمران بن حصينٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" اطَّلعتُ في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء ".

وروى البخاري والترمذي عن ابن عباسٍ وعمران معاً (5).

وفي " البخاري "(6) عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أسامة، عنه

(1) في (ف): " في شيء ".

(2)

أخرجه عبد الرزاق (20893)، ومن طريقه أحمد 2/ 314، والبخاري (4850)، ومسلم (2846)، وابن حبان (7447)، وانظر تمام تخريجه فيه.

(3)

برقم (2847). وأخرجه أيضاً أحمد 3/ 13 و78 و79، وأبو يعلى (1172) و (1313)، وابن حبان (675) و (7454).

(4)

برقم (6546)، ورواه أيضاً (5198)، وأحمد 4/ 429، والترمذي (377)، والنسائي في " عشرة النساء"(377)، والترمذي (2603)، وابن حبان (7455).

(5)

البخاري تعليقاً بإثر الحديث (6449)، والترمذي (2602)، وقال: هكذا يقول عوف: عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، ويقول أيوب: عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعاً.

(6)

برقم (5196) و (6547)، وأخرجه مسلم (2736)، وأحمد 5/ 205 =

ص: 358

- صلى الله عليه وسلم: " قمتُ على باب الجنة، فكان عامَّةُ من دخلها المساكين وأصحابُ الجَدِّ محبوسُون، غير أن أهل النار قد أُمِرَ بهم إلى النار ".

وفي " أبي داود " و" الترمذي " عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: إن فقراء المهاجرين يدخلون قبل أغنيائهم بخمس مئة عامٍ. قال الترمذي: حسن غريب. ورواه مسلم أيضاً (1).

وقال أحمد في " المسند ": حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم:" يدخل فقراء المؤمنين قبل أغنيائهم بخمس مئة عامٍ " رجاله على شرط البخاري ومسلم، ورواه ابن ماجة في الزهد من حديث محمد بن بشرٍ ومحمد بن إبراهيم كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه الترمذي في الزهد عن سفيان الثوري، عن محمد بن عمرو به، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في " التفسير " عن الثوري به، ورواه الترمذي عن المحاربي عن ابن عمرو به.

وفي " مسلم "(2) عن عبد الله بن عمرو بن العاص: " بأربعين خريفاً ". ومثله في الترمذي (3) عن أنس وقال الترمذي: حديثٌ غريبٌ. ومثله فيه عن جابرٍ (4)، وقال: حديث حسن.

وقد جُمِعَ بين الأحاديث بأن من الفقراء من يسبق بخمس مئة، ومنهم

= و209 - 210، وابن حبان (7456).

(1)

أخرجه أبو داود (3666)، والترمذي (2352)، وابن ماجه (4123)، وأحمد 3/ 63 و96، وليس هو في " صحيح مسلم " كما قال المصنف رحمه الله.

(2)

برقم (2979)، وأخرجه أيضاً الدارمي 2/ 339، وأحمد 2/ 169، وابن حبان (677) و (678).

(3)

برقم (2352)، وفي سنده الحارث بن النعمان الليثي، وهو ضعيف، ولذا قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت: لكن يشهد له الأحاديث المتقدمة.

(4)

برقم (2355).

ص: 359

بأربعين، ومن الأغنياء من يستحق التأخير بخمس مئة، ومنهم من يستحق التأخير بأربعين، على قدر تفاوت الأحوال والأعمال.

وقال ابن الجوزي في " جامع المسانيد " في الحديث السابع عشر بعد الأربع مئة من مسند ابن عباس: حدثنا أحمد (1)، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا دُويد، عن سَلْم بن بشيرٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " التقى مؤمنانِ على باب الجنة: مؤمنٌ غنيٌّ، ومؤمنٌ فقيرٌ، كانا في الدنيا، فأُدْخِلَ الفقيرُ الجنةَ، وحُبِسَ الغني ما شاء الله أن يُحبس، ثم أُدخِلَ الجنة، فلقِيَهُ الفقير. قال: أي أخي، ماذا حبسك؟ والله لقد حُبِسْتَ حتى خِفْتُ عليك. فقال: أي أخي: إني حبست بعدك (2) مَحْبِساً فظيعاً كريهاً، وما وصلتُ إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألفُ بعيرٍ كلها آكلة حَمْضٍ، لصدَرَتْ عنه رِواءً.

قلت: الحمض: شجر تأكله الإبل.

وقال الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك "(3): حدثنا الشيخ أبو الوليد الفقيه، أخبرنا حسام بن بشر، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيَّةَ، عن حفص بن عمر بن الزبير، عن أنسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان ليعقوبَ أخٌ مؤاخٍ في الله، فقال ذات يومٍ: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك، وقوَّس ظهرك؟ فقال: أما الذي أذهب بصري، فالبُكاء على يوسف، وأما الذي قوَّسَ ظهري، فالحزن على ابني يامين، فأتاه جبريل

(1) 1/ 304، وذكره الهيثمي في " المجمع " 10/ 263 - 264، وقال: رواه أحمد، وفيه دويد غير منسوب، فإن كان الذي روى عنه سفيان، فقد ذكره العجلي في " الثقات "، وإن كان غيره، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، غير مسلم (صوابه سلم) بن بشير وهو ثقة. قلت: وسلم بن بشير مترجم في " التاريخ الكبير " 4/ 157، والجرح والتعديل " 4/ 266، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في " الثقات " 6/ 420.

(2)

" بعدك " ساقطة من (ف).

(3)

2/ 348.

ص: 360

عليه السلام، فقال: إن الله يُقرِئُك السلام، فقال: أما تستحي تشكوني إلى غيري؟! فقال: إنما أشكو بثِّي وحُزْني إلى الله. فقال جبريل: اعلم ما تشكو يا يعقوب. قال: ثم قال يعقوب: أي ربِّ، أما ترحم الشيخ الكبير، أذهبتَ بصري، وقوَّسْتَ ظهري، فاردُد عليَّ ريحانتي أشمُّه (1) شماً قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردتَ، فأتى جبريل فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول: أبشر، وليفرَح قلبُك، فوَعِزَّتي لو كانا ميِّتَيْنِ، لنشرتُهما، فاصنع طعاماً للمساكين، فإن أحبَّ عبادي إليَّ الأنبياء والمساكين. أتدري لم أذهبت (2) بصرك، وقوَّسْتُ ظهرك، وصنع إخوةُ يوسف به ما صنعوا؟ إنَّكم ذبحتم شاةً، فأتاكم مسكينٌ يتيمٌ، وهو صائمٌ، فلم تُطعموه منها شيئاً. قال: فكان يعقوبُ بعد ذلك إذا أراد الفداء أمر منادياً فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين، فليتغدَّ مع يعقوب، وإذا كان صائماً [أمر منادياً، فنادى: ألا من كان صائماً من المساكين،] فليفطر مع يعقوب ". أخرجه الحاكم في تفسير سورة يوسف، وقال: هكذا في سماعي بخطِّ يدي. حفص بن عمر بن الزبير، وأظن الزبير وهماً من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح (3).

قال الحاكم: وقد أخرج الإمام إسحاق بن راهويه هذا الحديث في تفسيره

(1) في (ش): " أشمهما ".

(2)

في (ش): " أذهب ".

(3)

قلت: أخرجه ابن أبي حاتم في " تفسيره " كما في " تفسير ابن كثير " 2/ 506 عن الحسن بن عرفة، عن يحيى بن عبد الملك بإسناد الحاكم. وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وفيه نكارة.

وذكره الهيثمي في " المجمع " 7/ 40، وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري، وهو ضعيف جداً.

وأورده الحافظ السيوطي في " الدر المنثور " 4/ 574، ونسبه لابن إسحاق بن راهويه، وابن أبي الدنيا في " الفرج بعد الشدة "، وابن أبي حاتم، والطبراني في " الأوسط "، وأبي الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في " شعب الإيمان ".

ص: 361

مرسلاً أخبرناه أبو زكريا العنبريُّ، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق، أخبرنا عمر بن محمدٍ، حدثنا زافرُ بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو الحديث.

وقال ابن الجوزي في الحديث الثالث والستين بعد السِّتِّ مئةٍ من مسند أبي هريرة: أخبرنا أحمد (1)، أخبرنا أزهر بن القاسم الراسبي، أخبرنا هشام، عن عباد بن علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ويلٌ للأُمراء، ويلٌ للعُرَفاء، ويلٌ للأُمناء، ليَتَمنَّينَّ أقوامٌ يوم القيامة أن ذوائِبَهم كانت معلَّقةً بالثُّريَّا، يُدَلَّون بين السماء والأرض، ولم يكونوا عَمِلُوا على شيء ".

وروى البخاري وابن ماجه (2) من حديث أبي حُصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" تعسَ عبدُ الدينار والدِّرْهَم والقَطِيفة، طُوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُهُ، مغبَرَّةً قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَع لم يُشَفَّع " رواه البخاري في الجهاد، وابن ماجة في الرِّقاق، وذكر اختلافاً في رفعه.

وروى البخاري في حديث ابن عباس الذي فيه قصَّتُه قيصر مع أبي سفيان، وفيه أن ضعفاء الناس هم أتباع الرسل (3)، وكفى بها كرامةً مُرَغِّبَةً في الفقر.

ويشهد لذلك قول الله عز وجل: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]، وكفى بهذه الآية الكريمة مُزَهِّدةً في الغِنى.

وروى البخاري من حديث محمد بن طلحة، عن طلحة، عن مُصعبِ بن

(1) 2/ 352، وصححه ابن حبان (4483)، والحاكم 4/ 91، وأقره الذهبي.

(2)

البخاري (2886) و (6435)، وابن ماجه (4135).

(3)

تقدم غير مرة.

ص: 362

سعدٍ، قال: رأى سعدٌ أن له فضلاً على من دُونَهُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَاّ بضُعَفَائِكُم ". ورواها النسائي ولفظه: " إنما يَنْصُرُ الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم (1) وصلاتهم وإخلاصهم "(2).

وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن طلحة الراوي له (3) الاختلاف في محمدٍ هذا، وذكر أن حديثه هذا فردٌ إلَاّ أنه في فضائل الأعمال.

قلت: لعله يريد أنه فردٌ من طريق سعدٍ، لا مطلقاً، فقد جاء عن أبي الدرداء (4) عنه صلى الله عليه وسلم مثله. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

وحديث الأخَوَين اللذين كان أحدهما يلزم المسجد، وأحدهما يحترِفُ، فشكا أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:" لعلَّكَ تُرزَقُ به ". رواه الترمذي وحده في " الزهد "(5) من حديث أبي داود الطيالسي، عن حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهو على شرط مسلمٍ، ذكره النووي في " رياض الصالحين "(6)، وقال الترمذي: حديث صحيح حسن غريب.

وروى البخاري (7) في فضل الفقر من الرِّقاق من حديث أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سهل بن سعدٍ الساعدي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه في ذكر تفضيل فقيرٍ على غنيٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد رأى فقيراً مسكيناً وغنيّاً من ذوي الجَدِّ والهَيْبَة:" هذا خيرٌ من مِلْءِ الأرضِ مثل هذا ".

(1) في (ف): " لدعوتهم ".

(2)

البخاري (2896)، والنسائي 6/ 45.

(3)

في " مقدمة الفتح " ص 439.

(4)

في الأصول: " أبي هريرة "، وهو خطأ. والحديث عند أبي داود (2594)، والترمذي (1702)، والنسائي 6/ 45 - 46، ورواه أيضاً أحمد 5/ 198، وصححه الترمذي، وابن حبان (4767)، والحكم 2/ 145، ووافقه الذهبي.

(5)

برقم (2345)، وصححه الحاكم 1/ 93 - 94، ووافقه الذهبي.

(6)

برقم (84) في باب اليقين والتوكل.

(7)

برقم (5091) و (4120)، ورواه أيضاً ابن ماجه (4120).

ص: 363

وفي كتاب الخصائص النبوية من " تلخيص "(1) الحافظ ابن حجر، قال ابن سعد (2): أخبرنا أبو النَّضر، حدثنا أبو معشر، عن سعيدٍ، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:" لو شئتُ، لسارت معي جبالٌ الذهب. أتاني مَلَكٌ فقال: إن ربَّك يُقرِئُكَ السلام، ويقول لك: إن شئتَ كنت نبيَّاً مَلِكاً، وإن شئت نبياً عبداً، فأشار إليَّ جبريل أن ضَعْ نفسك، فقلت: نبيَّاً عبداً ". فكان بعد ذلك لا يأكُلُ متَّكِئاً، ويقول:" آكُلُ كما يأكُلُ العبد، وأجلس كما يجلسُ العبدُ ".

قلت: سعيدٌ الراوي عن عائشة يُحتمل أنه ابن المسيِّب، فإنه مكثرٌ عنها، وأنه ابن جُبيرٍ، وأنه المَقْبُرِيُّ، وأنه ابن العاص. كلُّهُم رَوَوا عنها (3).

وفي " صحيح البخاري " في كتاب المظالم في باب الغُرْفة والعُِلِّيَّة المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (4) من حديث الليث، عن عُقيلٍ، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب بحديثٍ طويلٍ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه، فوقف في غرفةٍ، أو قال في عُِلِّيَّةٍ، فاستأذن عليه عمرُ مراراً. ولا يُؤْذَنُ له، حتى أُذِنَ له في الثالثة، قال عمر: فدخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مُضطجِعٌ على رمال حصيرٍ ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّرَ الرِّمال بجنبه، متَّكىءٌ على وسادةٍ من أدَمٍ حشوها ليفٌ، ثم رفعتُ بصري في بيته، فوالله ما رأيتُ فيه شيئاً يردُّ البصر غير أهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: ادع الله فليُوَسِّع على أُمَّتِك، فإن فارس والرُّوم وُسِّعَ عليهم، وأُعطُوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فقال:" أوَفي شَكٍّ أنت يا ابن الخطاب، أولئك قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيِّباتُهم في الحياة الدنيا " فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. الحديث.

(1) 3/ 125.

(2)

في " الطبقات " 1/ 381.

(3)

قلت: هو سعيد بن أبي سعيد المقبري. قال أبو حاتم: لم يسمع من عائشة. انظر " المراسيل " لابن أبي حاتم ص 75.

(4)

رقم (2468). وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان (4268).

ص: 364

وفي حديث أنس بعده في " البخاري "(1) أنها كانت قد انفكَّت قدمُه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، فلعلَّه سببُ اتِّكائِه على تلك الوسادة.

وفي " مسند أحمد "(2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد زيارة فاطمة عليها السلام، فرأى على بابها ستراً، فانصرف، ولم يدخُلْ، فعرفت أنه رجع لأمرٍ كَرِهَه، فأرسلت إليه فقال:" ما لي وللدنيا، ما لي وللرَّقم، قولوا لها تنزِعُ تلك السِّتارة، وتعطيها بني فلان ".

وفي الحديث: أنها عليها السلام جَرَّت بالرَّحى حتى أثَّرت الرَّحى في يدها، وأسقت بالقِربَةِ، حتى أثَّرَت في نحِرها، وكنَستِ البيت حتَّى اغبرَّت ثيابُها، وعلمت برقيق أتاهُ، فسارت إليه صلى الله عليه وسلم لتسأله، فوجدت عنده خداماً، فرجعت، فأتاها من الغد، فأخبره عليٌّ عليه السلام بحاجتها، فقال:" يا فاطمة، اتق الله، وإذا أخذت مضجعِك، فسبِّحي ثلاثاً وثلاثين واحمدي كذلك، وكبِّري أربعاً وثلاثين، فذلك خير لك من خادم ".

وفي رواية: " ولم يخدمها " رواه أبو داود من حديث علي عليه السلام وله طرقٌ كثيرةٌ صحيحةٌ، أخرج البخاري ومسلمٌ منها طريق ابن أبي ليلى وفيها قال سفيان: إحداهن أربع وثلاثون. وإنما عزَّيتُه إلى أبي داود، لأن الذي حكيته هو لفظُه (3).

وفي كتاب " الزهد " من حرف الزاي من " جامع الأصول "(4) من ذلك عن

(1) برقم (2469).

(2)

1/ 21، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة 13/ 239، وعنه أبو داود (4149). وهو حديث صحيح.

(3)

أخرجه البخاري (3113) و (3705) و (5361)، ومسلم (2727)، وأبو داود (2988) و (2989) و (5062) و (5063)، والترمذي (3405). وانظر ابن حبان (5524) و (6921) و (6922).

(4)

4/ 671.

ص: 365

عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن كنت تريدين الإسراع واللُّحوق بي، فليَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكبِ، وإيَّاك ومُجالسَةَ الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى تُرَقِّعيه ". رواه الترمذي (1).

وعن أبي هريرة، سمعتُه صلى الله عليه وسلم يقول:" اللهم اجعل رِزْقَ آل محمَّدٍ قُوتاً ". رواه البخاري ومسلم والترمذي، وقال حسن صحيح (2).

وعن فضالة بن عُبيدٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى يَخِرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخَصَاصة -وهم أصحابُ الصَّفَّةِ- حتى يقول الأعراب: مجانين، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، انصرف إليهم، فقال:" لو تعلمون ما لكم، لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً "(3).

فهذه أربعة وعشرون حديثاًً والأخبارُ في هذا أكثر من أن تُحصى، وإنما القصد هنا التنبيه على أن الفقر من جُملة المكفِّرات للذنوب، والمقرِّبات إلى الله تعالى، خصوصاً مع الصبر، فإنه حينئذٍ يدخل فيما وعدَ الله الصابرين، وإن شكر دخل فيما وعد الله أفضل الشاكرين، ولا يُناقِضُ هذا ما صح من استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر، لأن ذلك بمنزلة سؤال العافية، وقد تواتر سؤال العافية فعلاً وأمراً، مع تواتر الأجر العظيم في الأمراض، وذلك لضعفٍ البشر فالسُّنَّةُ وردت بسؤال العافية والغنى (4)، وبالصبر عند الابتلاء.

وأما المفاضلة بين الغَنِيِّ الصالح المتصدِّق الشاكر، وبين الفقير الصالحِ

(1) برقم (1780)، وفي " العلل الكبير "(314)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وقال في " العلل ": سألت محمداً (يعني الإمام البخاري) عن هذا الحديث، فقال: صالح بن حسان منكر الحديث.

(2)

تقدم تخريجه 8/ 191.

(3)

أخرجه أحمد 6/ 18، والترمذي (2368) وصححه، والطبراني في " الكبير " 18/ (798) - (800)، وصححه ابن حبان (724).

(4)

" والغنى " ساقطة من (ف).

ص: 366

الصَّابر، فلا إطلاقَ فيها، بل يكون بعض الأغنياء أفضل من بعض الفقراء، لتعاظُمِ صدقاته وخيراته، كما جاء في حديث:" ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ " لمَّا شكى الفقراء أن الأغنياء عملوا مثل عملهم، وزادوا عليهم بالصدقات والعِتْقِ ونحو ذلك. وهو حديث صحيح (1)، ولكن الغنى الذي يعمل ذلك قليلٌ، وقد يكون بعض الفقراءِ أفضل، وهو الأكثر، لِمَا ورد من الأحاديث، فإنها خرحت مخرج الأكثر لمَّا كان المال حين يحصل (2) محبوباً:{وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]، كما قال تعالى، ولذلك استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة الفقر، وفتنة الغنى، ولأن الحلال قليلٌ ولعلَّ المكثرين غيرُ محلِّين.

وفي " البخاري "(3)، عن خولة الأنصارية، عنه صلى الله عليه وسلم:" إن رجالاً يتخوَّضُونَ في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة ".

وقد تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب. وقد تكلم القرطبي على ذلك في " تذكرته "(4) وأجاد، ويشهد لما ذكرتُه من التفضيل حديث أبي ذرٍّ المشهور في ذلك، خرَّجه البخاري ومسلمٌ من حديث عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: خرجتُ ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، فظننتُ أنه يكرهُ أن يمشي معه أحدٌ، فجعلتُ أمشي في ظلِّ القمر، فالتفتَ، فرآني، فقال:" من هذا؟ "، قلت: أبو ذرٍّ -جعلني الله فداك- قال: " يا أبا ذرّ تعاله ". فمشيت معه ساعةً، فقال:" إن المُكثِرِيَن هم المقلُّون يوم القيامة إلَاّ من أعطاهُ الله خيراً، فنفخ فيه يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيراً ". الحديث (5).

(1) تقدم تخريجه 8/ 192.

(2)

" حين يحصل " ساقطة من (ش).

(3)

برقم (3118)، وأخرجه بنحوه الترمذي (2375).

(4)

ص 469 - 473.

(5)

أخرجه البخاري (6443)، ومسلم (94)، وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان (170) و (195).

ص: 367

واعلم أن النفس تَقْوَى بالغنى على نيل الشهوات الحلال، وتستمر على ذلك، فيضعُفُ صبرُها، وتقوى صولتُها على القلب، فربما لم تجد ما قد ألِفَتْ من الحلال، فتأخذه من شُبْهَةٍ، وذلك أميلُ، ولكن قد تأخذه من حرامٍ، وأيضاً قد تشتهي شهوةً محرَّمةً، وقد ألِفَتِ الشهوات، وتمكَّنت بالغنى من تلك الشهوة المحرمة، فيكون التَّمكُّن سبباً للهمِّ، والهمُّ سبباً للعزم، والعزم سبباً للوقوع، والوقوع سبباً للمداومة، والمداومة سبباً لسوء الخاتمة.

وأعظم من ذلك كله، شغلُ النفس بالغنى عن ذَوْقِ الافتقار إلى الله تعالى، ومداومة التَّضرُّع، ولزوم المناجاة، ومما قاله أهل التصوف والرياضة في ذلك: قول ابن الفارض (1):

وأقبل إليه وانحُه (2) مُفلساً فقد

وَصَيْتَ لِنُصْحي إنْ قبلتَ نصيحتي

قال الشارح (3): مفلسٌ من كل وسيلةٍ وعلمٍ وعملٍ. يعني: لا يعتد (4) بها مع حصولها، لا (5) أنه يتركها.

بِذاكَ جَرى شرطُ الهوى (6) بين أهلِهِ

وطائفةٌ بالعهدِ أوْفَتْ فَوَفَّتِ

(1) في ديوانه ص 50 - 51.

(2)

في " الديوان ": " وأقبل إليها وانحها ".

(3)

هو سعد الدين محمد بن أحمد الفرغاني المتوفى سنة (700 هـ) وهو تلميذ ابن الفارض، وقد شرح القصيدة بالفارسية ثم بالعربية، وسمَّى الشرح. " منتهى المدارك "، وهو كبير أورد في أوله مقدمة في أحوال السلوك. انظر " كشف الظنون " 1/ 265 - 266.

(4)

في (ف) و (د): " بمعنى ألا يعتدّ ".

(5)

في (ف): " إلَاّ أنه ".

(6)

في " الأصول ": " التُّقى "، والمثبت من " الديوان ".

ص: 368

متى عصفت ريحُ الغنى (1) قصفت أخا

غَنَاء ولو بالفقر هبَّت لربَّتِ

قال الشارح: الغِنى الأول المقصور: عدم الاحتياج، والثاني الممدود: اليسارُ والثروة.

قلت: وهو في معنى قولهم:

وإن الغنى إلَاّ عن الشيء لا به (2)

وبالأول يفسِّرون غِنى الرب عز وجل، وعندي: أن الأولى تفسير غنى الرَّبِّ عز وجل بالاعتبارين معاً، والغنى الثالث هو الملك.

ومعنى البيت: أن عز الربوبية وغناه يقصِفُ عزَّ الملوك وغناهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ (3) منك الجدُّ، وأنه مولى أهل الفقر والذِّلَّة لسَعَةِ الرحمة.

وأغنى يمينٍ، باليسار جزاؤُها

مُدى القطع ما للوصل في الحب مُدّتِ

وأخْلِصْ له وأخلُصْ بِهِ عن رُعونةِ افـ

ـتقارك من أعمالِ برٍّ تزكَّتِ

قال الشارح -وهو الفرغاني-: يعني: إذا جئتَ مفلساً لم تنظر إلى إفلاسك، وتركن إلى وسيلةٍ وسببٍ، بل انظُرْ إلى من وهبَ لك الإفلاس، وسبَّبه لك وسيلة إليه، فأخلص بالنظر إلى المسبِّب من رُعونَةِ النظر إلى السَّبب. ولي في هذا رقائق كثيرةٌ أودعتها " الدِّيوان الرَّبانيِّ ".

(1) في " الديوان ": " الولا ".

(2)

في هامش (ف): صدره:

غنِيتُ بلا شيءٍ عن الشيءِ كلِّه

(3)

تقدم تخريجه في الجزء السادس.

ص: 369

واعلم أن السِّرَّ كله في إقبال القلب على الله تعالى، وأكثر الفقراء قد أغفلهم فقرُهم عن الله، وأقبلوا بكلِّيَّتِهم على رجاء المخلوقين، فالله المستعان.

وفي الأغنياء أفرادٌ قلوبهم معلَّقَةٌ بالله تعالى، كما قيل في كثيرٍ من الصحابة، كانت الدنيا في أيديهم، لا في قُلوبهم، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن أبي ذرٍّ، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليست الزَّهادةُ في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكنَّ الزُّهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغب منك فيما أنها لو بقيت لك ".

زاد رزين في " كتابه ": " لأن الله تعالى يقول: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23](1).

قلت: وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:

ومَنْ كَمُلَت فيه النُّهى لا يسرُّه

نعيمٌ، ولا يرتاعُ للحَدَثانِ

وإنما استحبَّ شيوخُ الصوفية التَّجرُّد من الأسباب، لأن الذِّلَّةَ في الفقير طبيعيةٌ وفي الغنيِّ اكتسابيَّةٌ، والطبيعي أقوى من الاكتسابيِّ. كيف إذا ضُمَّ التَّذلُّل الاكتسابيُّ إلى الذِّلَّة الطبيعية، وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:" أهل الجنة كلُّ ضعيفٍ متضعِّف "(2) على أحد التفسيرين كما تقدم، فالله تعالى يَهَبُ لنا من الذِّلَّةِ والخضوع لجلاله، ولأوليائه، ولمساكين خلقِه ما يبلِّغُنَا رضاه.

وقد يُستَدَلُّ على قوة الرَّجاء والرُّجوع إليه بقوله تعالى: {مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]،

(1) تقدم تخريجه 8/ 199.

(2)

تقدم تخريجه ص 356 من هذا الجزء.

ص: 370

فإن القُشَعرِيرة هي الانقباضُ، ومنه حديث كعبٍ أن الأرض إذا لم تُمطر اربَدَّتْ واقشعرَّت (1).

وحديث عمر لما ضرب أبا سفيان بالدَّرَّة، قالت له هندُ: لرُبَّ يومٍ لو ضربتَه، لاقشعرَّ بطنُ مكة. قال: أجل (2). ذكرها ابن الأثير في " نهايته "(3).

فكأنَّ هؤلاء ابتدؤوا (4) بالتَّفكُّر في أعمالهم، وذُنوبهم، وجهلِ خواتِمِهم، وما سبقَ في علم الله لهم، فاشتدَّ خوفهم، حتَّى انتهى بهم الفِكرُ إلى رحمة الله تعالى وغناه وجمعه بين عظيم (5) الملك، وعظيم الحمد، فاستقرَّ في هذا المقام قرارُهم، واجتمعت عليه جلودُهم وقلوبُهم، ولذلك أجمع العلماءُ على ترجيح الرَّجاء عند الموت، لأنه اللائِقُ بالله، وإنما خِيفَت منه المفسدة على العبد، فعُوِّضَ بالخوف، لأجل المصلحة، فإذا حقَّتِ الحقائق عند النَّزْعِ، بطَلت مصلحةُ الخوف، وتعيَّن الرَّجاء واللَّجأ.

قال صاحب " الابتدا " في تفسيره " تجريد الكشاف مع زيادة نكتٍ لطاف ": وإنما عدَّاهُ بإلى، لأنه ضمَّنه معنى يسكنُ ويطمئنُّ، واختلف: فقيل: تقشعرُّ من آياتِ وعيده، وتلينُ من آيات وعده عن السُّدِّيِّ. وقيل: تقشعرُّ لإعظامه خوفاً،

(1) انظر " غريب الحديث " للخطابي 3/ 7.

(2)

أخرج ابن عساكر في " تاريخ دمشق "(كما في " تهذيبه " 6/ 409 لعبد القادر بدران) عن جويرية بن أسماء أن عمر قدم مكة، فجعل يجتاز في سككها ويقول لأهل المنازل: قُمُّوا أفنيتكم، فمرَّ بأبي سفيان، فقال له: قمُّوا فناءكم. قال: نعم يا أمير المؤمنين، حين يجيءُ مُهَّانُنا. ثم إن عمر اجتاز بعد ذلك، فرأى الفناء كما كان، فقال: يا أبا سفيان، ألم آمركم أن تقمُّوا فناءكم؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ونحن نفعل إذا جاء مُهَّاننا، فعلاه بالدِّرَّة بين أذنيه، فضربه، فسمعَتْ هندُ، فقالت: أتضربه، أما والله لرُبَّ يوم لو ضربته لاقشعرَّ بك بطن مكة. فقال عمر: صدقت، ولكن الله رفع بالإسلام أقواماً، ووضع به آخرين.

(3)

4/ 66.

(4)

في (ش): " ابتدؤوه ".

(5)

في (ش): " عظم ".

ص: 371

وتلينُ عند تلاوته رجاء. كما حكاه الماورديُّ. انتهى.

فقدِ اجتمعا على المعنى الذي أشرتُ، والرجاء صريحٌ في كتاب الله والنصوص النبوية كما مضى، وإنما أردتُ الاستدلال بهذه الآية الشريفة على علوِّ مرتبته، وفضيلته، حيث انتهى إليه عِرفانُ العارفين، ولأن العلم به اقشعرار الخاشين، فالحمد لله رب العالمين.

وهذا آخرُ الكلام في هذا الكتاب في أحاديث الرجاء لأرحم الرَّاحمين، وخير الغافرين، زادنا الله لفضله رجاءً، وصدَّق فيه رجاءنا، ووهب لنا أضعاف رجائِنا، فإن كل رجاءٍ في حقِّ الله تعالى لا بد أن يكون قاصراً عما استأثر الله به من عظيم فضلِه المرجُوِّ، ولذلك روى الهيثمي في " مجمعه " (1) عن [حذيفة بن اليمان] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" والذي نفسي بيده، ليغفرَنَّ اللهُ يوم القيامة مغفرة لم تخطُر على قلبِ بشرٍ ".

وجاء في الصحيح في ذكر آخر مَنْ يدخل الجنة أنه يسألُ الله أن يصرفَ وجهَهُ عن النار، ويُعاهِدُ أن لا يسأل غير ذلك، فيُعطاهُ، فيقول: لقد أعطاني اللهُ ما لم يُعْطِ أحداً من العالمين، فيرى شجرةً فيسألُ الله الدُّنوِّ منها، وأن يبقى في ظلِّها، ويُعاهِدُ أن لا يسأل غير ذلك، فيُعطاهُ، فيرى شجرةً أحسن من الأولى، فيسألُها، فيُعطاها، ويعاهِدُ كذلك، فيسمعُ منها أصوات أهل الجنة، فيقول: أيْ ربِّ، أدخلنيها فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِيني منك؟ أي: ما يُرضيك ويقطعُ مسألتك، أيُرضيك أن أُعطِيَكَ الدنيا ومثلَها معها؟ قال: يا رَبِّ أتستهزىءُ منِّي وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول الله: إني لا أستهزىءُ منك، ولكنِّي على ما أشاءُ قادرٌ ". خرَّجه مسلمٌ من حديث ابن مسعودٍ، وخرَّجاه بنحوه من حديثه أيضاً، وفي المتفق عليه عند البخاري ومسلم: أنه يُعطى ذلك وعشرة أضعاف الدنيا، وفيه أن الله قال له في كلِّ مرَّةٍ: " يا ابن آدم " ما أغدرك، ألم تعط المواثيق، ألَاّ تسألني غير ذلك، وفيه أن ربه يعذرُه، لأنه يرى ما لا صبرَ له عليه، وهو حديثٌ

(1) 10/ 216، وما بين حاصرتين منه، والحديث رواه الطبراني في " الأوسط ".

ص: 372

متفق على صحته (1)، وفي معناه أقول:

إذا صحَّ منا الخُلْفُ والغَدْرُ بعدَ ما

بغينا وصحَّ العفوُ عن ذاك والصَّفْحُ

فغفرانُه عن غَدْرِنا قبل أن نرى

جهنَّم أرجى منه إذ ضرَّنا اللَّفْحُ

وقد صحَّ هذا في " البخاري " و" مسلمٍ "

وزيدَ عليه الفضلُ إذ قُضِيَ النُّجْحُ

جميعُ الأماني بعد ذاك ومثلُها

وتسعةُ أمثالٍ كذا يكُنِ الرِّبْحُ

وليس لفضل الله حَدٌّ وغايَةٌ

له الملك حقاً، والمحامِدُ والمَدْحُ

وكذلك ما في " الصحيحين "(2) من حديث أبي سعيدٍ أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة (3): يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربنا وسَعديك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقِك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسْخَطُ عليكم بعدَه أبداً ".

ففي هذه الأخبار دلالةٌ على أن فضل الله تعالى وجُودَه فوقَ آمالِ الآملين، وفوقَ رجاءِ الرَّاجين، ويعضُدُه قول الله تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وما ورد أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن

(1) أخرجه البخاري (6571) و (7516)، ومسلم (186) و (187). وانظر 5/ 94 من هذا الكتاب.

(2)

البخاري (7518)، ومسلم (2829).

(3)

" لأهل الجنة " ساقطة من (ف).

ص: 373

سمعت، ولا خطر على قلب بشر. رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية (1). فإذا ثبت أن في الجنة ما لم يخطر على قلبِ بشرٍ، ثبت أن في رحمة الله مثل ذلك، وأكثر منه، لأن الجنة بعضُ رحمةِ الله وفضلِه.

فصل

ولما اقتضى كمالُ مُلْكِ الله، وتمامُ عزَّته، وجلالُ كبريائه أن يكون مخُوفاً، مَهيباً، مرهوباً بالنظر إلى إصلاحِ عباده، وتأديبهم، والعدل بينهم، ونحو ذلك مما لا يحيطُ بجميعه سواه، كما أنه مرجو، ومأمول مستعانٌ (2) مستغاثٌ بالنظر إلى أكثر أسمائه الحسنى، وغالبِ نُعوته الحميدة، لزم كل عبدٍ لله أن يكون خائفاً مع رجائه، جامعاً بين الرَّغَبِ والرَّهَبِ في لَجائه، لأنه لا حُكْمَ للعبد على سيده، فمن ها هنا ورد الوعيد من المجيد الحميد لِمَا فيه من صلاح العبيد (3)، فكانا كالجَناحين للعمل، بل كالأب والأُمِّ للمولود. وفي " عوارف المعارف " (4) أن الخوف بمنزلة الأب: فيه الذُّكورَةُ، والرجاء بمنزلة الأُمِّ فيه الأُنوثة.

ويدلُّ على ما أشرتُ إليه من اعتبار الجهتين في الخوف والرجاء قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه} [الزمر: 9]، فجعل رحمته متعلَّقَ الرجاء، وخوفَ جزاء عمله متعلَّق الخوف. وقد نبَّه على ذلك في آيتين مختلفتين: إحداهما: قوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين} [الأعراف: 56]، فعقَّب ذكر الطَّمع بذكر الرحمة التي هي من أشهر أسمائه ونعوته. وقال:{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، فعقَّب الرَّهَبَ بذكر خُشُوعِ العبد الصالح لربه، فدل على أنه

(1) أخرجه البخاري (3244) و (4779) و (4780) و (7498)، ومسلم (2824)، وأحمد 2/ 313 و370، والترمذي (3197) و (3292)، وابن ماجه (4328).

(2)

" مستعان " ساقطة من (ش).

(3)

من قوله: " لزم كل عبد " إلى هنا ساقط من (ش).

(4)

ص 236.

ص: 374

سببُ حُسنِ الرَّهَبِ، كما أن جُودَ الرَّبِّ وكرمه سببُ الطمعِ.

ولما كان النِّزاعُ بيننا وبين خصومنا ليس هو في تخويف الموحِّدِين، وإنما هو في حقِّهم في عدم الخُلُودِ، وعدم القٌنوطِ، لم نستكثر من إيراد الأدلة على أمرٍ مجمعٍ عليه، ولكن لا بد من إشارةٍ إلى ما يَكُفُّ (1) الواقف على ما تقدم عن الاسترسال الذي هو عملُ الجُهَّال، بل من عادة الضُّلَاّل، وما يسترسِلُ في المعاصي لأجل أحاديث الرجاء إلَاّ من سبق في علم الله أنه كذلك لو لم يسمعها، لأنها لو كانت في علمه منشأ للمفسَدَة بكلِّ حالٍ، لعصم رسولَهُ صلى الله عليه وسلم من الخبر بها إن لم يكتمها عنه، ولعصمَ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناس من نشرها (2) ولكنه كما أجاب به صلى الله عليه وسلم حين قالوا عند سماع أخبار القدر: أفلا نتِّكلُ على كتابنا؟ فقال عليه السلام: " اعمَلُوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له "(3)، وكما قال تعالى في الشياطين:{مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 162 - 163].

وقد بشَّرَ الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة غير واحدٍ من أهله وأصحابه وأُمَّتِه، وعيَّنهم بأسمائهم، وعَلِمُوا بذلك، فما فجروا لذلك، ولا اتَّكُلوا، بل كانوا خيرَ الناس أعمالاً، وأحسنهم أحوالاً. منهم الخمسة عليهم السلام، والعشرة رضي الله عنهم، ومنهم زوجاته رضي الله عنهن، ومنهم أهلُ بدرٍ، وغيرُهم، ومنهم أويسٌ القَرَني من التابعين، رضي الله عن الجميع، ولو كانت البِشَارات والرَّجاءُ مفاسدَ -ولا بد- لظهر الفساد من كل مُبَشَّرٍ بالجنة.

وقدِ اختلف أهل الإسلام في تغليب الخوف أو الرجاء، مع اتفاقهم على حُسنِهما، وهذا أمرٌ قريبٌ، وقد صح اختلاف الملائكة في حُكمِ الذي رَجَعَ إلى الله تعالى بعد قتل مئةِ نفسٍ، حتى أمر الله مَلَكاً بالحكم بينهم، فكان

(1) في (ش): " يكيف ".

(2)

في (ف): " تسييرها ".

(3)

تقدم تخريجه في الجزء السادس.

ص: 375