الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سلعةَ الله الجنة" رواه الترمذي (1)، وقال: حديثٌ غريبٌ.
قلت: وما أحسن قول ابن الفارض (2) في هذا المعنى:
بذلتُ له رُوحي لراحة قُرْبِهِ
…
وغيرُ عجيبٍ بذليَ الغالي بالغالي
وقد تقرَّر في كتاب الله فضلُ الخوف في غير آيةٍ، كقوله تعالى:{ذلك لمن خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8]، وقولِه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ} [الرحمن: 46]، وقوله:{إنَّ الذين يَخْشَونَ رَبَّهُم بالغَيْبِ لَهُمْ مغفرةٌ وأجْرٌ كبيرٌ} [الملك: 12].
ولنختم هذه الأحاديث ب
حديث الثلاثة المخلَّفين
، لِمَا فيه من ترقيق القلوب القاسية، وتخويف النُّفوس الغافلة، ولذلك رواه البخاري في تسعةِ مواضعَ من " صحيحه ".
الحديث الموفي ثلاثين: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعبَ بنَ مالكٍ يحدِّثُ حديثه حين تخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالكٍ: لم أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ غزاها إلَاّ غزاةَ تبوك، غير أني قد تخلَّفتُ في غزوة بدرٍ، ولم يعاتِبْ أحداً تخلَّف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يُريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدُوِّهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبِة حين (3) تواثقنا على الإسلام،
(1) برقم (2450). وأخرجه أيضاً البغوي (4173)، والقضاعي (406)، وإسناده ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم 4/ 307 - 308، ووافقه الذهبي!.
قلت: وله شاهد من حديث أبي بن كعب رواه الحاكم 4/ 308، وأبو نعيم في " الحلية " 8/ 377.
(2)
في " ديوانه " ص 176 من قصيدة مطلعها:
أرى البعد لم يخطر سواكم على بالي
…
وإن قرّب الأخطار من جسدي البالي
(3)
في (ش): " حتى ".
وما أُحِبُّ أن لي بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها، وكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة والله ما جمعتُ راحلتين حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدُ غزوةً إلَاّ ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدوَّاً كثيراً، فجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوِهم، فأخبرهم بوجههمُ الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ -يريد بذلك الديوان- فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلَاّ ظنَّ أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله تعالى، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ، فتجهَّزَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّزَ معه، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزَلْ ذلك يتمادى بي حتَّى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئاً، ثم غدوت، فرجعتُ ولم أقضِ شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغَزوُ، فهممتُ أن أرتحلَ فأدركَهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطفِقْتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلَاّ رجلاً مغموصاً عليه في النِّفاق، أو رجلاً مِمَّن عذَرَ الله تعالى من الضُّعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك:" ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ؟ ". فقال رجلٌ من بني سَلِمَةَ: يا رسول الله، حبسه بُرداه، والنَّظر في عِطْفَيْهِ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك، رأى رجلاً مُبيِّضاً يزول به السَّرابُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كُنْ أبا خيثمة "، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.
قال كعبٌ: فلمَّا بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلاً من تبوك، حضرني
بثِّي، فطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكَذِبَ، وأقول: بم أخرُجُ من سَخَطِه غداً؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِنْ أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلَّ قادماً، زاح عنِّي الباطل، حتى عرفتُ أنِّي لن أنجوَ منه بشيءٍ أبداً، فأجمعتُ صدقَهُ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلَّفُون يعتذِرُون إليه، ويحلِفُونَ له، وكانوا بضعاً وثمانين رجُلاً، فقَبِلَ منهم علانيَّتهم، وبايعهم، واستغفرَ لهم الله، ووكَلَ سرائِرَهم إلى الله تعالى، حتى جئتُ، فلمَّا سلَّمتُ تبسَّم تبسُّمَ المغضَبِ، ثم قال:" تعالَ "، فجئتُ أمشي حتى سلَّمتُ عليه، وجلستُ بينَ يديه، فقال لي:" ما خلَّفَكَ؟ ألم تكن قدِ ابتَعْتَ ظهرَكَ؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي -والله- لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أني سأخرُج من سَخَطِه بعُذْرٍ، ولقد أعطيتُ جَدَلاً، ولكنِّي [والله] لقد علمتُ، لَئِنْ حدَّثتُك اليوم حديثَ كَذِبٍ ترضى به عنِّي، ليوشِكَنَّ الله أن يُسخِطَكَ عليَّ، وإن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عُقبَى الله عز وجل، والله ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مِنِّي حين تخلَّفتُ عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أما هذا، فقد صدق فقُم حتى يقضِيَ اللهُ فيكَ "، وثار رِجالٌ من بني سَلِمَة، فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عَجَزْتَ في ألَاّ تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذرَ إليه المخَلَّفُون، فقد كان كافِيَك ذنبَك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لكَ قال: فوالله ما زالوا يُؤنِّبُونَني حتَّى أردتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نفسي، ثم قلت: لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم. [لقِيَه] معك رجُلانِ، قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قلت: من هما، قالوا: مرارةُ بن ربيعة العامري (1) وهلالُ بنُ أميَّةَ
(1) قال الإمام النووي في " شرح مسلم " 17/ 92: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: " العامري "، وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط، إنما صوابه:" العمري " بفتح العين، وإسكان الميم، من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق، وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة. قال القاضي: هو الصواب، وإن كان القابسي قد قال: لا أعرفه إلا العامري.
الواقفيُّ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً (1) فيهما أسوةٌ. قال: فمضيتُ حتى ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامِنا أيُّها الثلاثةُ من بين من تخلَّف عنه، قال: فاجتَنَبَنا الناسُ، أو قال: تغيَّرُوا لنا، حتَّى تنكَّرت لي في نفسيَ الأرضُ، فما هي بالأرضِ التي أعرِفُ، فلبِثْنَا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بُيوتِهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدهم، فكنتُ أخرج أشهدُ الصلاةَ، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه، وأقول في نفسي: هل حرَّكَ شَفتَيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أُصلِّي قريباً منه، وأسارقُه النَّظرَ، فإذا أقبلتُ على
(1) قال ابن القيم في " زاد المعاد " 3/ 577: هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألَاّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَهجُرْ حاطباً، ولا عاقبه وقد جسَّ عليه، وقال لعمر لما هم بقتله:" ما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم "، وأين ذنبُ التخلف من ذنب الجسِّ.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيتُ أبا بكر بن الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدراً، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان.
وقال الحافظ في " الفتح " 8/ 120 تعليقاً على قوله " قد شهدا بدراً ": هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري
…
ثم نقل قول ابن القيم -ولكنه لم يصرح باسمه- " وكذلك ينبغي
…
إلى قوله: من ذنب الجس " فقال: وليس ما استدل به بواضح، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كَبُرَتْ لا يُعاقَبُ عليها، وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب، فقد جلد قدامةَ بنَ مظعون الحدَّ لما شرب الخمر، وهو بدري، وإنما لم يُعاقب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً ولا هجره، لأنه قَبِلَ عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشيةً على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً، فعذره بذلك، بخلاف تخلُّف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذرٌ أصلاً.
صلاتي نظرَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرضَ عنِّي، حتَّى إذا طال عليَّ ذلك مِنْ جفوةِ المسلمين، مشيتُ حتَّى تسوَّرْت جدارَ حائطِ أبي قتادةَ، وهو ابنُ عمِّي، وأحبُّ الناسِ إليَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشُدُكَ بالله، هل تعلمُني أُحِبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدتُ فناشدتُه، فسكت، فعدتُ فناشدته، فقال: الله ورسولُه أعلم، ففاضت عينايَ، وتولَّيتُ حتَّى تسوَّرتُ الجدارَ، فبينا أمشي في سُوقِ المدينة إذا نَبَطِيٌّ من نَبَطِ أهل الشام ممن قدِمَ بالطعام يبيعُه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعبِ بن مالكٍ؟ فطَفِقَ الناسُ يُشيرون له إليَّ، حتَّى جاءني، فدفع إليَّ كتاباً من ملكِ غسَّان، وكنت كاتباً، فقرأته، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فقد بلَغَنا أن صاحِبَكَ قد جفاكَ، ولم يجعلْكَ اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بنا نُواسيكَ، فقلت حين قرأتُها: وهذه أيضاً مِنَ البلاء، فيمَّمتُ بها التَّنُّورَ، فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعونَ يوماً من الخمسين، واستلبثَ الوحيُ، إذا رسولُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إنْ رسولَ الله يأمُرك أن تعتزِلَ امرأتَك، فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ فقال: بلِ اعتزِلْها فلا تقرَبنَّها، وأرسَلَ إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلِك، وكُوني عندهم حتى يقضيَ اللهُ مِنْ هذا الأمرِ، فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، إنَّ هلالَ بن أميَّة شيخٌ ضائعٌ، ليس له خادِمٌ، فهل تكره أن أخدُمَه، قال:" لا ولكن لا يقرَبَنَّك "، فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيءٍ، ووالله ما زال يبكي منذُ كان مِنْ أمرِه ما كانَ إلى يومِه هذا، فقال لي بعضُ أهلي: لوِ استأذَنتَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في امرأتِكَ، فقد أَذِنَ لامرأةِ هلالٍ أن تخدُمَه، فقلت: لا أستأذنُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ، فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ، فكمُلَ لنا خمسونَ ليلةً مِنْ حين نُهِيَ عن كلامنا، ثم صلَّيتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلةً على ظهرِ بيتِ من بيوتِنا، فبينا أنا جالسٌ علي الحالِ التي ذكرَ الله تعالى منَّا قد ضاقَت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سمعت صوتَ صارخٍ أوفى على سَلْعٍ يقول بأعلى صوتِه: يا كعبَ بن مالكٍ، أبشرِ، فخررت
ساجداً، وعلمتُ أنه قد جاء فرجٌ، فآذنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبةِ الله علينا حينَ صلَّى صلاة الفجر، فذهبَ النَّاسُ يبَشِّرُونَنا، فذهبَ قِبَل صاحبي مبشِّرُونَ، وركضَ رجلٌ إليَّ فرساً، وسعى ساعٍ مِنْ أسلمَ قِبَلي، وأوفى على الجبل، فكان الصَّوتُ أسرعَ مِنَ الفرس، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبَشِّرُني، نزعت ثوبيَّ، فكسوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، والله ما أملِكُ غيرَهُما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبين، فلبستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقَّاني النَّاسُ فوجاً فوجاً، يهنِّئُونَني بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِئْكَ توبةُ الله عليك، حتَّى دخلتُ المسجد، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حولَه الناسُ، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهروِلُ حتَّى صافحني وهنَّأني، والله ما قامَ رجلٌ من المهاجرين غيره، فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة قال كعبٌ: فلمَّا سلَّمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السُّرور: " أبشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذُ ولدتك أمُّك ". فقلت: أمِنْ عِنْدِكَ يا رسول الله، أم مِنْ عندِ الله؟ قال:" لا بَلْ مِنْ عندِ الله ". وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ، استنارَ وجهُه حتى كأنَّ وجهَه قطعةُ قمرٍ، وكُنَّا نعرِفُ ذلك، فلمَّا جلستُ بين يديه، قلتُ: يا رسول الله، إنَّ مِنْ توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسُولِه، فقال صلى الله عليه وسلم:" أمسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لك "، فقلت: إنِّي أُمسِكُ سهميَ الذي بخيبرَ، وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصِّدق، وإنَّ مِنْ توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلَاّ صدقاً ما بقيتُ، فوالله ما علمتُ أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ ممَّا أبلاني الله. والله ما تعمَّدتُ كَذبةً منذُ قلتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجُو أن يحفَظَني الله تعالى فيما بَقِيَ. قال: فأنزلَ الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ .... } حتى بلغ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة: 117 - 119].
قال كعبٌ: واللهِ ما أنعمَ الله عليَّ مِنْ نعمةٍ قطُّ بعدَ إذ هداني الله للإسلامِ
أعظمَ في نفسي مِنْ صِدْقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألَاّ أكونَ كذبتُه، فأهْلِكَ كما هَلَكَ الذين كَذَبُوا. إن الله تعالى قال للذين كذبُوا حين أنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال الله تعالى:{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 95 - 96].
قال كعبٌ: كنَّا خُلِّفْنَا -أيها الثلاثة- عن أمرِ أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينَ حلفُوا له.
فبايَعَهم واستغفرَ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنا حتَّى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118]، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنَا تخلُّفَنَا عن الغَزْوِ، وإنما هو تخليفُه إيَّانا وإرجاؤُه أمرَنا عمَّنْ حَلَفَ له واعتذرَ، فقَبِلَ منهم. رواه البخاري ومسلم (1).
ومن ذلك: أحاديث الصحابة الذين اختُلِجُوا دُونَه صلى الله عليه وسلم، وقال فيهم:" فأقول: سُحقاً، لمَنْ بدَّل بعدي "(2)، وحديث المتلاعِنَيْن، وقوله صلى الله عليه وسلم لهما:" إنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرة " وأنَّ الخامسة هي الموجبة (3)، وأمثال ذلك والله أعلم.
ومنه حديث عمَّار: " ويح ابن سميَّة، تقتُلك الفئةُ الباغيةُ، يدعُوهُم إلى الجنةِ ويدعُونَهُ إلى النار "(4). وهو يمنعُ تأويل الذين قال فيهم: " سُحقاً لمن بدَّل بعدي " بالمرتدِّين فقط.
ويشهدُ لذلك خَوفُ الصحابة، ونهيُه صلى الله عليه وسلم من زكَّى بعضَهم، وأمثالُ ذلك مما يَرِدُ على المرجئة، القاطِعينَ بالأمان لِمَنْ مات على مجرَّدِ الإيمان.
(1) البخاري (4418)، ومسلم (2769). ورواه أيضاً عبد الرزاق (19744)، وأحمد 5/ 387، والترمذي (3102)، وابن حبان (3370)، وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
ومن ذلك أحاديثُ التَّشديد في الغُلول في الغنائم، ومنها حديثُ سالمٍ أبي الغيثِ، عن أبي هُريرة في عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أصابَه سهمٌ، فقالوا: هنيئاً له الشهادةُ، فقال:" إنَّه غلَّ شملةً، وإنَّها لتَلْتَهِبُ عليه ناراً ". متَّفق على صحته، وفي سالم كلامٌ سهلٌ (1).
وعن ابن عباس، عن عمر، أنهم قالوا؟ فلانٌ شهيدٌ، فقال:" كلَاّ، إنِّي رأيتُه في النار في بُردَةٍ غلَّها ". ثم قال: " يا ابن الخطاب، اذهب فنادِ في الناسِ أنه لا يدخُلُ الجَنَّة إلَاّ المؤمنون ". رواه مسلمٌ والترمذي (2)، ولفظه مُخالفٌ وهو من حديث عكرمة بن عمار، عن سماكِ بن الوليد، عن ابن عباسٍ، عن عمر.
قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا يعرف من حديث عمر إلَاّ عن عكرمة، عن سماكٍ، وفي عكرمةَ بنِ عمَّار خلافٌ.
وقد ذكر أمثالَ هذه الأحاديث وجَوَّدَ الكلام في التَّخويف الشيخ الإمام الشَّهيرُ بابنِ قيِّمِ الجوزية، تلميذُ شيخِ الإسلام ابن تيميَّةِ في كتابه المعروف " الجواب الكافي على من سأل عن الدَّواءِ الشَّافي "، فمن أراد الشِّفاءَ التَّامَّ في هذا المعنى، فعليه بمطالعتِهِ، لما فيه من تدبُّرِ كتاب الله، وصحيحِ السُّنَّةِ النبوية. وقد كنتُ اختصرتُ منه شيئاً، وقد ترجَّحَ لي نقلُه إلى هُنا، فليلحق بهذا، وهو نسخةٌ في كتبِ الفقيه محمَّد بن عليٍّ الحاشديِّ الشَّظَبِيِّ رحمه الله.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، أتمَّ الحمدِ، وأفضَلَه، وأكملَه، وأحبَّه إليه، وأرضاه له، وعلى مُصطفاه مِنْ خلقِه محمَّدٍ رسولِه، وآله أفضلَ الصَّلوات والتَّسليم.
(1) أخرجه مالك في " الموطأ " 2/ 459، ومن طريقه البخاري (4234) و (6707)، ومسلم (115)، وأبو داود (2711)، وابن حبان (4851)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(2)
أخرجه مسلم (2114)، والترمذي (1574)، وأحمد 1/ 30، وابن حبان (4849) و (4857).