المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ إيراد شيء يسير من الوعيد المختص بأهل الإسلام - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٩

[ابن الوزير]

الفصل: ‌ إيراد شيء يسير من الوعيد المختص بأهل الإسلام

الفَلَجُ (1) لملائكة الرحمة (2) وكيف لا يكون لهم وإنَّما رحمتُهم جزءٌ يسيرٌ من رحمة الله العظمى الغالبة السابقة التي كتبها على نفسه، ووسِعَتْ كلَّ شيْءٍ على حدِّ سَعَةِ عِلْمِه الذي لا يُتَصوَّرُ بشيْءٍ أوسع منه.

وفي حديث خصومة الملائكة عليهم السلام في هذه المسألة الكبرى مأخذٌ حسنٌ في حَمْلِ الفريقين على السلامة، وترجيح جانب الرحمة، ورجاء نجاة الجميع برحمة الله، فإن الوعيدية إنما شدَّدوا على العُصاة غَضباً لله تعالى عز وجل، وخَوْفاً من مفاسد الأمان، كما فعلت ملائكة العذاب. وأهل الرجاء إنما قصدوا عدم القُنوطِ من رحمة الله لسَعَتها، وتمدُّحه بذلك، وعظيم غناه، وخوفاً من مفاسد القُنوط، وتكذيب البُشرى، لا ترك الخوف والترخيص في المعاصي (3)، فلما لم يعنِّف أحداً من الطائفتين المختلفتين في ذلك من الملائكة، رَجَوْنا مثل ذلك في حقِّنا إن شاء الله تعالى.

فإذا عرفت هذا، فلنقتَصِر على‌

‌ إيراد شَيْءٍ يسيرٍ من الوعيد المختصِّ بأهلِ الإسلام

من الآيات والأخبار الصحيحة عنه عليه السلام.

فمِنْ ذلك: قوله تعالى فيمن أثنى عليهم: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج: 27 - 28].

وقوله تعالى في خطاب المؤمنين: {واتَّقُوا النَّار التي أُعِدَّت للكافرينَ} [آل عمران: 131]، وقوله فيهم خاصةً في آية الرِّبا:{فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله ورسولِه} [البقرة: 279]، ولعلَّه أشدُّ وعيدٍ قُوبِلَ به أهل الإيمان، وهي فيهم في لفظها، وفي أسباب النُّزول. وفي الحديث الصحيح أن أكل الربا من المُوبِقَاتِ (4).

وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "درهم

(1) الفوز والظَّفر.

(2)

انظر 1/ 218 - 219.

(3)

من قوله: " من رحمه الله " إلى هنا ساقط من (ش).

(4)

انظر ص 93 من هذا الجزء.

ص: 376

ربا يأكلُهُ العبد وهو يعلم أشدُّ مِنْ ستٍّ وثلاثين زنيةً". رواه أحمد في " المسند " (1)، ولم يذكره ابن الجوزيِّ في " جامعه "، لكن ذكره ابن تيمية في

(1) 5/ 225 عن حسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ".

رواه الدارقطني في " سننه " 3/ 16 من طريق الحسين بن محمد بهذا الإسناد. قلت: ورواه أحمد 5/ 225 عن وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن حنظلة بن راهب، عن كعب قوله قال الدارقطني بعد أن أخرجه من طريق الفريايي عن سفيان بهذا الإسناد: وهذا أصح من المرفوع.

وقال ابن أبي حاتم في " العلل " 1/ 387: سألت أبي عن حديث رواه زيد بن الحباب، عن عمران بن أنس قال: سمعت ابن أبي مُليكة يقول: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الدرهم من ربا أعظم عند الله من سبع وثلاثين زنية ".

قال أبي: هذا خطأ رواه الثوري وغيره عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن حنظلة عن كعب قوله.

ورواه الدارقطني 3/ 16، والطبراني في " الأوسط "(2703) من طريق عبد الله بن عمرو، عن ليث بن أبي سُليم، عن عبد الله بن أبي مُليكة عن عبد الله بن حنظلة رفعه. وليث ضعيف.

قلت: والوقف هو الصواب كما قال الدارقطني وأبو حاتم، وقول من قال ممن ينتحل صناعة الحديث في عصرنا: وهذا الموقوف في حكم الرفع، لأنه لا يقال بمجرد الرأي قول ساقط لا وزن له، لأن أهل العلم قيدوا ذلك بأن يكون الواقف من الصحابة، وأن لا يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، وكلاهما منتفيان في هذا الحديث، فإن كعب الأحبار قد أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وحدثهم بأخبار كثيرة متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صُحَفِهِم، وقد قال فيه معاوية رضي الله عنه كما في " صحيح البخاري " في الاعتصام: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يُحَدِّثُونَ عن أهل الكتاب، وإنْ كُنَّا لنبلو مع ذلك عليه الكذب. وقد صح عن عمر رضي الله عنه كما في " تاريخ " أبي زرعة الدمشقي 1/ 544 أنه قال له: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة، وأخطأ من زعم =

ص: 377

" المُنتقى "، وهو ثقةٌ عارفٌ بصيرٌ بالمُسند، فأكل الرِّبا المعلوم من المغلَّظاتِ المُوبِقَاتِ، وفيه يقول الله في آل عمران:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 130 - 131].

ومن ذلك قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير} ، إلى قوله:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد} [آل عمران: 28 - 30]. وفي هذه الآية وعيدٌ شديدٌ من وجهٍ، وذلك أن الرؤوف بالعباد لا يُعاقِبُ إلَاّ حيث عَلِمَ أن العقوبة أرجحُ من العفو لِمَا اشتملت عليه من المصالح التي استأثر بعلمها، لا سيما العقوبات الدنيوية كالحدود والقِصاص، لذلك قال الله تعالى:{ولكم في القِصَاصِ حَياةٌ يا أُولي الألبابِ} [البقرة: 179]. وما أحسن قول العلامة ابن عقيلٍ: لا تأمَنْ عقوبة من أوجب قطع اليد في رُبع دينارٍ. ومن ها هنا قال الله تعالى: {ولا تأخُذُكُمْ بِهِما رأفةٌ في دين الله} [النور: 2]. ولذلك صح أنها كفَّاراتٌ، وقد تقدم ما ورد من تعجيل عقوبة المؤمن في الدنيا بالبلاوي والأمراض، وأنواع المصائبِ.

ولا شك أن الحامل على المعصية محبَّةُ اللَّّذَّة، وإدخالُ المَسرَّةِ العاجلة عليها. فإذا تقرر عند العارِفِ أنه مُعَاقَب عليها في الدنيا قبل الآخرة، ما ضر من صبر عن المعصية، حمى نفسه من المعاصي كما يحتمي العليلُ المجرِّبُ للمضَرَّةِ العظيمة في تناول كثير من الطَّيِّبات، وما أحسن قول بعضهم:

= أنه خرج له البخاري ومسلم، فإنهما لم يسندا من طريقه شيئاً من الحديث وإنما جرى ذكره في " الصحيحين " عرضاً، وليس يُؤثر عن أحد من المتقدمين توثيقه إلَاّ أن بعض الصحابة أثنى عليه بالعلم.

قلت وقد رد الإمام ابن الجوزي هذا الحديث في " الموضوعات " 2/ 248 من جهة متنه أيضاً، فقال بعد أن أعله بالوقف على كعب: واعلم أن مما يرد صحته أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنى يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل نعمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا.

ص: 378

يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَته

لا مرحباً بسُرُورٍ جاء بالضَّرر

وقد تقدم أن في هذا نزل قوله تعالى: {من يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به} [النساء: 123]، وقوله:{ومن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7]. وكانت البشرى النبوية هي في تقديم عُقوبة المؤمن بما يلقاه في دنياه، فصارت عقوبات الدنيا من أماراتِ الذُّنوب. وفي " العوارف "(1) أن بعض الصالحين وجد بعض متاعه قد أكله الفأر، فأنشد بيت الحماسة متمثلاً:

لو كنتُ من مازنٍ لم تَستَبِحْ إبلي

بنو اللَّقِيطَةِ من ذُهْلِ ابنِ شيبانا

أي: لو كنت من الصالحين ما سطا عليَّ هذا الفأرُ.

ومن ذلك قوله تعالى: {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} [فاطر: 28]، وفيها فوائد:

الأولى: أنه قصرَ الخشية على العُلماء، فلا تُوجَدُ في غيرهم، ولم يقصُرهُم على الخشية حتَّى لا يوجد فيهم غيرها من الرجاء، وسائر العقائد والأخلاق، وإنما خصَّ الخشية بالذكر هنا وحدها دون الرجاء وغيره، لأن الذي قبل الآية ذكر الكفر والتكذيب للرسل، إلى قوله تعالى:{ثُمَّ أخَذْتُ الذين كفروا فكيف كان نكير} [فاطر. 26]. وهذا تخويفٌ شديدٌ، فلما كان لا تُؤثِّر خشيةٌ في قلوب الجاحدين، أخبر الله أنه لا يخشاه الخشية (2) النافعة، أو المطلقة إلَاّ من لم يَكْفُر به، وبالمرجِع إليه، وكان عالماً بالله وبدار الآخرة فذِكْرُ هذا هو المناسب لهذا المقام.

الفائدة الثانية: أن الله ذكر بعد ذلك ما يُوجِبُ الرجاء من قوله: {إن الله

(1) ص 100، والبيت لقريط بن أنيف العنبري من قصيدة أوردها أبو تمام في أول الحماسة، وبعده:

إذن لقام بنصري معشرٌ خُشُنٌ

عند الحفيظة إن ذو لوثةٍ لانا

(2)

من قوله: " بالذكر " إلى هنا ساقطة من (ش).

ص: 379

عزيزٌ غفورٌ} [فاطر: 28]، ثم قوله:{يَرْجُونَ تجارةً لن تبورَ} [فاطر: 29]، ثم قوله:{إنه غفورٌ شكورٌ} [فاطر: 30].

ثم ذكر آية الرجاء الكبرى في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِه .. } [فاطر: 32]، إلى آخرها، كما تقدم في موضعه.

الفائدة الثالثة: أن الرجاء والخوفَ من المختلفات التي يمكن اجتماعها، لا من المتضادَّات التي يستحيل اجتماعها، وبذلك قد يجتمعان في الآية الواحدة، كقوله:{يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9]، فهما كالصلاة والزكاة، لا كالإيمان والكفر، والصوم والفِطر، فاعرف ذلك.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ .. } إلى قوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام} [المائدة: 94]، وفيه تحذير من التَّمكن من المعاصي، وبيان أنه

للامتحان.

وأما قوله تعالى في " الأنعام "[15]: {قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ ربِّي عذاب يوم عظيم} ، فالظاهرُ أنها كقوله:{لَئِنْ أشرَكْتَ ليحبطنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، أي: لئن عصيتُ ربي بما لا يَغْفِرُ لي، وهو عليه السلام معصومٌ عن (1) ذلك، وكذلك قوله:{إذاً لأذقناك ضِعْفَ الحياة وضِعْفَ المَماتِ} [الاسراء: 75]، خرج مخرج:{لئن أشركتَ} بغير شَكٍّ، وإنما المراد تخويف المؤمنين من ارتكاب المعاصي، والتحكم والتَّألِّي على الله في مغفرته، وإنما يغفر سبحانه لمن يشاء لا حكم لعبدٍ من عباده عليه.

وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الأنعام: 51]. وقد تقدم ما فيها من

(1) في (د) و (ف): " من ".

ص: 380

آيات الشفاعة من أن معناها تنزيهُ المؤمنين مما ثبت ذمُّ المشركين به من اتخاذِ شركائهم -في زعمهم- شركاء لله وشفعاء إليه.

ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65].

وقد ثبت في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن الخَصلتين الأولتين، ولم يُجَبْ في الثالثة (1)، وأثها عقوبة هذه الأمة، فليحذرها المؤمن، فإن ترك الذنوب أهون منها بكثيرٍ، وقد قيل في الأمثال:

حنانَيك بعضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بعضِ

فكيف يبدل الخير بالشر، واختيار النور على الظلمات، وكم بين أُنسِ الطاعة ووحشة المعصية.

ومن ذلك قوله تعالى في [الأنفال: 16]: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير} .

وهذا أشدُّ وعيدٍ علمتُه للمؤمنين. وقد قال الحسن البصري: إنه مختصٌّ

(1) أخرج ابن أبي شيبة 10/ 320، وأحمد 1/ 181 - 182، ومسلم (2890) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً:" سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألتُ ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها ".

وأخرجه بنحوه أحمد 5/ 109، والترمذي (2175)، والنسائي 3/ 216 - 217 من حديث خباب.

وأخرجه أحمد 5/ 278 و284، ومسلم (2889)، وأبو داود (4252)، والترمذي (2176)، وابن حبان (4551) و (6714) و (7238) من حديث ثوبان.

ص: 381

بمن فرَّ يومَ بدرٍ (1)، لقوله تعالى:{يَومئذٍ} ويقدم في ذلك حديثٌ مرفوعٌ من حديث أبي سعيد. رواه أبو داود والنسائي، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولفظه: أنها نزلت فينا أهل (2) بدر (3)، وفي حديث أبي هريرة عدَّها في السبع الموبقات. متفق على صحته (4).

ومع عدم القطع، فمجرد الاحتمال يثيرُ الخوف، كما أن مجرَّدَهُ يثيرُ الرجاء، ولكن وازعُ (5) الخوف أقوى من روح الرَّجاء، لأن المرجُوَّ لو فات، لم يتضرر الراجي بمجرد فوت منفعته، والمرجُوُّ إذا حصل، كان مجرد زيادة لَذَّةٍ، وأما الخوف، فإنه -على تقدير وقوعه- أمرٌ فظيعٌ، يهونُ في الاحتراز منه بَذْلُ الروح في كل ساعة، كيف إلَاّ أدنى صَبْرٍ، فما كلَّفَ الله عسيراً ولا حرجاً، فله الحمد، وله الشكر، وله الثناء.

ومن ذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الأنفال: 24 - 25] الآيات.

وفيها: {ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُم} [الأنفال: 46]، وهذا من العقوبة العاجلة.

ومن التوبة [13]: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} ، وفيها:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18].

ففيهما نصَّ على أن الله أحقُّ أن يُخشى، بل على أنه هو الذي لا يستحق

(1) انظر ص 95 من هذا الجزء.

(2)

في (ف): " يوم ".

(3)

أخرجه أبو داود (2648)، والنسائي في " السنن الكبرى "، والحاكم 2/ 327.

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

في (ف): " قارع ".

ص: 382

الخشيةَ سواه، لأنه القادِرُ الذي لا مُعَقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، فكيف يُقال: إن رجاءَه يمنعُ من خوفه، أو إن مذهب الحقِّ عدمُ خوفه، بل العلم بكمال قُدرته، ونفوذ إرادته هو من خواصِّ عقائد السنة، وبه يتم قصر الخوف على الله دون غيره، ولذلك قال ابن عباس: القدرُ نظام التَّوحيد.

ومن سورة هود [113]: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} . قال أبو حيان في " غريب القرآن " له أي: لا تطمئنوا. وهو حسنٌ. فإنه العرفُ في الرُّكُونِ، والزمخشري ذكرَ أصل الوضع اللغوي، والتفسير بالعُرْفِ أقوى، كالدَّابَّةِ والصلاة ونحو ذلك، وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهِّر: أن الموالاة المجمع عليها: حبُّ الظالم لأجل ظلمه.

قلت: ولذلك عُفِيَ عن حاطبٍ، وقَبِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عُذْرَهُ، واللهُ أعلمُ.

ومن الأحزاب [30] قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} . فهذا وعيد شديد، وأرجو أن يكون هو وأمثاله مما خُوطِبَ به أهل الصلاح من قبيل:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].

ومنه حديث: " لو سرقت فاطمةُ بنتُ محمدٍ، لقطعتُ يدها "(1). ولكنه لا يمنع الخوف، لاحتماله، والمخوفُ عظيمٌ، لا يخاطِرُ حازمٌ في أدنى أدنى أدنى منه.

ومن " الشورى "[30]: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير} وتقدم حديث عليٍّ عليه السلام في تفسيرها، وهو وإن كان ميسَّراً في الآخرة، فإنها وعيدٌ عظيمٌ في العاجل، وخوف العاجل أنفع لكثيرٍ من

(1) أخرجه من حديث عائشة البخاري (3475) و (6787) و (6788)، ومسلم (1688)، وأبو داود (4373)، والترمذي (1430)، وابن ماجه (2547)، وابن حبان (4402).

ص: 383

النُّفوس

ويُناسبها بعدها بيسير قوله تعالى في الفُلك: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 34].

ومن " الحجرات [2]: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون}. وقد تقدم الكلام فيها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أكتسب خطيئةً محبطةً " (1).

وفي البخاري: " من ترك صلاة العصر، فقد حَبِطَ عملُه "(2).

وقوله: {وأنتم لا تشعرون} وعيدٌ شديدٌ، والجمع بينه وبين قوله تعالى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون} [آل عمران: 135]. أن المراد: وأنتم لا تشعرون بالذنب محبط عملكم بكونه ذنباً، وقوله:{وهم يعلمون} يعني: بقُبْحِ الذنب الذي أصرُّوا عليه، فالجاهل لقبح الذنب فيما يُجهلُ مثله معذورٌ، بخلاف من علم الذنب وجَهِلَ الإحباط.

ومنها قوله تعالى في التَّنابُزِ بالألقاب واللَّمز: {ومن لم يَتُبْ فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11]، ثم تحريمُ الغيبة، وظنِّ السوء، والتَّجسُّسِ، والسُّخرية، وهذه أمَّهاتُ التَّعادي والتَّفرُّق المحرم في كتاب الله تعالى.

وفي " الممتحنة " التَّشديد في المُوالاة. وتقدم القول فيه. وفي قوله فيها: {حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4]، رخصةٌ في محبَّةِ عُصاة المسلمين لأجل الإسلام، أو خصال خير فيهم.

ومن " الصَّفِّ "[3]: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تفعلون} .

(1) تقدم ص 76 من هذا الجزء.

(2)

تقدم تخريجه ص 78.

ص: 384

ومن " التحريم "[6 - 8]: {قُوا أنْفُسَكُم وأهْليكُم

}، إلى قوله:{تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} وفي التفسير: هي أن لا يعود رواه

(1).

وفي سورة " نون ": قصةً أصحابِ الجنة، وقوله تعالى:{كذلك العذابُ} [القلم: 33].

ومن " الزلزلة "[8]: {ومَنْ يَعْمَلْ مثقال ذَرَّةٍ شَرِّاً يَرَهُ} وتقدم تفسيره.

فهذا ما يخصُّ المؤمنين بلا نزاعٍ من وعيد القرآن الكريم أو أكثره، وهو نيِّفٌ وعشرون آية، إن فات شيءٌ فهو اليسير.

وأما العُموماتُ التي يُمكن أنها نزلت في المشركين، والتي نزلت فيهم في أسباب النزول، والتي يدلُّ سياق الكلام على أنها فيهم من قبلُ ومِنْ بعدُ، فلم أتعرَّض لذكرها، وإن كان كثيرٌ مِنها مخوُفاً، لأني قصدتُ إيرادَ أكثر الآيات زجراً، وردعاً، وتخويفاً، ونفعاً.

ومن السنة في التَّخويف أحاديثُ كثيرةٌ، نقتصر منها على قدرِ ثلاثينَ حديثاًً، وقد تخيَّرت منها ما يكثُر به بلوى أهل العلم، والدِّين؛ لأنهم الذي يمكن وقوفُ بعضِهم على هذا الكتاب، والله الموفِّق للصواب.

(1) بياض في الأصول. وفي " الدر المنثور " 8/ 227: وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في " شعب الإيمان " عن النعمان بن بشير، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن التوبة النصوح قال: أن يتوب الرجل من العمل السيىء، ثم لا يعود إليه أبداً.

أخرجه من حديث عمر موقوفاً هناد في " الزهد "(901)، وابن أبي شيبة 13/ 279، والطبري في " جامع البيان " 28/ 167، وصححه الحاكم 2/ 495، ووافقه الذهبي.

وأخرجه من حديث ابن مسعود مرفوعاًً أحمد 1/ 446، وضعفه الهيثمي في " المجمع " 10/ 199 - 200، وابن كثير في " تفسيره " 4/ 18، وقال: والموقوف أصح.

ص: 385

الحديث الأول: عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن العبد ليتكلَّمُ بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالاً، يهوي بها في النار " رواه البخاري. وفي " الموطأ " نحوه. وفي رواية للبخاري ومسلم معاً: " إن العبد لتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ فيها، يَزِلُّ بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب ".

وفي رواية الترمذي: " إن الرَّجُل يتكلَّمُ بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار "(1).

الحديث الثاني: عن بلال بن الحارث المُزنيِّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يَكتُبُ الله له بها رِضوانه إلى يوم القيامة، وإن كان الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتُبُ الله له بها سَخطَهُ إلى يوم القيامة ". رواه مالكٌ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2).

الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تعلَّمَ صَرْفَ الكلام لِيَسبي به قُلوبَ الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ". رواه أبو داود، وسنده قوي (3).

قال ابن الأثير في " النهاية "(4)، أراد ما يتكلَّفُه الإنسانُ في الحديث من

(1) أخرجه البخاري (6477) و (6478)، ومسلم (2988)، وأحمد 2/ 334 و355 و378 - 379 و533، والترمذي (2314)، وابن ماجه (3970)، وأخرجه مالك 2/ 985 - 986 موقوفاً. وانظر تمام تخريج الحديث عند ابن حبان (5706) - (5708).

(2)

أخرجه مالك 2/ 985، والترمذي (2319)، والنسائي في الرقاق من " الكبرى " كما في " التحفة " 2/ 103 - 104، وابن ماجه (3969)، وصححه ابن حبان (280) و (281) و (287)، وانظر تمام تخريجه فيه.

(3)

تقدم تخريجه ص 203 من هذا الجزء.

(4)

3/ 24.

ص: 386

الزِّيادة فيه على قدر الحاجة لما يدخله من الرِّياء والتَّصنُّع، ولما يُخالِطُه بن الكَذِبِ والتَّزيُّدِ. يقال: فلان لا يُحسنُ صَرْفَ الكلام، أي: فصل بعضه على بعض، وهو مِنْ صرف الدراهم وتفاضُلها. انتهى.

وقوله: ليسبيَ به قُلوبَ الناس: يخرج من الوعيد أهلُ المقاصد الصالحة في بيان المعارف العلميَّةِ، وتحسين الدقائق الوعظيَّة، ونحو ذلك.

الحديث الرابع: عن ابن مسعودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" هَلَكَ المُتنطِّعُونَ ". رواه مسلم، وأبو داود (1).

وعنه موقوفاً: " إن الرجل ليخرُجُ من بيتِه ومعه دينُه، ثم يرجِعُ وما معه شيءٌ ". رواه النسائي (2).

الحديث الخامس: عن خارجة بن زيدٍ، عن أمِّ العلاء، امرأةٍ من الأنصار بايعتِ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان بن مظعون لمَّا تُوفِّي وغُسِّلَ وكُفِّنَ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمةُ الله عليك يا أبا السَّائبِ، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وما يُدريكِ أن الله أكرمَه؟ " الحديث. رواه البخاري (3).

وكان عثمان بن مظعون من فُضلاء الصحابة وعُبَّادهم.

الحديث السادس: عن أنس، أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ، فقال رجلٌ آخرُ: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما يُدريك؟ لعلَّه تكلَّم بما لا يَعنيه، أو بَخِلَ بما لا يُغنيه ". رواه الترمذي (4).

(1) تقدم تخريجه 3/ 186.

(2)

في المواعظ من " السنن الكبرى " كما في " التحفة " 7/ 63 وأخرجه أيضاً ابن المبارك في " الزهد "(382)، والطبراني في " الكبير (8562) و (8563). وقال الهيثمي 8/ 118: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح.

(3)

تقدم تخريجه ص 156 من هذا الجزء.

(4)

تقدم تخريجه ص 141 من هذا الجزء.

ص: 387

وروى الحاكم في تعبير الرؤيا من " المستدرك "(1) من حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى، عن عبد الرحمن بن حاطبٍ، قال: اجتمعَ نساءٌ من نساء المؤمنين عند عائشة، فقالت امرأةٌ منهن: والله لا يُعذِّبُني الله أبداً، إنما بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا أُشرِكَ بالله شيئاً، ولا أسرق، ولا أزني، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببُهتانٍ أفتريه بين يديَّ ورجليَّ، ولا أعصيه في معروفٍ. وقد وفَّيت، فأُتِيَتْ في منامها، فقيل لها: أنت المتألِّيَةُ على الله تعالى؟ فكيف بقولك فيما لا يَعنيكِ ومنعكِ ما لا يغنيك؟ فرجعت إلى عائشة فأخبرتها، وتابت إلى الله تعالى.

وروى البخاري عن أنسٍ أنه قال: إنَّكم لتعمَلُونَ أعمالاً هي في أعيُنِكُم أدقُّ من الشَّعر، كُنَّا نعدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المُوبِقاتِ (2).

وخرَّج الحاكم في " التوبة "(3) عن عُبَادة من كتاب الصحابة مثل ذلك، وقال: صحيح الإسناد.

وخرَّج البخاري (4) عن ابن عمر ما يفسِّرُ هذين الأثرين، وذلك أن أُناساً سألوا عبد الله بن عمر، فقالوا إنا ندخُل على سُلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم، فقال ابن عمر: كنا نعدُّ هذا نفاقاً على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورواه النواوي عن ابن عمر في " رياض الصالحين " في الباب الثمانين بعدَ المئة، وعزاه إلى البخاري.

(1) 4/ 394 - 395. وفي سنده مسعدة بن اليسع الباهلي، قال الذهبي في " الميزان " 4/ 98: هالك، كذبه أبو داود، وقال أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر.

(2)

تقدم تخريجه 3/ 292.

(3)

4/ 261 - 262، وقد تقدم الحديث 3/ 292.

(4)

برقم (7178)، وقد تقدم 3/ 291.

ص: 388

وفي " مسند أحمد "(1)، عن حُذيفة: إن كان الرجُلُ ليتكلَّمُ بالكلمة على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير بها مُنافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المَجْلس عشر مرَّاتٍ.

الحديث السابع: عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الجنة أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نَعْلِه، والنار مثل ذلك ". رواه البخاري في " الرِّقاق "(2).

الحديث الثامن: عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنعمُ وصاحبُ القَرْنِ قدِ التقمَ القَرْنَ، وحنى جبهتَه يستمعُ متى يُؤْمَرُ، فينفُخ؟ " فقال أصحابُ محمدٍ: كيف نقولُ؟ قال: " قولوا: حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل. على الله توكلنا ". رواه أحمد وغيرُه، وهو الرابع والأربعون بعد الأربعئمة (3).

الحديث التاسع: عن أبي أسماءَ أنه دخلَ على أبي ذرٍّ وهو بالرَّبَذَةِ، وعنده امرأة له سوداءُ مُشَعَّثةٌ (4)، ليس عليها أثر المجاسد ولا الخَلُوقِ، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمُرني به هذه السُّويداء؟! تأمرُني أن آتي العِراقَ، فإذا أتيتُ

(1) 5/ 386 و390. وأورده الهيثمي في " المجمع " 10/ 297، وقال: فيه أبو الرقاد، ولم أعرفه. قلت: ذكره البخاري في " الكنى " ص 30، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 9/ 370، ولم يحكيا فيه شيئاً.

(2)

برقم (6488).

(3)

أخرجه أحمد 1/ 326، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " 4/ 471، وأورده الهيثمي في " المجمع " 7/ 131 و10/ 331، وقال: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث جيد.

وأخرجه أحمد 3/ 7 من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري.

وأخرجه أحمد 4/ 374، والطبراني في " الكبير "(5072) من طريق عطية العوفي، عن زيد بن أرقم، وقال الهيثمي في " المجمع " 10/ 330: رواه أحمد والطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف فيهم.

(4)

في " المسند ": " مسغبة ".

ص: 389

العراق مالوا عليَّ بدنياهم، وإنَّ خليلي صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إليَّ أنَّ دون جسر جهنم طريقاً ذا دَحَضٍ، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدارٌ، أحرى أن نَنجُوَ، عن أن نأتِيَ عليه ونحنُ مواقير. رواه أحمد (1)، وهو الحديث التاسع والسبعون من مسند أبي ذر في الجامع.

الحديث العاشر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه حدَّث عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سَمَّعَ بعلمه، سمَّعَ الله به سامِعَ خَلْقِه، وصغَّره وحقَّره " فذرفَت عينا عبد الله. رواه أحمد (2) وهو الحديث السادس والسبعون من مسنده في " الجامع "، وليس فيه إلَاّ جهالة الراوي عن عبد الله، وهو تابعيٌّ، مجهولُهم مقبولٌ عند كثيرٍ من أهل العلم في الأحكام، كيف المواعظ. ورواه الطبراني، وسمَّى الرَّجُلَ خيثمة، هو ابن عبد الرحمن (3).

قال الهيثمي (4): فبهذا الاعتبار رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني في " الكبير " رجال الصحيح.

الحديث الحادي عشر: عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يدخُلُ الجنة إنسانٌ في قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ من كِبْرٍ ". رواه أحمد (5). والكِبر: بطرُ الحَق وغَمْصُ الناس " (6)، كما ورد مرفوعاً، وليس منه محبَّةُ الجمال في الثِّياب، والهيئة، ولكنه قد يكون وسيلةً إلى الكِبْرِ مع الجهل أو الغفلة، ولذلك رُوِي عنه صلى الله عليه وسلم أنه

(1) 5/ 159. وإسناده صحيح.

(2)

2/ 162 و195 و212. وأخرجه أيضاً ابن المبارك في " الزهد " (141)، والقضاعي (482) و (483)، والبغوي (4138).

(3)

وأخرجه من طريق خيثمة عن عبد الله أبو نعيم في " الحلية " 4/ 123 - 124 و5/ 99.

(4)

في " المجمع " 10/ 222، وقال الحافظ المنذري في " الترغب والترهيب " 1/ 65: رواه الطبراني في " الكبير " بأسانيد أحدها صحيح، والبيهقي.

(5)

تقدم تخريجه 2/ 129 وفي الجزء الرابع.

(6)

تقدم تخريجه 2/ 129.

ص: 390

قال: " مَنْ ترك لُبْسَ ثوبِ جمالٍ وهو يقدر عليه تواضعاً لله، كساه الله من حُلَّةِ الكرامة ". رواه أبو داود (1) عن رجل من أبناء الصحابة عن أبيه عنه صلى الله عليه وسلم.

الحديث الثاني عشر: عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" عمل الجنة الصِّدق: إذا صدَق برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن، دخل الجنة، وعملُ النار الكذب: إذا كذبَ فجرَ، وإذا فجرَ، كفر، وإذا كفرَ، دخل النار ". رواه أحمد (2)، وهو التاسع والثلاثون بعد المئة من مسنده في " الجامع ".

وفيه متمسَّكٌ في (3) خوف الذنوب أن تَجُرَّ إلى الكفر، ولا سيما للمرجئة، لقوله تعالى:{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه} [الروم: 10].

الحديث الثالث عشر: عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يغفِرُ الله ليلة النصف من شعبان إلَاّ لاثنين: مُشاحِنٍ، وقاتلِ نفسٍ " رواه أحمد (4). وهو الرابع عشر من مسنده.

(1) برقم (4778). وأخرجه من حديث سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أحمد 3/ 438 و439، والترمذي (2481)، وحسنه، والطبراني في " الكبير " 20/ (386) - (388)، والحاكم 1/ 61 و4/ 183 - 184، وصححه في الموضع الثاني، ووافقه الذهبي.

(2)

2/ 176، وفيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، لكن يشهد له حديث ابن مسعود:" عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتَّى يُكتب عند الله صديقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، حتى يُكتب عند الله كذّاباً ". أخرجه أحمد 1/ 393 و439، والبخاري (6094)، ومسلم (2607)، وأبو داود (4989)، والترمذي (1972)، وابن حبان (272) - (274).

(3)

في (ش): " من ".

(4)

2/ 176 من حديث عبد الله بن عمرو. قال الهيثمي 8/ 65: فيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا.

وأخرجه من حديث معاذ بن جبل ابن أبي عاصم في " السنة "(512)، والطبراني في =

ص: 391

وفي هذا تخويفٌ عظيمٌ من المُشاحَنَةِ، وفيها أخبارٌ كثيرةٌ، وإنَّما اخترتُ هذا، لما فيه من المُقارنَةِ بين الشَّحناء وقتل النفس.

ويشهد لهذا ما رواه الحاكم (1) من حديث الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن ابن مسعودٍ، يرفعُه إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال:" لو أنَّ رجُلَيْن دخلا في الإسلام، فاهتجرا، كان أحدُهما خارجاً مِنَ الإسلام حتَّى يرجِعَ الظُّالِمُ " قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. انتهى.

وأحسنه كما جاء في كفرٍ دون كفر، ومنه:" المسلم من سلم المسلمون من يدهِ ولِسانِه "(2). وفي " سنن أبي داود "(3) بإسناد صحيحٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هَجْرُ المسلم سنةً كسَفْكِ دمِهِ ". ذكره ابن الأثير في الصُّحبة من حرف الصاد في " جامعه "(4).

الحديث الرابع عشر: عنه، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أكثرُ مُنافقي أمَّتي قُرَّاؤُها ". رواه أحمد (5)، وهو الثالث والعشرون بعد المئة.

= " الكبير 20/ (215)، وأبو نعيم في " الحلية " 5/ 191 بلفظ: " إلَاّ لمشرك أو مشاحن " وصححه ابن حبان (5665).

وفي الباب عن أبي موسى، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشني، وأبي بكر، وعوف بن مالك، وعائشة. انظر تخريجها في " صحيح ابن حبان " 12/ (5665).

(1)

1/ 21 - 22. ورواه أيضاً البزار (2050). وقال الهيثمي 8/ 66: ورجاله رجال الصحيح.

(2)

تقدم تخريجه 2/ 439.

(3)

برقم (4915) من حديث أبي خراش السلمي. وأخرجه أيضاً أحمد 4/ 220، والبخاري في " الأدب المفرد "(404) و (405)، والدولابي في " الكنى " 1/ 26، والطبراني في " الكبير " 20/ (779) - (782)، وصححه الحاكم 4/ 320، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " 2/ 223.

(4)

6/ 647.

(5)

2/ 175 من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه أيضاً ابن المبارك في " الزهد " =

ص: 392

الحديث الخامس عشر: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" يُحشَرُ المتكبِّرُون يومَ القيامة أمثال الذَّرِّ في صُوَرِ الناس، يعلوهُم كل شيءٍ من الصِّغار، حتى يدخلوا سِجناً في جهنَّم يقال له: بولس، تعلُوهم نارُ الأنيار، يُسْقَونَ من طينة الخبَال: عُصارة أهل النار ". رواه أحمد (1)، وهو السابع والسبعون بعد المئة.

الحديث السادس عشر: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إن أكثر أهل النار الأغنياء والنِّساء ". رواه أحمد (2)، وهو التاسع والسبعون بعد المئة.

الحديث السابع عشر: عن حُذيفة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخُلُ الجنة قَتَّاتٌ " رواه البخاري ومسلم، والقتات: النمَّامُ، وفي رواية مسلم: قيل لحذيفة: إنَّ فُلاناً يرفَعُ الحديث إلى الأمير، فقال له حذيفةُ: سمعتُه صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّات "(3).

الحديث الثامن عشر: عن جابرٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الغِيبةُ أشدُّ من الزِّنى ". رواه الطبراني (4).

= (451)، والبخاري في " خلق أفعال العباد "(613)، وابن أبي شيبة 13/ 228، والفريابي في " صفات المنافق "(36) و (37). وهو حديث صحيح.

(1)

2/ 179 من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه ابن المبارك كما في " زوائد الزهد "(191)، ومن طريقه الترمذي (2492)، وحسنه.

(2)

2/ 173، وفيه شريك القاضي، وهو سيىء الحفظ، ومع ذلك فقد جوّد إسناده الحافظ الهيثمي في " المجمع " 10/ 261.

وأخرجه دون ذكر الأغنياء البخاري (3241)، والترمذي (2605) من حديث عمران بن حصين وابن عباس، ومسلم (2737) من حديث ابن عباس وحده.

(3)

رواه البخاري (6056)، وفي " الأدب المفرد "(322)، ومسلم (105)، وأحمد 5/ 397 و402، وأبو داود (4871)، والترمذي (2026)، وابن حبان (5765)، وانظر تمام تخريجه فيه.

(4)

في " الأوسط " عن جابر وأبي سعيد معاً كما في " المجمع " 8/ 91 - 92، وقال: فيه عبد الوهّاب الثقفي، وهو متروك. قلت: وأخرجه ابن حبان في " المجروحين " 2/ 168.

ص: 393

الحديث التاسع عشر: عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عنه صلى الله عليه وسلم مثله. رواه الطبراني (1).

الحديث الموافي عشرين حديثاً: عن سعيد بن زيدٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ مِنْ أربى الرِّبى الاستطالة في عِرْضِ المسلم بغير حقٍّ ". رواه أبو داود (2).

وله في " مجمع الزوائد "(3) شواهد أحدها من رجال الصحيح، رواه أبو يعلى (4) وهو الحادي والعشرون.

ومنها ما رجاله ثقاتُ، وإن لم يخرِّج حديثهُم في الصحيح (5).

وهو الثاني والعشرون.

ومنها ما خرج للاستشهاد وهو الثالث والعشرون (6).

وبعضها عند البزار.

وذكر الهيثمي لهذا الحديث مع حديث: " الغيبة أشدُّ من الزِّنى " يدلُّ على أنه أزنى من الزِّنا -بالزاي- إن كان بالرَّاء، فهو أغلظُ، كما تقدم مِنْ حديث " أكلُ درهمِ رباً معلومٍ أعظمُ عند الله من سبعين زنية "(7).

(1) هو الحديث السابق.

(2)

برقم (4881)، وأخرجه أيضاً أحمد 1/ 190، وهو حديث صحيح.

(3)

8/ 92.

(4)

من حديث عائشة، وليس هو في المطبوع من " مسنده ".

(5)

أخرجه البزار (3569) و (3570) من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي في " المجمع " 8/ 92: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير محمد بن أبي نعيم، وهو ثقة وفيه ضعف.

(6)

من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام. قال الهيثمي 8/ 92: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه محمد بن موسى الأيلي، عن عمرو بن حييى الأيلي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.

(7)

تقدم ص 377 من هذا الجزء.

ص: 394

الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سُئِلَ عن عِلمٍ يعلمُه وكتمَهُ أُلْجِمَ بِلجامٍ من نارٍ ". رواه أبو داود والترمذي واللفظ له (1).

وذكر بعض أهل العلم أن هذا الوعيد على كَتْمِ ما يعلمه من كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، أما مذهبه فيما رواه، فليس من العلم في شيءٍ، فقد يترتب على ذكر مذهبه مفسدَةٌ وخوفُ مضرَّةٍ، فيجوز له ترك حكاية ذلك، ويروي الحديث كما سمع، والله أعلم.

الحديث الخامس والعشرون. عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأرى ما لا تَرَوْنَ، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعٍ إلَاّ وفيها مَلَكٌ واضِعٌ جبهته لله ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتُم قليلاً، ولبَكيتُم كثيراً، وما تلذَّذْتُم بالنِّساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرُون إلى الله، ولودِدْتُ إنِّي شجرةٌ تُعْضَدُ ".

ويروى عن أبي ذر موقوفاً. رواه الترمذي وأحمد، قال الترمذي: حديث غريب (2) وفي الصحيح له شاهدٌ يأتي الآن عن أبي هريرة.

قلت: هذا حديثٌ صحيح المعنى، فإن كليم الله موسى عليه السلام خرَّ صَعِقاً من اندكاك الطُّور، مع قوَّةِ حاله مع الله، فكيف سائرُ المؤمنين لو كُشف لهم ما كُشِفَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خوارِقِ المَلَكُوتِ الباهرة التي تتلاشى عند بعضِها القُوى البشريَّة؟ ولو أن الإنسان رأى غيرَه يُعَذَّبُ العذاب الأكبر، ما احتمل رؤية عذاب غيره.

يُوَضِّحُه الحديث السادس والعشرون: قالت عائشة: ما رأيتُ رسول الله

(1) أخرجه أبو داود (3658)، والترمذي (2649)، وأخرجه أيضاً أحمد 2/ 363، وابن ماجه (261)، وصححه ابن حبان (95)، والحاكم 1/ 101، ووافقه الذهبي.

(2)

رواه أحمد 5/ 173، والترمذي (2312)، وابن ماجه (4190)، وحسنه الترمذي، مع أن فيه إبراهيم بن المهاجر، وهو لين الحديث!

ص: 395

- صلى الله عليه وسلم مُستجمِعاً قطُّ، ضاحكاً حتَّى تُرى منه لهواتُه، إنما كان يتبسَّمُ. زاد في رواية. وكان إذا رأى غيماً عُرِفَ في وجهه، فسألته عن ذلك، فقال:" وما يُؤَمِّنُني أن يكون فيه عذابٌ قد عُذِّبَ فيه قومٌ بالرِّيح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: {هذا عارضٌ مُمْطِرُنا} [الأحقاف: 24] ".

وفي رواية: كان إذا رأى مَخِيَلَةً في السماء أقبل وأدبر، وخرج ودخل، وتغيَّر وجهُه، فإذا أمطرت [السماءُ]، سُرِّيَ عنه (1).

فهذا وخوفه صلى الله عليه وسلم على غيره، بل الظاهر أن خوفه هنا على من عاصره من المشركين من أقاربه من قريش وغيرهم، فإنه عليه السلام كان بهم شفيعاً، ولذلك قال الله تعالى:{فلا تَذْهَبْ نفسُكَ عليهم حَسَراتٍ} [فاطر: 8]، فكيف بمن يخافُ على نفسه؟.

وقد خرج البخاري هذا المعنى عن أنسٍ، وهو:

الحديث السابع والعشرون: قال أنسٌ: كانت الرِّيحُ إذا هبَّت، عُرِفَ ذلك في وجه رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (2).

الحديث الثامن والعشرون: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تعلمون ما أعلمُ، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً ". رواه البخاري والترمذي، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ (3)، وقد تقدم نحوه عن أبي ذرٍّ من طريقٍ غريبةٍ.

الحديث التاسع والعشرون: عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من خافَ أدلجَ، ومن أدلجَ، بلغَ المنزلة ألا إنَّ سلعةَ الله غاليةٌ، ألا إنَّ

(1) أخرجه البخاري (4828) و (4829) و (6092)، ومسلم (899)، وأبو داود (5098)، والترمذي (3257).

(2)

أخرجه البخاري (1034).

(3)

رواه البخاري (6485)، والترمذي (2313)، وأحمد 2/ 453، وابن حبان (113) و (358) و (662). وانظر تمام تخريجه فيه.

ص: 396