المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في المجاز المجمع عليه في قصر الإيمان على أهل المراتب الرفيعة: - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٩

[ابن الوزير]

الفصل: ‌فصل في المجاز المجمع عليه في قصر الإيمان على أهل المراتب الرفيعة:

وأخرج أبو داود (1) من حديث يحيى بن سعيدٍ القطان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً ".

نوعٌ آخر: يشهد لذلك، وهو ما ورد في تفسير قوله تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} [إبراهيم: 27]، وقد ثبت أن المراد بالآخرة هنا: القبر والمسألة فيه. خرَّجه الشيخان (2) وغيرهما من حديث البراء بن عازب، والطبراني عن أبي سعيدٍ الخدري (3)، وابن عباس (4)، وفيها أنه لا يُسأل إلَاّ عن الشهادتين وبعدهما يبشر بالجنة، وقد روى ذلك غير واحدٍ من الصحابة في ذكر عذاب القبر، لكن بغير تعريضٍ لتفسير الآية بذلك.

‌فصل في المجاز المُجمَع عليه في قصر الإيمان على أهل المراتب الرفيعة:

من ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4]، فهؤلاء -كما قال الله تعالى- هم المؤمنون حقَّاً، لا مجاز في هذا، وإنما يدخل التجوز في

= الذهبي: لا يعرف، والحسن البصرى مدلس وقد عنعن، ولذا قال الترمذي: غريب وللحديث طريق أخرى صحيحة بنحوه. أخرجه ابن ماجه (4217)، والبيهقي في " الآداب "(534) و (1150)، وفي " الزهد "(818)، والقضاعي في " مسند الشهاب "(639) - (642).

(1)

برقم (4682)، وأخرجه أيضاً أحمد 2/ 250 و472، وابن أبي شيبة 8/ 515 و11/ 27، والترمذي (1162)، وصححه ابن حبان (4176)، والحاكم 1/ 30، ووافقه الذهبي.

(2)

البخاري (1369) و (4699)، ومسلم (2871)، وأبو داود (4750)، والترمذي (3119)، وابن ماجه (4269).

(3)

قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " 7/ 44: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف.

(4)

في " المعجم الكبير "(12242)، قال الهيثمي: فيه أحمد بن عبيد بن نسطاس، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلت: فيه أيضاً شريك، وهو سيىء الحفظ.

ص: 282

نفي الإيمان عمن قصَّر عن هذه المرتبة على القول بأن لفظ " إنما " يفيد الحصر، وفي ذلك خلافٌ بين أهل العلم، والجمهور على أنها تفيد الحصر، ومعناه إثبات المذكور بعدها ونفيُ ما عداه.

ومما احتجوا به على ذلك فهم ابن عباس له من حديث: " لا ربا إلَاّ في النسيئة "(1) وأن الصحابة لم يعترضوه في فهمه، وإنما احتجوا عليه بأحاديث أُخَرَ، هي أصرح من حديثه وأقوى، وأنصُّ على ثبوت (2) الربا في غير النسيئة، فكان المصير إليها أولى من الترجيح، وإذا تقرر هذا، فقد يفهم منها الحصر مطلقاً، كقوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات "(3) على الصحيح في تفسير النية بإخلاص العمل لله في العبادات وسائر الشرعيات من شائبة الرِّياء، أو فعله لوجه حُسْنِه في غيرها.

أما إذا فسَّرناه بالإرادة المقارنة المُؤَثِّرة في وقوعه على بعض الوجوه، خرج من ذلك ما ليس بعبادةٍ، كقضاءِ الدَّيْنِ، وغَسْلِ النجاسات، ونحو ذلك.

وقد يُفهَمُ منها حصرٌ مخصوصٌ، فيدخل فيها نوعٌ من التجوز، وهو كثيرٌ، كقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:{إنما أنت مُنْذِرٌ} [الرعد: 7]، فظاهره الحصرُ له صلى الله عليه وسلم في النذارة، وليس كذلك، فإنه عليه السلام لا تنحصر أوصافه الحميدة في ذلك، فإن البشارة من أوصافه بنصِّ القرآن كالنذارة، والشفاعة من أوصافه بالنصوص والإجماع، ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصرَه في النذارة فقط لمن لا يُؤمن، ونفي كونه قادراً على ما يقترحه الكُفَّار من الآيات، فيفهَمُ الخصوص في الحصر بعد " إنما " على حسب القرائن. ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ "(4)، فإنه إنما حصر نفسه وصِفاته البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيءٍ.

وقد يكون الحصر من باب التغليب للأكثر، كقوله تعالى: {إنما الحياة

(1) تقدم تخريجه 1/ 295 و2/ 66.

(2)

" ثبوت " ساقطة من (ف).

(3)

تقدم تخريجه في الجزء السابع.

(4)

تقدم تخريجه في الجزء الرابع.

ص: 283

الدُّنيا لَعِبٌ ولَهوٌ} [محمد: 36]، ويمكن أن يحمل على الحصرِ المخصوص بالنسبة إلى من جعل الدنيا دون الآخرة همَّه، لا بالنظر إلى المؤمن، فإنَّ دنياه صارت وسيلةً له إلى الآخرة، والآية المقدمة في حصر المؤمنين على أرفعهم مرتبةً، يحتمل أن يكون المراد بها حصراً مخصوصاً، وذلك أن يكون حصر المؤمنين المستحقِّين للدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، وهم الذين كَمُلَ إيمانهم، وتمَّ إحسانهم، ويدل على هذا قوله بعد الآية:{لهم درجاتٌ عِنْدَ ربِّهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ} [الأنفال: 4].

فهؤلاء المخصوصون بهذه الدرجات الرفيعة هم المحصورون إن شاء الله تعالى، كقوله تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18]، ولا بُدَّ من هذا على أصول أهل السنة والمعتزلة، وإن كان كثيرٌ من أهل الاعتزال يحسبونها حجةً لهم وحدهم، فليس (1) كذلك، وقد احتج بها ابن بطَّال في " شرح البخاري " وغيره من أهل السنة على مثل مذهب المعتزلة في التسمية (2)، ولا بد للجميع من التجوز في ذلك، وإلا لزمهم نفيُ إيمان من قصَّر من ذلك، وإخراج من لم يُوْجَلْ قلبه عند ذكر الله من الإيمان، وهذا خلاف الإجماع.

ومن ذلك ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المسلم من سلم الناس من لسانه ويَدِه، والمؤمن من أمَّنَه الناس على دمائهم وأموالهم ". رواه الترمذي والنسائي والحاكم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (3).

وروى مسلمٌ (4) من حديث جابرٍ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المسلم من سلِمَ المسلمون من لسانه ويده ". وتفسير هذا ما رواه مسلم (5)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خيرٌ؟ قال:

(1) في (ش): " وليس ".

(2)

في (ش): " التشبيه ".

(3)

تقدم تخريجه 2/ 439.

(4)

برقم (41)، وقد تقدم 2/ 439.

(5)

برقم (40)، وانظر 2/ 439.

ص: 284

"من سَلِمَ المسلمونَ من لسانه لسانه ويده".

وكذلك روى الحاكم في " المستدرك "(1) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكمل المؤمنين إيماناً من سلم المسلمون من لسانه ويده ".

وقال أحمد (2): قال حُجين أبو عمرو: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشون، عن منصور بن أذين (3)، عن مكحولٍ، عن أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن العبد الإيمان كلَّه حتى يترُكَ الكَذِبَ في المُزاحَة، ويترك المِراء وإن كان صادقاً ". (665) من " الجامع ".

وعن أبي سعيد الخُدريِّ: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من رأى منكم منكراً، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". رواه مسلم والترمذي، ورواه النسائي ولفظه:" من رأى منكراً، فغيَّره بيده، فقد بَرِىءَ، ومن لم يستطِعْ، فغيَّره بلسانه، فقد برىء، ومن لم يستطع، فغيَّره بقلبه، فقد بَرِىءَ، وذلك أضعفُ الإيمان "(4).

وعن عبد الله بن مسعودٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي إلَاّ كان له من

(1) 1/ 10، وفيه محمد بن سنان القزاز، وهو ضعيف.

(2)

في " المسند " 2/ 352، ورواه أيضاً 2/ 364 عن سريج بن النعمان عن مكحول، ومنصور بن أذين لم يوثقه أحد، ولم يرو عنه غير ابن الماجشون. ذكره البخاري في " تاريخه " 7/ 347، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 8/ 169، ولم يحكيا فيه شيئاً، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة، ولذا قال البخاري: منقطع.

وأورده الهيثمي في " المجمع " 1/ 92، وقال: رواه أحمد والطبراني في " الأوسط "، وفيه منصور بن أذين، ولم أر من ذكره. قلت: قد ذكره البخاري وابن أبي حاتم كما تقدم.

(3)

في المطبوع من " مسند أحمد ": " زاذان "، وهو خطأ.

(4)

أخرجه مسلم (49)، والترمذي (2172)، والنسائي 8/ 112، وأحمد 3/ 20 و49، وابن حبان (306) و (307).

ص: 285

أُمَّته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعده خُلُوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ ". رواه مسلم (1).

على أن حديث " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمنه الناس "(2) لو لم يتأوَّل بما ذكرنا، لاستلزم الرجاء، لأن ذلك قد بَغَّضَ أهل الكبائر، والله أعلم.

وهذه الأخبار الفارِقَة بين كمال الإيمان والإسلام ونقصانهما على صحة تأويل الآية المتقدمة بما ذكرته ولله الحمد، بل هو هو، فإن الأحاديث التي فيها أن " المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده " كالآية سواءٌ في قصر المسلمين كلهم على أهل هذه المرتبة الرفيعة. والأحاديث الأخرى دالةٌ على أن معنى تلك قصر خيار المسلمين على ذلك، وهذا التأويل قريبٌ كثيرٌ مستعمل، كما نقول: إنما العلماء العاملون، وإنما المال الحاصل، وإنما القوي الصَّبورُ عند الغضبِ.

والقصد بتمهيد هذا في هذا المقام المُجمَع عليه أن يعجَبَ من إنكار المعتزلة لهذا بعينه على جهة القطع، مع إجماعهم على صحته هنا، حيث يأتي جواباً عليهم فيما يحتجُّون به الآن وأدناه من صاحب الكبيرة.

فصل في ذكر أدلة المعتزلة:

على ما ادعوا من ثبوت الأسماء الدينية، وقد اتفقتِ المعتزلة وأكثرُ أهلِ السنة على إثبات الأسماء الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وخالف بعض أهل العلم في ذلك، وقال: إنها استُعْمِلَتْ في معانيها اللغوية، مع زياداتٍ وشروطٍ، وذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى إثبات الأسماء الدينية في

(1) برقم (50).

(2)

تقدم غير مرة.

ص: 286

المؤمن والمسلم، والفاسق والكافر، وليس المنكر في هذا الباب إلَاّ إدخاله في القطعيات وتأثيم المخالفين، والعجب ممن يعرف الأصول، وشروط الأدلة القاطعة كيف غَفَلَ عن اعتبار تلك الشروط العزيزة في هذه المسائل، والذي عرفتُه للمعتزلة في إثبات الأسماء الدينية أدلَّةٌ:

الأول: مجموعُ آياتٍ، منها قوله تعالى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة: 4 - 5].

قالوا: فدلَّت هذه الآية على أن الدين العبادات، لقوله:{ذلك دينُ القَيِّمَةِ} بعد ذكر العبادة والصلاة والزكاة.

وإذا تقرر هذا، فالدين المعتبَرُ هو الإسلام، لقوله تعالى:{إن الدين عند الله الإسلامُ} [آل عمران: 19]، وقوله تعالى:{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]، والإسلام: هو الإيمان، لأنه لو كان غير الإسلام لزم ألا يُقبَلَ ممن ابتغاه، لقوله:{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} .

والجواب: أن هذه المقدمات مسلَّمات إلَاّ الأخيره، فإنها ممنوعةٌ. بيان المنع من وجوهٍ:

الأول: المعارضة بما تقدم من الفوارق الجمة بين الإسلام والإيمان من الكتاب والسنة، كقوله:{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35]، وسائر الأخبار المتواترة في ذلك، أو الصحيحة عند من قَصَّر، ولم يعرف التواتر، فإن تفسير الألفاظِ القرآنية والنبوية تُؤخذُ من كتب الغريب واللغة بالإجماع. كيف لا تؤخذ من الأخبار المسندة الصحيحة الكثيرة الشهيرة، وحين وقع التعارض، وجب الجمع إن أمكن، وإلا رجعنا إلى الترجيح، والجمع

ص: 287

ممكنٌ على وجهٍ صحيحٍ قريبٍ، غير متعسفٍ، وهو ما تقدم مثله في تأويلِ المجازِ المُجمَع عليه، وما كان هذه صفته، فهو ظني اجتهادي، لا إثم فيه على المخالف، فما وجه إدخال بعض متأخري المعتزلة لهذه المسألة في القطعيات، وإن كان المرجُوُّ في أهل التحقيق منهم ألا يجهلوا ذلك، ولم يُخَطِّئُوا فقهاء الإسلام وأئمة العلم في تفسيرهم للرقبة المؤمنة في كفارة القتل هي المقرة بالشهادتين ولا أثَّموا من قال بذلك مع اشتراط إيمانها في كتاب الله تعالى، والعجب من ابن الحاجب أنه اقتصر على المعارضة في الجواب عليهم في " مختصر المنتهى " وهي من أنواع الجدل، وليست من البراهين المقنعة.

الوجه الثاني: أن الله تعالى لم يمنع من ابتغاء غير الإسلام مطلقاً، إنما منع من ابتغى غير الإسلام ديناً، فقيَّد المنع بأن يكون المطلوب ديناً كاملاً، والإيمان الذي هو التصديق بالقلب فقط ليس بدينٍ كاملٍ، ومن ابتغاه، فلم يبتغ ديناً، إنما ابتغى ركناً من أركان الدين، وبعضاً من أبعاضه، وذلك كمن ابتغى الصلاة دون سائر أركان الإسلام، فإنها تصح منه عند الخصوم وتقبل. ولا يُشترط في صحة صلاة المسلم أن يصوم ويزكِّي ويحج، وذلك الدين، وكان يلزمُهم أن لا تصح صلاته وحدها، لأنها -بإقرارهم- ليست بدينٍ، ومن ابتغاها، فقد ابتغى غير الإسلام ديناً (1)، لأنه ابتغى بعضه، والبعض غير الكل بالضرورة، لكن الجواب الحق أنها تصح، لأن الله تعالى إنما نفى قبول من ابتغى غيرَ الإسلام ديناً، ولم يَنْفِ قبول من ابتغى فرضاً من فرائض الإسلام.

والعجب من المعتزلة كيف احتجوا بهذا، وقد أجمعنا وأجمعوا وأجمع المسلمون أن من شَهِدَ الشهادتين، وآمن بقلبه، وصدَّق، وارتكب كبيرةً، وأخلَّ بما ليس تركُه كفراً من الفرائض، أنه قد صح إسلامه، وغُفِرَتْ له ذنوب الكفر، وصحَّت منه الطاعات، فكان يلزمهم أن يخالفوا الإجماع في هذا، ويقولوا: إنه باقٍ على الكفر، وإنه لا يقبل منه إلَاّ كمال الإسلام، للآية.

(1)" ديناً " ساقطة من (ش).

ص: 288

الوجه الثالث: وهو التحقيق أن الدلالات تنقسم إلى دلالةٍ مُطابَقَةٍ، وهي اللغويَّة، ودلالة تضمُّن ودلالة التزام (1)، وهما عقليتان، فدلالة الإسلام على الإيمان دلالة تضمن أو التزام، لأنه إما بعضه كالرأس من الإنسان، أو شرطه كالوضوء والنِّيَّة من الصلاة، فمن ابتغاه، فقد ابتغى أساس الإسلام والدين الذي ينبني عليه، أو رأس الإسلام والدين، فهو مقبول، ولم يَصْدُق عليه أنه ابتغى غير الإسلام ديناً، لأن الدين في دلالة المطابقة اللغوية هو المجموع لا البعض، ومعنى الآية: من ابتغى ديناً غير الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية، لا من ابتغى فريضةً من فرائض الإسلام تقرُّباً إلى الله.

والذي غرَّهم أنهم لم يفهموا لقوله ديناً ثمرة، بل جعلوا وجوده كعدمه، وهذا لا يكون في كلام البُلغاء، كيف كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين.

ونظير هذا قولنا: من ابتغى غير العلماء قدوةً، أو غير الثقات راوياً، فقد ضلَّ، فإنه لا يلزم الضلال من ابتغاء غير العلماء والثقات خادماً أو زوجة أو بغلاً أو حماراً، فكذلك من ابتغى غير الإسلام مسجداً، أو وِرْداً، أو ذكراً، أو خشوعاً، أو تصديقاً، لم يلزم ألا يقبل منه، وإن لم يكن شيء من ذلك وحده يُسَمَّى ديناً كاملاً وإسلاماً تاماً.

فهذه الوجوه كلها على تقدير تسليم المقدمات كلها إلَاّ الأخيرة، وهي أن الإسلام هو الإيمان، ويكمُنُ النِّزاع في المقدمة الأولى، وهي قولهم: إن الدين هو مجموع العبادات، فإن ذلك ممنوعٌ، ودليل المنع قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. وقد أجمعت الأمة على أن من ترك بعض العبادات غير مستحلٍّ لذلك، فليس بمرتدٍّ.

إذا تقرَّر هذا، فيُحتَمَلُ أن للدين كمالاً، وهو المجموع، وأن يكون أقلُّه هو الذي حكم بِرِدَّةِ من تركه، ولئن سلمنا أن الدين هو مجموع تلك الأمور (2)، لكن

(1) في (ف): " إلزام ".

(2)

" تلك الأمور " ساقطة من (ف).

ص: 289

لا نسلِّمُ أن كل واحدٍ منها على انفراده يُسَمَّى ديناً، بدليل أن تاركه وحده ليس بمرتدٍّ عن الدِّين، وهذا يرجع إلى أن حكمَ الجملة لا يجب لأفرادها، وهذا هو الصحيح في الأمور الشرعية كالإجماع. ألا ترى أن حكم البعض من الفريضة غير حكم الكُلِّ، فقد يكون البعض ظنياً، ولأن مؤدَّى البعض غير خارجٍ من عهده التكليف كمؤدَّى الكُلِّ، وعلى تسليم الجميع، فإن المعتزلة أدخلت في الدين ترك جميع الكبائر، مع أداء جميع العبادات، وهذا الترك غير مذكورٍ في الآيات التي ذكروها، ومع أن فاعل بعضِ الكبائر غير مرتَدٍّ وفاقاً.

الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [التحريم: 8]، وصاحب الكبيرة يجوز دخوله النار عند الجميع ما خلا المرجئة، ومن دخل النار، فقد أُخزي لقوله:{من تدخل النار فقد أخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192].

والجواب: أن هذا تمسك بالعمومات البعيدة المخصوصة، ولو لم يَرِدْ إلا هذا القدر في السمع، لم يقع بين العارفين في ذلك خلافٌ، وإنما يحتاج إلى الفهم الصحيح في الجمع بين مختلفات الأدلة، وقد دلَّ السمع على أن الخزي يختص بالكافرين، لقوله تعالى:{إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} [النحل: 27]، وذلك لِمَا ينكشِفُ من كذبهم ودعاويهم لربوبية الأصنام وسائر المخلوقين، كما قال الله تعالى:{وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39].

ووجه الحصر أن الألف واللَاّم في الخزي تفيد العموم على ما هو مقرر في الأصول، بدليل صحة الاستثناء من ذلك، فهو كقوله:{وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43]، وغير ذلك.

والوجهُ المعقولُ في ذلك أنه لما ثبت في الصِّحاح أن من دخل النار من المؤمنين فخرج منها، مخلوقٌ للخلود في دار الكرامة من جملة أهل الجنة المُكْرَمين بنصِّ كتاب الله تعالى، لم يجب القطع بأنه أُدخِلَ النار ليخزَى ويُهانَ،

ص: 290

لأنه عن قريبٍ يخرج منها، والخروج منها كرامةٌ، ثم يدخل الجنة، ودخولُها كرامة، ثم يخلد فيها مُكرَماً بنص كتاب الله تعالى في أهل الجنة، وذلك أعظم الكرامة، ومن سبقت له الكرامة في علم الله تعالى وأريدت به وله، وكانت عاقبته الدائمة، لم يُرَدْ به الخزيُ والهوان.

وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا زنت أمة أحدكم (1)، فتبين زناها، فليحُدَّها الحدَّ ولا يُثَرِّب عليها "، وفي رواية أبي داود:" ولا يعيِّرها "(2). وقال ابن عبد البر في " التمهيد "(3) ذكر الحدِّ مُعَلٌّ، غير محفوظٍ.

والقصد بإيراد الحديث الدلالة على أن عُقوبة المسلم قد تخلو من الخزي وقصده كحدِّ التائب والقصاص منه لقوله: " لا يعيِّرها ولا يثرِّب عليها "، فأما الأمر بأذى الزَّانيَيْنِ، فإنما كان مع الحبس حولاً كاملاً، وقد نُسِخَ بالحدِّ .. ورواه أبو داود في ابن عباسٍ أول باب الرجم من الحدود (4). والله أعلم.

ويشهد لهذا المعنى ما خرَّجه الحاكم في كتاب التوبة من " المستدرك "(5) من حديث أبي الزِّناد، عن القاسم، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ما عَلِمَ الله من عبدٍ ندامة على ذنبٍ، إلَاّ غفَرَ له قبل أن يستغفره منه ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وسيأتي (6).

قلت: فلما علم الله أنه صائِرٌ إلى التوبة، لم يُرِدْ عقابه، لأنَّ عِلْمَه الحق

(1) في (ش) و (ف): " إذا زنت الأمة ".

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

9/ 98.

(4)

برقم (4413)، ومن طريقه أخرجه البيهقي 8/ 210، وإسناده حسن.

(5)

4/ 253، وفيه هشام بن زياد، قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال النسائي والذهبي: متروك، وأورد الحديث المنذري في " الترغيب والترهيب " 4/ 98، وقال: هشام بن زياد ساقط.

(6)

ص 335.

ص: 291