الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب أكثر الإيمان وأقله:
وكله إيمان ونفي الناقص مجازاً بدليل اختلاف الحصر، وثبوت النفي. قال الله تعالى في الأنفال [2 - 4]:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .
فقصر هؤلاء على أقل ما قصر عليه المؤمنين الذين وصفهم الله في الأنفال، وكذلك قصرهم على غير هذه الأوصاف في قوله:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
وكذا قوله في الحرز: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون} [السجدة: 15]، وقوله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فلما اختلفت أوصافُهم التي قصرهم عليها، عرفنا أنها وردت على أسباب مخصوصةٍ، وعلى المدح بكمال الإيمان، كما يقال: إنما الغنى القناعة ويدل عليه قوله تعالى في آخر الأنفال [74]: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 74] فقصر المؤمنين على المهاجرين والأنصار، وقد قال بعد ذلك:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 72]، وأوجب لهم النصرة في الآية، ثم قال بعد ذلك:{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال:
75]، فزادهم عليهم بعد ذلك القصر، فدل على أن مثل تلك الصيغة تَرِدُ للمصر على الأفضلين، والله أعلم.
يوضحه أنه الذي يجبُّ ما قبله مع الشهادتين بالإجماع.
يوضحه ما انعقد عليه الإجماع من تفسير الإيمان بالتصديق في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك} [البقرة: 221].
ومن هنا دخل قاتل الفاسق عند الخصوم في وعيد: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} [النساء: 93]، وإلا لزم ألَاّ يقطعوا بأنه كبيرةٌ، وقوله في الأنفال بعد قصر المؤمنين على تلك الطبقة الرفيعة عقيبها من غير فاصلٍ:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 5 - 6]، فجعل هؤلاء من المؤمنين، وهم دون أولئك، حيث جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحق بعد تبيينه.
ومما يدلُّ عليه قوله تعالى: {واتَّبَعَتُهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمانٍ} [الطور: 21]، فقد ذكر الزمخشري في " الكشاف " (1) في تنكير إيمانهم وجهين:
أحدهما: أنه نُكِّرَ لتعظيمه، وهذا ضعيفٌ، لأنه لو نُكِّرَ لتعظيمه، لكانوا في منازل آبائهم بأعمالهم، لا مُلْحَقِينَ بهم تفضُّلاً.
وثانيهما: أنه نُكِّرَ لنقصانه، وهو الوجه إن شاء الله تعالى، بدليل:{وما ألَتْنَاهُم من عَمَلِهِم من شيءٍ} ، وبدليل أحاديث الباب، والله سبحانه أعلم.
ولأن إسناده معرفة التأكيد وعكسه من التنكير لا يستند إلَاّ (2) إلى القرائن، وقد جمعها الشاعر في قوله:
(1) 4/ 24.
(2)
" إلا " ساقطة من (ش).
له حاجبٌ عن كلِّ أمرٍ يشينُه
…
وليس له عن طالبِ العُرفِ حاجِبُ (1)
فلم يختلف أهل البلاغة أنها تقتضي أن يكون تنكير " حاجب " الأول للتأكيد وتنكير " حاجب " الثاني للتخفيف، لأن تأكيد الأولِ وتخفيف الثاني هو مقتضى المدح والثناء، وكذلك تنكير " إيمان " في الآية يقتضي التخفيف، لأن الآية مسُوقَةٌ لبيان الامتنان على المؤمنين برفع ذرِّيَّتهم إليهم بغير شرطٍ زائدٍ على أن يتبعوهم بإيمان، فلو كان ذلك هو الإيمان الكامل، كان معلوماً من آيات الجزاء على الأعمال، ولم يُناسب قوله:{وما ألتناهم من عَمَلِهِم من شيءٍ} كما هو مُبيَّنٌ في كتب التفسير.
يوضِّحُه أنه لو لم يكن لهم أبٌ في مرتبةٍ أرفع منهم، لم يكونوا من أهلِ هذه الآية، فدلَّ على نُقصان إيمانهم عن إيمان آبائهم، أو عن أعمالهم، وقال الله تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُون} [الشعراء: 215 - 216].
وقد اضطر الزمخشري والمعتزلة إلى صحة الجمع بين الإيمان وما عدا الشرك من الكبائر في مواضعَ منها في تفسير قوله تعالى: {ولم يلبسوا إيمانهم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، فإنهم فسَّروه بالفسق بالكبيرة، ومنعوا مما صح في حديث ابن مسعود أنه الشرك (2)، وعلَّلُوا ذلك بأن الشرك لا يُجامِعُ الإيمانَ،
(1) البيت من شواهد " التلخيص " ونسبه صاحب " معاهد التنصيص " 1/ 127 لابن أبي السمط، وأورد له بيتين منها هما:
فتى لا يُبالي المدلجون بنوره
…
إلى بابه أن لا تُضيء الكواكبُ
يصُمُّ عن الفحشاء حتى كأنه
…
إذا ذكرت في مجلس القوم غائبُ
والحاجب: المانع، والشَين: العيب، والعرف والمعروف: الإحسان والشاهد فيه تنكير.
الحاجب الأول: للتعظيم، والثاني: للتحقير، أي: ليس له حاجب حقير، فكيف بالعظيم.
(2)
أخرج أحمد 1/ 387 و424 و444، والبخاري (32) و (3428) و (3429) و (4629)، ومسلم (124)، والترمذي (3067) عن ابن مسعود، قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على المسلمين وقالوا: أينا لا يظلم نفسه، فقال =
بخلاف سائر الكبائر، ونسوا قاعدتهم في الوعيد، وهي أن الإيمان لا يُجامِعُ شيئاً من الكبائر، والحق أن الإيمان المذكور هنا هو اللُّغويُّ، وهو يُجامِعُ الشرك والكبائر. قال الله تعالى فيه:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فردُّهُم للحديث الصحيح هنا غلطٌ فاحشٌ، والله أعلم.
ومنها: {ولا تَنْكِحُوا المُشركاتِ حتَّى يُؤمِنَّ} [البقرة: 221]، وغير ذلك، وقال تعالى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]، ففرق بين الإيمان وكسب الخير فيه.
وأما معناها، فقد وهِمَ الزمخشري أنها تردُّ مذهب أهلِ السنة في الرجاء، فقال ما لفظه (1): المعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات ملجئةٌ مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذٍ نفساً غير مقدِّمَةٍ إيمانها من قبل ظهور الآيات أو مقدِّمة إيمانها، غير كاسبةٍ خيراً في إيمانها (2) فلم يفرق -كما ترى- بين النفس الكافرة إذا آمنت في وقته، ولم تكسِب خيراً، ليعلم أن قوله:{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جمع بين قرينتين لا تنفكُّ إحداهما عن الأُخرى، حتى يفوزَ صاحبها ويسعَدَ، وإلا فالشِّقْوةُ والهلاك.
والجواب أن الشيخ غفلَ غفلةً عظيمةً، وهي إن شاء الله من قبيل النسيان لا من قبيل الخطأ وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الإيمان بعد الكفر مقبولٌ بل مكفِّرٌ لذنبِ الكفر بمجرده قبل الأعمال كلها بإجماع المسلمين: المعتزلة وغيرهم، كإيمان الأصمِّ، ومن مات قبل العمل، وهذا ينقُضُ ما اعتقده من بُطلان هذه القاعدة على الإطلاق، وإذا أمكنه أن يُخَصِّصَ هذه الصورة بدليلٍ منفصلٍ، أمكن غيره تخصيص المؤمنين
= رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا قول لقمان لابنه:{يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]. وانظر ابن حبان (253).
(1)
2/ 63 - 64.
(2)
" في إيمانها " ساقطة من (ف).
المخلصين قبل حدوث الآيات.
فإن قال: لا بد مع الإيمان من اشتراط التَّلفُّظ بالشهادتين، وهو عملٌ ترك قوله: وانتقض بالأصمِّ والميت قبل التمكُّن.
ثانيهما: أن الله تعالى لم يقل: وكسبت في إيمانها كل خير، وإنما قال:{أو كسبت في إيمانها خيراً} ، والنَّكرة المثبتة لا تفيد العموم بالإجماع، لأنك إذا قلت: رأيتُ رجلاً، لم يُفِدْ أنك رأيت كل رجُلٍ، ولا جميع الرجال إجماعاً، بل الآية حجةٌ لأهل السنة، لأن من مذهبهم أن الإيمان اللغوي لا يكفي، بل هو إجماع المسلمين، إذ لا يقول أحدٌ من المرجئة بالإرجاء في حق اليهود والنصارى، مع أنهم لا يَخْلُون من الإيمان اللغوي ببعض ما يجب الإيمان به، بل مشركو العرب لم يَخْلُوا من بعضه، والإيمان اللغوي هو المذكور في هذه الآية بالاتفاق، لأنه فصله عن كسب أدنى خيرٍ فيه، وهذا لا يكفي عندَ فرق جميع أهل السنة، بل أهل الإسلام، فلا بد معه من أمورٍ هي من كسب الخير.
أعظمها: نفي جميع أنواع الشرك، لقوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
وثانيها: إخلاصه لله، كقوله:{مخلصين له الدين} [يونس: 22]، وقوله:{ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3].
وثالثها: النظر في المعجزات المثمرة للإيمان بجميع رسل الله، وكتبه، وملائكته، واليوم الآخر.
ورابعها: حب الله ورسوله وأوليائه.
وخامسها: النطق بتوحيد الله وتصديق الرسل مع زوال الموانع من ذلك على الصحيح في هذا الأمر الخامس.
ومع اشتراط هذه الأمور الخمسة عند أهل السنة، وإقامة الصلوات عندَ
كثيرٍ منهم: وهي رؤوس مكاسب الخير، كما ثبت في الحديث الصحيح في فضائلها، كيف يلزم أهل السنة محذور من اشتراط خبرٍ منكرٍ مع الإيمان اللغوي الذي لم يَخْلُ منه الشيطان الرجيم، وأكفر أتباعه الجاحدين والبراهمة، واليهود، والنصارى المترجم عنهم بالمغضوب عليهم، والضالين في فاتحة كتابنا المبين، التي يقرأ بها كل مُصلٍّ من المسلمين، وأحاديث الشفاعة التي هي من جملة أدلة أهل الرجاء مصرِّحَة بأنهم من أهل النطق بالشهادتين، وذلك رأسُ الخيرات المكسوبات، وهو يهدِمُ ما قبله، لِعِظَمِ محلِّه من جميع المُهلكاتِ.
فبان أن هذه الآية من جملة حُجج أهل السنة، وهي كقوله تعالى:{ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} في غير آية كما أوضحناه، والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً والحمد لله رب العالمين.
على أن الذي ذكره الشيخ غيرُ قاطعٍ، فقد اعترضه ابنُ الحاجب، وقال: إن المعنى: أو كسبت في إيمانها خيراً لم تكن كسبت من قبْلُ، كأنه قال: لا ينفع نفساً إيمانُها أو كسبُها، كقوله:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيني (1)
أي: وقرارها، وإنما حذفه إيجاراً، لتقدُّم ذكره مع استوائهما (2) في الحاجة إلى الاختيار في شرط التكليف مثلما حذف الصبر في قوله:{إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا}
(1) هو صدر بيت، وعجزه:
أحب إلي من لبس الشفوف
وهو من قصيدة لميسون بنت يحدل الكلبية مطلعها:
لبيتٌ تخفق الأرواح فيه
…
أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيف
وهو في " الكتاب " 1/ 426، و" خزانة الأدب " 8/ 503، و" المقتضب " 2/ 27، و" شرح شواهد المغني " 5/ 65.
(2)
في (ف): " استوائها ".