المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة - العين حق

[محمد بن عبد المعطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد عن منهج البحث

- ‌تعريف الحسد

- ‌تعريف الأضم

- ‌تعريف الغبطة

- ‌تعريف الغل والحقد

- ‌تعريف العين

- ‌هل هناك فرق بين الحسد والعين أو هما سواء

- ‌ومجمل القول فى الفرق بين العين والحسد أن:

- ‌الأدلة على تأثير العين فى المحسود:

- ‌أولا: من القرآن الكريم

- ‌الأدلة على تأثير العين من السنة

- ‌ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

- ‌ حديث أم سلمة رضى الله عنها

- ‌ حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا

- ‌ حديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رضى الله عنه

- ‌ حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة رضى الله عنه

- ‌ حديث أبي هريرة رضى الله عنه

- ‌ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما

- ‌ حديث أبى ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه

- ‌ حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه

- ‌ حديث أبى أمامة أسعد بن سهل بن حنيف رحمه الله

- ‌ حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه

- ‌ حديث عمران بن حصين رضي الله عنه

- ‌ حديث ابن عباس رضي الله عنه

- ‌ حديث أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه

- ‌ حديث عائشة رضي الله عنها

- ‌ حديث جابر رضى الله عنه

- ‌ أحاديث ضعيفة فى مسألة الحسد:

- ‌ حديث حابس التميمى رضى الله عنه

- ‌أقوال العلماء فى مسألة العين وتأثيرها

- ‌الأدلة على تأثير العين من جهة النظر

- ‌هل الحسد من الذنوب أم أنه من الخصال الذميمة فحسب

- ‌أعراض الحسد

- ‌مدى تأثير العين فى المحسود

- ‌حكم من قتل بعينه

- ‌كيف يقع الحسد

- ‌من يقع منه الحسد

- ‌علاج العين بالرقى

- ‌حكم الرقى

- ‌تعريف الرقى

- ‌مشروعية العلاج

- ‌هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة

- ‌ما ورد فى علاج العين:

- ‌الغسل للعائن:

- ‌الوضوء للعاين:

- ‌حكم الغسل والوضوء للمحسود

- ‌العلاج بالقرءان:

- ‌وأما الأحاديث فى الرقى بالمعوذتين فمشهورة كثيرة منها:

- ‌حديث عائشة رضى الله عنها

- ‌حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه

- ‌حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه

- ‌حديث عبد الله بن خبيب رضى الله عنه

- ‌حديث ابن عابس الجهنى رضى الله عنه

- ‌حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه

- ‌العلاج بالرقى:

- ‌أولا: ما ورد من الرقى فى علاج العين والحسد بخصوصه:

- ‌ثانيا: ماورد فى رقى عامة

- ‌ثالثا: ما ورد فى العلاج بالدعاء وهو غير الرقى:

- ‌ما ورد فى كراهة تعليق الكتابة على الصبى:

- ‌ الإستشفاء بمام زمزم:

- ‌الوقاية من الحسد

- ‌الأول: الأذكار والرقى التى تعمل كالحصن ضد العين

- ‌ أن يستعيذ بالله من الحسد وشر الحساد

- ‌ قراءة أذكار الصباح والمساء

- ‌الثانى: ستر محاسن ما يخاف عليه من العين عن الحاسد

- ‌ ومن الستر أيضا قضاء الحوائج بالكتمان والسر

- ‌ثالثا: وما ينبغى تحصين العبد نفسه بالصلاة

- ‌حكم رقية الحيوان والجماد

- ‌وأما بدع علاج العين فيحضرنى منها الآن

- ‌ خاتمة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة

العلاج بالرقى مشروع فى الأمراض العضوية التى لها علاج عند الأطباء فعلاج الأمراض الروحية كما يسمونها بالرقى مشروع من باب أولى وبخاصة مسألة الحسد.

‌هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة

؟

مسألة العلاج بالقرءان والرقى فرع من فروع الفقه يتجاذبه أصلان هما العلاج والإستعانة بالله تعالى ودعائه لرد عدوان الجن أو لدفع أذى الحاسد. وسائر الأدواء إما أن تكون أمرا تعبديا أو أمرا عاديا وفى الفرق بينهما ما لا يخفى على الصامت فكيف بالناطق بل لا يخفى على كل كه فه فكيف بالحاذق. فمن اعتبره من عادات الناس وقاس الكلام فيه كالكلام على سائر الأدوية القائمة على التجربة فرأى أن العلاج بالقرءان يصلح فيه ما جرب وحصل الشفاء به وإن لم يرد فى السنة بل وإن ورد فى السنة خلافه فالمجرب أولى عندهم بالعمل. ومن اعتبرها مسألة تعبدية محضة وجب أن يقف عند النص ولا يتجاوز الكتاب والسنة بل يصبر نفسه على السنة حتى يحصل الشفاء بإذن الله تعالى.

لكنى لم أجد من اعتبر هذين الأصلين وإن كنت لم أجد من نبه عليهما لكن هذا يستشف من كلام أهل العلم فهم مثلا يحكمون على بعض الأمور فى العلاج مما يمارسها المعالجون الخنفشاريون إن صح التعبير أو المخضرمين من الذين طرقوا باب العلاج بأنها بدع فهذا يعنى أن الأصل عندهم كون مسألة العلاج مسألة تعبدية. ثم لا نلبث أن نراهم يرون صلاحية الرقى بإطلاقها أو على حد قولهم جائزة على العموم بشروط ككونها من اللغة العربية وأن تخلو من الشرك وأن لا يعتقد تأثيرها بذاتها .. وهذا دال على أنهم يتركون أمر العلاج لما جرب من الرقى وكأنها مسألة عادية أصلا وفروعا تنبنى عليه .. ثم بان لى بعد ذلك أن عامة أهل العلم ممن كتب فى المسألة قديما وحديثا سلفا رحمهم الله ومن تبعهم من الخلف يرون أن المسألة عادية تعبدية فى آن واحد والناظر فى كتب أهل العلم يعلم ذلك جيدا. ولكنى لكثرة ما وجدت من نصوص فى السنة

ص: 74

ومن أصول الشريعة ومقاصدها ثم كلام أهل العلم على بدع بعض المعالجين كدت أجزم بأن الأصل فى المسألة التوقف وأنها تعبدية من حاد عن النصوص فهو جائر محدث يصح أن يسمى فعله بدعة. لولا ما وجدت للحافظ ابن حجر وعنه السيوطى رحمهما الله وجماعة من أهل العلم فإن الحافظ نقل الإجماع على جواز الرقى بصفة عامة مما لم يرد فى السنة بشروط ثلاثة .. وأنا لست على يقين من هذا الإجماع فليس هو الإجماع الأصولى وكم من مسألة نقلوا فيها الإجماع مع كون الخلاف فيها مشهورا. والمعلوم لدى أهل العلم أن الإجماع لا يكون بعدخلاف مستقر وأن الخلاف لا يتصور بعد الإجماع الأصولى. وتوضيحا لهذا الإجمال أقول قد اختلف أهل العلم هل الرقى ووسائلها توقيف من الشارع أم أن الأصل الاجتهاد والتجربة فيها وفى كيفياتها مع اتفاقهم على تحريم ما فيه محظور أو محرم. والمشهور من ذلك القول بالإجتهاد والتجربة. واحتج القائلون به بأحاديث صحيحة منها:

ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل.

وهذا الحديث فيه أن الرقى كانت من رقى الجاهلية لكن ليس فيها ما يحرم لإقرار النبى صلى الله عليه وسلم وقوله: من استطاع يفيد العموم.

وروى مسلم أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعى قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علىّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.

وهذا كسابقه فى وجه الإستدلال.

ومنها حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال انطلق نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم

ص: 75

فى سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحى فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شئ، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شئ فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شئ لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شئ، فقال بعضهم نعم والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ {الحمد لله رب العالمين} فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم اقسموا، فقال الذى رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال وما يدريك أنها رقية، ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لى معكم سهما فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه واللفظ للبخارى وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثُمَّةَ، أَنَّ الشِّفَاءَ ابْنَةَ عَبْدِ اللهِ وهى جدته قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تُعَلِّمِي هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ. (1)

(1) صحيح لغيره: أخرجه أبوداود (3887) وأحمد (26555) والنسائى فى الكبرى وابن أبى شيبة من طرق عن عَبْد الْعَزِيزِ بْن عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ

وهذا سند جيد فى الشواهد فعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ صدوق يخطئ من رجال الشيخين ذكره ابن حبان فى " الثقات " وقال: يخطئ، يعتبر حديثه إذا كان دونه ثقات وحكى الخطابى عن أحمد بن حنبل، قال: ليس هو من أهل الحفظ والإتقان. اهـ لكن أخرج ابن أبى شيبة عن ابْن عُلَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى حَثُمَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لِحُرَّةِ: الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ: عَلِّمِى حَفْصَةَ رُقْيَتَكِ، قَالَ أَبُو بِشْر يَعْنِي إسْمَاعِيلَ ابْنَ عُلَيَّةَ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: مَا رُقْيَتُهَا؟ قَالَ: رُقْيَةُ النَّمْلَةِ. وهذا سند صحيح ظاهره الإرسال فأبو بكر لم يشهد القصة لكنه محمول على سماعها من جدته.

ثم أخرج ابن أبى شيبة أيضا عن يَحْيَى بْن آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِى الرُّقْيَةِ مِنْ النَّمْلَةِ .. كذا وقع فى الأصل ولعل الصواب سفيان عن عاصم عن يوسف وعاصم هو الأحول وهذا سند صحيح على شرط مسلم ولا أدرى من هو سفيان إما الثورى وإما ابن عيينة وكلاهما حافظ.

ص: 76

قال ابن القيم فى زاد المعاد: النملة قروح تخرج فى الجنبين وهو داء معروف وسمى نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. اهـ

وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه قال: أرخص النبى صلى الله عليه وسلم فى رقية الحية لبنى عمرو.

وأما أدلة القول بالتوقف فى العلاج على ماورد فى الكتاب والسنة وعدم تعدى النصوص فمنها:

* أن باب الرقى قد بينت كيفيته فى السنة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: فمن رغب عن سنتى فليس منى. متفق عليه. فما الداعى إلى تعديه والرغبة عنه وتجريب غيره يعنى عندنا فى علاج العين ورد نحوا من عشرة طرق وأكثر فى العلاج لماذا العدول عنها والجرى وراء المجربات هلا جُرّبَت هى أولا؟ ثم إن من يجرب غيرها لا شك أنه جاهل بها فهل من يجهل السنة يكون قاضيا عليها؟ هذا وجه.

* ووجه ثان: وهو أن العلاج بالرقى مما ورد الأمر به فى الكتاب بالعلاج بالقرءان ويجوز التعميم فقد سمى الصحابة رضى الله عنهم الفاتحة رقية والرقى مستحبة وهى أشبه بالأذكار الراتبة كأذكار النوم والإستيقاظ والخروج من البيت ودخول البيت ودخول المسجد والخروج منه وأذكار الصباح والمساء ونحو ذلك وما كان هذا سبيله فالأصل فيه التوقف وهذا لا يجوز الزيادة فيه على ما ثبت ولا يحيل الرقى من هنا كونها ذات شق عادى فهذا الوضوء من العبادات التى لها شق عادى كالنظافة لكنه ما يجوز الزيادة فيه فمن مسح رقبته فى الوضوء أو جعل الغسل أكثر من ثلاث مرات قلنا له هذه بدعة وقف على ماورد ولا تتعداه.

* والوجه الثالث أن فتح الباب فيما لم يرد لا ينضبط وهو مظنة دخول ما يحرم وما

ص: 77

يكون شركاً. ولا يخفى أنه لا يمكن لصاحب سنة أن يقول ببدعية شئ يصنعه المعالجون لأنهم يقولون هذا مجرب نافع والأصل التجربة فإما أن تسدوا الباب وتقولوا بالتوقف أو لا يكون هناك بدعة أبدا وإن كان ثمة شئ محرم فهم محرم لا بدعة. فلو لم يكن المنع إلا من باب سد الذرائع لكان كافيا معتبرا مندرجا تحت أصل من أصول الشريعة.

* والوجه الرابع أنه صح النهى عن الرقى وأن منها ما يكون شركا والعياذ بالله كما فى حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: إن الرقي والتمائم والتولة شرك. (1) ثم أباح النبى صلى الله عليه وسلم الرقى فإما أن يكون هذا من نسخ النهى بالإباحة أو يكون من باب تخصيص ما خلا من الشرك وقد يقال: إذا اشتبه الحظر بالإباحة غلّب جانب الحظر صيانةً للدين. فيمنع من الرقى التى لا يعلم عن الشرع إقرارها فيكون معنى حديث " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" أنه لا يدل على مطلق الإباحة والمقصود مما شرع في السنةأو مما أقره النبى صلى الله عليه وسلم كما فى حديث علميها رقية النملة. ففيه دلالة ضمنية على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرف ما فى هذه الرقية وسائر أحاديث الإباحة العامة هى من العام الذي أريد به الخصوص، ولم يرد العموم بل لم يستوعب جميع الرقى، بدلالة أنه استثنى منها ما فيه شرك، ولم يستثن ما فيه محرم.

وأما الجواب عن أدلة من قال بالإجتهاد والتجربة فما ذكر من النصوص أخص من هذه الدعوى العريضة: فقوله من استطاع أن ينفع أخاه. ورد عقب إقراره لرقية العقرب فمن استطاع أن ينفع أخاه بها فليفعل .. وكذا فى رقية الحية ورقية النملة بل إن معنى قوله رخص لبنى فلان فى رقية الحية أنه لا قيمة للرقية بغير إقراره لهم عليها كما هو ظاهر وليس فيه التعميم المتبادر.

* والوجه الخامس أن فى ذلك أموراً لا يُدرى ما هى؟ فلا هى من جنس ما ورد به النص ولا هى من الأدوية الطبيعية فالمنع مما لا يعرف فى باب الرقى محل إجماع.

(1) حسن: أخرجه أحمد (3604) وأبوداود (3883) وابن ماجه (3530).

ص: 78

وأبين هذا ببعض الأمثلة.

الكتابة على ورق الزعفران وبله بالماء ثم يعطى للمريض فيشربه مع أن دليل الكتابة لا يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم وما الحكمة فى جعل الكتابة على الزعفران؟

العلاج عن طريق النظر فبعضهم يقرأ على المريض أو المصروع أو المسحور أو المحسود وينظر فى عينيه ويطيل النظر حتى يشفى المريض أو يفيق المصروع ويهرب الجنى. ويستخدم هذه الطريقة حتى مع النساء! ! ولا تستبعد أن يقول جربتها فنفعت! !

كتابة القرءان والرقى على الجسد! وهذه الكتابة تارة تكون على الظهر وتارة على الرجل وتارة على الوجه! ويستخدمونها مع النساء! فيكتبون على ظهر المرأة وعلى بطنها وعلى صدرها وتحت سرتها! ! وهذا لعدم المروؤة والحياء عند المعالج وعند قريب المرأة أو زوجها بل هو من رقة الدين سوء الطبع خبث الأنفس والعياذ بالله. وهب أننا قلنا هذا حرام قولا واحدا أفيجوز الكتابة على ظهر رجل أو صبى؟

تحديد عدد معين لتلاوة آيات بعينها فمثلا هذه الآية تقرأ سبع مرات. وهذه أربع عشرة مرة. وهذه ألف مرة. ووبعضهم يقول اقرؤا له الرقية ثلاث مرات يوميا لمدة شهر! ونسى أن يقول قبل الأكل أو بعد الأكل! !

بعضهم يكتب آيات من القرءان على ورق أو قماش ثم يحرقونه بالنار ليشمها المريض! وهذا إلى جنب أدوية الشراب يلتئم وإن لم يلتئم شرعا لكن بقى أن يصنعوا منه حقنا فى العضل وفى الوريد وسعوطا فى الأنف وقطرة فى العين من أجل العين بلا شك.

ما يسمونه بالقراءة التخييلية وصفتها أن يمسك الراقى بأحد عروق مفصل يد المصاب ثم يقرأ ويقول له: في أثناء قراءتى اذكر أسماء من يرد بخاطرك فيذكر له بعض الأسماء ممن يعرفهم فيقول الراقى: هؤلاء أصابوك بعينٍ أو غير ذلك.

ص: 79

ويقولون جرب هذا فنفع والحق أن مسألة التجريب لا نسلم لهم بها فشتان بين حدوث الشفاء عند الرقية وبين حصولها بسبب الرقية أفلم يكن الله تعالى يرزق المشركين ويمطرهم ويزعمون أن هذا حصل بدعائهم لأصنامهم؟ مع الفارق بين المشركين والمعالجين. وهذه واحدة قل من يلتفت لها ونقطة أخرى هى فشو الكذب فى جهلة المعالجين لا سيما المحترفون الذين يتكسبون من الرقى مع جواز أخذ المال على الرقى ولكن أقصد المحترفين وإن لم يكن كذبا صريحا فهو تدليس وتضخيم للحقائق وتكبير لها ولو كانت بالصورة التى يخرجون بها على الناس من التجريب والإنتفاع للمسنا لها صدى وتأثيرًا لكن الواقع المر يكذب هذا قَالَ السفارينى: قال الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ الْمَأْمُونُ ، وَهُوَ صَاحِبُ الرُّمْحِ الْمَيْمُونِ: لَوْ صَحَّ الْكِيمْيَاءُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْخَرَاجِ ، وَلَوْ صَحَّ الطَّلْسَمُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْأَجْنَادِ وَالْحَرَسِ ، وَلَوْ صَحَّتْ النُّجُومُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْبَرِيدِ. اهـ (1)

ومع كثرة المعالجين نجد كثرة المصابين بالصرع والسحر وبالعين وفشا الكذب فى الفريقين ولله الأمر من قبل ومن بعد وغالبا ما تكون بطانة المعالجين من غير أهل السنة وأنا أشك فى عدالتهم وضبطهم فكثير من الذين يدعون الحسد عندهم وسوسة وكثير من المصروعين يكذبون على الجن! ولولا الإطالة لذكرت أمثلة وقصصا واقعية كما يذكر ذلك المعالجون المصنفون.

رقية اليهودى والنصرانى للمسلم فترى كثيرا من العوام يذهبون إلى الأحبار والرهبان يطلبون رقياهم وهم فى غيبة تامة عن معرفة العقيدة الصحيحة وسائر مسائلها على الإطلاق ولا ينفعهم هنا ذكر الخلاف فى مثل هذا بل يفتى العامى على المذهب الراجح ويجنب معرفة الخلاف لأنه لا يفهم والسنة مخاطبة الناس بما يفهمون.

(1) غِذَاءَ الْأَلْبَابِ، لِشَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ للشيخ محمد بن احمد السفارينى الحنبلى باب يحرم الرقى والتعوذ بطلسم ..

ص: 80

قال الربيع بن سليمان سألت الشافعى عن الرقية فقال لا بأس أن يرقى الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله قلت أيرقى أهل الكتاب المسلمين فقال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله فقلت وما الحجة في ذلك قال غير حجة فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبدالرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهى تشتكى ويهودية ترقيها فقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله فقلت للشافعى فإنا نكره رقية أهل الكتاب فقال ولم وأنتم تروون هذا عن أبى بكر ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبى خلافه وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخف. اهـ (1) وهذا موقوف ولعله شاذ ولم يروى بغير هذا الإسناد ولم يعمل به مالك نفسه (2) وهو راوى الخبر وهو أدرى بفقه ما روى.

وهذا الإبتداع لا ينتهى أبدا ولا ضابط له ولا حد يمكن معه استغراب الغريب أو استقباح القبيح اللهم إلا حدود الشرع والشرع فقط ولا نجهل أنهم يقولون كل مرة: جربناه فنفع. ولا يظنن أحد أنى حين أحكى مثل هذا وأذكر ما يتندر به عقبه أنى أضحك رضا. إنما أضحك عجبا فشر البلية ما يضحك وكم فى بلدنا من المضحكات المبكيات. ويعلم الله كم يتألم القلب لأجل هذا وغيره وكم أجد فى نفسى من المرارة لانتشار البدع وأنا أتذكر حال السلف الذين كانوا إذا رأوا البدعة لا يستطيعون تغييرها يبولون دما مع أننا نرى المنكرات عيانا وقل من يحمر وجهه غضبا فضلا عن أن يبول الدم فإلى الله المشتكى.

(1) كتاب الأم لمحمد بن إدريس الشافعى فى كتاب العتق باب ما جاء فى الرقية. وراجع كتاب البيهقى معرفة السنن والآثار (14/ 123) وإسناد الخبر الذى رواه الشافعى صحيح على شرط الشيخين لكنه موقوف ثم لا أظنه محفوظا.

(2)

المنتقى (7/ 261)

ص: 81

وقال ابن حبان فى خبر عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها، فقال: عالجيها بكتاب الله. (1)

قال رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: عالجيها بكتاب الله أراد: عالجيها بما يبيحه كتاب الله؛ لأن القوم كانوا يرقون في الجاهلية بأشياء فيها شرك، فزجرهم بهذه اللفظة عن الرقى إلا بما يبيحه كتاب الله دون ما يكون شركاً. اهـ (2).

وهو يقول هذا على فرض صحة الحديث وإلا فهو موقوف.

وقال البيهقى رحمه الله: باب الرخصة في الرقية ما لم يكن فيها شرك وأورد أحاديث منها حديث عوف بن مالك السالف ثم قال: وحديث عوف عام فى الرقى ما لم يكن فيه شرك، وكذلك روي عن أبي سفيان عن جابر في معناه، وقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل وفى ذلك دلالة على أن كل نهى ورد في الرقى أو عما في معناه، فإنما هو فيما لا يعرف من رقى أهل الشرك، فقد يكون شركاً. اهـ (3)

وقال أبو جعفر الطحاوى رحمه الله: في حديث جابر ما يدل على أن كل رقية يكون فيها منفعة فهي مباحة، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل، وقال: قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إباحة الرقى كلها، ما لم يكن فيها شرك، ثم أورد حديث عوف بن مالك وقال: دل ذلك على أن كل رقية لا شرك فيها فليست بمكروهة. اهـ (4)

(1) ضعيف مرفوعا صحيح موقوفا: أخرجه ابن حبان فى صحيحه من طريق أبى أحمد الزبيرى حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة عن عائشة ترفعه .. وأبو أحمد كثيرالخطأ في حديث سفيان كما قال الإمام أحمد وغيره. وقد ظهر خطؤه هنا، فروى الحديث جماعة عن يحيى بن سعيد فأوقفوه ولم يرفعوه منهم الإمام مالك في موطئه (1756) عن يحيى به. ولفظه: أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله. وقال الشيخ الألبانى رحمه الله فى السلسلة الصحيحة (1931) فى حديث ابن حبان: إسناده صحيح. قلت: بل المحفوظ أنه موقوف.

(2)

الإحسان (13/ 464)

(3)

الآداب ص (449).

(4)

شرح معاني الآثار (4/ 326).

ص: 82

ونقل ابن حجر الإجماع على جواز الرقى من الكتاب والسنة وبما يعرف معناه من اللغة العربية ونقل فى هذا شروطا هى أيضا تحتاج إلى شروط وقد أضاف إليها شروطا غير ما نقله الحافظ أحمد بن حجر قبله شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فى مجموع الفتاوى زاد شرطا وكذا تلميذه ابن قيم الجوزية فى زاد المعاد وفى إعلام الموقعين زاد شرطين فصارت ستة وهذا يجعلنى أشك فى صحة الإجماع المنقول لكن إن صح هذا الإجماع فأنا أول من يقول به وأضرب بقولى عرض الحائط. وتابع الحافظ على هذا السيوطى وغيره. وإن كانت الشرط التى ذكروها كافية لكن قل من يتنبه لها من المعالجين ولا يخفى أننا بين نوعين من المعالجين قد لا يكون لها ثالث: النوع الأول: المعالجون من أهل السنة وهم حتى القائلين منهم بجواز الرقى بغير ما ورد فى السنة لكنهم يقتصرون فى علاجهم على السنة وهذا معروف عنهم فلا نطيل بأمثلته. وأما النوع الثانى فهم الدجالون ومقلدوهم وغالبهم سحرة وفى العزائم التى يرددونها شرك وكفر بواح أو على الأقل ما لا يعرف معناه وهؤلاء كثرة ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا شك أنهم هم فقط المستفيدون من القول بأن الأصل فى الرقى التجربة ليلبسوا على الناس ولكى لا يتهموا بخروجهم عن الملة. أما أهل السنة فالسنة تكفيهم كما قلت وديننا قائم على التوحيد وفى سبيل الله تهون علينا نفوسنا فوالله ما نبغى من هذا إلا نصرة التوحيد وحماية جناب العقيدة فاعتبروا يا أولى الأبصار.

ص: 83