المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه: - الكافي شرح أصول البزدوي - جـ ١

[الحسام السغناقي]

الفصل: النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه:

النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟

(وهو مأخوذ من الجملة) أي من الجملة التي بمعنى الشمول والإبهام، يقال: أجمل أي أبهم.

[المتشابه]

(سمي متشابهًا) قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله: سمي متشابهًا عند بعضهم؛ لاشتباه الصيغة وتعارض المعاني فيها، وهذا غير صحيح، فالحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل التفسير، وليس فيها هذا المعنى، ولكن المتشابهة: ما يشبه لفظه ما يجوز أن

ص: 237

يوقف على المراد فيه. وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه، وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم، كما قال تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ}

وقول شمس الأئمة: "ما يشبه لفظه ما يجوز أن يوقف على المراد فيه وهو بخلاف ذلك" نظير ذلك قوله تعالى: {يَدِ اللَّهِ} فبالنظر إلى اليد يعلم أن المراد منها الجارحة، ثم هذا الموضع لا يحتمل ذلك، فكان على خلاف المراد الذي يعلم من ظاهر الكلام؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فتشابه موجب السمع وموجب العقل.

(بخلاف المجمل فإن طريق دركه متوهم)؛ لأن ذلك مرجو البيان لما أن عامة المجملات إنما وردت في العمليات كما في الربا وغيره، فكان البيان فيه مرجوًا.

(وطريق درك الشكل قائم) فإن المجتهد يدرك حكم المشكل الذي عنده باجتهاده.

(وأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم) هذا في حق الأمة، وأما

ص: 238

في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعلم معنى المتشابهة بإعلان الله تعال. كذا ذكره المصنف- رحمه الله في هذا الكتاب في باب تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام.

(فيقتضي اعتقاده الحقية قبل الإصابة) أي قبل يوم القيامة، وإنما قال هذا؛ لأن المتشابهات تنكشف يوم القيامة.

(وعندنا لاحظ للراسخين) أي وعندي وهو مذهب السلف، فإن المصنف- رحمه الله اختار مذهب السلف، فإنهم لم يشتغلوا بتأويل المتشابهة، بل قالوا: نؤمن بتنزيله، ولا نشتغل بتأويله، ونفوض أمره إلى الله، ونقول: ما أراد الله به فهو حق.

وأما مذهب الخلف فالاشتغال بالتأويل على وجه يوافق التوحيد، وإنما اشتغلوا بتأويله ردًا لتأويل الخصوم، فإن الخصوم استدلوا بالمتشابهات لإثبات مذاهبهم الباطلة، فوقع الخلف في تأويل المتشابهة لضرورة دفع تمسك الخصوم به، وإلا كان من حق المتشابه أن لا يتمسك به.

ألا ترى أن الله تعالى كيف ذم المتبعين للمتشابه بقوله: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}

ص: 239

(وأن الوقف على قوله: {إِلَاّ اللَّهُ} واجب) فكان قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ابتداء كلام، والوافي {وَالرَّاسِخُونَ} لحسن نظم الكلام لا للعطف الذي يوجب الشركة بما قبله.

والدليل على هذا ما ذكره الإمام الأندرابي- رحمه الله في "الإيضاح في علم القراءة" بقوله: والوقف فيه واجب، وهو قول أكثر أهل العلم. ثم

ص: 240

قال: ويقوي هذا المذهب أنه في حرف عبد الله رضي الله عنه: {إن تأويله إلا عند الله الراسخون في العلم} . وفي حرف أبي- رضي الله عنه:- {ويقول الراسخون في العلم أمنًا به} .

(وأهل الإيمان على طبقتين) جواب إشكال يرد على إنزال المتشابه بأن يقال: إنزال الكتاب إنما هو للتدبير والتذكر في آياته؛ لقواه تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} . ولن يكون ذلك إلا بعد الوقوف على معناه، ولو لم يوقف على معنى المتشابه أصلًا لم يبق لإنزال المتشابه فائدة.

فقال في جوابه: إن أهل الإيمان على طبقتين، فمنهم من هو موصوف بنوع من الجهل فابتلى بالإمعان في الطلب أي بالتباعد في طلب العلم والمبالغة فيه؛ لكي ينكشف له ما هو مستور عليه قبل مبالغته في طلب الكشف، ومنهم من هو موصوف بذكاء من الطبع، ومكرم بفهم دراك، فيدرك ما سمعه.

ص: 241

(فأنزل المتشابه تحقيقًا للابتلاء) في حقه فكان ابتلاؤه في التوقف عن الطلب.

(وهذا أعظم الوجهين بلوى) يعني أن الابتلاء في الوقف عن الطلب أعظم من ابتلاء في الطلب بالمبالغة في السير؛ لأن الابتلاء في الوقف أن يسلم ذلك إلى الله تعالى ويفوضه إليه، فكان هذا أقوى من الابتلاء بالطلب؛ لأن هذا ينشأ من العبودة، والابتلاء بالإمعان في السير ينشأ من العبادة، والعبودة أقوى من العبادة؛ لأن العبودة الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى له الرب من العبادات، فالأول أشق فكان أفضل؛ وهذا لأن العبودة أن لا يرى العبد متصرفًا في الحقيقة إلا الله، فيفوض أمره إليه في كل حال أفقره، أو أغناه، أبهجه، أو أشجاه أسمنه، أو أضناه ألبسه، أو أعراه، أمانه، أو أحياه. ضره، أو نفعه، جوعه، أو أشبعه. فإن المتصرف في الحقيقة هو الله تعالى، فإنه خالق كل شيء، فيجب على العبد التسليم في كل حال؛

ص: 242

ولأن العبادة قد تسقط، والعبودة لا تسقط في الدارين.

أو نقول: إن هذه الدار دار ابتلاء. قال الله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} والابتلاء من الله إظهار ما علم من المكلف، والبليات أنواع بعضها فوق بعض، وأهل الإيمان كذلك، قال النبي- عليه السلام:- "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" فلما كان المكرم بالعلم والاجتهاد أفضل ممن كان مبتلي بالجهل كان ابتلاؤه أعظم أيضًا.

أو نقول: إن في هذا الابتلاء ابتلاء للقلب خاصة، والقلب رئيس الأعضاء، فكان عمله أيضًا رئيس الأعمال؛ لأن تفاصيل الأعمال بحسب تفاضل العاملين.

والدليل على أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح أنه لو ترك عمل القلب فيما يجب الاعتقاد فيه يكفر، ولو ترك العمل فيما يجب فيه العمل بالجوارح لا يكفر، علم بهذا أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح.

أو نقول: في المتشابه نهي للمكلف عن الطلب، وحجر عنه بطريق

ص: 243

الابتلاء، وفي حق من يطالب بالإمعان في السير في حق الطلب أمر بالإمعان فيه بطريق الابتلاء، والابتلاء بالنهي أشد من الابتلاء بالأمر، فكان ثواب الانتهاء أكثر من ثواب الائتمار، فكان الانتهاء أولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله- عليه السلام:"لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين" وهذا لأن العامل بالانتهاء مقيم للفرض أبدًا؛ لأن الانتهاء فرض ممتد بخلاف المتمثل بأمر العبادات من الصلاة والزكاة، فإنه فيما وراء الفرائض مقيم للتطوع، وثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع، فكان الانتهاء أولى لذلك.

(وأعمها نفعصا وجدوى) أي من حيث الثواب؛ لأن الابتلاء بالمتشابه لما كان أشد بهذه الوجوه الأربعة من الابتلاء بغيره كان الثواب الحاصل به أكثر وأعم، ولأن حكم هذا الابتلاء الصبر، والصبر على البلاء أكثر ثوابًا من غيره، ولهذا وعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، وقال الله تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

قال الأستاذ الكبير العلامة مولانا شمس الدين الكر دري- رحمه الله في الحديث: "إن الله تعالى خلق في الجنة منازل في الهواء غير معلقة بشيء، لا يسكنها أحد لصلاته ولا لصيامه! قالوا: ومن يسكنها؟ قال: أهل البلاء. قالوا: وكيف يدخلونها؟ قال: وكما يطير الطير".

ص: 244

(وهذا يقابل المحكم) إذ المحكم لما بلغ غايته في البيان والإظهار كان ضده المتشابه بلغ غايته في الإشكال والإجمال، أو أن المحكم لما كان مأمون النسخ كان ضده المتشابه ميئوس الوقوف، فكل منها غاية فيما هو فيه.

(ومثاله إثبات رؤية الله تعالى) أي إثبات جواز رؤية الله تعالى في الاعتقاد بالدليل بالإبصار (عيانًا)، وقوله "عيانًا" مخصوص ذا الكتاب في بعض النسخ.

(وأن يكون مرئيًا لنفسه ولغيره من صفات الكمال)؛ لأن الذي لا

ص: 245

يُرِي نفسه في الشاهد إما لنقصان فيه أو لعجز به، فإن من يستتر عن أعين الناس إنما يتستر لحقارته ودناءته وكونه مئوفًا بالعيوب؛ لئلا يقصدوه بقتل أو غيره.

وهو لا يقدر على مقاومتهم ومدافعتهم، والله تعالى موصوف بصفات الكمال بحيث لا يقدر أحد أن يبلغ كنه صفة من صفاته، لما أن صفات العبد متناهية، وصفات الله -تعالى- غير متناعية، وهو أجمل من كل جميل منزه عن كونه مئوفًا، وهو أيضًا قاهر كل شيء، وغال عليه؛ إذ له القدرة الشاملة على جميع المقدرات، وليس له خوف من أحد، وفي الشاهد من كان موصوفًا بصفات الكمال ولا يخاف من الرائين فإنه لا يستتر، بل يتجلى بالبروز والظهور، وجل ربنا عن النقصان إذ له الكماليات أجمع، عز العجز؛ لأنه الموصوف بالقدرة الأزلية.

(لكن إثبات الجهة ممتنع)؛ لأنه لا جهة له؛ لأنه يوجب كونه محددًا

ص: 246

مقطرًا متناهيًا، وهو آية الحدث، وإذا ثبت أن الله تعالى قديم لا يكون محدودًا متناهيًا، فلا يكون هو في جهة، فكانت الجهة ممتنعة، والرؤية في الشاهد تستدعي الجهة؛ لأنه ما من مرئي في الشاهد إلا هو في الجهة إما بذاته كالجوهر أو بمحله كالعرض، فبالنظر إلى أصل الرؤية وكونه ثابتًا بالنص. قلنا بوجوب أصل الرؤية، وبالنظر إلى استدعاء الرؤية الجهة في الشاهد كانت الرؤية ممتنعة، فكان القول بجواز الرؤية متشابهًا من حيث الوصف وثابتًا، بل

ص: 247

واجبًا من حيث الأصل، ولا يصح إبطال الأصل لتشابه في الوصف؛ لأن الوصف تبع فلا يصح إبطال الأصل لبطلان التبع، والقاطع للشغب ها هنا هو أن نقول: إن الأصل إذا ثبت بالدليل في الغائب لا يصح إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف لا يعقل وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، وإن كنا لم نشاهد ذلك الأصل في الشاهد بدون تلك الأوصاف.

ألا ترى أنا لم نشاهد موجودًا ما إلا أن ذلك الموجود كان جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، ثم أجمعنا واتفقنا مع الخصوم في أن الله تعالى موجود وليس هو موصوف بواحدة من صفة الجوهرية والجسمية والعرضية، ولم يدل عدم هذه الصفات في حقه على ذاته مع أنا قطعنا على استحالة وجود شيء في الشاهد وهو غير موصوف بواحدة من هذه الصفات، فعلمنا أن أصل وجود الشيء إذا ثبت بالدليل في الغائب ثم امتنعت صفة وجود ذلك في حقه في الشاهد أن ذلك لا يدل على امتناع أصله في الغائب، فكذا فيما نحن فيه لما ثبت أصل جواز رؤية الله تعالى في دار الآخر بالدليل القطعي لا ينتفي ذلك الأصل بسبب أوصاف يستحيل وجود تلك الأوصاف في حق ذلك الأصل.

أو نقول: إن الرؤية تزيد الكشف في المعلوم، والله تعالى موصوف بكونه ظاهرًا، وثبت ظهوره لنا بالدلائل العقلية والسمعية، وثبت أيضًا بالآيات التي هي خارجة عن قوى البشر، كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية وغير ذلك، ولا شك في أنه بظهور هذه الآيات يزداد العلم بالله تعالى،

ص: 248

والرؤية من أسباب العلم أيضًا، فجاز أن تثبت لزيادة الكشف في المعلوم.

والمؤمن أهل لذلك؛ وإنما ذكر هذا؛ لأنه رب شيء يكون ممكنا في نفسه لكنه غير واقع لعدم الأهل، والمؤمن أهل لاستحقاق الكرامات التي سوى هذه الكرامة من المحبة، والولاية، والإيحاء إليه، والكلام معه، فتستدل بهذا على أن المؤمن أهل لذلك.

(فصار متشابهًا بوصفة فوجب تسليم علم المتشابهة) إلى الله تعالى، يعني أن كونه مرئيًا ثبت بالدليل، ولكن ذلك يقتضي الجهة؛ لأن الرؤية في الشاهد تقتضي كون المرئي في جهة من الرائي، والشاهد دليل الغائب، والله تعالى لا جهة له، فكان متشابهًا فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتًا بالنص، فيجب تسليم علمه إلى الله تعالى، ولا يشتغل بأن كون المرئي في جهة الشاهد من القرائن اللازمة أم من الأوصاف الاتفاقية؟ بل يجب التسليم، وهذا طريق بعض المحققين في المتشابه.

وأما المتبحرون من علماء أهل السنة والجماعة فيقولون: كون المرئي ذا جهة في الشاهد من القرائن اللازمة، بل إنما كانت في الشاهد في جهة؛ لأنه ذو جهة فيرى كذلك.

وأما الله تعالى فليس بذي جهة فيرى كذلك؛ لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو.

ص: 249

والدليل على هذا: أن الله تعالى يرانا ولسنا بجهة منه، فعلم أن كون المرئي في جهة ليس من القرائن اللازمة للرؤية، بل من الأوصاف الاتفاقية، ككون الباني في الشاهد محدثًا ولحمًا ودمًا وذا صورة، ولا نقول في الغائب كذلك لكون هذه الصفات للباني في الشاهد من الأوصاف الاتفاقية بالإجماع، فكذلك فيما نحن فيه.

(وكذلك إثبات الوجه واليد حق عندنا معلوم بأصله)؛ لأن الله تعالى نص في القرآن به في حقه، وكيفية ذلك من المتشابه؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فلا نبطل الأصل المعلوم بسبب ذلك التشابه.

فإن قيل: لما ثبت أصل ذكر الوجه واليد في حق الله تعالى: هل يصح إطلاق معنى الوجه واليد في حق الله تعالى بغير العربية بأن يقال: دست خداي، وروي خداي، أم لا؟

قلنا: قد ذكر الإمام الأجل المتقن مولانا جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في كتاب العتاق من كتاب "الفروق في بيان الفرق" بين قوله: يا أزاد. وبين قوله: يا حر أن الفارسية إذا عربت تكون أصلح وأوفق، أما العربية إذا فرست فسدت.

ألا ترى أنه يقال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ولا يقال: دست خداي زير

ص: 250

همه دستهاست. ولو قال به كفر.

(ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف)؛ لما فيه من إبطال الأصل بسبب الوصف، وذلك لا يجوز؛ لما ذكرنا أن الأصل إذا ثبت في حق الله تعالى بالدليل القطعي لم يجز إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف ذلك الأصل الذي لا يعقل في الشاهد وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، فلا يصح أن يقال: وتلك الأوصاف لا يصح ثبوتها في حق الله تعالى فيجب ألا يصح الأصل الثابت بالدليل القطعي أيضًا، كما لا يصح أن يقال: إن موجودًا ما لا يتصور ثبوته في الشاهد بدون أن جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، وهذه لا تتحقق في حق الله تعالى فلا يصح وجود الله تعالى لما فيه من إبطال الأصل بسبب أن وصف ذلك الأصل لا يتحقق في حقه وهو لا يجوز فكذا هنا. وكذلك أيضًا في الشاهد لا يجوز إبطال الأصل بسبب الجهل بوصفه كمن كان على شط نهر كبير لا يتصور في ذهنه العبور من هذا النهر، ثم رأي شخصًا فيما وراء النهر من الشط ثم رآه في هذا الجانب الذي فيه، فلا يشك في ثبوت عبوره وتحققه وإن جهل هو طريق العبور، لما أنه ثبت له كونه

ص: 251

في هذا الجانب بالدليل القطعي، وهو رؤيته ذلك في هذا الجانب، فكذلك ها هنا لما ثبت صفة الكمال لله تعالى بالدلائل القطعية لم يجز إبطالها بسبب الجهل بطريق الثبوت، وفي هذا حكاية، وهي أن جهنم بن صفوان الترمذي كان يدعو الناس إلى مذهبه الباطل، وهو أن الله تعالى عالم لا علم له، قادر لا قدرة له، وكذا في سائر الصفات. وكان جلس يومًا يدعو الناس إلى هذا المذهب، وحوله أقوام كثيرة إذ جاء أعرابي، ووقف حتى سمع مقالته، فأرشده الله تعالى إلى علم بطلان هذا المذهب، فأنشأ يقول:

ألا إن جهمًا كافر بان كفره

ومن قال يومًا قول جهم فقد كفر

لقد جن جهنم إذ يسمى إلهه

سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر

عليمًا بلا علم، رضيًا بلا رضا

لطيفًا بلا لطف، خبيرًا بلا خبر

أيرضيك أن لو قال يا جهم

قائل: أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر

مليح بلا ملح بهي بلا بها

طويل بلا طول يخالفه القصر

حليم بلا حلم، وفي بلا وفا

فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر

جواد بلا جود، قوي بلا قوى

كبير بلا كبر، صغير بلا صغر

أمدحًا تراه أم هجاء وسبة

وهزءًا كفاك الله يا حمق البشر

فإنك شيطان بعثت لأمة

تصيرهم عما قريب إلى سقر

ص: 252

فألهمه الله تعالى حقيه مذهب أهل السنة والجماعة، وأراه بطلان مذهبه، فرجع كثير من الناس ببركة أبياته، وكان عبد الله بن المبارك- رحمه الله يقول: إن الله- تعالى- بعث الأعرابي رحمة لأولئك، فيجب على كل أحد أن يعلم معنى هذه الأبيات لأولاده وعبيده، ذكرت هذه الجملة في "أصول الدين" لأبي عصمة- رحمة الله-

(فصاروا معطلة) أي صاروا غير قائلين بالصفة لله- تعالى- فإن العطل- بفتحتين- يستعمل في الخلو من الحلي في الأصل ذكره في الصحاح، واستعير ها هنا لعدم الصفة، ألا ترى أن الصفة تسمى حلية.

ص: 253