الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خادمة، وإليه ساعية، من غير تجارة ولا سعي ولا تعرض لداعية. أخلاقه مرضية، وهمته علية، وعيشته هنية، مات ولم يقف على باب طالب لدين، ولا مطالب بعين، مع ما يسره الله تعالى من الرفاهية والنعمة، وهو مع ذلك مكب على العلم مشتغل بالعبادة صياماً، وقياماً، وذكراً، وتلاوةً وكان مواظباً على الأوراد ملازماً للطهارة، مختلياً عن الناس، مقبلاً على الله تعالى، وإذا بلغه منكر بعث إلى الحكام في إزالته، وأنكره بقدر طاقته، يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يحابي، ولا يداهن في فتاويه، ولا في غيرها، وبالجملة فكان عين ذلك الوقت وإنسان ذلك الزمان:
حلف الزمان ليأتين بمثله
…
حنثت يمينك يا زمان فكفر
تمرض أياماً، وكان ابتداء مرضه في ثاني شوال سنة أربع وثمانين وتسعمائة، واستمر مريضاً إلى يوم الأربعاء سادس عشري شوال المذكور، فتوفي إلى رحمة الله تعالى عقب آذان العصر، وهو يسمع الآذان جالساً، وصلى عليه الجمع الغفير من الغد يوم الخميس بعد صلاة الظهر في الجامع الأموي، وتقدم للصلاة عليه شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين العيثاوي، مفتي السادة الشافعية، بدمشق فسح الله تعالى في مدته، ودفن بتربة الشيخ أرسلان خارج باب توما من أبواب دمشق، وكانت جنازته حافلة جداً بحيث اتفق الشيوخ الطاعنون في السن، وغيرهم أنهم لم يشهدوا بدمشق مثلها إلا جنازة الأخ الشيخ شهاب الدين، فإنها تقرب منها مع القطع بأن جنازة أبيه أعظم بحيث أن المقبرة امتلأت من الناس، والطريق من الجامع إليها مع طوله، والجنازة لم تخرج بعد من الجامع، وقد خيمت بالجنازة وأظلتها طائفة من الطير خضر كان الناس يقولون إنها الملائكة، ولما وصلت الجنازة على الرؤوس إلى المقبرة أظلتهم سحابة لطيفة، وأمطرتهم مطراً مباركاً أرسله الله تعالى، وكان ذلك سبباً لزيادة عويل الناس، وضجيجهم، وتزاحم الأكابر على حمل الجنازة، ورثاه الشيخ العلامة شمس الدين الصالحي بقصيدة جليلة ذكرتها في الكتاب الذي أفردته لترجمته، وقال ماماي الشاعر مؤرخاً لوفاته:
أبكى الجوامع والمساجد فقد من
…
قد كان معارف التمكين
وكذا المدارس أظلمت لما أتى
…
تاريخه بخفاء بدر الدين
محمد بن الحصكفي
محمد بن محمد بن محمد بن علي الشيخ الإمام
العلامة ابن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن أبي اللطف الحصكفي، الأصل المقدسي، الشافعي عالم بلاد القدس الشريف، وابن عالمها، وأحد الخطباء بالمسجد الأقصى، كان - رحمه الله تعالى - كأبيه، وجده علامة فهامة، جليل القدر، رفيع المحل، شامل البر للخاصة، والعامة، كثير السخاء، وافر الحرمة، ديناً صالحاً ماهراً في الفقه، وغيره تفقه على والده ورحل إلى مصر وأخذ عن علمائها كشيخ الإسلام زكريا، والشيخ الإمام نور الدين المحلي، ودخل دمشق بعد موت عمه الشيخ أبي الفضل المتقدم ذكره في الطبقة الثانية. في سنة سبع أربع وثلاثين لاستيفاء ميراثه، وذكر ابن طولون في تاريخه أنه خطب بالجامع الأموي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وشكر على خطبته توفي رحمه الله تعالى في بيت المقدس في شهر رجب الحرام سنة إحدى وسبعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة في الجامع الأموي، وغيره من جوامع دمشق يوم الجمعة رابع شعبان من السنة المذكورة وتأسف الناس عليه، وهو والد الأئمة العلماء المشايخ أبي بكر، وعمر المترجمين في هذه الطبقة.
207 -
ا - محمد بن محمد بن أبي اللطف: محمد بن محمد بن محمد، ابن الشيخ الإمام العلامة، الفاضل البارع الفهامة، شمس الدين ابن أبي اللطف المتقدم والده قبله. مولده في سنة أربعين أو إحدى وأربعين وتسعمائة، وبرع وهو شاب، وفضل، وتقدم على من هو أسن منه حتى على أخويه، وصار مفتي القدس الشريف على مذهب الإمام الشافعي، وكان له يد طولى في العربية، والمعقولات، وله شعر منه قوله مقيداً لأسماء النوم بالنهار، وما في كل نوع منها:
النوم بعد صلاة الصبح غيلوله
…
فقر وعند الضحى فالنوم فيلوله
وهو الفتور وقيل: الميل قيل له:
…
إذ زاد في العقل أي بالقاف قيلوله
والنوم بعد زوال بين فاعله
…
وبين فرض صلاة كان حيلوله
وبعد عصر هلاكاً مورثاً وكذا
…
كقلة العقل بالإهمال عيلوله
وحكي أنه اجتمع في الخليل عليه الصلاة والسلام المشايخ الثلاثة الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ أبو مسلم محمد الصمادي، والأستاذ العارف بالله تعالى سيدي محمد البكري، وصاحب الترجمة العلامة محمد بن أبي اللطف، فعمل الصمادي، وقتاً فقام الشيخ محمد بن