الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن لم يرجّوا منك خيراً رأيتهم
…
جفاء وإعراضاً يولّونك الظَّهْرا
وينثون عنك المزريات وإن رأوا
…
جميلاً أعاروه الغشاوة والوَقْرا
فلا تُصْغ سمعاً للذي ذم منهم
…
ولا الذي أبدى الجميل وإن أطرى
فإن بني الدنيا عبيدُ هَواهُم
…
على مركز الأهواء دَورتهم طُرّا
وإنَّ هواهم حيث ترتقب الغنى
…
وليس هواهم حيث ترتقب الفقرا
إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيله
…
وإن لم ينالوا من سحائبه قطرا
وإنْ بصروا بالمملق اهتزءوا به
…
ومدوا إليه طرفهم نظراً شزرا
وقالوا بغيض إن نأي ومتى دنا
…
يقولوا ثقيل مبرم أدبر الفقْيرا
فإن غاب لم يفقد، وإن علَّ لم يُعَدْ
…
وإن مات لم يشهد وإن ضاف لم يقرا
وفي اللهِ للمَرْءِ اللبيب كفاية
…
عن الناس والمحروم من حرم الأجرا
لله الأمر من قبل ومن بعد
ذم المعاصرين ومدح المتقدمين
واعلم أن هذا الطبع مركوز في طينة الآدمي منذ كان غير مخصوص بأهل زمان، وإن كانت بعض الأزمنة يخصها الله بغير ما يكون في غيرها من خير أو شر " لعارض " غير أن الناس لما دهتهم هذه الداهية من تأذي بعضهم ببعض وعدم الظفر بالغرض من الغير جعل كل يستنقص أهل وقته لمشاهدة وعدم الجدوى فيهم ويمدح من مضى، أما من لم يدركه فلتوهمه أنه على خلاف من رأى وأما من أدركه فلانقطاع شره ووقوع الاستراحة منه مع بقاء بعض الجدوى في الوهم ونزوع النفس إلى الإلف المألوف فلا تسمع إلاّ فسد الزمان وذهب الناس، فمن ذلك قول بشار:
فسد الزمان وساد فيه المقرف
…
وجرى مع الطرف الحمار الموكف
وقول الآخر:
ألا ذهب التكرّم والوفاء
…
وباد رجاله وبقى الغُثاء
وأسلمني الزمان إلى أناس
…
كأمثال الذئاب لهم عُواء
صديق كلما استغنيت عنهم
…
وأعداء إذا نزل البلاء
أقول ولا ألام على مقالي
…
على الإخوان كلهم العفاء
وقول الآخر:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً
…
هشوا وقالوا مرحباً بالمقبل
وبقيت في خلْفٍ كأن حديثهم
…
ولغ الكلاب تهارشت في منهل
وقول الآخر:
ذهب الذين أحبهم
…
وبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قو
…
مٍ فيهم كلب يسبه
وقال منصور الفقيه:
يا زماناً ألبس الأح
…
رار ذلاً ومهانهْ
لست عندي بزمان
…
إنما أنت زمانَه
وقول الآخر:
مضى دهر السماح فلا سماح
…
ولا يرجى لدى أحد فلاح
رأيت الناس قد مسخوا كلاباً
…
فليس لديهم إلاّ النباح
وأضحى الظرف عندهم قبيحاً
…
ولا والله إنهم القباح
سلام أهل ابليد عليكم
…
فإن البين أوشكه الرواح
نروح فنستريح اليوم منكم
…
ومن أمثالكم قد يستراح
إذا ما الحر هان بأرض قوم
…
فليس عليه في هرب جناح
وقول الآخر:
مضى الجود والإحسان واجتث أهله
…
وأحمد نيران الندى والمكارم
وصرت إلى ضرب من الناس آخر
…
يرون العلى والمجد جمع الدراهم
كأنهم كانوا جميعاً تعاقدوا
…
على اللؤم والإمسَاك في صلب آدم
" وللإمام الشافعي رضي الله عنه:
صديق ليس ينفع يوم باس
…
قريب من عدو في القياس
وما يبقى الصديق بكل عصر
…
ولا الإخوان إلاّ للتآسي
عمرت الدنيا متلمساً بجهدي
…
أخا ثقة فأكداني التماسي
تنكرت البلاد عليَّ حتى
…
كأن أناسها ليسوا بناس
وقال غيره:
هذا زمان تجاهل وتسامح
…
وتغافل عن أهله فسد الورى
فإذا سمعت فكن كأنك ما سمع
…
ت وإن رأيت فكن كأنك ما ترى
واجهد بنفسك في التخلص منهم
…
فعساك تنجو إن نجوت وما أرى
أو لا فكن في قعر بيتك لا ترى
…
إن كنت ترغب في النجاة وبالحرى
وقال أيضاً:
عم الفساد جميع الناس ويحهم
…
يا ليتَ شعريَ ماذا بعد ينتظر
إن وعدُوا أخلفوا أو حدثوا كذبوا
…
أو عهدوا غدروا أو خاصموا فجروا
أو ائتمنتهم خانوا فكن رجلاً
…
منهم على حذر قد ينفع الحذر
وقال غيره:
ما في زمانك هذا من تصاحبه
…
ولا صديق إذ حان الزمان وفى
فعش فريداً ولا تركن إلى أحد
…
فقد نصحتك نصحاً بالغاً وكفى
وقال الأرجاني:
تطلعت في يومَيْ رخاء وشدة
…
وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أرَ فيما ساءني غير شامت
…
ولم أرَ فيما سرني غير حاسد
وقال غيره:
خبرت بني الأيام طراً فلم أجد
…
صديقاً صَدُوقاً مسعداً في النوائب
وأصفيتهم منّي الودادَ فقابلوا
…
صفاء ودادي بالقَذى والشوائب
وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته
…
وأحمدته في فعله والعواقب
وقال آخر:
نحن والله في زمان غشوم
…
لو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حال
…
حقّ من مات منهم أن يهنّا "
وقول الآخر:
أنعى إليك خلال الخير قاطبة
…
لم يبقَ منهنّ إلاّ دارس العلم
أنعى إليك مواساة الصديق وما
…
قد كان يرعى من الأخلاق والذمم
أين الوفاء الذي قد كان يعرفه
…
قوم لقوم وأين الحفظ للحُرم
أين الجميل الذي قد كان يلبسه
…
أهل الوفاء وأهل الفضل والكرم
أيسر وأنت صديق الناس كلهم
…
ثمَّ ابلُ سرّهم في حالة العدم
فإن وجدت صديقاً عند نائبة
…
فلست من طرقات الحزم في أمم
لما أناخ عليَّ الدهر كلكله
…
وخانني كل ذي ود وذي رحم
ناديت ما فعل الأحرار كلهم
…
أهل الندى والهدى والبعد في الهمم
قالوا حدا بهم ريب الزمان فسل
…
أجداثهم عنهم تخبرك عن رمم
وقول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
…
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وتمثلت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ثم قالت: وكيف لو أدرك لبيد زماننا؟ فقال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا؟ ولما بلغ ابن عباس قول عائشة هذا قال: رحم الله لبيداً ورحم الله عائشة، لقد أصيب باليمن سهم في خزائن عاد كأطول ما يكون من رماحكم هذه مفَوَّق مَرِيش مكتوب عليه:" هذا ":
ألا هل إلى أبيات منقطع اللوى
…
لوى الرمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنا وكنا منَ أهلها
…
إذِ الناس ناس والبلاد بلاد
أي فهذا العاديّ " في زمانه " يستنقص زمانه ويشير إلى أن الناس الأفاضل قد مضوا وأن الأرض تغيرت فكيف حال زمان لبيد ومن بعده كزمان عائشة.
وقد تحصل من هذا ما قررنا في صدر الكلام " من " أن الدنيا لم تزل هكذا، والناس هم الناس مند خلقوا. " ولقد أحسن القائل:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً
…
ويرى للأوائل التقديما
إن هذا القديم كان جديداً
…
وسيبقى هذا الجديد قديماً "
فالأكمل للإنسان التسليم بل الرضى بوقته فإنه بذلك يفوز بالأدب مع الله تعالى الحكيم العليم الذي هو رب الأولين والآخرين ويفوز بشكره وحمده وبراحة قلبه والسلامة من التشوف والتطلع وسلامة الصدر لأهل زمانه والقيام بحقوقهم واعتقاد الخير في أهله والانتفاع بهم ورؤية المحاسن الوقتية والتغافل عن المساوي وغير ذلك.
ولقد منح الله تعالى الصحابة الزمان الفاضل، فكانوا يذكرون ما مضى لهم في الأزمنة السالفة من صنوف الشر من عبادة الأوثان وارتكاب القبائح والجهد الجهيد فيحمدون الله تعالى ويشكرونه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ما منحه الله تعالى من الخير في زمانه ديناً ودنيا وإلى ما أنجاه الله تعالى " منه " من الشرور الحالية والماضية فيحمد الله على ذلك.
وقد جرت على لساني في هذا المعنى أبيات فقلت " مناقضاً لما تقدم من الأشعار ":
نحمد الله وقتُنا وقتُ خير
…
بذَّ ما قبله من الأوقات
غير وقت النبي صلى عليه ال
…
له والصحب والتُّلاة الهداة
ديننا سالم من البدع العُم
…
ي وعشنا بطيّب الأقوات
لم تكن كالشرَاة نغشى المعاصي
…
لتفوز بالخلد في الغُرُفات
ضيعوا الدين بالمروق ودنيا
…
هم بوقع الظبّات في السبدات
لا ولا كالجبري والقدري النج
…
س ولا سائر الجفاة الغواة
والذي قد نلقى من المُرّ في الدن
…
يا عسى أن نرقى به درجات
وبنو الدهر هم بنو الدهر قِدْماً
…
هم نبات ينمو بإثر
والطباع الطباع لست ترى في
…
ها نُبُوّاً ولا اختلاف
ومن اختصه الإله بخير
…
فهو فيه من دارج أو آت
نعم لا بأس بذكر الماضي من صلحاء الإخوان، والحنين إلى الأوطان، وإن ذلك يعد من حسن العهد، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم دخلت عليه امرأة فأكرمها وقال:" إنَهَا كَانَتْ تَأتينَا أيّامَ خَدِيجَة، وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ مِنَ الإيمَانِ ".
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما غِرْت على امرأة ما غِرت على خديجة، وذلك من كثرة ما كان يذكرها صلى الله عليه وسلم.
وقيل لبعض الحكماء: بمَ تعرف وفاء الرجل وذمام عهده دون تجربة واختبار؟ فقال بحنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
وعن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل وذِمام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه وكان سيدنا بلال رضي الله عنه ينشد:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة
…
بوادٍ وحولي إذْخِر وجليل
وهل أردنْ يوماً مياه مَجَنّةٍ
…
وهل يبدون لي شامة وطَفيل
وقد تقدم شيء من هذا قبل.
وقال أبو العباس بن العريف رضي الله عنه:
ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم
…
لحظي وسمعي ونطقي إذ هم أنسي
حلوا الفؤاد فما أندى ولو قطنوا
…
صخراً لجاد بماء منه منبجس
وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم
…
فكيف قروا على أذكى من القبس
لأنهضنّ إلى حشري بحبهم
…
لا بارك الله فيمن خانهم فنسي
" وقال غيره:
جسمي معي غير أن الروح عندكم
…
فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدناً
…
لا روح فيه ولي روح بلا بدن
وقال آخر:
راحوا فباتت راحتي من راحتي
…
صفر وأضحى حبهم لي راحا
فتحوا على قلبي الهموم وأغلقوا
…
باب السرور وضيعوا المفتاحا
وقال غيره:
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه
…
هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية
…
ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
وقال غيره:
ليكفكم ما فيكم من جوى ألقى
…
فمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقا
وحرمة ودي لا سئمت هواكم
…
ولا رمت لي منه فكاكاً ولا عتقا
سأزجر قلباً رام في الحب سلوة
…
وأهجره إن لم يمت فيكم عشقا
وقال غيره:
ما ناح في أعلى الغصون الهزار
…
إلاّ تشوقت لتلك الديار
ولا سرى من نحوكم بارق
…
إلاّ وأجريت الدموع الغزار
وا أسفي أين زمان الحمى؟
…
وأين هاتيك الليالي القصار؟
واحر قلبي فمتى نلتقي
…
وتنطفي من داخل القلب نار
وأنظر الأحباب قد واصلوا
…
ويأخذ الوصل من الهجر ثار
أقول للنفس ابشري باللقا
…
قد واصل الحب وقر القرار "
وذكر في التشوف عن أبي شعيب السارية رضي الله عنه قال: كان إذا وقف على قبر شيخه أبي علي المسطاسي يقول: أي رجل دفن هاهنا! ما رأيت مثله وأنشد:
أسفاً لأيام وإخوان مضوا
…
ومنازل فارقتها مغلوبا
قلبت قلبي جمرة من بعدهم
…
ولبست عيشي بعدهم مقلوبا
طالبت بعدهم الزمان بمثلهم
…
فأجابني هيهات لا مطلوباً
وحكي أيضاً عن أبي عمران الهسكوري الأسود أنه كان لا ترقأ له دمعة، فربما سئل عن كثرة بكائه فيقول: إنما أبكي على فقد من أدركته من الإخوان في الله عز وجل.
ويحكى أيضاً عن أبي جعفر الأسود صاحب تاغزوت أنه كان يقول: أدركت ببلاد تادلا ثلاثمائة وسبعين رجلاً صالحاً كلهم يزارون، وأنشد:
فآهاً من الربع الذي غير البلى
…
وواهاً من القوم الذين تفرقوا
أصون تراب الأرض كانوا حلولها
…
وأحذر من مري عليها وأفرق
ولم يبق عندي للهوى غير أنني
…
إذا الركب مروا بي على الدار أشهق