الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واضح في المعنى، فأجابه بأن "غير" منصوبة بأعبد، وتأمروني غير عامل فيها، كقولك: هو يقول: ذاك بلغني، فبلغني لغو، وكذلك تأمروني، وكأنه قال: فيما تأمروني1. وسأله سيبويه عن قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا
…
أو تنزلون فإنا معشر نزل
لماذا رفع "أو تنزلون" وهي معطوفة على فعل مجزوم، فقال: كأنه توهم أنه قال في أول البيت: أتركبون فرفع، بالضبط كما جاء عند زهير من قوله:
بدا لي أني لست مدركَ ما مضى
…
ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا
فقد عطف "سابق" بالجر على مدرك المنصوبة، كأنه توهم أن "مدرك" مجرورة؛ لأنه يكثر أن يأتي خبر ليس مجرورا بباء زائدة2. وحمل على هذا الباب وقوع الفعل المجزوم في الآية الكريمة:{لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} فإن معنى لولا أخرتني فأصدق، وإن أخرتني أصدق، واحد3؛ ولذلك عطف الفعل بالجزم وكأنما سبقته أداة جازمة.
1 الكتاب 1/ 452.
2 الكتاب 1/ 429.
3 الكتاب 1/ 452.
4-
السماع والتعليل والقياس:
اعتمد الخليل في تأصيله لقواعد النحو وإقامة بنيانه على السماع والتعليل والقياس، والسماع عنده إنما يعني نبعين كبيرين؛ نبع النقل عن القراء للذكر الحكيم وكان هو نفسه من قرائه وحَمَلته، ونبع الأخذ عن أفواه العرب الخلص الذين يوثق بفصاحتهم، ومن أجل ذلك رحل إلى مواطنهم في الجزيرة يحدثهم ويشافههم ويأخذ عنهم الشعر واللغة، ويروى أن الكسائي سأله وقد بهره كثرة ما يحفظ: من أين أخذت علمك هذا؟ فأجابه: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة1.
1 إنباه الرواة 2/ 258.
وهذان النبعان وحدهما هما اللذان يدوران على لسانه فيما نقله عنه تلميذه سيبويه، ويظهر أنه هو الذي ثبّت فكرة عدم الاستشهاد بالحديث النبوي؛ لأن كثيرين من حملته كانوا من الأعاجم، وهم لا يوثق بهم في الفصاحة، واللحن يدخل على ألسنتهم. ونستطيع أن نعرف مدى المادة اللغوية والشعرية التي كان يحملها في صدره برجوعنا إلى كتاب سيبويه، فإن أكثر النقول فيه ترد إليه، ولا نجد سيبويه يُسَجِّل له قاعدة نحوية أو حكما نحويا إلا ويروي معهما سيلا من عبارات العرب وأشعارهم ينقله عن لسانه، وكأننا بإزاء منجم ضخم لا يزال يسيل بكلام العرب وأمثالهم وأبياتهم الشعرية. وكل بيت ومَثَل وكلمة إنما يراد به أن يكون دليلا على ما يستنبطه من أصول النحو وقواعده، فكل حكم نحوي وكل أصل لا يلقى إلقاء، وإنما يلقى ومعه برهانه من كلام العرب الموثوق به وأشعارهم. فالشواهد عند الخليل هي مدار القاعدة النحوية، وهي إنما تستنبط من الأمثلة الكثيرة، إذ لا بد لها من الاطراد على ألسنة العرب، فإن جاء ما يخالف القاعدة المستنبطة المحكمة كان شاذا، ولا بأس بأن يبحث له الخليل عن تأويل على نحو ما مر بنا آنفا.
وليست المسألة عنده مسألة سماع وشواهد فحسب، فقد جعله استقراؤه للغة العرب تستقر في نفسه سليقتهم استقرارا مكنه من ضبط القواعد النحوية والصرفية ضبطا يبهر كل من يقرأ مراجعات سيبويه له، ويكفي أن نضرب لذلك مثلين، أما الأول فملاحظته أن إن الشرطية إذا وليها مضارع مجزوم لم يحسن دخول لام اليمين في الجواب، فلا يقال: إن تأتني لأكرمنك؛ لأن اللام تعوق إنْ عن العمل وقد ظهر عملها في فعل الشرط. أما إذا كان فعل الشرط التالي لها ماضيا، فإن عملها لا يكون حينئذ ظاهرا فيه؛ ولذلك يجوز دخول لام اليمين على جوابها، فيقال: إن أتيتني لأكرمنك. ويعلق الخليل على ذلك بشواهد من القرآن الكريم والشعر، من مثل الآية:{وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بخلاف قوله جل وعز: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ؛ لأن إن عملت في فعل الشرط فوجب عملها في الجواب، ويستدل أيضا بقول زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة
…
يقول لا غائب مالي ولا حرم
فقد توقف عملها في الجواب؛ لأن فعل الشرط ماضٍ1. والمثل الثاني منع العلم من الصرف إذا كان على وزن فعلان مثلثة الفاء والنون فيه زائدة مثل: عثمان وغطفان، يقول سيبويه: "وسألته عن رجل يسمى دِهْقان فقال: إن سميته من التدهقن فهو مصروف
…
وإن جعلته من الدَّهْق لم تصرفه
…
وسألته عن رجل يسمى مُرَّانا فقال: أصرفه؛ لأن المران إنما سمي للينه فهو فُعَّال كما يسمى الحماض لحموضته وإنما المرانة اللين. وسألته عن رجل يسمى فَيْنانا فقال: مصروف لأنه فيعال، وإنما يريد أن يقول: لشعره فنون كأفنان الشجر. وسألته عن ديوان فقال بمنزلة قيراط؛ لأنه من دَوَّنت. وسألته عن رمان فقال: لا أصرفه وأحمله على الأكثر، إذ لم يكن له معنى يعرف. وسألته عن سعدان والمرجان فقال: لا أشك في أن هذه النون زائدة؛ لأنه ليس في الكلام مثل فعلال إلا مضعفا"2.وواضح أنه يعتمد في أحكامه على محفوظاته في اللغة، وهي محفوظات كانت تعينه على معرفته الدقيقة بأصول الألفاظ واشتقاقاتها واستقرائه لمثيلاتها، وكأن اللغة أسلمت له قيادها كي يحكم آراءه ويضبط ما يشاء من قواعد الصرف والنحو جميعا.
وكان يسند دائما ما يستنبطه من القواعد والأحكام بالعلل التي تصور دقته في فقه الأسرار اللغوية والتركيبية التي استقرت في دخائل العرب من قديم، وفي ذلك يقول الزبيدي: إنه "استنبط من علل النحو ما لم يستنبطه أحد وما لم يسبقه إلى مثله سابق" ولفت كثرة ما يورده في النحو من علل بعض معاصريه، فسأله: أعن العرب أخذت هذه العلل أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: "إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له "أخرى" فمثلي في ذلك مثل رجل
1 الكتاب 1/ 436.
2 الكتاب 2/ 11.
حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظام والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا؛ لعلة كذا وكذا
…
وجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته للمعلول، فليأت بها"1.
ونحن نسوق طائفة من تعليلاته التي تأخذ شكل سيول متلاحقة في كتاب سيبويه والكتب النحوية المختلفة، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن الإعراب أصل في الأسماء، وأن البناء أصل في الأفعال والحروف، وأن الطرفين لا يخرجان عن هذا الأصل إلا لعلة، أما الأسماء فإنها تبنى حين تعترضها علة شَبَهها بالحرف، ويعرب الفعل حين يشبه الاسم على نحو ما أُعرب المضارع لشَبَهه باسم الفاعل من حيث الحركات والسكون مثل أخرج ومخرج وأكتب وكاتب، وقد ظلت الحروف مبنية لأن شيئا منها لا يشبه الاسم2. ويعلل لعدم دخول الألف واللام على المنادى، إذ لا يصح أن يقال: "يا الحارث" مثلا، بل لا بد أن يقال: "يا أيها الحارث" بتوسط أي، يقول: إن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة وذلك أن المتكلم إذا قال: "يا رجل" فمعناه كمعنى: "يا أيها الرجل" وصارت معرفة؛ لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة نحو هذا وما أشبه ذلك، وصار معرفة بغير ألف ولام؛ لأنك إنما قصدت قصد شيء بعينه، وصار هذا بدلا في النداء من الألف واللام واستغني به عنهما كما استغنيت بقولك: "اضرب" عن "لتضرب"، وكما صار المجرور "بالكسرة" بدلا من التنوين "أي: في حالة الإضافة"، وكما صارت الكاف في رأيتك بدلا من رأيت إياك. وإنما يدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئا بعينه
1 الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص65.
2 الزجاجي ص77.
قد رأيته أو سمعت به، فإذا قصدوا قصد الشيء بعينه دون غيره وعنوه لم يجعلوه واحدا من أمة، فقد استغنوا عن الألف واللام فمن ثم لم يدخلوهما في هذا "أي: في اسم الإشارة" ولا في النداء، ومما يدلك على أن: يا رجل معرفة، قولك: يا لكاع، تريد: يا لكعاء فصار هذا اسما
…
كما صارت حذام ورقاش اسما للمرأة1.
ويتوقف سيبويه في حديثه عن الندبة في مثل: وا زيداه ويا زيداه لينقل عن الخليل أنه لا يصح فيها أن يندب المنكر مثل رجل والمبهم مثل من وهذا مع تعليله لذلك، يقول:"وقال الخليل: إنما قبح وا رجلاه ويا رجلاه؛ لأنك أبهمت. ألا ترى أنك لو قلت: وا هذاه كان قبيحا؛ لأنك إذا ندبت فإنما ينبغي لك أن تتفجع بأعرف الأسماء وأن تخص فلا تبهم؛ لأن الندبة على البيان "أي: بيان الشخص أو الشيء المندوب؛ تفجعا عليه وحزنا"
…
وإنما كرهوا ذلك أنه تفاحش عندهم
…
أن يتفجعوا على غير معروف "يريد في مثل: وا رجلاه"، فكذلك تفاحش عندهم في المبهم "يريد في مثل وا هذاه" لإبهامه؛ لأنك إذا ندبت تخبر أنك قد وقعت في عظيم وأصابك جسيم من الأمر فلا ينبغي لك أن تبهم، وكذلك "وا مَنْ في الداراه" في القبح؛ "لأن من مبهمة" وزعم أنه لا يستقبح:"وا من حفر زمزماه"؛ لأن هذا معروف بعينه، كأن التبيين في الندبة عذر للتفجع، فعلى هذا جرت الندبة في كلام العرب"2. وكان الخليل لا يجيز العطف على الضمير المرفوع مستترا أو ظاهرا متصلا، فلا يقال: "أفعل وعبد الله" ولا "فعلت وعبد الله"، بل لا بد في ذلك من توكيد الضمير أو الإتيان بفاصل مثل: "كنتم أنتم وأصحابكم" و"يكتبونه ومن معهم" و"ما كتبنا ولا زملاؤنا". يقول سيبويه: "وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أن هذا الإضمار يبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمرا يغير الفعل عن حاله إذا بعد منه، وإنما حسنت شركته المنصوب "في مثل كلمته ومحمدا"؛ لأنه لا يغير فيه الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر "أي: إن الضمير المنصوب ليس كالجزء من الفعل بخلاف ضمير الرفع"، فأشبه المظهر وصار منفصلا عندهم بمنزلة المظهر إذ كان الفعل لا يتغير عن حاله قبل أن تضمر فيه، وأما فعلت فإنهم قد غيروه عن حاله في الإظهار، وأسكنت فيه اللام، فكرهوا أن يشرك
1 الكتاب 1/ 310.
2 الكتاب 1/ 324.
المظهر مضمرا يبنى له الفعل غير بنائه في الإظهار حتى صار "أي: ضمير الرفع" كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيت، فإن نعتّه "يريد أكّدته" حسُن أن يشركه المظهر، وذلك قولك:"ذهبتَ أنت وزيد"، وقال الله عز وجل:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} و {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وذلك أنك لما وصفته "يريد: أكدته" حسن الكلام حيث طولته ووكدته. فأنت وأخواتها تقوي المضمر وتصير عوضا من السكون والتغيير ومن ترك العلامة في مثل: ضربَ، وقال الله عز وجل:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا} حسن لمكان لا "يريد: لوجود فاصل". ويمضي سيبويه فيقول: إنه لا يجوز العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الخافض، فلا يجوز: مررت به ومحمد، بل لا بد من أن يقال: مررت به وبمحمد، وعلل لذلك بأن الضمير شبيه بالتنوين؛ لذلك لا يجوز العطف عليه حتى لو أُكِّد، فلا يجوز: مررت به هو ومحمد، وكأن اتصال الضمير المجرور بجارّه أشد من اتصال الفاعل المضمر بفعله. وعقب سيبويه على ذلك بأن هذا قول الخليل1. وقد جعلته هذه الدقة في التعليل يتنبه تنبها واسعا إلى مواقع الكلم في العبارات واستعمالاتها الدقيقة، ونضرب مثلا لذلك تفرقته الدقيقة بين قولك: "هو زيد معروفا" و"هذا عبد الله منطلقا" فمعروفا ومنطلقا كلاهما حال، ولكن الحال الأولى مؤكدة، ولا يأتي وراء هو في الصيغة الأولى إلا مثل هذه الحال المؤكدة مثل "هو الحق بينا ومعلوما" ومن أجل ذلك لا يصح أن تقول: "هو زيد منطلقا"؛ لأن الانطلاق لا يؤكد هوية الشخص وماهيته، فلا يصلح لأن يكون مؤكدا، كما تصلح الصفة العامة التي تفيد مدحا أو تهديدا وما إلى ذلك2.
وعلى نحو ما تسيل علل الخليل وتعليلاته في كتاب سيبويه تسيل أقيسته، ولا نغلو إذا قلنا: إنها كانت أهم مادة شاد بها بناء النحو الوطيد، ومما يصور قوتها عنده ودقتها حواره مع تلميذه، في رفع المنادى إذا كان مفردا ونصبه إذا كان مضافا أو نكرة غير مقصودة، وجواز نصب نعت المنادى المفرد ورفعه وتحتم النصب لنعت المنادى المضاف، وهو يجري على هذا النمط3:
1 الكتاب 1/ 389.
2 الكتاب 1/ 256 وما بعدها.
3 الكتاب 1/ 303.
"زعم الخليل أنهم نصبوا المضاف نحو: يا عبدَ الله ويا أخانا والنكرة حين قالوا: يا رجلا صالحا حين طال الكلام كما نصبوا: هو قبلك وهو بعدك. ورفعوا المفرد كما رفعوا: قبل وبعد وموضعهما واحد، وذلك قولك: يا زيد ويا عمرو، وتركوا التنوين في المفرد كما تركوه في قبل. قلت: أرأيت قولهم: يا زيدُ الطويلَ، علام نصبوا الطويل؟ قال: نصب لأنه صفة لمنصوب، وقال: وإن شئت كان نصبا على أعني. فقلت: أرأيت الرفع على أي شيء هو، إذا قال: يا زيدُ الطويلُ؟ قال: هو صفة لمرفوع. قلت: ألستَ قد زعمتَ أن هذا المرفوع في موضع نصب؟ فلِمَ لا يكون كقوله: لقيته أمسِ الأحدث؟ قال: من قِبَل أن كل اسم مفرد في النداء مرفوع أبدا وليس كل اسم في موضع أمس يكون مجرورا، فلما اطرد الرفع في كل مفرد في النداء صار عندهم بمنزلة ما يرتفع بالابتداء أو بالفعل، فجعلوا وصفه إذا كان مفردا بمنزلته. قلت: أفرأيت قول العرب كلهم:
أزيدُ أخا ورقاء إن كنت ثائرا
…
فقد عرضت أحناء حمق فخاصم؟
لأي شيء لم يجز فيه الرفع كما جاز في الطويل "يريد عبارة: يا زيد الطويل السابقة" قال: لأن المنادى إذا وُصف بالمضاف فهو بمنزلته إذا كان في موضعه، ولو جاز هذا لقلت: يا أخونا، تريد أن تجعله في موضع المفرد، وهذا لحن، فالمضاف إذا وُصف به المنادى فهو بمنزلته إذا ناديته؛ لأنه وصف لمنادى في موضع نصب، كما انتصب حيث كان منادى؛ لأنه في موضع نصب ولم يكن فيه ما كان في "كلمة" الطويل لطوله. وقال الخليل: كأنهم لما أضافوا ردوه إلى الأصل كقولك: إن أمسك قد مضى".
والقطعة زاخرة بالأقيسة القائمة على علة المشابهة، فالمنادى يشبه "قبل وبعد" ويأخذ لذلك حكمهما، فهو إذا كان مفردا رُفع وحُرم التنوين مثل قبل وبعد اللتين تبنيان على الضم في حال إفرادهما، وإذا طال إما بالإضافة أو لأنه نكرة غير مقصودة موصوفة نُصب كما تنصب قبل وبعد حين تضافان، فيقال: قبلك وبعدك. وإذا نُعت المنادى المفرد بمفرد، جاز في النعت النصب لأن محل هذا
المنادى المضموم لفظا النصب، ولك أن تقول: إنه نعت مقطوع بتقدير أعني. ويجوز في هذا النعت الرفع باعتبار لفظ المنادى، وساغ ذلك لاطراد الرفع في المنادى المفرد اطراده في المبتدأ والفاعل. أما إذا وُصف المنادى المفرد بنعت مضاف، فإنه يتحتم فيه النصب ولا يجوز الرفع؛ لأنه بمنزلته لو كان منادى، والمنادى المضاف حقه النصب، فلا يجوز فيه إلا اعتبار المحل المنصوب. ويلاحظ الخليل ملاحظة دقيقة في كلمة أمس، فإن أصلها النصب، وهي تبنى على الكسر إذا كانت مفردة، فإذا أضيفت رُدَّت إلى أصلها من النصب الذي يجري في الظروف.
وكان يبني القياس على الكثرة المطردة من كلام العرب، مع نصه دائما على ما يخالفه، ومحاولته في أكثر الأحيان أن يجد له تأويلا، من ذلك أنه كان يرى أن القياس في عطف المعرف بالألف واللام على المنادى المرفوع أن يكون مرفوعا؛ لأنه لو كان هو المنادى لتقدمته أي، مثل: يا أيها الحارث ورُفع معها صفة لها؛ لأنها مبهمة يلزمها التفسير، فصارت هي والحارث بمنزلة اسم واحد كأنك قلت: يا حارث1، وبذلك يكون القياس في مثل: يا زيدُ والحارثُ الضم، يقول سيبويه:"قال الخليل: من قال: يا زيد والنضرَ فنصب، فإنما نصب لأن هذا كان من المواضع التي يُرَدّ فيها الشيء إلى أصله "أي: إذا كان المعطوف مضافا" فأما العرب فأكثر ما رأيناهم يقولون: يا زيد والنضرُ، وقرأ الأعرج: "يا جبال أوبي معه وَالطَّيْرُ" فرفع، ويقولون: يا عمرو والحارث، وقال الخليل: هو القياس كأنه قال: ويا حارث"2. ومعروف أن الفعل لا يدخله التصغير، ولكن جاء عن العرب في فعل التعجب: "ما أُمَيْلحه" يقول سيبويه: "وسألته عن قول العرب: ما أميلحه، فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس لأن الفعل لا يحقر وإنما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف بما يعظم ويهون، والأفعال لا توصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقروا هذا اللفظ، وإنما يعنون الذي تصفه بالمِلْح، كأنك قلت: مُلَيِّح، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئا آخر نحو قولك: يطؤهم الطريق
1 الكتاب 1/ 306.
2 الكتاب 1/ 305.
وصِيدَ عليه يومان، ونحو هذا كثير في الكلام. وليس شيء من الفعل ولا شيء مما سمي به الفعل يحقَّر إلا هذا وحده"1. ووجه المغايرة في قولهم:"يطؤهم الطريق" أن أصلها: يطؤهم أهل الطريق أي: إن بيوتهم على الطريق فمن جاز فيه رآهم، وأصل "صيد عليه يومان": صيد الصيد في يومين، فحذف "الصيد" وأقيم "يومين" مقامه.
وعلى هذا النحو كان يسجل القياس والشاذ عليه، محاولا دائما أن يجد مخرجا لما شذ على الأقيسة، بل كثيرا ما كان يستمد من ذهنه الخصب قياسا له، من ذلك جمع وجوه مع ذكر شخصين، يقول سيبويه:"سألت الخليل عن "قولهم": ما أحسن وجوههما، فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا"2. وواضح أنه قاس جمع الوجوه مع أنهما لاثنين على الضمير الذي يأتي للاثنين والجماعة. ومن ذلك ما رواه ابن جني من أنه سُئل عمن يقولون من العرب: "مررت بأخواك وضربت أخواك" معاملين الأسماء المثناة معاملة الأسماء المقصورة، فقال: هؤلاء قولهم على قياس الذين قالوا في ييئس: ياءس، أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها، وقال: ومثله قول العرب من أهل الحجاز: "يا تزن وهم يا تعدون، فروا من يوتزن ويوتعدون"3. ومعنى ذلك أنه قاس النطق بالألف في المثنى في موضعي الجر والنصب بالياء على لغة من يبدلون الياء ألفا في بعض المواضع وكذلك من يبدلون الواو ألفا؛ لغرض الخفة والسهولة، وقد أخرج القياس مخرج التعليل.
ومر بنا أنه في المنهج الذي رسم به العروض والمنهج الذي وضعه لمعجم العين، لاحظ في الأول النص على الأوزان المهملة كما لاحظ في الثاني النص على الكلمات غير المستعملة التي لم تجر على لسان العرب، وهذا نفسه يلاحَظ في بنائه للنحو وأقيسته فقد كان ينص على الشاذ كما أسلفنا آنفا، وكان ينص على المهمل من أساليب العرب، مما لا يدخل في أقيسة لغتهم، ومر بنا أنه كان ينكر مثل:"هو زيد منطلقًا" ويحمل كتاب سيبويه عنه مادة واسعة من مثل هذا الأسلوب الذي لم يسمع عمن يوثق بعربيتهم، وهي مادة غزيرة، ولكن يكفي أن نمثل لها، فمن ذلك
1 الكتاب 2/ 135.
2 الكتاب 1/ 241.
3 الخصائص 2/ 14، والمنصف 1/ 203.
أن نراه يعرض للمندوب الموصوف في مثل "وا زيدُ الشاعرُ" فيقول: إنه لا يصح أن يقال: الشاعراه؛ لأن الشاعر ليس بمنادى، ولو جاز ذلك لجاز أن تقول:"وا زيدا أنت الفارس البطلاه"؛ لأن هذا غير نداء كما أن ذاك غير نداء، يقول:"وليس هذا مثل: وا أمير المؤمنيناه" ولا مثل: "وا عبدَ قيساه"؛ لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد منفرد، والمضاف إليه هو تمام الاسم، ولذلك تلحقه ألف الندبة وهاؤها1. ومن ذلك نصه على أن كلمة أُخَر وحدها هي التي تمنع من الصرف للوصفية والعدل دون أخواتها مثل الطُّوَل والوُسَط والكبر والصغر؛ لأنهن لا يكن صفة إلا وفيهن الألف واللام، بخلاف أخر فإنها تجيء صفة بدونهما، ونراه ينص على أنه لا يقال: نسوة صُغر ولا هؤلاء نسوة وسط ولا تقول: هؤلاء قوم أصاغر، فكل ذلك لم يأت في اللغة، أما أخر فقد خالفت هذا الأصل وجاءت صفة للمنكر غير مقترنة بالألف واللام، ومن ثم تركوا صرفها2، ومن أجل ذلك قال النحاة بعده: إنها منعت من الصرف؛ لأنها معدولة عن الآخر ذات الألف واللام.
وفي رأينا أن الخليل وتلميذه سيبويه هما اللذان فتحا باب التمارين غير العملية على مصاريعه، حيث نرى سيبويه يتوقف في كتابه مرارا ليسأله أستاذه عن تطبيق قاعدة في مثال لم يأت عن العرب. وعمم النحاة ذلك فيما بعد واتسعوا فيه إظهارا لمهارتهم وقد يكون بعض ذلك لمحاولة تدريب ناشئة النحاة على الدقة في التطبيق، فمن ذلك ما ذكره سيبويه من أنه سأل الخليل عن رجل سمي "أولو" من قوله عز وجل:{نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} أو سمي "ذوو" من قولهم: ذوو عزة، وكيف يجري إعرابهما حسب مواقع الكلام، فقال: أقول: "هذا ذَوُون، وهذا أُولون" لأني لم أضف "أي: لم أتبعهما المضاف إليه" وإنما ذهبت النون في الإضافة3. ومعروف أن كلمة قاضٍ تنون مصروفة هي وما على مثالها، ويقول سيبويه: "وسألته عن رجل يسمى "يرمي أو أرمي" فقال: أنونه؛ لأنه إذا صار اسما فهو بمنزلة قاضٍ إذا كان اسم امرأة"4 وكأن مجيئه
1 الكتاب 1/ 323.
2 الكتاب 2/ 14.
3 الكتاب 2/ 42.
4 الكتاب 2/ 58.
دالا على أنثى أو علما عليها لا يمنع تنوينه ولا صرفه. ويكثر سيبويه كثرة مفرطة من نقل مثل هذه التمارين عن أستاذه في علم الصرف، ويكفي أن نضرب مثلا لذلك، يقول:"وسألته: كيف ينبغي له أن يقول: أفعلتُ في القياس من اليوم على من قال: أطولت وأجودت، فقال: أيمت، فتقلب الواو ههنا "ياء" كما قلبتها في أيام، وكذلك تقلبها في كل موضع تصح فيه ياء أيقنت، فإذا قلت: أُفْعِل ويُفْعِل ومُفْعَل قلت: أووِم، ويووَم، ومُووَم؛ لأن الياء لا يلزمها أن تكون بعدها ياء كفعَّلت من بعت، وقد تقع وحدها، فكما أجريت فيعلِت وفوْعلت مجرى بيطرت وصومعت كذلك جرى هذا مجرى أيقنت. وإذا قلت: أفعل من اليوم قلت: أيَّم كما قلت: أيام، فإذا كسرت على الجمع همزت فقلت: أيائم؛ لأنها اعتلت ههنا كما اعتلت في سيد، والياء قد تستثقل مع الواو"1.
وواضح من كل ما قدمنا أن الخليل يعد بحق واضع النحو العربي في صورته المركبة، سواء من حيث عوامله ومعمولاته الظاهرة والمقدرة، أو من حيث ما يجري فيه من شواهد ومن علل وأقيسة، ونص على العبارات المهملة والأخرى الشاذة وإحداث ما سرى فيه من تمارين غير عملية يقصد بها إلى التمرين والتدريب، ومد ذلك في علم الصرف والفقه بأبنية الكَلِم واشتقاقاتها وتصريفاتها وصورها الممدودة والمقصورة والممالة والمصغرة والمنسوبة وما يداخلها من قلب وإعلال.
1 الكتاب 2/ 376.