الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصرفية المبثوثة في كتابه، وهو خلاف بناه كما قلنا آنفا على خصب ملكاته، وسعة معرفته بلغات العرب وقراءات الذكر الحكيم وقدرته على النفوذ في حقائق اللغة التفصيلية إلى كثير من الآراء الطريفة، حتى ليصبح إمام الخلاف في النحو والصرف ومسائلهما، وحتى ليعد في قوة إلى ظهور لا المدرسة الكوفية وحدها، بل جميع المدارس التالية.
2-
قُطْرب
1:
هو محمد بن المستنير، بصري المولد والمربى، وقد أقبل مبكرا على دراسة اللغة والنحو، ولزم سيبويه، ويقال: إنه هو الذي سماه قطربا، إذ كان يبكر للأخذ عنه، حتى كان سيبويه كلما خرج من داره سحرا رآه ببابه فقال له يوما مداعبا:"ما أنت إلا قطرب ليل" فثبتت الكلمة عليه ولصقت به، والقطرب: دويبة تدب ولا تفتر. وليس بين أيدينا ما يدل دلالة قاطعة على أنه تتلمذ للأخفش، غير ما يروى من أنه أخذ عن جماعة من العلماء البصريين، ونظن ظنا أنه أخذ عن الأخفش؛ لأنه كما قدمنا كان الطريق إلى كتاب سيبويه بعده، وعنه حمله العلماء، وطبيعي أن يحمله عنه قطرب فيمن حملوه، ما دام قد عني بالنحو والتقدم فيه، بل لقد اتخذه حرفة وأداة لتكسبه في تعليم أبناء الطبقة الممتازة ببغداد. وذاعت شهرته في ذلك فاتخذه الرشيد مؤدبا لابنه الأمين، وقربه منه أبو دلف العجلي أحد قواد الرشيد والمأمون النابهين واتخذه مؤدبا لأولاده، وظل يعنى بتأديبهم إلى وفاته سنة 206 للهجرة. وله في النحو والصرف كتب مختلفة، منها: كتاب العلل في النحو وكتاب الاشتقاق في
1 انظر في ترجمة قطرب: أبا الطيب اللغوي ص67، والسيرافي ص49، والزبيدي ص106، والفهرست ص84، ونزهة الألباء ص91، ومعجم الأدباء 19/ 52، وابن خلكان في محمد، وتهذيب اللغة للأزهري 1/ 14، وتاريخ بغداد 3/ 298، وإنباه الرواة 3/ 219، وشذرات الذهب 2/ 15، ومرآة الجنان 2/ 300، ولسان الميزان لابن حجر 5/ 378، وبغية الوعاة ص104.
التصريف، وصنَّف بجانب ذلك كتبا متعددة في اللغة مثل: كتاب الأضداد وكتاب خَلْق الفرس وكتاب خلق الإنسان وكتاب المثلث وهو مطبوع، وكتاب ما خالف فيه الإنسان البهيمة. وكانت له عناية بالذكر الحكيم والحديث النبوي، فألف كتابا في إعراب القرآن، وكتابا في غريب الحديث. وكتابه "الرد على الملحدين في تشابه القرآن" يدل على صلته بالمعتزلة، والمباحث الكلامية.
ولم يصلنا كتاب قطرب في العلل النحوية، غير أن الكتب المتأخرة احتفظت ببعض آرائه فيه، من ذلك تعليله لدخول الإعراب في الكلام، وقد مضى يعارض فيه ما ارتآه سيبويه وغيره من النحاة من أنه دخل الكلام في العربية لبيان الفارق بين المعاني التي يريدها المتكلمون للكلمات، إذ تكون فاعلة ومفعولة ومضافة أو مضافا إليها، يقول1:
"ولم يعرب الكلام للدلالة على المعاني والفرق بين بعضها وبعض؛ لأنا نجد في كلامهم أسماء متفقة في الإعراب مختلفة المعاني، وأسماء مختلفة في الإعراب متفقة المعاني، فمما اتفق إعرابه واختلف معناه قولك: إن زيدا أخوك، ولعل زيدا أخوك، وكأن زيدا أخوك، اتفق إعرابه واختلف معناه. ومما اختلف إعرابه واتفق معناه قولك: ما زيد قائما "أي: في لغة الحجازيين"، وما زيد قائم "أي: في لغة بني تميم" اختلف إعرابه واتفق معناه. ومثله: ما رأيته منذ يومين ومنذ يومان، ولا مالَ عندك ولا مالٌ عندك، وما في الدار أحد إلا زيد وما في الدار أحد إلا زيدا. ومثله: إن القوم كلَّهم ذاهبون وإن القوم كلُّهم ذاهبون، ومثله: {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} و"إن الأمر كلُّه لله" قرئ بالوجهين جميعا، ومثله: ليس زيد بجبان ولا بخيل، وليس زيد بجبان ولا بخيلا. ومثل هذا كثير جدا مما اتفق إعرابه واختلف معناه، ومما اختلف إعرابه واتفق معناه. فلو كان الإعراب إنما دخل الكلام للفرق بين المعاني لوجب أن يكون لكل معنى إعراب يدل عليه لا يزول إلا بزواله. وإنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون
1 الزجاجي ص70.
أيضا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقبا للإسكان ليعتدل الكلام، ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو الكلمة ولا في حشو بيت ولا بين أربعة أحرف متحركة؛ لأنهم في اجتماع الساكنين يبطئون وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان. وقيل له: فهلا لزموا حركة واحدة؟ فقال: لو فعلوا ذلك لضيقوا على أنفسهم، فأرادوا الاتساع في الحركات وأن لا يحظروا على المتكلم الكلام إلا بحركة واحدة".
وعلى نحو ما علَّل لاختلاف حركات الإعراب بالاتساع في الكلام، علَّل لظاهرة الترادف في اللغة بنفس العلة، إذ يقول:"إنما أوقعت العرب اللفظتين على المعنى الواحد؛ ليدلوا على اتساعهم في كلامهم، كما زاحفوا في أجزاء الشعر ليدلوا على أن الكلام واسع عندهم، وأن مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإطناب"1.
ولم يكن يعنى بالخلاف على سيبويه والخليل في آرائهما النحوية والصرفية عناية الأخفش، ومع ذلك نجد له طائفة من الآراء خالفهما فيها معا، أو خالف أستاذه سيبويه وحده، أو خالف الأخفش. ومن هذه الآراء ما كان يذهب إليه من أن حركات الإعراب المسماة بالرفع والنصب والجر والجزم هي نفسها حركات البناء المسماة بالضم والفتح والكسر والوقف أو السكون، ولا بأس من إطلاق كل منها على مقابلها في الحالتين، فيقال للرفع في الكلمات المعربة الضم، ويقال للضم في الكلمات المبنية الرفع، وهلم جرا2. ومر بنا أن الخليل وسيبويه كانا يريان أن إعراب المثنى والجمع المذكر إنما هو بحركات مقدرة في الألف والواو والياء، وأن الأخفش كان يرى أن إعرابهما بحركات مقدرة فيما قبل الألف والواو والياء، أي: على الدال في مثل الزيدان والزيدين والزيدون والزيدين، وذهب قطرب إلى أن إعرابهما بنفس هذه الحروف، إذ مثلها مثل حركات
1 المزهر 1/ 400.
2 الهمع 1/ 20.
الإعراب في مفردها تتغير بتغير مواقع الكلمات وعواملها في العبارات1. ومر بنا أيضا أن سيبويه كان يرى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها، معربة بحركات مقدرة في حروف الواو والألف والياء، رفعا ونصبا وجرا. وكان الأخفش يرى أنها معربة بحركات مقدرة على ما قبل الواو والألف والياء أسوة برأيه في المثنى والجمع، وذهب قطرب كما ذهب في الجمع والمثنى، إلى أن هذه الأحرف نفسها هي الإعراب، وكأنها نابت فيها عن الحركات2.
ولقطرب وراء ذلك آراء فرعية، تتداولها كتب النحاة، منها أن واو العطف تفيد الترتيب؛ لأن الترتيب في اللفظ، إذا قلت مثلا: جاء زيد وعمرو، يستدعي سببا، وهو الترتيب في المجيء3. وكان يذهب إلى أنه قد تأتي إن بمعنى قد، مستدلا بقوله تعالى: {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} 4. وذهب في إعراب لا جرم في قوله جل وعز: {لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} إلى أن لا رد لما قبلها، أي: ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدئ ما بعده، وجرم فعل لا اسم، ومعناه وجب، وما بعده فاعل5.
1 الإنصاف ص13، وأسرار العربية ص51، والهمع 1/ 47.
2 الهمع 1/ 38.
3 المغني ص392، والهمع 2/ 129.
4 المغني ص22.
5 المغني ص263.
3-
أبو عمر 1 الجَرْميّ:
هو صالح بن إسحاق، مولده ومنشؤه بالبصرة، وقد دأب منذ صغره على الاختلاف إلى حلقات علماء البصرة من النحاة واللغويين، ويقال: إنه لم يلق
1 راجع ترجمته في أبي الطيب اللغوي ص75، والسيرافي ص72، والزبيدي ص76، ونزهة الألباء ص143، والأنساب للسمعاني الورقة 128، وتاريخ بغداد 9/ 313، والفهرست ص90، ومعجم الأدباء 12/ 5، وإنباه الرواه 2/ 80، وطبقات القراء لابن الجزري 1/ 332، وشذرات الذهب 2/ 57، ومرآة الجنان لليافعي 2/ 90، وخزانة الأدب للبغدادي 1/ 178، وبغية الوعاة ص268.
سيبويه، غير أنه لزم الأخفش وأخذ عنه كل ما عنده. ويزعم بعض الرواة أنه هو وزميله المازني خشيا بعد وفاة سيبويه وحمل الأخفش لكتابه أن يدعيه لنفسه، وكان الجرمي موسرا، فعرض عليه شيئا من المال ليقرأ هو وصاحبه عليه الكتاب، وأجابه إلى طلبه، فأخذا الكتاب عنه وأشاعاه في الناس. ويقول المبرد: عليه قرأتْ جماعة النحاة. ويذكر أنه قدم أصبهان مع فيض بن محمد عند منصرفه من الحج، فأعطاه يوم مقدمه عشرين ألف درهم، وكان يعطيه كل سنة اثني عشر ألفا. ونزل بغداد في أوائل العقد الأول من القرن الثاني للهجرة، واختلف إليه الطلاب يحاضرهم في كتاب سيبويه ويملي عليهم بعض مصنفاته، وظل بها إلى وفاته سنة 225 للهجرة. وله في النحو والصرف كتب مختلفة، من أهمها: كتاب المختصر في النحو وكتاب الأبنية، وصنف في العروض. وعني بكتاب سيبويه، فألف في غريبه كتابا، وألف في شواهده الشعرية كتابا آخر نسب فيه الشواهد التي فاتت سيبويه نسبتها في الكتاب إلى أصحابها ما عدا خمسين شاهدا لم يقف على قائليها. وكان علماء النحو في عصره وبعد عصره يتداولون كتبه، وشرحوا كتابه المختصر مرارا.
وكان الجرمي لَسِنا، قوي الحجة، عالي الصوت في مناظرته؛ ولذلك سمي النباج أي: شديد الصياح، ويقال: إنه تعرض للأصمعي فسأله: كيف تصغر مختارا؟ فقال الأصمعي: مُخَيْتير، فقال له الجرمي: أخطأت، إنما هو مخيِّر؛ لأن التاء فيه زائدة. وحين نزل بغداد، ناظر الفراء مناظرة دوت شهرتها في الأوساط النحوية، وكان موضوعها ما يراه سيبويه من أن العامل في المبتدأ هو الابتداء وما يراه الفراء وغيره من الكوفيين من أن العامل في المبتدأ هو الخبر، والمناظرة مروية على هذه الصورة1:
"اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد منطلق لِمَ رفعوا زيدا؟ فقال له الجرمي: بالابتداء،
1 راجع في هذه المناظرة نزهة الألباء ص145، وهامش إنباه الرواة 2/ 83.
فقال له الفراء: وما معنى الابتداء؟ فقال الجرمي: تعريته من العوامل اللفظية، قال له الفراء: فأظهرْه، فقال: هذا معنى لا يظهر، يريد أنه عامل معنوي، قال له الفراء: فمثِّلْه، قال الجرمي: لا يتمثل، قال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل. فقال الجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد ضربته، بم رفعتم زيدا؟ قال الفراء: بالهاء العائدة على زيد؛ "لأن الخبر عنده إذا لم يكن اسما رفع المبتدأ الضمير المتصل بالفعل". فقال الجرمي: الهاء اسم، فكيف يرفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا، فإنا نجعل كل واحد من المبتدأ والخبر عاملا في صاحبه في نحو: زيد منطلق. فقال له الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في: زيد منطلق؛ لأن كل واحد من الاسمين مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في ضربته فهي في محل نصب، فكيف ترفع الاسم؟ "يريد أن فاقد الشيء لا يعطيه لغيره". فقال الفراء: لم نرفعه به وإنما رفعناه بالعائد "أي: الضمير بصفته عائدا عليه لا بصفته منصوبا". فقال له الجرمي: وما العائد؟ فقال الفراء: معنى، فقال الجرمي: أظهره، فقال: لا يظهر، فقال له: مثله، فقال: لا يتمثل. فقال له الجرمي: لقد وقعتَ فيما فررت منه". وبذلك أسكته.
والجرمي يريد أن الفراء انتهى بعامل المبتدأ في مثل: زيد ضربته، إلى أنه عامل معنوي، وغاية ما هنالك أنه تارة يجعله لفظيا في مثل: زيد منطلق وتارة يجعله معنويا كما في المثال الآنف، وبذلك يلتقي برأي سيبويه القائل بأن العامل معنوي دائما، ومن هنا أفحم الفراء وألزمه الحجة.
وتدور في الكتب النحوية طائفة من آراء الجرمي تدل على دقة فكره وغوصه على المعاني، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن إعراب المثنى والجمع المذكر ليس لفظيا وإنما هو معنوي ببقاء الألف في المثنى والواو في الجمع رفعا وانقلابهما إلى الياء نصبا وجرا، وبذلك أنكر الإعراب الظاهر عند سيبويه والمقدر عند الأخفش على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع1. وذهب المذهب نفسه في
1 الإنصاف ص13، وأسرار العربية ص52، والزجاجي ص141، والهمع 1/ 48.
إعراب الأسماء الخمسة، إذ قال: إن إعرابها إنما هو بالتغير والانقلاب من الواو إلى الألف والياء في حالتي النصب والجر، وبعدم هذا الانقلاب في حالة الرفع1. وسيبويه والجمهور على أن اسم لا النافية للجنس إذا كان مفردا رُكب معها وبُني على الفتح مثل: لا رجلَ، وذهب الجرمي إلى أنه معرب وحذف منه التنوين تخفيفا2. وكان يرى أن المفعول لأجله لا يكون إلا نكرة، وإذا جاء مضافا كانت الإضافة على نية الانفصال، فمثل ادخاره في قول بعض الشعراء:
وأغفر عوراء الكريم ادخاره
تقديرها: ادخارا له3، وكذلك إذا جاءت معه أداة التعريف مثل قول أحد الشعراء:
لا أقعد الجبن عن الهيجاء
كانت زائدة أي: جبنا4. وكان يذهب إلى أن الفاء العاطفة لا تفيد ترتيبا في المطر والأماكن، مستدلا على ذلك بقول امرئ القيس في مطلع معلقته:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللوى بين الدخول فحومل5
وكان سيبويه يذهب إلى أن الفعل المضارع بعد أو ينتصب بأنْ مضمرة، وذهب الجرمي إلى أنه ينتصب بأو نفسها6. وكذلك كان يمنع تقدير أن مع المضارع المنصوب بعد فاء السببية وواو المعية، على نحو ما ذهب إلى ذلك سيبويه، قائلا: إنهما تنصبان المضارع بأنفسهما دون حاجة إلى تقدير7. ولعل في ذلك ما يدل على أنه كان يأبى التعقيد في النحو وكثرة التقديرات، ومما يؤكد ذلك عنده أنه كان يمنع التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين أو ثلاثة، ذاهبا إلى أنه ينبغي أن يقتصر في الباب على السماع والقياس عليه دون الإتيان بصور معقدة لم يرد لها مثيل عن العرب8، فإن في ذلك تكلفا وإيغالا في تمرينات لا تفيد في تعلم العربية، وإن كان النحاة لم يستمعوا إلى رأيه فقد مضوا يطبقون الباب في ظن وأخواتها وأعلم وأخواتها، مما كان سببا في أن يحمل عليهم ابن مضاء في كتابه الرد على النحاة، حملة شعواء.
1 الهمع 1/ 39.
2 الهمع 1/ 146.
3 أسرار العربية ص188.
4 الهمع 1/ 194.
5 الهمع 2/ 131.
6 الهمع 2/ 10.
7 الإنصاف ص229، 230.
8 الهمع 2/ 111.
وللجرمي بجانب ذلك بعض آراء صرفية خالف فيها سيبويه، منها أن سيبويه كان يرى أن وزن "كلتا" فِعْلَى مثل ذِفْرَى، وذهب الجرمي إلى أن التاء فيها زائدة وأن وزنها لذلك فِعْتَل1. وكان سيبويه يذهب كما أسلفنا، إلى أن كلمة اطمأن مقلوبة عن طأمن، وذهب الجرمي إلى العكس وأن كلمة طأمن هي المقلوبة عن طمأن2. ولعل في كل ما قدمنا ما يدل على دقة عقله وسعة ذهنه.
1 الخصائص 1/ 203، وسر صناعة الإعراب 1/ 168.
2 الخصائص 2/ 74، والمنصف 2/ 104.
4-
أبو عثمان 1 المازني:
هو بكر بن محمد بن بقية من بني مازن الشيبانيين، من أهل البصرة، بها مولده ومرباه، وأكب منذ صباه على حلقات النحاة واللغويين البصريين كما أكب على حلقات المتكلمين، ولزم الأخفش، وأخذ عنه كتاب سيبويه، حتى إذا توفي هو والجرمي أصبح عَلَم البصرة المفرد في النحو والتصريف. ويقال: إنه ورد بغداد في عهد المعتصم وأخذ عنه كثيرون، وعاد إلى موطنه، وحدث أن جارية بصرية بِيعت للواثق، فغنته يوما:
أظليم إن مصابكم رجلا
…
أهدى السلام إليكم ظلم
فرد بعض الحاضرين -وهو التوزي العالم اللغوي المعروف- عليها نصبها رجلا، وظن أنه خبر إن، وإنما هو مفعول به للمصدر "مصابكم" أي: إصابتكم، وظلم في آخر البيت خبر إن. فقالت الجارية: لا أقبل هذا ولا أغيره، وقد قرأته بهذه الصورة على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني، فأمر الواثق بإحضاره،
1 انظر في ترجمة المازني: أبا الطيب اللغوي ص77، والسيرافي ص74، والزبيدي ص92، ونزهة الألباء ص182، وتاريخ بغداد 7/ 93، والأنساب الورقة 500، وابن خلكان في بكر، ومعجم الأدباء 7/ 107، وإنباه الرواة 1/ 246، والفهرست ص90، وطبقات القراء لابن الجزري 1/ 179، وشذرات الذهب 2/ 113، وبغية الوعاة ص202.
فلما دخل عليه "بسر من رأى" أمر بإحضار التوزي وكان قد قال، كما أسلفنا آنفا: إن رجلا خبر إن. فقال له المازني: كيف تقول: "إن ضربك زيدا ظلم"؟ فقال التوزي: حسبي، وأدرك خطأه. وانصرف المازني إلى البصرة وكتب الواثق إلى عاملها أن يرسم له مائة دينار كل شهر. واتصلت أسباب المازني بعد الواثق بالمتوكل، ونال جوائزه. ويُجْمع القدماء على أنه كان أعظم النحاة في عصره، وقد عاش يدرس لطلابه كتاب سيبويه، وصنَّف حوله تعليقات وشروحا، منها: تفاسير كتاب سيبويه والديباج في جوامع كتاب سيبويه. وألف في علل النحو كتابا، وخص التصريف بكتاب شرحه ابن جني سماه المنصف، وقد طبع بالقاهرة. ومن مصنفاته كتاب ما يَلحن فيه العامة وكتاب الألف واللام وكتاب العروض وكتاب القوافي. واختُلف في سنة وفاته، والراجح أنها كانت سنة 249 للهجرة.
وكان المازني فطنا ذكيا ومناظرا ألمعيا، وعقد له الواثق والمتوكل مناظرات بينه وبين علماء عصره، ظهر فيها فضله وخصب عقله وقوة ذهنه وملكاته، مما جعله يُفحم مناظريه دائما بالحجج القاطعة، ويقال: إن الواثق جمع بينه وبين جماعة من نحاة الكوفة، فبادرهم سائلا: ما تقولون في قول الله تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ؟ لِمَ لَمْ يقل بغية وهي صفة لمؤنث؟ فأجابوا إجابات غير مرضية، ولما عيوا ولما عيوا بالإجابة قال: لو كانت "بغي" على تقدير فعيل بمعنى فاعلة، للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة، ولو كانت بمعنى مفعولة منعت الهاء مثل امرأة قتيل وكف خضيب، غير أن "بغي" ليست على وزن فعيل، وإنما هي على وزن فَعُول، والهاء لا تلحقه إذا كان وصفا لمؤنث مثل: امرأة شكور، وأصل بغي: بغوي، قُلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصارت ياء ثقيلة مثل سيد وميت، وطلب إليه المتوكل أن يتناقش مع ابن السكيت في مسألة، فسأله المازني: ما وزن "نكتل" الواردة في سورة يوسف؟ فأجاب ابن السكيت: وزنها نفعل، وراجعه فقال: نفتعل، ولما رأى المازني خطأه البين قال له: إن أصلها: نكتال من كال، وحذفت العين أو الألف لسكون الجزم، فأصبحت: نكتل على ون نفتل.
وله آراء طريفة كثيرة يتناقلها النحاة، نسوق منها رأيه الذي استضاء فيه بأستاذه الأخفش، إذ كان يذهب مثله إلى أن ألف الاثنين في قاما، وواو الجماعة
في قاموا ليستا فاعلين، وإنما هما علامتان دالتان على الفاعل المستتر، تؤذنان بالتثنية والجمع1. وذهب مثل أستاذه نفس المذهب في الألف والواو والياء في المثنى وجمع المذكر السالم، إذ كان يرى أن هذه الحروف ليست حروف الإعراب، إنما هي دالة عليه2. وكان يذهب مذهب أستاذه في إذا الفجائية وأنها حرف، غير أنه كان يضيف أن الفاء قبلها في مثل:"خرجت، فإذا محمد بالباب" زائدة، بينما كان يرى الزيادي معاصره أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ورأي المازني أكثر دقة؛ لأن إذا والفاء جميعا تقعان في جواب الشرط، وتغني كل منهما عن الأخرى، مثل:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} وإذا كان الموضع يشبه موضع جواب الشرط -كما قال الزيادي- فالأحرى أن تكون الفاء زائدة؛ لأن إذا تغني عنها3. وكان مثل زميله الجرمي يجيز تقديم التمييز على عامله في مثل: تصبب زيد عرقا؛ لمجيئه في قول الشاعر:
وما كاد نفسا بالفراق تطيب4
إذ قدم الشاعر نفسا على تطيب. وكان سيبويه يحتم الرفع في مثل الرجل التالي لأي في النداء في قولك: يا أيها الرجل؛ لأن كلمة الرجل هي المقصودة بالنداء، وإنما جاءت أي واسطة بينها وبين حرف النداء؛ لأنها معرفة بالألف واللام، وذهب المازني إلى أنه يجوز فيها النصب كما جاز في نعت المنادى المفرد في مثل: يا زيد الظريف5. وكان ينكر النكرة غير المقصودة في النداء في مثل: يا رجلا خذ بيدي، يقولها الأعمى6.
ومن آرائه أن كلمة "مثل ما" في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} إنما هي اسم واحد بُنيت فيه مثل على الفتح، وهي مع ما في موضع رفع نعت لحق وهما مضافان إلى أن وما بعدها7. وكان يذهب إلى أن بعض أسماء الأفعال
1 انظر المغني 2/ 244، 305، 370، 373، 404، 410، وانظر ص413 حيث ينص ابن هشام على أنه كان يرى أن ياء المخاطبة في: تقومين وقومي حرف تأنيث والفاعل مستتر، وكذلك كان يرى أن نون النسوة في مثل: قمن حرف تأنيث والفاعل مستكن أو مستتر. وانظر الرضي على الكافية 2/ 8.
2 الزجاجي ص130، 141، والرضي على الكافية 1/ 26، 2/ 8.
3 الخصائص 3/ 320، وسر صناعة الإعراب 1/ 262 وما بعدها، والمغني ص180.
4 أسرار العربية ص196، والهمع 1/ 252.
5 أسرار العربية ص229.
6 الهمع 1/ 173.
7 الخصائص 2/ 182.
منصوبة بأفعال مضمرة، على أنها مفعولات مطلقة، فهيهات وشتان مثلا مفعولان مطلقان لفعل محذوف والتقدير: بَعُدَ، وكأن معناهما: بُعْدًا1.
وذهب إلى وجوب بناء جمع المؤنث السالم على الفتح مع لا النافية للجنس مثل: لا مطيعاتَ لك بفتح التاء2. وكان يرى أن الواو والياء والألف في الأسماء الخمسة: أبيك وأخواتها، نشأت عن إشباع الحركات السابقة لها، وإذن فإعرابها إنما هو بتلك الحركات، فمثل: جاء أبوك، تعرب أبوك فاعلا مرفوعا بالضمة الظاهرة والواو إشباع3، وهو رأي طريف. وكان يذهب إلى أن المضارع حين يجزم لا يكون معربا، بل يكون مبنيا، إذ إعرابه قائم -كما قال سيبويه- على وقوعه موقع الاسم، ولما كان الاسم يمتنع وقوعه في موضع جزمه فقد ذهبت عنه علة الإعراب وعاد إلى الأصل في الفعل وهو البناء، فهو في نحو: لم تقم وإن تقم أقم مثل الأمر، مبني على السكون لا مجزوم4.
وكان سيبويه يذهب إلى أن مثل إياك وإياه "إيا" فيه ضمير والكاف والهاء وما يماثلها لواحق، وكان المازني يذهب مذهب الخليل في أن إيا اسم مضمر والكاف والهاء ضمائر مضافة إليها5. واختلف النحاة في أل في مثل أفلح المتقي ربه، فمنهم من جعلها اسم موصول، وذهب الأخفش إلى أنها حرف تعريف، أما المازني فقال: إنها موصول حرفي، ويضعف رأيه أنها لا تؤول بمصدر6.
وعناية المازني بالنحو ومسائله لا تقاس في شيء إلى عنايته بالتصريف، وقد ألف فيه كتابا وَسَمه بهذا الاسم، شرحه ابن جني كما أسلفنا، وهو كتاب نفيس جمع فيه موضوعات التصريف المتناثرة في كتاب سيبويه، ونظَّمها لأول مرة وصاغها صياغة علمية متقنة إلى أبعد حدود الإتقان، ونراه يقول بعد إيراده كثيرا من أمثلة "أبنية" الأسماء والأفعال المجردة والمزيدة:"إنما كتبتُ لك في صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة "الأبنية"؛ لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بنت
1 الهمع 1/ 17.
2 الخصائص 3/ 305، والهمع 1/ 146.
3 الإنصاف ص6، والهمع 1/ 38.
4 الزجاجي ص94، والإنصاف ص250، وأسرار العربية ص337.
5 الهمع 1/ 61.
6 الهمع 1/ 84.
من الأسماء والأفعال، فإذا سُئلت عن مسألة فانظر هل بنتِ العرب على مثالها، فإن كانت بنت فابْنِ مثل ما بنت
…
وسأصنع لك من كل شيء من هذا الباب رسما تقيس عليه ما كان مثله"1. ودائما يقول: "ما قِيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب"2.
وفي رأينا أنه هو الذي فتح باب التمارين غير العملية في الصرف على مصاريعه، كأن يقال: ابن من ضرب على مثال جعفر، فيقال: ضَرْبَب، أو ابن منها على مثال قِمَطْر فيقال: ضِرَبّ3، أو ابن منها على مثال سفرجل فيقال: ضربَّب، وتقول من علم على نفس الوزن: علمَّم، ومن ظرف: ظرفَّف4.
وكان يتشدد في الأخذ بالقياس ويرد ما لا يطرد معه من لغة العرب، ومن بعض القراءات للذكر الحكيم، ومن خير ما يصور ذلك عنده ردّه لقراءة نافع معايشَ بالهمز في قوله تعالى:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} فقد كان يقرأ معايش ومعائش بالهمز، والقياس فيها الياء. ونراه يعرض لتلك القراءة على هدي ما أثاره فيها الفراء، على نحو ما سنصور ذلك في الفصل الخاص به، يقول:"فأما قراءة من قرأ من أهل المدينة معائش بالهمز فهي خطأ، فلا يلتفت إليها، وإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم ولم يكن يدري ما العربية "علم النحو" وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا، وقد قالت العرب: مصائب، فهمزوا وهو غلط
…
وكأنهم توهموا أن مصيبة على مثال فعيلة، فهمزوها حين جمعوها كما همزوا جمع سفينة سفائن، وإنما مصيبة مُفْعلة من أصاب يصيب وأصلها مُصْوِبة، فألقوا حركة الواو على الصاد، فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة، فأبدلت ياء للكسرة قبلها، وأكثر العرب يقول: مصاوب، فيجيء بها على القياس"5. وإنما منع أن تجمع معيشة على معائش بالهمز؛ لأن حرف اللين عين الكلمة إذ هي من عاش، وحرف اللين إنما يقلب همزة إذا كان مزيدا على حروف الكلمة مثل رسالة ورسائل، وعجوز
1 المنصف 1/ 95.
2 الخصائص 1/ 357.
3 المنصف 1/ 173.
4 المنصف 1/ 175.
5 المنصف 1/ 307.
وعجائز، وصحيفة وصحائف.
وخالف سيبويه في كثير من مسائل التصريف عن بصيرة إذ كان يقول: "إذا قال العالم قولا متقدما، فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له والاحتجاج لخلافه إن وجد إلى ذلك سبيلا"1. ونحن نعرض بعض خلافاته مع سيبويه وأستاذه الخليل. من ذلك أن الخليل كان يرى أن وزن دُلامص أي: الأملس البراق على مثال فُعامل بزيادة الميم على حروفها الأصلية لقول العرب: دليص ودِلاص، وذهب المازني إلى أن وزنها فعالل أي: إن الميم أصلية في بنائها، وزكَّى ابن جني رأي الخليل لمجيء دليص بمعناها عن العرب2. وكان الخليل يرى أن خطايا وما يماثلها قُلبت لامها في مفردها وهي الهمزة في خطيئة موضع الياء، إذ كانت في أصل جمعها: خطايئ؛ فقلبت الهمزة في موضع الياء، فصارت خطائي، فأبدلت الكسرة فتحة وأعلت الياء فقلبت ألفا، وقلبت الهمزة التي تطرفت ياء فصارت خطايا على وزن فَعالى. وذهب المازني إلى أن خطايا وما يشاكلها مثل رزايا على وزن فعائل؛ لأنك تهمز ياءها في المفرد حين تجمعها كما تهمز ياء قبيلة وسفينة فتقول: قبائل وسفائن، كذلك تقول: خطائئ بهمزتين، وتقلب الثانية ياء فتصير خطائي، ثم تبدل مكان الياء ألفا فتصبح خطاءا، والهمزة قريبة المخرج من الألف، فكأنك جمعت بين ثلاث ألفات، مما جعلهم يبدلون الهمزة ياء، وبذلك صارت خطايا3. وذهب الخليل إلى أن حذف عين الفعل "استحيا" بحيث أصبح استحى إنما هو لالتقاء الساكنين في مثل استحييتُ، ورأى المازني أنها لو حذفت لهذه العلة لوجب رجوعها حين تحرك اللام بالضمة ويزول سكونها، فتصبح يستحيُّ، وفي رأيه أن عين استحيا إنما حذفت تخفيفا لكثرة الاستعمال4. وكان سيبويه يرى أن صيغة فعلَّل الخماسية لا تكون إلا صفة، وذهب المازني إلى أنها تكون صفة واسما5. وذهب سيبويه إلى أن كلمة {أَشُدَّهُ} في قوله تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} جمع شدة كنعمة وأنعم، وذهب المازني إلى أنها اسم جمع لا واحد له6. وكان سيبويه يرى أن لا يرد المحذوف
1 الخصائص 1/ 197.
2 المنصف 1/ 151.
3 المنصف 2/ 54-57.
4 المنصف 2/ 201.
5 المنصف 1/ 30، وقابل بالكتاب 2/ 341.
6 الخصائص 1/ 86.
في بناء الكلمة حين تتحول إلى صيغة التصغير، فتصغير مثل هار، وهو البئر، ويضع اسم رجل هو: هُوَيْر ويُضَيْع، وكان المازني يرى أن يُرَدّ المحذوف، فيقال: هويئر ويويضع؛ لأن أصل هار هائر وخففت، وأصل يضع يوضع من وضع وحذفت الواو1. وكان يشترط في المصغر كله أن يكون على مثال الأسماء، ومن أجل ذلك كان يمنع من تصغير انفعال وافتعال، فلم يجز -كما أجاز سيبويه- في انطلاق "نُطَيْليق"، ولا في افتقار "فتيقير"؛ لأنه ليس لهما مثال في الأسماء، بل كان يحذف بعض حروفهما حتى يصير إلى مثال الأسماء، فيقول في تصغيرهما: طليق وفقير. وكذلك كان لا يجيز في المثالين جمعهما جمع تكسير على نطاليق وفتاقير، كما ذهب إلى ذلك سيبويه، بل كان يجمعهما على طلائق وفقائر بحذف الألف والنون والتاء2. وكان سيبويه يرى قياس اسم التفضيل من صيغة الفعل الماضي المصوغ على أفعل مثل أكرم، فيقال: هو أكرم من زيد، وذهب المازني إلى منع القياس في ذلك حتى لا تلتبس صيغة اسم التفضيل المشتقة من الفعل الثلاثي بصيغته من الفعل الرباعي، فأكرم عنده تفضيلا مشتقة من كرم، أما التفضيل من أكرم فتطبق عليه طريقة الفعل المزيد، إذ يؤتى بمصدره ويسبقه تفضيل من مثل كثر، فيقال: أكثر إكراما3. وكان يذهب إلى أن القياس في الإلحاق إنما يطرد في لام الكلمة مثل قعدد ومهدد، أما الإلحاق في وسط الكلمة مثل إلحاق الواو في جوهر وجدول والياء في بيطر، فشاذ لا يقاس عليه4.
ولعل فيما قدمت ما يوضح إمامة المازني وخاصة في علم التصريف، وبدون ريب هو الذي نظم قواعده ومسائله، وهو الذي فصله عن النحو الذي كان مخلوطا به في كتاب سيبويه، وأقامه علما مستقلا بأبنيته وأقيسته وتمارينه الكثيرة التي ذلل بها شوارده، ويسرها للباحثين من بعده أمثال أبي علي الفارسي وابن جني، وكأنما سخرت له اللغة ليستتم صنيع الخليل وسيبويه في صياغة قواعد التصريف
1 الخصائص 3/ 71.
2 الهمع 2/ 181، 187.
3 المفصل للزمخشري "الطبعة الأولى بالقاهرة" ص235.
4 الخصائص 1/ 225، 357، والمنصف 1/ 41.
صياغة تُبنَى على الضبط الدقيق، وسلامة التطبيق. وعلى نحو ما كان إماما في التصريف، كان إماما في النحو حتى ليقول المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان المازني1. والمبرد أشهر تلاميذه وأنبه نحاة البصرة من بعده. ولعل القارئ لاحظ أننا أسقطنا في حديثنا عن نحاة النصف الأول من القرن الثالث الهجري التَّوَّزي وأبا حاتم والزيادي والرياشي؛ لأن اهتمامهم إنما انصب على رواية اللغة والشعر أكثر من انصبابه على النحو؛ ولذلك قلما صادفتنا لهم آراء نحوية، فهم بأن يكونوا لغويين أشبه منهم بأن يكونوا نحويين. وهذا نفسه يلاحظ في تلاميذ الخليل سوى سيبويه ممن ذكرتهم كتب تراجم النحاة مثل: النضر بن شُمَيْل ومؤرَّج بن عمرو السدوسي وعلي بن نصر الجهضمي والليث بن نصر بن سيار، فقد كانوا لغويين، وقلما عُنُوا بمسائل النحو ومشاكله.
1 إنباه الرواة 1/ 248.