المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ نشوء المدرسة البغدادية: - المدارس النحوية

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌القسم الأول: المدرسة البصرية

- ‌الفصل الأول: البصرة واضعة النحو

- ‌ أسباب وضع النحو:

- ‌ البصرة تضع النحو:

- ‌ أوائل النحاة:

- ‌الفصل الثاني: الخليل

- ‌ نشاطه العقلي والعلمي:

- ‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الثالث: سيبويه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌الكتاب:

- ‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ الأخفش الأوسطوتلاميذه

- ‌ الأخفش الأوسط

- ‌ قُطْرب

- ‌الفصل الخامس:‌‌ المبرّدوأصحابه

- ‌ المبرّد

- ‌ الزجاج

- ‌ ابن السراج

- ‌ السيرافي

- ‌القسم الثاني: المدرسة الكوفية

- ‌الفصل الأول: نشأة النحو الكوفي وطوابعه

- ‌ النشأة:

- ‌ النحو الكوفي يشكل مدرسة مستقلة:

- ‌ الاتساع في الرواية والقياس:

- ‌ المصطلحات، وما يتصل بها من العوامل والمعمولات:

- ‌الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ تأسيسه للمدرسة الكوفية:

- ‌ تلاميذ الكسائي:

- ‌الفصل الثالث: الفراء

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ بسط السماع والقياس، وقبضهما حتى في القراءات:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ ثعلبوأصحابه

- ‌ ثعلب

- ‌ أصحاب ثعلب:

- ‌ كوفيون متأخرون:

- ‌القسم الثالث: مدارس مختلفة

- ‌الفصل الأول: المدرسة البغدادية

- ‌ نشوء المدرسة البغدادية:

- ‌أبو علي الفارسي

- ‌ ابن جني

- ‌ بغداديون متأخرون:

- ‌الفصل الثاني: المدرسة الأندلسية

- ‌ النشاط النحوي في الأندلس:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية، وكثرة التعليلات والآراء:

- ‌ ابن مالك:

- ‌ أندلسيون متأخرون:

- ‌الفصل الثالث: المدرسة المصرية

- ‌ النشاط النحوي في مصر:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية:

- ‌ ابن هشام:

- ‌ نحاة متأخرون:

- ‌خاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ نشوء المدرسة البغدادية:

‌القسم الثالث: مدارس مختلفة

‌الفصل الأول: المدرسة البغدادية

1-

‌ نشوء المدرسة البغدادية:

اتبع نحاة بغداد في القرن الرابع الهجري نهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعا، وكان من أهم ما هيأ لهذا الاتجاه الجديد أن أوائل هؤلاء النحاة تتلمذوا للمبرد وثعلب، وبذلك نشأ جيل من النحاة يحمل آراء مدرستيهما ويعنى بالتعمق في مصنفات أصحابهما والنفوذ من خلال ذلك إلى كثير من الآراء النحوية الجديدة.

وكان من هذا الجيل من يغلب عليه الميل إلى الآراء الكوفية ومن يغلب عليه الميل إلى الآراء البصرية، فاضطرب كُتَّاب التراجم والطبقات إزاءه، فمنهم من حاول تصنيف أفراده في المدرستين الكوفية والبصرية على نحو ما صنع الزبيدي في طبقاته، ومنهم من أفردهم بمدرسة مستقلة كما صنع ابن النديم في الفهرست، وإن كان قد أدخل فيهم نفرا ليس لهم نشاط نحوي مذكور مثل ابن قتيبة، وأبي حنيفة الدينوري.

وحاول بعض الباحثين المعاصرين أن ينفي وجود المدرسة البغدادية، معتمدا على من ينظمون أفرادها في البصريين والكوفيين، وأن علمين من أعلام جيلها الثاني ينسبان أنفسهما في البصريين، وهما أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني، إذ يعبران في تصانيفهما عنهم كثيرا بكلمة أصحابنا1، وينتصران في أغلب الأمر للآراء البصرية وكثيرا ما يطلق ابن جني على الكوفيين اسم البغداديين2، وكأنهم مدرسة واحدة.

1 انظر: أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي "طبع مطبعة نهضة مصر" ص106، والخصائص لابن جني "طبعة دار الكتب المصرية سنة 1952" 1/ 137، وسر صناعة الإعراب "طبعة الحلبي" 1/ 267.

2 الخصائص 1/ 18 وقارن بـ 1/ 199.

ص: 245

ولا يكفي أن ينسب ابن جني وأبو علي الفارسي أنفسهما في البصريين، لنعدهما حقا منهم، فإنهما اتبعا في مصنفاتهما المذهب البغدادي الانتخابي، وإن كانت قد غلبت عليهما النزعة البصرية، وهي لا تخرجهما عن دوائر الاتجاه البغدادي القائم على الانتخاب من آراء البصريين والكوفيين. وعلى غرارهما الزجاجي آخر الجيل الأول من البغداديين.

أما إطلاق ابن جني اسم البغداديين على الكوفيين أحيانا، فيرجع إلى أن جمهور الجيل الأول من البغداديين كانت تغلب عليه النزعة الكوفية، فسماهم الكوفيين تارة، وتارة سماهم البغداديين، وأهمهم ثلاثة: ابن كيسان المتوفى سنة 299 للهجرة، وابن شُقَيْر1 المتوفى سنة 315، وابن الخياط2 المتوفى سنة 320، وفيهم يقول الزجاجي:"من علماء الكوفيين الذين أخذت عنهم: أبو الحسن بن كيسان وأبو بكر بن شقير وأبو بكر بن الخياط؛ لأن هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين، وكان أول اعتمادهم عليه، ثم درسوا علم البصريين بعد ذلك فجمعوا بين العلمين"3.ويصرح الزجاجي في موضع آخر بأن هؤلاء الأعلام ومعهم ابن الأنباري الكوفي الخالص، هم الذين ينقل عنهم احتجاجات الكوفيين لآرائهم، فهم الذين ضبطوا هذه الاحتجاجات ووثقوها وأحكموها، يقول في كتابه الإيضاح بعد أن أورد جملة وجوه الاحتجاج لآراء الكوفيين التي سردها في الكتاب سردا: "وإنما نذكر هذه الأجوبة عن الكوفيين على حسب ما سمعنا مما يحتج به عنهم من ينصر مذهبهم من المتأخرين وعلى حسب ما في كتبهم إلا أن العبارة عن ذلك بغير ألفاظهم والمعنى واحد؛ لأنا لو تكلفنا حكاية ألفاظهم بأعيانها لكان في نقل ذلك مشقة علينا من غير زيادة في الفائدة، بل لعل أكثر ألفاظهم لا يفهمها من لم ينظر في كتبهم، وكثير من ألفاظهم قد هذبها من نحكي

1 راجع في ترجمة ابن شقير: السيرافي ص109 حيث سلكه في البصريين، وكذلك الزبيدي ص128، وانظر تاريخ بغداد 4/ 89، ونزهة الألباء ص251، ومعجم الأدباء لياقوت 3/ 11، وإنباه الرواة 1/ 34، وبغية الوعاة ص130.

2 انظر في ترجمته: طبقات الزبيدي ص128، ونزهة الألباء ص247، ومعجم الأدباء 17/ 141، وإنباه الرواة 3/ 54، وبغية الوعاة ص19.

3 الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص79.

ص: 246

عنه مذهب الكوفيين مثل ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط وابن الأنباري، فنحن إنما نحكي علل الكوفيين على ألفاظ هؤلاء ومن جرى مجراهم، مع أنه لا زيادة في المعنى عليهم ولا بخس حظ يجب لهم"1.

ومعنى ذلك أن ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط الذين جمعوا بين علمي البصرة والكوفة كما يقول الزجاجي، هم الذين اشتقوا احتجاجات الكوفيين في جملتها، وهم الذين انتزعوا مقاييسها وعللها، مع ما أمدهم به الكوفيون من الكسائي إلى ابن الأنباري.

وكان تثقفهم بالنحو البصري وما بُسط فيه من العلل والمقاييس ووجوه الاحتجاج مادة صاغوا منها عملهم. وبذلك تتضح لنا صحة ما رواه صاحب الإنصاف من احتجاجات الكوفيين بإزاء احتجاجات البصريين، فإن من يبحث عن هذه الاحتجاجات فيما وصلنا من كتابات الفراء وثعلب قلما يجد لها أصلا عندهما، مما قد يدعو إلى الشك في صحتها وأنها قد تكون من عمل بصريين متأخرين كما ظن ذلك فايل في مقدمته للإنصاف، وهو ظن واهم، إنما هي من عمل أوائل البغداديين ممن سميناهم وأمثالهم، ممن حاولوا -كما لاحظ الزجاجي- الاحتجاج للآراء الكوفية والاحتيال لها والتلطف في بيانها. وهم أنفسهم الذين يطلق عليهم ابن جني تارة اسم الكوفيين مدمجا فيهم سابقيهم من أمثال الكسائي والفراء، وتارة يطلق عليهم اسم البغداديين، يقصدهم وحدهم دون من تقدموهم من الكوفيين، وهو الاسم الصحيح الذي يتطابق مع ما أكدته كتب التراجم من خلطهم بين آراء المدرستين الكوفية والبصرية.

وكان يعاصرهم من يخلط بين آراء المدرستين نازعا نزعة بصرية قوية، على نحو ما يلقانا عند الزجاجي، وخلفه أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وكانا أشد منه نزوعا إلى آراء المدرسة البصرية، ولعلهما من أجل ذلك كانا ينسبان أنفسهما إلى تلك المدرسة، مما جعل الأمر يغم على بعض المعاصرين، فيضيفهما إلى البصريين2، وهما -كما سنرى عما قليل- بغداديان، يقفان غالبا مع

1 الزجاجي ص131.

2 انظر مقدمة الشيخ محمد علي النجار لكتاب الخصائص ص44.

ص: 247

البصريين وقد يقفان مع الكوفيين حسب ما يقتضيه اجتهادهما، وقد يخالفانهما جميعا حسب ما صح عندهما من الرأي الصائب.

وتلك هي المنازِع العامة للمدرسة البغدادية، وكأنما اتجهت اتجاهين: اتجاها مبكرا عند ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط نزع فيه أصحابه إلى آراء المدرسة الكوفية وأكثروا من الاحتجاج لها، مع فتح الأبواب لكثير من آراء المدرسة البصرية، وأيضا مع فتح باب الاجتهاد لبعض الآراء الجديدة، واتجاها مقابلا عند الزجاجي ثم عند أبي علي الفارسي وابن جني، نزع فيه أصحابه إلى آراء المدرسة البصرية وهو الاتجاه الذي ساد فيما بعد لا في مدرسة بغداد وحدها، بل في جميع البيئات التي عُنيت بدراسة النحو. ولعل من الخير أن نقف وقفة قصيرة عند أهم من مثلوا المنزعين في نشأة تلك المدرسة، وهما: ابن كيسان والزجاجي، ثم نتلوهما بالحديث عن أبي علي الفارسي وابن جني ومن جاء في إثرهما من نحاة إيران والعراق والشام ممن استضاءوا بمنهجهما النحوي في نشاطهم العلمي.

ابن كيسان 1:

هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان، وسلكه بروكلمان وبعض كتاب التراجم في المدرسة البصرية، وهو يعد أول أئمة المدرسة البغدادية، فقد توفي سنة 299 للهجرة، وكان قد أخذ عن المبرد وثعلب وأتقن مذهبي البصريين والكوفيين في النحو، وكان أبو بكر بن مجاهد إمام القراء في عصره يقول: هو أنحى من ثعلب والمبرد، وصنف كتبا كثيرة منها: كتاب اختلاف البصريين والكوفيين، وكتاب الكافي في النحو، وكتاب التصاريف، وكتاب المختار في علل النحو في ثلاث مجلدات، وقد أشار إليه الزجاجي في الإيضاح، ولعله هو الذي عُني فيه بوضع احتجاجاته لآراء المدرسة الكوفية.

1 انظر في ترجمة ابن كيسان: الزبيدي ص170، والسيرافي ص108، ومراتب النحويين ص140، ونزهة الألباء ص235، وتاريخ بغداد 1/ 335، ومعجم الأدباء 17/ 137، وإنباه الرواة 3/ 57، ومرآة الجنان 2/ 236، وشذرات الذهب 2/ 232، وبغية الوعاة ص8.

ص: 248

وفي كلام الزجاجي عنه ما يدل على أنه كان يعنى بحدود النحو، فقد نقل عنه حد الاسم بقوله:"الأسماء: ما أبانت عن الأشخاص وتضمنت معانيها نحو: رجل وفرس"، ثم قال:"ولابن كيسان في كتبه حدود للاسم غير هذا هي من جنس حدود النحويين، وحدّه في الكتاب المختار بمثل الحد الذي ذكرناه من كلام المنطقيين"1 يريد: حدهم له بقولهم: "الاسم: صوت موضوع دالّ باتفاق على معنى غير مقرون بزمان"2. ولعل في ذلك ما يدل على أن ابن كيسان كان يأخذ نفسه بثقافة منطقية عميقة، ويقول مترجموه: إنه كان يمتاز بحدة خاطره وبعد غوصه وغرائب قياساته، ويضربون مثلا لذلك أنه سئل عن قراءة آية سورة طه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} ما وجهها من الإعراب؟ فقال: نجعلها مبنية "أي: تلزم الألف في حالتي النصب والجر" فسئل عن علة بنائها فقال: لأن المفرد منها مبني وهو هذا، وكذلك الجمع هؤلاء مبني، فنجعلها مبنية مثلهما.

ويقول مترجموه أيضا: إنه مزج النحوين: البصري والكوفي، فأخذ من كل واحد منهما ما غلب على ظنه صحته، واطرد له قياسه، وترك التعصب لأحد الفريقين على الآخر. وتدور له في كتب النحو آراء كثيرة، منها ما وافق فيه البصريين ومنها ما وافق فيه الكوفيين ومنها ما وصل إليه باجتهاده وبعد غوره، فمما وافق فيه البصريين ذهابهم إلى أن الناصب للمضارع بعد لام التعليل أن مضمرة مثل: جئت لأكرمك، وإنما قدروا بعدها أن لأنها قد تظهر في مثل قولك: جئت لأن أكرمك. ومع ارتضائه هذا الرأي البصري أضاف إليه أنه يجوز أن يكون الناصب بعد لام التعليل كي محذوفة لمجيئها أيضا في مثل قولك: جئت لكي أكرمك، ومعروف أن الكوفيين يذهبون إلى أن لام التعليل تنصب المضارع بنفسها دون حاجة إلى تقدير أن كما ذهب البصريون3. وكان يذهب مذهب المبرد وابن السراج تلميذه في أن العامل في التابع من النعت والتأكيد وعطف البيان هو العامل في المتبوع ينصبّ عليهما انصبابة واحدة، وكان الخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن العامل فيها جميعا هو التبعية4. وكان يرى رأي الزجاج في أن الضمير

1 الزجاجي ص50.

2 انظر الزجاجي ص48.

3 المغني ص231، والهمع 2/ 16.

4 الهمع 2/ 115.

ص: 249

من "هو وهي" الهاء فقط والواو والياء زائدتان لحذفهما في المثنى والجمع، بينما كان يرى بقية البصريين أن هو وهي جميعا أصلان1. وكان يتابع يونس في أن "إما" في مثل قولك: جاء إما زيد وإما عمرو ليست عاطفة، وإنما العطف بالواو التي قبلها2.

ومما كان يوافق فيه الكوفيين جواز تقديم خبر "ما زال" عليها، فتقول: قائما ما زال زيد، بينما كان البصريون لا يجيزون مثل هذا التعبير3. وكان يوافقهم في أن "إيا" عماد في "إياك وإياي وإياه وأخواتها" والضمير ما يتلوها، بينما ذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمازني إلى أن الاسم المضمر هو "إيا" وما بعده حرف يدل على أحوال المرجوع إليه من الخطاب والتكلم والغيبة4.

ووافقهم في أن الاسم المؤنث علما لرجل مثل طلحة يجوز أن يجمع جمع مذكر سالما فيقال: طلحون، وكان الكوفيون يوجبون سكون عينه، بينما جوز فتحها قياسا على الجمع بالألف والتاء، إذ يقال: طلحات بفتح اللام وكان البصريون لا يجيزون جمع هذا العلم إلا جمع مؤنث سالما5. ومما وافقهم فيه جواز التوكيد بأكتع وأبصع وأبتع دون ذكر لكلمة جميع، فيقال: جاءوا أكتعون، واشترط البصريون سبق كلمة أجمع لها فلا يقال عندهم إلا: "جاءوا أجمعون أكتعون"، واستدل ابن كيسان والكوفيون بسماع مثل قول بعض الشعراء:

تحملني الذلفاء حولا أكتعا6

وكان يذهب مذهبهم في أن مثل ثلاث ورباع ممنوع من الصرف للعلمية والعدل، بينما ذهب البصريون إلى أن المانع الوصفية والعدل، بدليل وقوعه حالا في مثل: جاءني القوم مثنى7. ومنع الفراء الفصل بين اسم إن وخبرها في مثل: "إن زيدا لأظن قائم، وإن زيدا لغير شك قائم، وإن زيدا لئن شاء الله قائم"، واحتج لذلك ابن كيسان بقوله: إنما امتنع ذلك؛ لأنه كلام معترض به من إخبارك عن نفسك كيف وصفت الخبر عن زيد شكا كان عندك أو يقينا،

1 ابن يعيش 3/ 97، والهمع 1/ 61.

2 الهمع 2/ 135.

3 ابن يعيش 7/ 113.

4 الرضي على الكافية 2/ 9.

5 الرضي 2/ 168.

6 الهمع 2/ 123.

7 الرضي 1/ 36.

ص: 250

والتوكيد إنما هو لخبر زيد لا لخبرك عن نفسك؛ لأن "إن" لا تتعلق بخبرك وهي متجاوزة إلى الخبر1.

ولابن كيسان بجانب ذلك آراء اجتهادية كثيرة انفرد بها، فمن ذلك أنه كان يجوِّز تذكير الفعل مع المبتدأ المؤنث المجازي مثل:"الشمس طلع" لمجيء ذلك على لسان الشعراء في مثل:

ولا أرض أبقل إبقالها

كما جوز تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث الحقيقي بدون فاصل لقول بعض الشعراء:

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما

واستدل أيضا بأن سيبويه حكى عن بعض العرب: "قال فلانة"2. وكان يعتل بأن الحال سدت مسد الخبر في مثل: "كتابتي الشعر قائما" لشبهها بالظرف فكأنما قيل: كتابتي الشعر في حال قيام3. وذهب الجمهور إلى أن أمس بُنيت لتضمنها معنى لام التعريف، بينما ذهب ابن كيسان إلى أن علة بنائها تضمنها معنى الفعل الماضي، وأُعربت "غد" لأنها في معنى الفعل المستقبل وهو معرب4. وكان يذهب إلى جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور، مستدلا بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} بينما كان سيبويه وكثير من البصريين يمنعون ذلك5. وذهب الجمهور في مثل: ما قام زيد ولكن عمرو إلى أن الواو هي العاطفة ولكن حرف ابتداء، بينما ذهب ابن كيسان إلى أن لكن هي العاطفة والواو زائدة6. ومنع الجمهور جمع مثل أحمر جمع مذكر سالما وكذلك جمع حمراء جمع مؤنث سالما ومثلهما سكران وسكرى، وجوز ذلك ابن كيسان، فيقال في رأيه: أحمرون وحمراوات وسكرانون وسكرايات7.

ولعل في كل ما قدمنا ما يدل على براعة ابن كيسان وكيف ابتدأ المدرسة البغدادية، فهو يعكف على آراء الكوفيين والبصريين دارسا فاحصا، منتخبا لنفسه طائفة من الآراء البصرية وأخرى من الآراء الكوفية ومشتقا لنفسه آراء جديدة مبتكرة.

1 الهمع 1/ 140.

2 المغني ص731، والهمع 2/ 171.

3 الهمع 1/ 106.

4 الهمع 1/ 208.

5 الرضي 1/ 89.

6 المغني ص324، والهمع 2/ 138.

7 الرضي 2/ 169.

ص: 251

الزجاجي1:

هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، من أهل الصيمرة الواقعة بين ديار الجبل وديار خوزستان، نشأ بنهاوند جنوبي همذان، وانتقل إلى بغداد ينهل من حلقات العلماء، ولزم الزجاج البصري وقرأ عليه النحو، ومنه لزمه لقبه الزجاجي. ورحل إلى الشام فأقام بحلب مدة، ثم تركها إلى دمشق واتخذها دار مقام له، وأكب على تصانيفه فيها وإملاءاته للطلاب، وحدث أن خرج إلى طبرية، فمات بها سنة 337 للهجرة، وقيل: بل سنة 340. وقد خلّف مصنفات كثيرة نشر منها أماليه الوسطى مع تعليقات للشنقيطي وهي تزخر باللغة والأخبار ومجالس العلماء، وهي تحكي محاورات لطائفة كبيرة منهم أكثرها في مسائل لغوية ونحوية. ونشر له أيضا كتاب الإيضاح في علل النحو، وكتاب الجمل وهو مختصر في قواعد النحو نال شهرة مدوية في العصور الوسطى، إذ عكف عليه العلماء بالدرس والشرح حتى قالوا: إن شروحه زادت عن مائة وعشرين شرحا.

وقد استقصى في كتابه الإيضاح علل النحو البصري والكوفي، ونص كما مر بنا آنفا على أن الذين حرروا العلل الكوفية هم ابن الأنباري وأوائل البغداديين: ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط، وأضاف أن له في ذلك نصيبا إذ قال:"وأكثر ما أذكره من احتجاجات الكوفيين إنما أعبر عنه بألفاظ البصريين"2 فهم الذين نهجوا التعبير عن العلل وذللوه ومهدوه. وكان أكثر علم الكوفيين عند الكسائي وثعلب بدون علل، حتى جاء ابن كيسان وخالِفوه، فاستعاروا من البصريين لغتهم وطريقتهم في الاحتجاج وغمسوا فيهما النحو الكوفي.

ومن يقرأ الكتاب يرى الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والفقه، أو بعبارة أدق: عللها جميعا

1 انظر في ترجمة الزجاجي: الزبيدي ص129، ونزهة الألباء ص306، والأنساب للسمعاني الورقة 272، وإنباه الرواة 2/ 160، وشذرات الذهب 2/ 357، ومرآة الجنان 2/ 332، وابن خلكان 1/ 389، والنجوم الزاهرة 3/ 302، وبغية الوعاة ص297.

2 الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص80.

ص: 252

تمس جوانب التعليل والاحتجاج فيه. وهو يستهله بالحديث عن تقسيم سيبويه الكلام إلى: اسم وفعل وحرف، محتجا لصحة هذا التقسيم. وما يلبث أن يتحدث عن حدود الاسم والفعل والحرف، ويلتمس عند المناطقة تعريفهم للحد، ويقف بإزاء اختلاف النحاة في حدودهم، ويقول: إنه ليس اختلاف تضاد بل هو كاختلاف الفلاسفة في حدهم للفلسفة، ويقابل بين تعريف المناطقة للاسم وتعريف النحاة، بادئا بسيبويه ثم الأخفش ثم ابن كيسان ثم المبرد، ويرتضي تعريفه ناقضا ما يرد عليه من بعض الاعتراضات، وكذلك يصنع بحد الفعل وحد الحرف. ثم يقف عند اختلاف البصريين والكوفيين في المصدر والفعل: أيهما مأخوذ من صاحبه؟ ويفيض في بيان احتجاجات كل فريق، محاولا إضعاف الحجج الكوفية. ويفتح فصلا لدراسة العلل النحوية ويقسمها إلى: تعليمية مثل نصب "زيدا" في قولنا: "إن زيدا قائم" وتعليل ذلك بأنه اسم إن، وقياسية مثل التعليل لعمل إن النصب والرفع في معموليها بالفعل المتعدي لواحد، وجدلية مثل التعليل لتقدم منصوبها على مرفوعها مخالفة بذلك الفعل الذي شبهت أو قيست في عملها به. ويستظهر هنا قاعدة فقهية أصولية، فقد قيست إن على الفعل الذي تقدم مفعوله على فاعله وهو فرع للفعل الذي يتقدم عادة فاعله على مفعوله، والأصل المعروف في الفقه أن يقاس على الأصول لا على الفروع. ويتلو ذلك بفصول عن الإعراب والكلام: أيهما أسبق؟ ولم دخل الإعراب في الكلام؟ وهل الإعراب حركة أو حرف؟ وهل هو أصل في الأسماء والأفعال جميعا، أو هو أصل في الأسماء فرع في الأفعال المضارعة؟ وهل حقا نشأت الأسماء قبل الأفعال وتبعتها الحروف؟ وأي الأفعال أسبق في التقدم؟ وما حقيقة المضارع؟ وما الفرق بين النحو واللغة؟ وما معنى الرفع والنصب والجر؟ وما علة دخول التنوين في الكلام؟ ولماذا ثقل الفعل وخف الاسم؟ وما علة امتناع الأسماء من الجزم؟ وما علة امتناع الأفعال من الخفض؟ وما معنى التثنية والجمع؟ وهل الألف والياء والواو فيهما إعراب أو حروف إعراب؟ وكل مسألة يرى فيها جدالا أو حجاجا بين البصرين والكوفيين يوردها مفصلا القول فيها، وقد يضيف من عنده وجوها من العلل والأقيسة، وهي جميعا تغمس

ص: 253

في اصطلاحات المناطقة والمتفلسفة والمتكلمين وأصحاب علم الأصول. ونحس في وضوح أنه يقف مع البصريين مناضلا مدافعا، مما يؤكد نزعة بصرية قوية في مباحثه وكأنه كان استهلالا لانصراف البغداديين عن النزعة الكوفية إلى النزعة البصرية التي سادت بعده إلا قليلا.

وكتاب الجمل أفرده لقواعد النحو والصرف، وحظي بشهرة مدوية لدقته ووضوح عبارته واستيعابه لدقائق النحو البصري التي يحتاجها الناشئة، وقد ألحق به فصلا عن الخط والإملاء، وهو فيه بعامة يتبع نظام النحو البصري؛ لأنه فعلا النظام السديد الذي أحكم بناؤه، ومع ذلك نراه يستعير من الكوفيين بعض مصطلحاتهم، فقد سمى -متابعا لهم- نائب الفاعل باسم ما لم يسم فاعله، وسمى الصفة النعت والشركة عطف النسق.

وإذا أخذنا نتعقب آراءه التي تدور في كتب النحاة وجدناه يتابع البصريين غالبا، وقد يتابع الكوفيين على نحو ذهابه مذهبهم في أن كأن إذا كان خبرها اسما جامدا كانت للتشبيه مثل: كأن زيدا أسد، وإذا كان مشتقا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت مثل: كأن زيدا قائم، وقد تأتي للتحقيق مثل قول الحارث بن خالد المخزومي:

فأصبح بطن مكة مقشعرا

كأن الأرض ليس بها هشام

وكان البصريون يذهبون إلى أنها للتشبيه دائما ولا معنى لها سواه1. وكان يكثر من التوقف بإزاء آراء الكوفيين والبصريين جميعا، محاولا استنباط رأي جديد، من ذلك أن سيبويه كان يذهب إلى أن سوى ظرف مكان دائما، وذهب الكوفيون إلى أنها ظرف متمكن يستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا، أما هو فذهب إلى أنها ليست ظرفا ألبتة وأنها تقع فاعلا في مثل: جاء سواك، ومفعولا به في مثل: رأيت سواك، وبدلا أو استثناء في مثل: ما جاءني أحد سواك أي: إنه يجوز فيها حينئذ الرفع على البدلية والنصب على الاستثناء2. وكان جمهور البصريين يذهب إلى أنه إذا وُصلت إن وأخواتها بما بطل عملها ما عدا ليت،

1 المغني ص209، والهمع 1/ 133.

2 المغني ص151، والهمع 1/ 202.

ص: 254