المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ نحاة متأخرون: - المدارس النحوية

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌القسم الأول: المدرسة البصرية

- ‌الفصل الأول: البصرة واضعة النحو

- ‌ أسباب وضع النحو:

- ‌ البصرة تضع النحو:

- ‌ أوائل النحاة:

- ‌الفصل الثاني: الخليل

- ‌ نشاطه العقلي والعلمي:

- ‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الثالث: سيبويه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌الكتاب:

- ‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ الأخفش الأوسطوتلاميذه

- ‌ الأخفش الأوسط

- ‌ قُطْرب

- ‌الفصل الخامس:‌‌ المبرّدوأصحابه

- ‌ المبرّد

- ‌ الزجاج

- ‌ ابن السراج

- ‌ السيرافي

- ‌القسم الثاني: المدرسة الكوفية

- ‌الفصل الأول: نشأة النحو الكوفي وطوابعه

- ‌ النشأة:

- ‌ النحو الكوفي يشكل مدرسة مستقلة:

- ‌ الاتساع في الرواية والقياس:

- ‌ المصطلحات، وما يتصل بها من العوامل والمعمولات:

- ‌الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ تأسيسه للمدرسة الكوفية:

- ‌ تلاميذ الكسائي:

- ‌الفصل الثالث: الفراء

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ بسط السماع والقياس، وقبضهما حتى في القراءات:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ ثعلبوأصحابه

- ‌ ثعلب

- ‌ أصحاب ثعلب:

- ‌ كوفيون متأخرون:

- ‌القسم الثالث: مدارس مختلفة

- ‌الفصل الأول: المدرسة البغدادية

- ‌ نشوء المدرسة البغدادية:

- ‌أبو علي الفارسي

- ‌ ابن جني

- ‌ بغداديون متأخرون:

- ‌الفصل الثاني: المدرسة الأندلسية

- ‌ النشاط النحوي في الأندلس:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية، وكثرة التعليلات والآراء:

- ‌ ابن مالك:

- ‌ أندلسيون متأخرون:

- ‌الفصل الثالث: المدرسة المصرية

- ‌ النشاط النحوي في مصر:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية:

- ‌ ابن هشام:

- ‌ نحاة متأخرون:

- ‌خاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ نحاة متأخرون:

الدقة والسداد. ولا تقل عنها أهمية القواعد النحوية الكلية التي ضمنها الباب الثامن من هذا الكتاب، وهي مقتبسة في جملتها من قواعد علم الأصول، كقاعدة أن الشيء قد يعطى حكم ما أشبهه في معناه أو في لفظه أو فيهما. وقد عرضها في أربع وعشرين صورة جزئية1. ولعل في ذلك كله ما يصور من بعض الوجوه نشاط ابن هشام النحوي ومدى استيعابه لآراء النحاة السالفين، ومدى فطنته في استخلاص الآراء واستنباطها والحوار فيها كأدق ما يكون الحوار، مع النفوذ إلى القوانين النحوية الكلية العامة.

1 المغني ص751.

ص: 355

4-

‌ نحاة متأخرون:

أخذت الدراسات النحوية تنشط في مصر نشاطا واسعا منذ عصر ابن هشام، كما أخذ يتكاثر واضعو الشروح والحواشي على مصنفات ابن هشام وابن مالك، وأول من نلقاه منهم ابن1 عَقيل عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى 769 للهجرة، وهو يعد في تلامذة أبي حيان. وكان يعنى بالقراءات والتفسير والأصول والفقه، واشتغل بالقضاء فترة، ودرس للطلاب في غير مسجد بالقاهرة، وله شرح على التسهيل لابن مالك وشرحه على الألفية ذائع مشهور، وعني به كثيرون فكتبوا عليه حواشي، ومن أشهرها حاشية الخضري، وهي مطبوعة معه مرارا. ويمتاز هذا الشرح بوضوح العبارة وسهولتها وقربها من أذهان الناشئة، وهو يصور فيه آراء النحاة وخاصة حين يخالفهم ابن مالك، ويتصدى لابنه بدر الدين حين يخالف أباه في شروحه على مصنفاته: التسهيل وغيره، مثبتا عليه السهو والخطأ2. ومر بنا أن ابن مالك كان يخالف البصريين وإمامهم سيبويه في آراء كثيرة، وقد

1 انظر في ترجمة ابن عقيل: بغية الوعاة للسيوطي ص284، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر رقم 2157، وشذرات الذهب 6/ 214.

2 انظر مثلا شرح ابن عقيل ومعه حاشية الخضري عليه "طبعة المطبعة الأزهرية سنة 1319هـ" 1/ 187 وما بعدها.

ص: 355

توقف ابن عقيل إزاء كثير من هذه الآراء، منحازا للبصريين وسيبويه، من ذلك ذهاب ابن مالك إلى أن الأسماء الخمسة مثل "أبوك" معربة بالحروف، بينما ذهب سيبويه إلى أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والألف والياء، وبرأيه أخذ ابن عقيل ناعتا له بأنه هو الصحيح1. وكان ابن مالك يختار اتصال الضمير في مثل: كنته وخلتنيه، واختار سيبويه الانفصال، فتقول: كنت إياه وخلتني إياه، ويقول ابن عقيل:"مذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم"2. ويعرض لآراء النحاة في رافع المبتدأ والخبر، ويختار رأي سيبويه وجمهور البصريين وما ذهبوا إليه من أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، ويقول على هدي أستاذه أبي حيان: "وهذا الخلاف مما لا طائل فيه"3. ويذكر رأي ابن مالك في أن عائد الصلة في مثل: "جاء الذي كلمت أمس" بدل من كلمته، ومثل:"الذي أنا معطيك كتاب واحد" بدل من معطيكه، ولا يلبث أن يقول:"كلام المصنف يقتضي أنه كثير وليس كذلك، بل الكثير حذفه من الفعل، وأما الوصف فالحذف منه قليل"4. وعلى هذا النحو كثيرا ما يراجع ابن مالك. وكان كثيرا ما يقرن آراءه في الألفية بآرائه في التسهيل وغيره.

وممن نلقاه في القرن الثامن الهجري ابن الصائغ5 محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة 776 للهجرة، وقد ولي مدة قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، ودرس للطلاب بالجامع الطولوني وغيره، وله في النحو مصنفات مختلفة، منها: التذكرة في عدة مجلدات وشرح على ألفية ابن مالك. ومما حكاه له السيوطي في الهمع من آراء، ذهابه إلى أنه يجوز خلو جملة الصلة من ضمير يعود على الموصول يربطها به إذا عُطف عليها بالفاء جملة مشتملة عليه مثل:"الذي يطير الذباب فيغصب زيد" لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة6. وكان يذهب في جملة "أبو من هو" في قولك: "عرفت زيدا أبو من هو" إلى أنها بدل اشتمال

1 شرح ابن عقيل في الطبعة السالفة 1/ 36.

2 شرح ابن عقيل 1/ 58.

3 شرح ابن عقيل 1/ 91.

4 شرح ابن عقيل 1/ 82.

5 انظر في ترجمة ابن الصائغ: الدرر الكامنة رقم 1347، وبغية الوعاة ص65، وشذرات الذهب 6/ 248.

6 الهمع 1/ 86.

ص: 356

من زيد، بينما ذهب ابن عصفور إلى أنها بدل كل من كل1. وذهب إلى أن "عوض" بُنيت على الضم مع أنها غير مضافة إلى جملة؛ حملا على نقيضتها "قط"2. وكان يرى أن "زيتا" في مثل:"ادهنت زيتا" منصوبة على نزع الخافض بدليل قولك: "ادهنت بزيت"، وأنه ينبغي أن يوقف على ما يماثل هذه الصيغة ويعرب تمييزا عند السماع مثل:"امتلأ الإناء ماءً" للزوم كلمة ماء التنكير ووجوب تأخيرها بإجماع3.

ونمضي في القرن التاسع الهجري، فنلتقي بنحويين كثيرين، من أنبههم الدماميني4 محمد بن أبي بكر بن عمر الإسكندري المتوفى سنة 837 للهجرة، ناب في الحكم وتصدر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، وأقرأ بالإسكندرية، ودخل اليمن سنة 820 وركب البحر إلى الهند، وظل بها إلى أن لبى نداء ربه. وله من التصانيف النحوية شرح على التسهيل لابن مالك، وشرح على مغني ابن هشام سماه "تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب" تحامل فيه تحاملا شديدا على ابن هشام، مما جعل الشمني الإسكندري المتوفى سنة 872 للهجرة يتعقبه في حاشيته على المغني وقد سماها "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام"، والحاشيتان جميعا مطبوعتان معا. ومن أمثلة تعقبه لابن هشام في مغنيه أنه ذهب في باب "أم" إلى أنها هي التي يتعين وقوعها بعد همزة التسوية لا "أو"، فلا يقال:"سواء أكان كذا أو كذا" ولكن يقال: "سواء أكان كذا أم كذا" وكذلك "سواء كان كذا أم كذا" بدون همزة التسوية، ولاحظ الدماميني أن ذلك إنما يكون حين تتلو سواء الهمزة، وهي غير لازمة، فيجوز مجيء أو في مثل:"سواء عليَّ قمت أو قعدت"، وفي قول الفقهاء:"سواء كان كذا أو كذا". وذكر ابن ابن هشام في باب "جَيْر" أنها حرف بمعنى نعم، لا اسم بمعنى حقا فتكون مصدرا، وراجعه الدماميني بأنها بمعنى حقا، وأنها بُنيت مثل ما التي بمعنى شيء، وعلة

1 الهمع 1/ 155.

2 الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 196.

3 الأشباه والنظائر 2/ 83.

4 انظر في ترجمة الدماميني: بغية الوعاة ص27، والضوء اللامع للسخاوي ج7 رقم 445، والشذرات 7/ 181، والبدر الطالع للشوكاني 2/ 150.

ص: 357

بنائها موافقتها لجير الحرفية، ونقض عليه الشمني كلامه قائلا: إن ما إنما بنيت لمشابهتها الحرف في الوضع بخلاف جير، وأن من يقولون باسميتها لا يثبتون جير الحرفية. وعرض ابن هشام في باب "ما" إلى أنها تكون مصدرية زمانية، وأنها تدل على الزمان بالنيابة لا بذاتها مثل:{مَا دُمْتُ حَيًّا} أصله في تقريره: مدة دوامي حيا، واعترضه الدماميني وقال: إن "ما" لا تدل على الزمان أصلا لا بطريق الأصالة، ولا بطريق النيابة، وإنما يفهم الزمان في مثل الآية بقرينة. وكان يذهب إلى أن الإضافة في "يومئذ" ليست من إضافة أحد المترادفين للآخر، وإنما هي من إضافة الأعم للأخص مثل "شجرعنب"1 ومن غريب ما كان يذهب إليه أن جملة الصلة لها محل من الإعراب2.

ومن نحاة النصف الثاني من القرن التاسع الهجري الكافيجي3 محمد بن سليمان الرومي المتوفى سنة 879 للهجرة، وُلد في بلاد الروم، ثم دخل الشام وبيت المقدس، واستقر في القاهرة ودرس في الشيخونية وغيرها، وكان لا يشق غباره في الفلسفة والمنطق والنحو، وأكثر تآليفه مختصرات وأجلها وأنفعها شرحه على قواعد الإعراب لابن هشام. ومما أحصى له السيوطي تلميذه من آراء أنه كان لا يسوِّغ الإخبار بجملة ندائية مثل: زيد يا أخاه، ولا مصدرة بلكن أو بل أو حتى4. وكان يرى أن {إِذًا} في قوله تعالى:{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} ليست إذًا المعهودة وإنما هي إذًا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في "يومئذ"5. وكان يجوز خلافا لسيبويه العطف على معمولي عاملين مختلفين مطلقا مثل: "كان آكلا طعاما زيد وتمرا عمرو" ومثل

1 شرح التصريح على التوضيح للشيخ خالد الأزهري، ومعه حاشية الشيخ يس "طبع المطبعة الأزهرية سنة 1325هـ" 1/ 35.

2 انظر حاشية الشيخ يس على شرح التصريح 1/ 142، ومن ملاحظاته الدقيقة أن كلا من الألف والتاء في جمع المؤنث السالم جاء للتأنيث والجماعة، أما الألف ففي مثل حبلى ورجال، وأما التاء ففي مثل فاطمة ومثل كمأة جمع كمء، انظر حاشية الشيخ يس على شرح التصريح 1/ 79.

3 راجع في ترجمة الكافيجي: الضوء اللامع ج7 رقم 655، وشذرات الذهب 7/ 326، وبغية الوعاة للسيوطي ص48.

4 الهمع 1/ 96.

5 الهمع 1/ 205.

ص: 358

"لا في الدار زيد، والحجرة عمرو" على الرغم من أن مثل ذلك لم يأتِ عن العرب، وكان يحتج لرأيه "بأن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة، لا يُحتاج إلى النقل والسماع، وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم عليه"1.

ولمع حينئذ اسم الشيخ خالد2 الأزهري المتوفى سنة 905 للهجرة، وُلد بجرجا ونشأ بالقاهرة وأكب على علوم اللغة والنحو، ولازم الشمني وغيره، وأقرأ الطلاب في الأزهر فنُسب إليه، ومن مصنفاته النحوية "المقدمة الأزهرية في علم العربية" وشرح عليها وهما مطبوعان، وشرح على كتاب ابن هشام "الإعراب عن قواعد الإعراب" وشرح على الآجرومية وشرح على الألفية، وأهم شروحه "شرح التصريح على التوضيح" لابن مالك وهو مطبوع بمصر في مجلدين مرارا. ويقول في مقدمته: إنه مزج كلامه في شرحه بكلام ابن هشام، وإنه ذكر أوجه الخلاف في المسائل النحوية وعللها وما يطوى فيها من أدلة، وإنه أوضح ما شاب كلام ابن هشام أحيانا من تناقض وما خالف فيه ابن مالك مع النص دائما على ما انفرد به، وقد صورنا ذلك في حديثنا عن ابن هشام مثبتين كثيرا من المواضع التي نص فيها صاحب التصريح على آرائه. وهو عادة يفيض في بيان الخلاف وما يسنده من علل، كما أشرنا، ويكفي أن نمثل لذلك بمثال واحد هو تخفيف النون في قراءة نافع:"تأمرونِي وتحاجونِي" يقول: "الصحيح عند سيبويه أن المحذوف نون الرفع واختاره ابن مالك؛ لأن نون الرفع عُهد حذفها للجازم والناصب، ولتوالي الأمثال في نحو {لَتُبْلَوُنَّ} ، ولأن نون الرفع نائبة عن الضمة والضمة تحذف تخفيفا كما في قراءة أبي عمرو نحو "يأمركُمْ"

وقيل: المحذوف نون الوقاية لا نون الرفع، وجزم ابن هشام به في الشذور، وهو مذهب الأخفش والمبرد وأبي علي وابن جني وأكثر المتأخرين واستدلوا له بأوجه، أحدها: أن نون الوقاية حصل بها التكرار والاستثقال، فكانت أولى بالحذف، وثانيها: أن نون الرفع علامة الإعراب، فالمحافظة عليها أولى، وثالثها: أن نون الرفع لعامل، فلو حُذفت للزم وجود مؤثر بلا أثر

1 الهمع 2/ 139.

2 انظر في ترجمة الشيخ خالد: الكواكب السائرة 1/ 188، والخطط الجديدة لعلي مبارك 10/ 53، وشذرات الذهب 8/ 26، والضوء اللامع ج3 رقم 661.

ص: 359

مع إمكانه"1.

وكان يعاصره السيوطي، وسنخصه بكلمة أكثر تفصيلا، وربما كان أنبه نحوي أخرجته مصر في القرن العاشر الهجري الأشموني2: نور الدين علي بن محمد بن عيسى المتوفى سنة 929 للهجرة، أخذ عن الكافيجي وغيره من نحاة عصره في القاهرة، وكان عالما زاهدا متقشفا، يكب على النحو وتدريسه للطلاب. ومن أهم مصنفاته النحوية شرحه على الألفية الذي سماه "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" وقد تمثل فيه الشروح الكثيرة التي سبقته تمثلا منقطع النظير، كما تمثل كتابات النحاة المختلفين وتحول ذلك كله سيولا في شرحه. وعادة يعرض الآراء المختلفة وما يسندها من علل، وكثيرا ما يختار لنفسه الرأي الصحيح عنده مصرحا بذلك على نحو قوله في الإعرب:"في الاصطلاح فيه مذهبان، أحدهما: أنه لفظي واختاره الناظم ونسبه إلى المحققين وعرفه في التسهيل بقوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف، والثاني: أنه معنوي والحركات دلائل عليه واختاره الأعلم وكثيرون، وهو ظاهر مذهب سيبويه، وعرفوه بأنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا. والمذهب الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن المذهب الثاني يقتضي أن التغيير الأول "وهو الانتقال من الوقف إلى الرفع" ليس إعرابا؛ لأن العوامل لم تختلف بعد وليس كذلك"3. وواضح هنا استمداده تعريف الإعراب من التسهيل؛ مصنف ابن مالك المعروف، وهو يكثر في شرحه كله من الاستمداد منه: استمداد التعاريف وآراء النحاة وبراهينهم على تلك الآراء. وقد يناقش المصنف في بعض ما ذكره فيه على نحو مناقشته له في أن المضارع حين يتصل بنون الإناث يصبح مبنيا بلا خلاف، يقول: "وليس كما قال، فقد ذهب قوم منهم ابن درستويه وابن طلحة والسهيلي إلى أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالفعل

1 انظر شرح التصريح ومعه حاشية الشيخ يس 1/ 111.

2 انظر في ترجمة الأشموني: الضوء اللامع 6/ 5، وشذرات الذهب 8/ 165.

3 شرح الأشموني ومعه حاشية الصبان "طبع دار الكتب العربية الكبرى" 1/ 43.

ص: 360

الماضي"1. ويتوقف بإزاء اختيار المصنف للضمير المتصل في مثل: "كنته وخلتنيه"، مخالفا بذلك سيبويه الذي كان يختار كما قدمنا الضمير المنفصل، فيقال: "كنت إياه وخلتني إياه"، قائلا: "وافق الناظم "للألفية" أي: ابن مالك في التسهيل سيبويه على اختيار الانفصال في باب خلتنيه؛ لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته، فإنها خبر مبتدأ في الأصل ولكنه شبيه بهاء "ضربته" في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل. أما ما اختاره الناظم هنا فهو مختار الرماني وابن الطراوة"2. وعلى هذا النحو لا يزال يقابل آراء ابن مالك في الألفية على آرائه في التسهيل وآراء النحاة المختلفين من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، وكثيرا ما يفصح عن رأيه مبينا وجهة نظره.

وتظل الدراسات النحوية ناشطة في العصر العثماني، ويتكاثر الشراح وأصحاب الحواشي، ومن أشهرهم في القرن الحادي عشر الهجري الشنواني المتوفى سنة 1019 والدنوشري المتوفى سنة 1025 والشيخ يس صاحب حاشية التصريح على التوضيح المتوفى سنة 1061. ويلقانا في القرن الثاني عشر الهجري الحفني المتوفى سنة 1178 ومحمد الأمير وله حاشية على المغني مطبوعة فرغ من تأليفها -كما قال في خاتمتها- سنة 1188. ولعل أكثر أصحاب الحواشي والشروح في هذا العصر شهرةً الصبان3 محمد بن علي المتوفى سنة 1206 للهجرة، وله مصنفات مختلفة في المنطق والعروض والبلاغة، وأهم مصنفاته حاشية على شرح الأشموني، وقد طبعت مرارا، ونراه يقول في فاتحتها: إنه سيلخص فيها زبد ما كتبه على هذا الشرح أعلام النحو السابقون مع تنبيهه على كثير مما وقع لهم من أسقام الأفهام وأوهام الأذهان، ومع جلبه فرائد من بنات فكره، تقر بها عين الناظر. وربما كان أكثر من عارضهم في حاشيته أستاذه الحفني، وكانت له هو الآخر حاشية على الأشموني، ويكنى دائما عنه بكلمة "البعض"4. وهو يحمل مادة واسعة من خلافات النحاة يكمل

1 الشرح المذكور 1/ 57.

2 شرح الأشموني 1/ 103.

3 راجع في ترجمة الصبان: تاريخ الجبرتي 2/ 227، والخطط التوفيقية 3/ 84.

4 انظر المقدمة 1/ 2 وقابل بـ 1/ 22، 43 وفي مواضع مختلفة.

ص: 361

بها ما ذكره الأشموني في شرحه، كما يحمل مادة واسعة من الاعتراضات والأجوبة.

ونمضي إلى العصر الحديث، ويلقانا في فاتحته الشيخ محمد1 الدسوقي المتوفى سنة 1230هـ/ 1815م، وكان يتصدر للإقراء في الأزهر، وله حاشية مطولة على المغني لابن هشام، وهي مطبوعة بمصر مرارا، وتضم بين دفتيها عتاد الشروح والحواشي التي وضعت على المغني منذ ألّفه صاحبه، وتضم أيضا مباحث لغوية وأصولية مختلفة. وللشيخ حسن2 العطار المتوفى سنة 1250هـ/ 1834م حاشية مختصرة على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري طبعت بمصر مرارا. وربما كانت أهم الحواشي التي ألفت بمصر بعد ذلك حاشية الشيخ محمد الخضري الدمياطي على ابن عقيل وقد توفي سنة 1870م، وهي تمتاز بالوضوح وغزارة المادة وخاصة في بيان الخلافات النحوية وفي عرض آراء النحاة المتأخرين وخلاصة ما حشدوه في حواشيهم وشروحهم من اعتراضات وأجوبة وحجج وأدلة. ومنذ أن أُنشئت دار العلوم في القرن الماضي يعم بمصر اتجاه جديد في تصنيف النحو تصنيفا يقصد به إلى تيسيره على الناشئة، وتلك وجهة أخرى غير وجهات المدارس التي حاولنا تصويرها في هذا الكتاب، ولعل من الخير أن نعود إلى الوراء ثانية لنترجم ترجمة موجزة للسيوطي، ونعرف تعريفا مختصرا بكتبه وآرائه النحوية.

السيوطي 3:

هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد المتوفى سنة 911 للهجرة، عكف على الدرس والتحصيل منذ نعومة أظفاره، ولم يلبث أن أخذ في التأليف والتدريس للطلاب في المدرستين الشيخونية والبيبرسية. وهو أغزر العلماء المصريين

1 انظر في ترجمة الدسوقي: تاريخ الجبرتي 4/ 231.

2 انظر في ترجمة العطار: تاريخ الجبرتي 4/ 233، والخطط التوفيقية 4/ 48، وتاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر لشيخو 1/ 51.

3 راجع في ترجمة السيوطي ترجمته لنفسه في حسن المحاضرة 1/ 188، والضوء اللامع ج4 رقم 203، والكواكب السائرة 1/ 226، والبدر الطالع 1/ 328، والنور السافر للعيدروسي ص54، وذيل الطبقات الكبرى للشعراني ص4.

ص: 362

في عصره تأليفا في جميع الميادين: في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم واللغة والنحو. ومن أنفس كتبه اللغوية كتابه "المزهر في علوم اللغة" وهو يضم مباحث واسعة في فقه العربية. وله في النحو مصنفات مختلفة، منها شرحه لمغني ابن هشام وشرحه لشواهده، وكتاب الاقتراح في أصول النحو، ألفه كما يقول في مقدمته على هدي كتاب الخصائص لابن جني، وقد لخص فيه جميع ما يتعلق بتلك الأصول، ورجع أيضا إلى كتابي "لمع الأدلة" و"الإغراب في جدل الإعراب" لابن الأنباري، وأخذ من الأول لبابه وأدخله في ثنايا كتابه، وضم خلاصة الثاني إلى مباحثه في العلة. وهو يتناول في الكتاب السماع والإجماع والقياس والاستصحاب والأدلة والتعارض والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين، ويتضح في الأبواب الأخيرة أثر استضاءته بعلم أصول الفقه.

ومن مصنفاته في أصول النحو وقواعده الكلية كتاب الأشباه والنظائر المطبوع مثل سالفه بحيدر آباد في الهند، وهو في أربعة مجلدات، وفيه يطبق على العربية المنهج الذي اتخذه الفقهاء في مصنفاتهم للأشباه والنظائر في الفقه، ويصرح بذلك في مقدمته له. ونراه يستعرض أهم ما ألفه الفقهاء في هذا الموضوع، قائلا: إنه وضع كتابه في العربية على ضوء كتاب القاضي تاج الدين السبكي، ما عدا صدره فإنه استلهم فيه كتاب الزركشي، والكتابان جميعا في الأشباه والنظائر الفقهية. وكتاب السيوطي موزع على سبعة فنون: الأول: فن القواعد والأصول التي تُرَدّ إليها الجزئيات والفروع

وهو -كما يقول- معظم الكتاب ومهمه، والثاني: فن الضوابط والاستثناءات والتقسيمات، والثالث: فن بناء المسائل بعضها على بعض، والفن الرابع: فن معرفة الجمع والفرق، والخامس: فن الألغاز والأحاجي والمطارحات، والسادس: فن المناظرات والمحاورات والفتاوى، والسابع: فن الأفراد والغرائب.

وله في قواعد النحو والتصريف كتاب "همع الهوامع شرح جمع الجوامع" وهو موسوعة ضخمة لآراء النحاة في تلك القواعد من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، ومع كل رأي حججه وأدلته، جمعها من نحو مائة مصنف، لعل أهمها ارتشاف الضرب لأبي حيان. وهو يتعقب فيه آراء النحاة حتى عصره،

ص: 363

مستقصيا لها استقصاء دقيقا، على نحو ما يتضح من ذكرنا له الدائم في هوامش هذا الكتاب. ومن حين لآخر تلقانا آراؤه النحوية، وهي في جمهورها اختيارات من آراء سابقيه، من ذلك أنه كان يختار -وفاقا لأبي حيان- أن الأسماء قبل تركيبها في العبارات لا مبنية ولا معربة؛ لعدم الموجب لكل منهما1. وجاء عن العرب "وجدني" في وجدنني مع نون الإناث، واختلف النحاة أي النونين المحذوفة: نون الوقاية أو نون الإناث، وقال سيبويه: نون الإناث واختار قوله ابن مالك، وقال المبرد وابن جني وأبو حيان: نون الوقاية؛ لأن الأول ضمير فاعل فلا تحذف، واختار السيوطي رأيهم2. وكان البصريون يمنعون تقديم الظرف والجار والمجرور المتعلقين بالصلة على الموصول، بينما كان الكوفيون -ومعهم السيوطي- يجيزون ذلك مطلقا3. وقد صوّب رأي أستاذه الكافيجي في إعراب "بحسبك درهم" إذ كان يرى أن "بحسبك" خبر مقدم و"درهم" مبتدأ مؤخر4. واختار رأي الكوفيين في أن المبتدأ والخبر مترافعان كل منهما يرفع صاحبه5. وفي باب كاد يقول: "زعم قوم أن نفي كاد إثبات للخبر وإثباتها نفي له، وشاع ذلك على الألسنة

والتحقيق أنها كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: كاد زيد يقوم معناه: قارب القيام ولم يقم، ومنه:{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي: يقارب الإضاءة6. وكان الجمهور يذهب في مثل: "لا أبا لك" إلى أن أبا مضافة إلى المجرور باللام الزائدة، وذهب الفارسي -وتبعه السيوطي- إلى أن أبا مفردة جاءت على لغة القصر والمجرور باللام هو الخبر، يقول: "وإنما اخترت رأي أبي علي لسلامته من التأويل والزيادة والحذف، وكلها خلاف الأصل"7. ويقول في باب النداء: إن ابن مالك ذهب

1 الهمع 1/ 19.

2 الهمع 1/ 65.

3 الهمع 1/ 88.

4 الهمع 1/ 93.

5 الهمع 1/ 95.

6 الهمع 1/ 132.

7 الهمع 1/ 145.

ص: 364

إلى أن النداء بالهمزة قليل، ويذكر أنه وقف على أكثر من ثلاثمائة شاهد لها، وأنه لذلك أفردها بتأليف خاص1. ويعرض الآراء المختلفة في سبب بناء "الآن" ويختار أنها معربة بالنصب على الظرفية2، كما يختار عدم بناء المضاف لبناء المضاف إليه في مثل يومئذ، متابعا في ذلك ابن مالك3، ويتابع الشلوبين في أن الجملة المفسرة تكون ذات محل أو غير ذات محل حسب ما تفسره4، كما يتابع الفارابي في أن رُبَّ تأتي للتقليل غالبا وللتكثير نادرا5. وعلى هذا النحو لا يزال السيوطي يختار لنفسه من مذاهب النحويين ما يتجه عنده تعليله وما يراه أكثر سدادا. وهو بذلك يجري في اتجاه مدرسته التي كان أفرادها من المصريين لا يزالون يتخيرون من الآراء النحوية ما تستقيم حججه وبراهينه.

1 الهمع 1/ 173.

2 الهمع 1/ 208.

3 الهمع 1/ 218 وما بعدها.

4 الهمع 1/ 248.

5 الهمع 2/ 25.

ص: 365