الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بمعناه، والمحقَّر هو للمكبر، والتحقير فيه جارٍ مجرى الصفة فكأنْ لم يحدث بالتحقير أمر يحمل عليه غيره كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد"، ويعلق ابن جني على هذا التعليل بقوله: "هذا معقد معناه، وما أحسنه وأعلاه"1. وواضح أن تعليلاته لم تكن تقف عند آرائه، بل كانت تمتد إلى آراء سيبويه وغيره من النحاة السابقين.
1 الخصائص 1/ 354.
3-
ابن جني
1:
هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، كان أبوه مولى روميا، وربما كان اسمه جني تعريبا لكلمة gennaius اليونانية، وقد ولد له ابنه عثمان حوالي سنة 320 للهجرة، ويبدو أنه رأى فيه مخايل ذكاء فدفعه إلى التعلم، ولم يلبث أن منح عنايته لعلوم اللغة، فأكب على دروس أحمد بن محمد الموصلي النحوي مواطنه. وأغلب الظن أنه نزل بغداد مبكرا، ففي تصانيفه ترداد لذكر بعض تلاميذ المبرد مثل محمد بن سلمة وبعض تلاميذ ثعلب مثل ابن مقسم، غير أنه سرعان ما عاد إلى الموصل، وأخذ يدرس للطلاب في مسجدها، وهو في أثناء ذلك يتعرض للأعراب الفصحاء ويأخذ عنهم مثل أبي عبد الله الشجري الذي يتردد ذكره في الخصائص. وحدث أن مر بحلقته في سنة 337 للهجرة أبو علي الفارسي إمام النحاة في عصره، فأعجبه ذكاؤه، وتعجب من قعوده للدرس والإملاء قبل نضجه، فقال له: لقد أصبحت زبيبا وأنت حِصْرِم، وكأنما دلعت هذه الكلمة نارا في قلبه، ليستكمل أداته، ولم يجد خيرا من ملازمة هذا الإمام الفذ، فلزمه أربعين سنة متنقلا معه في رحلاته، مشغوفا بآرائه، مبهورا بفطنته
1 انظر في ترجمة ابن جني: نزهة الألباء ص332، ويتيمة الدهر 1/ 89، ودمية القصر ص297، وتاريخ بغداد 11/ 311، ومعجم الأدباء 12/ 81، وإنباه الرواة 2/ 335، ومرآة الجنان 2/ 445، وابن خلكان 1/ 313، وشذرات الذهب 3/ 140، وروضات الجنات ص466، وبغية الوعاة ص322.
ودقة أقيسته وتعليلاته، ومن يقرؤه في كتبه المطبوعة وخاصة الخصائص يحس أن مادة علمه مستمدة من أستاذه، وكأنه كان قلما في يده يسجل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية، وهي لفتات وخواطر اندفع ينميها ويضيف إليها من عقله الخصب النادر ما جعله يتقن ظواهر التصريف والنحو علما وفقها وتأويلا وتحليلا، بل ما جعله يرث إمامة أستاذه، بل لعله بذَّه وخاصة في وضع أصول التصريف على نحو ما يتضح في الخصائص. وأتاحت له رفقته بأبي علي أن يتعرف في بلاط سيف الدولة على المتنبي وأن تنعقد بينهما صداقة رفيعة، فيشرح ديوانه، حتى إذا توفي رثاه رثاء رائعا احتفظ به القفطي في إنباه الرواة. وأتاحت له تلك الرفقة أيضا أن يحظى برعاية البويهيين وأن تعلو مكانته عندهم. وقد خلف أستاذه في التدريس ببغداد حين لبى نداء ربه، وظل يوالي التصنيف والتأليف، حتى توفي سنة 392 للهجرة.
وهو ممن أكثروا من التصنيف حتى بلغت مصنفاته نحو الخمسين، وبينها مصنفات وَقَفَها على تسجيل كلام أستاذه الفارسي مثل:"اللمع وذي القدّ وتأييد تذكرة أبي علي". وله مصنفات مختلفة حول المتنبي تفسيرا لشعره ودفاعا عنه أمام خصومه. ومن أهم مصنفاته كتاب "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها"، وقد نشر منه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة الجزء الأول.
والقسط الأكبر من نشاط ابن جني إنما كان في علم التصريف، ودفعته رغبته في التعمق فيه إلى أن يقرأ على أستاذه الفارسي كتاب التصريف للمازني الذي كان يعد أنفس ما أُلف في هذا العلم حتى عصره، وعمد إلى شرحه في كتابه المنصف الذي نشرته الإدارة العامة للثقافة بالقاهرة في ثلاثة أجزاء، وفيه يناقش مادته مناقشة واسعة، مضيفا ما لا يحصى من ملاحظاته الطريفة كملاحظته أن الأفعال قد تُشتق من أسماء الأعيان، وقوله: إننا إذا اشتققنا فعلا من سفرجل قلنا: سفرج يُسفرج سفرجة، فهو مسفرج1، ومثل ملاحظته أن الأفعال
1 المنصف: شرح كتاب التصريف للمازني 1/ 33.
قد تُشتق من الحروف كاشتقاق قوَّف من القاف وكوَّف من الكاف ودول من الدال، فيقال:"قوَّفت قافا وكوفت كافا ودولت دالا"1.
ونُشر لابن جني أيضا في القاهرة الجزء الأول من سر صناعة الإعراب، وهو دراسة صوتية واسعة لحروف المعجم ومخارجها وصفاتها، وما يحدث في صوت الكلمة من إعلال وإبدال وإدغام ونقل وحذف، وما يجري في حروفها من تلاؤم يؤدي إلى جمال الجرس. وطبع له كتاب التصريف الملوكي، وهو كتاب يتناول هذا العلم بمعناه الدقيق، فيتحدث عن المجرد والمزيد والإبدال والتغيير بالحركة والسكون والحذف والإعلال، مع تدريبات صرفية كثيرة. وأهم كتبه في هذا العلم الخصائص الذي حاول فيه محاولة رائعة هي وضع القوانين الكلية للتصريف، وحقا إنه أفاد في كثرة هذه القوانين من ملاحظات أستاذه الفارسي على نحو ما مر بنا منذ قليل، ولكن من الحق أيضا أنه أضاف إليها من ملاحظاته واستقصاءاته للأمثلة اللغوية وحسه الدقيق بأبنية اللغة وتصاريفها ما شخَّصها وجسَّمها تمام التجسيم، وقد مضى يستخلص قوانين كلية أخرى لم يقف عندها أستاذه، وبذلك استطاع أن يضع للتصريف أصولا على المذهب الذي سبقه إليه علماء الكلام والفقه في وضع أصولهم، وهي أصول يصدق منها جانب كبير على النحو ومسائله وقضاياه العامة كالإعراب والبناء وعلله، وقد ذهب إلى أنها أقرب من علل الفقهاء إلى علل المتكلمين، إذ تتعرض لمسائل ميتافيزيقية في طبيعة العرب وسلائقهم. وأفاض في بيان العلل النحوية، منكرا تقسيم ابن السراج وتلميذه الزجاجي لها إلى علل أولى وثوانٍ وثوالث، ذاهبا إلى أن العلل الأخيرة تتميم للعلل الأولى، وليس هناك علة للعلة ولا علة لعلة العلة2. ويعرض في تفصيل للاطراد والشذوذ في التصريف والنحو كما يعرض لعوامل الإعراب في الكلم، وأن النحاة قسموها إلى معنوي مثل الابتداء، ولفظي مثل عمل المبتدأ في الخبر، ويقول: إن العامل الحقيقي في إعراب الكلم إنما هو المتكلم3، ويتحدث عن تعارض السماع والقياس أحيانا قائلا: "اعلم أنك إذا أدَّاك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت
1 المنصف 2/ 154.
2 الخصائص 1/ 173.
3 الخصائص 1/ 109 وما بعدها.
العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدَعْ ما كنت عليه إلى ما هم عليه"1. ويطبق قاعدة الاستحسان في الفقه الحنفي على بعض الأبنية. ونحس أثر المباحث الفقهية حين يتحدث عن حمل الفرع على الأصل والعكس2، والحمل على الظاهر3، وغلبة الفروع على الأصول4، واختلاف اللغات وكلها حجة على نحو ما يختلف الفقهاء5، ويعود مرارا إلى مراجعة الأصول والفروع6 ويتحدث عن تركيب المذاهب وعن وجوب الجائز. ويستعير من المتكلمين حديثهم عن السبب والمسبب7 والمستحيل8. ولعل في ذلك كله ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا.
ويرد ابن جني في الخصائص وغيره حديثه عن البصريين باسم أصحابنا كما مر بنا في غير هذا الموضع، وكثيرا ما يضعهم مقابل البغداديين9، وكأنما ينزع نفسه منهم نزعا، وقد أسلفنا أنه يريد بالبغداديين أوائلهم ممن كانوا ينزعون إلى الكوفة مثل ابن كيسان، وهم حقا من ذوق غير ذوقه ومن هوى غير هواه، فهو بغدادي من طراز آخر، طراز أستاذه أبي علي الفارسي والزجاجي، طراز كان ينزع إلى البصريين، وهو الطراز الذي عم وساد منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وكان هو وأستاذه من أهم الأسباب في شيوعه، إذ كانا ينتخبان من المذهبين البصري والكوفي مع نزعة شديدة إلى البصريين، ومع الفسحة وفتح الأبواب على مصاريعها للاجتهاد ومخالفة البصريين والكوفيين بقدر ما يؤديهما النظر وتسعفهما الحجة.
ونستطيع أن نرجع إلى الآراء المنثورة لابن جني في كتاباته المنشورة وفي المراجع النحوية، فسنراه يطبق هذا المنهج تطبيقا دقيقا، إذ كان يوافق البصريين في
1 الخصائص 1/ 125.
2 الخصائص 1/ 111، وانظر 1/ 208 حيث يصرح بأنه يستضيء بأبي حنيفة في حديثه عن الدور والوقوف منه على أول رتبة.
3 الخصائص 1/ 251.
4 الخصائص 1/ 300.
5 الخصائص 2/ 10.
6 الخصائص 2/ 342 وما بعدها.
7 الخصائص 3/ 173.
8 الخصائص 3/ 328.
9 الخصائص 1/ 137.
مسائل كثيرة، من ذلك أن يأخذ برأيهم في أن المصدر أصل والفعل مشتق منه1، وأن المبتدأ رافعه الابتداء2، وأن ناصب المفعول به الفعل السابق له3، وأن المضارع منصوب بعد حتى بأن مضمرة وجوبا4، وكذلك بعد أو وفاء السببية وواو المعية5، وأن العامل في باب التنازع هو الفعل الثاني6، وأن نعم وبئس فعلان، وكذلك فعل التعجب7، وأن المفعول معه منصوب بالفعل مع توسط واو المعية8، وأن الاسم المرفوع بعد إذا الشرطية في مثل:{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فاعل لفعل محذوف، وكذلك بعد همزة الاستفهام في مثل: أزيد قام؟ 9، وأن علة بناء الاسم شبهه بالحرف أو تضمنه معناه10، وأن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال، وإنما أعرب المضارع لشبهه باسم الفاعل11.
وبجانب ذلك كان يأخذ بوجهة النظر الكوفية في مسائل مختلفة، من ذلك إعمال إِنِ النافية عمل ليس، متابعا في ذلك أستاذه الفارسي والكوفيين، كما مر بنا منذ قليل، وإن لاحظ أن إعمالها يشوبه غير قليل من الضعف، يقول تعليقا على قراءة سعيد بن جبير الآية الكريمة:"إِنِ الذين تدعون من دون الله عِبَادًا أَمْثَالكُمْ": "ينبغي أن تكون إِنْ هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم، فأعمل إنْ إعمال ما "العاملة عمل ليس" وفيه ضعف؛ لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص ما به، فتجري مجرى ليس في العمل"12. وكان الكسائي -كما مر بنا في غير هذا الموضع- يجيز وجود الفعل بدون فاعل، على نحو ما أجاز ذلك في مثل: قام وقعد عمرو، إذ ذهب إلى أن عمرا فاعل قعد، وقام لا فاعل لها، وتبعه أبو علي الفارسي يحتم ذلك في قلّ حين تتصل بها ما، ويقول ابن جني: "إن "قلما يقوم زيد" دخلت فيه ما على قلّ كافة لها عن عملها، ومثله: كثر ما وطالما"13. وكان يتابع أستاذه والكوفيين في أن أو تأتي
1 الخصائص 1/ 113، 119، وانظر المنصف 1/ 65.
2 الخصائص 1/ 166.
3 الخصائص 1/ 102.
4 الخصائص 3/ 260.
5 الخصائص 1/ 263 وما بعدها.
6 الخصائص 2/ 209.
7 المنصف 1/ 241.
8 سر صناعة الإعراب 1/ 144.
9 الخصائص 2/ 380.
10 الخصائص 1/ 179.
11 الخصائص 1/ 63.
12 المحتسب 1/ 270.
13 الخصائص 1/ 167، 168.
للإضراب مطلقا1. كما تابعهما في إعمال المصدر مضمرا في الظرف مثل: "قيامك أمسِ حسن، وهو اليوم قبيح" فأعمل هو العائد على القيام في اليوم2. وتابع الكوفيين في أن {حَاشَ} في مثل: {حَاشَ لِلَّهِ} فعل، بينما ذهب الجمهور إلى أنها اسم مرادف للبراءة من كذا3. وكان يتابع الكسائي وأستاذه أبا علي في أن خلا حين تتقدمها ما في مثل: قام القوم ما خلا زيدا ليس من الضروري أن تكون فعلا حتما، فقد يجوز الجر بها على تقدير ما زائدة4. وتابع الكوفيين في جواز:"ضرب غلامُه محمدا" لمجيء ذلك في النظم كثيرا مثل:
جزى ربُّه عني عدي بن حاتم
وكان الجمهور يمنع ذلك لعود الضمير المتصل بالفاعل على متأخر لفظا ورتبة5. وكان يقف مع الكوفيين في أن حذف خبر إنّ إنما يحسن إذا كان اسمها نكرة، يقول تعليقا على قول الأعشى:
إنَّ محلا وإن مرتحَلا
…
وإن في السفر إذ مضى مهلا
أراد: إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا "البصريون" يجيزونه مع المعرفة6. ومر بنا في ترجمة الفراء أنه كان يضعف قراءة ابن عامر:"وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم" بالفصل بين المضاف وهو قتل، والمضاف إليه وهو شركائهم بالمفعول به، وأنه أنكر البيت الذي أنشده الأخفش دعما لذلك، وهو قول بعض الشعراء في وصف ناقته:
فزججتها بمزجة
…
زجَّ القلوصَ أبي مزاده
وقد خالفه في ذلك جمهور الكوفيين مجوزين الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به7، وانتصر لهم ابن جني محتجا بقدرة الشاعر على أن يقول: زجَّ القلوصِ أبو مزاده، ويعلق على ذلك بقوله: "في هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى
1 المغني ص67.
2 الخصائص 2/ 19.
3 المغني ص130.
4 المغني ص142.
5 الخصائص 1/ 294، والهمع 1/ 66.
6 المحتسب 1/ 349.
7 الهمع 2/ 52.
المفعول
…
ومن ذلك قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم""1.
ووقف في "المحتسب" مرارا إزاء تحريك ما فيه حرف حلقي مثل جَهْرة وجَهَرة بتحريك الهاء قائلا: إن الكوفيين والبغداديين -ويقصد أوائلهم النازعين منزعهم- يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه، أي: إنهم يجعلونه قياسا مطردا، بينما يقتصر البصريون على ما سمع منه سالكين له في باب اللغات، ونراه ينتصر للكوفيين والبغداديين جميعا، يقول في التعليق على قراءة {جَهْرَةً} في الآية رقم 55 من سورة البقرة بفتح الهاء: "مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه
…
ومذهب الكوفيين أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه كالبحْر والبحَر والصخْر والصخَر، وما أرى القول من بعدُ إلا معهم والحق فيه إلا في أيديهم، وذلك أنني سمعت عامة عقيل تقول ذلك ولا تقف فيه، سائغا غير مستكره"2. ويعلق على قراءة محمد بن السميفع {قَرْحٌ} بفتح الراء في الآية رقم 140 من سورة آل عمران قائلا:"ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرْح وقرَح كالحلب والحلب والطرد والطرد.. ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يُفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنا من حروف الحلق نحو قولهم في: الصخْر الصخَر والنعل والنعل، ولعمري إن هذا عند أصحابنا "يريد البصريين" ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق، لكنها لغات.
وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرا معتدا معتمدا، فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدا لولا حرف الحلق
…
وهذا ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق لأن الكلمة بُنيت عليه ألبتة.. ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد لله"3.
1 الخصائص 2/ 406 وما بعدها.
2 المحتسب 1/ 84.
3 المحتسب 1/ 166.
ولعل في ذلك ما يدل دلالة واضحة على أنه كان ينزع غالبا إلى البصريين لكن لا عن حمية ولا عن عصبية، وإنما عن طول النظر والتبصر تبصرا كان يدفعه في كثير من الأحيان إلى الوقوف في صف الكوفيين وأوائل البغداديين حين يجد السداد في جانبهم. وهو ما يؤكد بغداديته وأنه كان يقيم مذهبه النحوي والصرفي على الانتخاب من المذهبين البصري والكوفي وما انبثق عنهما من المذهب البغدادي عند أوائل البغداديين، وعند أستاذه أبي علي الفارسي وقد تبعه في كثير من آرائه الاجتهادية، من ذلك أن الظرف والجار والمجرور هما الخبر في مثل: محمد عندك ومحمد في الدار وليسا متعلقين بمحذوف هو الخبر1. وكان يجوز مثله العطف على محل المجرور بالنصب في مثل: مررت بزيد وعمرو، فيقال: مررت بزيد وعمرا2، كما كان يجوز مثله إتباع فاعل نعم وبئس بالنعت مثل: نعم الفتى المدعو بالليل علي3. وجوز متابعا له تقديم خبر كان ومعموله عليها مستدلين بقوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} فقد تقدمت كان {إِيَّاكُمْ} معمول {يَعْبُدُونَ} ، وما يجوز وقوع المعمول فيه يجوز وقوع العامل4. وجوز مثله أن تكون لك في قولهم:"لا أبا لك" و"لا أخا لك" خبر لا، و"أبا وأخا" اسمي "لا" مقصورين تامين على لغة من يقول: هذا أبا ورأيت أبا ومررت بأبا5. وكان يذهب مثله إلى أن اللام الداخلة على خبر إِنِ المهملة في مثل: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} ليست لام الابتداء كما زعم سيبويه، وإنما هي لام فارقة بين إن المؤكدة والنافية6.
وذهب مذهبه في أنه لا يصح تأكيد العائد المحذوف في مثل: "الذي رأيت نفسه زيد" على أن تكون نفسه تأكيدا للضمير المحذوف في رأيت على تقدير: رأيته7. وكان يتابعه في أن اللام في مثل: "يا لزيد" متعلقة بيا8، وأن أما في قول بعض الشعراء:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
…
فإن قومي لم تأكلهم الضبع
1 الهمع 1/ 99.
2 الخصائص 2/ 353، والهمع 2/ 141.
3 الهمع 2/ 85.
4 المحتسب 1/ 321.
5 الخصائص 1/ 338 وما بعدها.
6 المغني ص256، والمحتسب 1/ 91.
7 الخصائص 1/ 287، والمغني ص673.
8 المغني ص489، والهمع 1/ 180.
هي عاملة الرفع والنصب فيما يتلوها1. وجعله ذلك يضع قاعدة عامة كانت مصدر خلاف بينه وبين أستاذه في بعض المسائل، وهي أن ما ينوب عن شيء يعمل عمله، فما في أما المكونة من أن المصدرية وما الزائدة عملت لنيابتها مناب كان الرفع والنصب فيما تلاها. وينبغي طرد ذلك في الصور المماثلة، فمن ذلك أن أستاذه -كما مر بنا- كان يذهب إلى أن العامل في المعطوف في مثل: جاء محمد وعلي عامل مقدر من جنس العامل في المعطوف عليه، وذهب ابن جني إلى أن حرف العطف نفسه هو العامل لنيابته مناب العامل المحذوف2. ومن ذلك أدوات النداء، فقد كان أبو علي الفارسي يذهب إلى أنها أسماء أفعال عملت في المنادى، وذهب ابن جني إلى أنها حروف تعمل فيه لنيابتها مناب الأفعال3.
ولابن جني آراء اجتهادية مختلفة انفرد بها عن أستاذه والمدرستين البصرية والكوفية، فمن ذلك أنه كان يجيز تقديم المفعول معه على المعمول قبله، فيقال: جاء وثيابَ الصوف البردُ4. وكان يذهب إلى أن العامل في الخبر هو الابتداء والمبتدأ معا، وبذلك سوغ تقدمه على المبتدأ في مثل: شاعر محمد؛ لأنه إنما تقدم على أحد عاملي الرفع فيه وهو المبتدأ5. وذهب إلى أن إلا تأتي زائدة مستدلا بقول ذي الرمة في وصف النوق:
حراجيج ما تنفك إلا مناخة
…
على الخسف أو نرمي بها بلدا قَفْرا6
وكان الجمهور يذهب إلى أن لا العاملة عمل ليس لا تعمل إلا في النكرات، وذهب إلى أنها تعمل أيضا في المعارف لقول النابغة:
وحلت سواد القلب لا أنا باغيًا
…
سواها ولا عن حبها متراخيا7
ومعروف أن الأسباب المانعة للاسم من الصرف هي العلمية والعدل وزيادة الألف والنون والوصفية ووزن الفعل والتأنيث وموازنة جمعي مفاعل ومفاعيل والعجمة
1 الخصائص 2/ 381 والمغني ص61.
2 الخصائص 2/ 387.
3 الخصائص 2/ 277.
4 الخصائص 2/ 383.
5 الخصائص 2/ 385.
6 المغني ص76، والحراجيج: النوق الضخمة، والخسف: الذل.
7 المغني ص264 وما بعدها.
والتركيب المزجي. وكان الجمهور يذهب إلى أنها تنقسم إلى معنوية هي العلمية والوصفية، ولفظية وهي البقية. وذهب ابن جني إلى أنها جميعا معنوية ما عدا وزن الفعل في مثل: أحمد ويزيد1. وذهب الجمهور إلى أن اللام تزيد في جواب لو ولولا ولوما مثل: "لو جئت لأكرمتك" و"لولاك لأسرعت"، وذهب ابن جني إلى أنها ليست واقعة في جواب هذه الأدوات، بل هي لام جواب قسم مقدر2. ومر بنا رأي أستاذه أن ما قد تكون ظرفية زمانية، وأشرك ابن جني معها في ذلك أَنْ بفتح الهمزة، مستشهدا بقول بعض الشعراء:
وتالله ما إن شهلة أم واحد
…
بأوجد مني أن يهان صغيرها3
وكان سيبويه يذهب إلى أن كلمة خرب في قولهم: "هذا جحر ضب خرب" مجرورة على الجوار لضب؛ لأنه كان ينبغي أن ترفع، إذ هي صفة لجحر. وقال ابن جني: بل هي مجرورة على الأصل، إذ أصل التعبير:"هذا جحر ضب خرب جُحْره" فحُذف المضاف وأُنيب المضاف إليه في "جحره" وهو الضمير، فارتفع واستتر في خرب، فهو صفة لجحر على تقدير حذف المضاف، وهو تأويل بعيد4.
ومن طريف ما هدته إليه بصيرته النافذة أن الأصل في ظهور اللغات إنما هو اشتقاق كلماتها من الأصوات المسموعة، يقول في فواتح كتابه الخصائص:"ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشَحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونَزيب "صوت" الظبي ونحو ذلك، ثم وُلدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل"5. وقد مضى في الخصائص يثبت ذلك من حين لآخر كقوله عن الأفعال: إنه كثُر اشتقاقها من الأصوات الجارية مجرى الحروف مثل "هاهيت" من قولهم في زجر الإبل: هاها، و"عاعيت" في زجر الغنم من قولهم: عاعا، و"حأحأت" في زجر الكبش من قولهم: حاحا، و"شأشأت" في
1 الخصائص 1/ 109.
2 المغني ص259.
3 المغني ص338، والشهلة: العجوز، وأوجد: أكثر وجدا.
4 الخصائص 1/ 192.
5 الخصائص 1/ 46 وما بعدها.
زجر الحمار من قولهم: شأشأ. ويقول: هذا كثير في الزجر، وقد صنفت فيه كتابا1. ويذكر في موضع آخر أن العرب قد تسمي الأشياء بأصواتها كالخازِ بازِ "الذباب" لصوته، والبط لصوته، والواق للصرد "طائر فوق العصفور" لصوته، وغاق للغراب لصوته، والشيب لصوت مشافر الإبل2.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إنه هو الذي عمل على تثبيت قانوني الاشتقاق الأكبر والتضمين، ومر بنا أنه كان يريد بالأول التقاليب الستة للأصل الثلاثي لأي كلمة، وبيان أنه يجمعها هي ومشتقاتها معنى واحد، وحقا سبقه الخليل -كما مر بنا في ترجمته- إلى بناء معجم العين على تقليب الأصل الثلاثي للكلمة في صوره الست، ولكنه لم يفكر في أنها هي واشتقاقاتها يمكن أن يجمعها معنى واحد. وقد اعترف في فاتحة حديثه عنه بأن الفارسي كان يستعين به، ولكنه لم يحاول تسميته ولا تأصيله وتطبيقه، إنما هو الذي نهض بذلك، فهو الذي سماه، وهو الذي جسمه في أمثلة مختلفة، منها "ك ل م" وتقليباتها ومشتقاتها وقد رجعها إلى معنى القوة والشدة، ورجع "ق ول" وتقليباتها ومشتقاتها إلى معنى الإسراع والخفة، كما رجع تقليب "ج ب ر" إلى معنى الشدة والقوة، ومثلها مشتقاتها، ورجع تقليب "ق س و" ومشتقاتها إلى معنى القوة والاجتماع، كما رجع تقليب "س ل م" ومشتقاتها إلى معنى الإصحاب والملاينة3، وتوقف في كتابه المحتسب ليطبق ذلك على "حجر" وتقليبها ومشتقاتها مبينا أنها تعود جميعا إلى الشدة والضيق والاجتماع4، وأوضح أيضا أن "ج د ل" وتقليباتها ومشتقاتها تعود إلى القوة5.
وعلى نحو ما عُني بالاشتقاق الأكبر وتطبيقاته على بعض الأبنية، عُني بالتضمين، وهو أن تشرب لفظا معنى لفظ وإذا كان فعلا أو مصدرا أُعطي حكمه، فعُدي بما يعدى إليه. وحقا لاحظ ذلك سيبويه والكسائي في بعض الأمثلة بشهادته، كما لاحظه أبو علي الفارسي6، ولكنه هو الذي كشفه وأوضحه في أمثلة كثيرة من مثل:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} يقول: الرفث يتعدى
1 الخصائص 2/ 40.
2 الخصائص 2/ 165، وانظر 3/ 231.
3 انظر الخصائص 2/ 133 وما بعدها.
4 المحتسب 1/ 231.
5 المحتسب 1/ 321.
6 انظر الخصائص 2/ 311، 389.