الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثل: "ما طعامَك أكل إلا زيد" بينما كان الكسائي يمنع مثل هذا التعبير؛ لتقدم المفعول به، بينما الفاعل محذوف، إذ كان لا يعرب "زيد" فاعلا كما يعربه البصريون؛ ولذلك كان يأبى مثل هذه الصيغة1.
ولعل في كل ما قدمنا ما يوضح منزلة ثعلب في النحو الكوفي، فقد مضى يطبقه ويصدر عنه في كل ملاحظاته النحوية إلا أشياء طفيفة أداه إليها اجتهاده، وكأنما كان يحمل راية هذا النحو في عصره، مستقصيا استقصاء دقيقا لكل ما قاله إماماه: الكسائي والفراء وكل ما أنشداه من أشعار مع الدفاع الشديد عنهما أمام البصريين دفاعا أساسه الاحتكام إلى السماع والرواية والإحاطة بالشاذ والنادر من اللغة وتصاريفها على ألسنة العرب.
1 الإنصاف: المسألة رقم 21.
2-
أصحاب ثعلب:
اشتهر من تلاميذ ثعلب كثيرون، في مقدمتهم أبو موسى سليمان بن محمد المعروف بالحامض1، وهو المقدَّم من أصحابه إذ جلس مجلسه بعد موته، وكان يتعصب على البصريين، وصب عنايته على قراءته للناس كتب أستاذه ثعلب كما كان يقرأ كتب الفراء وخاصة كتابه "الإدغام" وألّف مختصرا في النحو، وما زال يوالي التدريس حتى توفي سنة 305 للهجرة.
ومن أصحاب ثعلب غلامه أبو عمر الزاهد محمد3 بن عبد الواحد، وكان حافظا مكثرا من اللغة وفيها ألف كتابه "الياقوت"، وظل يزيد في نسخته حتى
1 انظر في ترجمة أبي موسى الحامض: الزبيدي ص170، ونزهة الألباء ص141، والفهرست ص79، وتاريخ بغداد 9/ 61، ومعجم الأدباء 11/ 253، والأنساب الورقة 152، وإنباه الرواة 2/ 21، وبغية الوعاة ص262.
3 راجع في ترجمة أبي عمر غلام ثعلب: نزهة الألباء ص276، وتاريخ بغداد 2/ 356، والفهرست ص76، ومعجم الأدباء 18/ 226، والأنساب للسمعاني الورقة 413، وتذكرة الحفاظ 3/ 84، وإنباه الرواة 3/ 171، واللباب في الأنساب 2/ 183، وبغية الوعاة ص69.
كانت آخر عَرْضاته له سنة 331 للهجرة، وله وراءه مصنفات لغوية كثيرة منها: شرح كتاب أستاذه "الفصيح"، وكتاب فائت معجم العين، وكتاب فائت الجمهرة والرد على ابن دريد، وقد توفي سنة 345 للهجرة.
ولا يقل عن هذين الصاحبين أو التلميذين تأثرا بثعلب واقتداء بمباحثه تلميذه أبو بكر محمد بن الحسن المقرئ النحوي العطار المعروف باسم ابن مِقْسم1، وكان يعنى بدراسة النحو الكوفي وله فيه بعض المصنفات غير أنه ركز نشاطه في القراءات، فألف فيها كتبا ومصنفات مختلفة، منها كتاب السبعة الكبير، وقد تأخرت وفاته حتى سنة 354 للهجرة.
وكل هؤلاء التلاميذ لا تدور لهم آراء في كتب النحو، وكأنما كانوا امتدادا لمباحث ثعلب اللغوية، وقد اتسع بها ابن مقسم في الاحتجاج للقراءات السبع وكان يقصر عليها نشاطه، وربما كان أنبه تلاميذ ثعلب في المباحث النحوية أبو بكر بن الأنباري؛ ولذلك نخصه بكلمة مفردة.
أبو بكر بن الأنباري:
هو أبو بكر محمد2 بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، وُلد سنة 271 للهجرة، وأكب منذ نشأته على حلقات العلماء في عصره، وخاصة حلقة ثعلب، وكانت له حافظة قوية، حتى قالوا: إنه كان يحفظ من شواهد القرآن ثلاثمائة ألف بيت. وصنف كتبا كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل والوقف والابتداء، كما صنف في اللغة والنحو كتاب الأضداد وهو منشور، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث، وكتابي الكافي والموضح في النحو.
1 انظر في ترجمة ابن مقسم: الفهرست ص33، وتاريخ بغداد 2/ 206، ونزهة الألباء ص288، ومعجم الأدباء 18/ 150، وإنباه الرواة 3/ 100، وطبقات القراء لابن الجزري 2/ 123، وميزان الاعتدال للذهبي 2/ 166، وبغية الوعاة ص36.
2 راجع في ترجمة أبي بكر بن الأنباري: الزبيدي ص171، والفهرست ص75، ونزهة الألباء ص264، ومعجم الأدباء 18/ 306، وإنباه الرواة 3/ 201، وطبقات القراء 2/ 330، وتاريخ بغداد 3/ 181، والأنساب الورقة 49، وابن خلكان 1/ 502، وشذرات الذهب 2/ 315، ومرآة الجنان 2/ 294، والنجوم الزاهرة 3/ 269، وروضات الجنات ص608، وبغية الوعاة ص91.
ونراه يعنى بتعليم الناشئة صور أساليب العربية في بعض أقاصيص كان يرويها. وصنع عدة دواوين قديمة، في مقدمتها ديوان الأعشى والنابغة وزهير والراعي. ومن أهم آثاره شرحه للمفضليات، وهو منشور، ويكتظّ بمعارفه الواسعة في اللغة والأشعار وأيام العرب. ولم يمتد عمره طويلا، فقد توفي سنة 328 للهجرة.
ومن يرجع إلى كتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجي لا يشك في أنه كان أحد من دعموا النحو الكوفي بالعلل المنطقية، دعما لم يتوافر لأستاذه ثعلب، وكأنما كان عقله أكثر منطقية وأقدر على التعليل والبرهنة والإدلاء بالحجج البينة، على نحو ما يتضح في تعليله لاشتقاق المصدر من الفعل، إذ يقول:"الدليل على أن المصادر بعد الأفعال، وأنها مأخوذة منها أن المصادر تكون توكيدا للأفعال كقولك: ضرب زيد ضربا وخرج خروجا وقعد قعودا وما أشبه ذلك، ولا خلاف في أن المصادر ههنا توكيد للأفعال، والتوكيد تابع للمؤكَّد ثانٍ بعده، والمؤكَّد سابق له، فدل ذلك على أن المصدر تابع للفعل مأخوذ منه وأن الفعل هو الأصل الذي أُخذ منه"1. ونرى الزجاجي يذكره في مواضع مختلفة حين يتحدث عن علل الكوفيين2، مما يجعلنا نؤمن بأنه كان في مقدمة من توسعوا فيها وحاولوا إحكامها إحكاما دقيقا.
ولأبي بكر بن الأنباري آراء مختلفة تدور في كتب النحاة، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "إلى" قد ترد اسما، فيقال:"انصرفت من إليك" كما يقال: "غدوت من عليك3. وكان يجعل من معاني "كأن" الشك مثل: "كأنك بالشتاء مقبل" أي: أظنه مقبلا4. وذهب إلى أن "بين الظرفية" قد تقع شرطية إذا جاءت في أول الكلام مثل: "بينما أنصفتني ظلمتني"5. ومعروف أن "كلا" تضاف دائما إلى اثنين أو إلى ضمير الاثنين مثل: كلا محمد وعلي وكلاهما، وذهب ابن الأنباري إلى جواز إضافتها إلى المفرد بشرط تكرارها، فتقول: "كلاي
1 الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص60 وما بعدها.
2 الزجاجي ص79، 80، 132.
3 المغني لابن هشام ص157.
4 المغني ص209.
5 همع الهوامع 1/ 211.