الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حذفها كما بُنيت أمس لتضمنها معنى لام التعريف. وذهب ابن ولاد إلى أن أصل "لاهِ أبوك": آلله أبوك، حذفت الهمزة النائبة عن واو القسم وقالوا: للهِي وخففت الألف1. وكان يذهب إلى أن صيغة المبالغة "فَعِيل" تعمل عمل اسم الفاعل، فتنصب المفعول به مثل: شِرِّيب الماءَ2.
1 الهمع 2/ 37.
2 الهمع 2/ 97.
2-
في اتجاه المدرسة البغدادية:
رأينا النابهين من النحاة المصريين يرحلون إلى البصرة وبغداد طوال الفرنين الثاني والثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة، وكانت المدرسة البصرية وأساتذتها غالبا وجهتهم في بغداد، وخير من يصور ذلك أبو العباس بن ولاد تلميذ الزجاج صاحب المبرد، وبلغ من بصريته أن عني بتأليف كتاب الانتصار لسيبويه، وكأنه يؤمن بأن غلطا لا يمكن أن يعلق بقلمه. وفي نفس هذه الحقبة كانت قد أخذت تظهر مدرسة بغداد ممثلة في أئمتها الأولين من أمثال ابن كيسان وابن شُقَير وابن الخياط الذين كانوا ينزعون في أول حياتهم نزعة كوفية، ثم مزجوا بين النحوين الكوفي والبصري مع استمرار ميلهم الواضح لنحو الكوفيين.
وإذا كان أبو العباس بن ولاد لم يلتفت إلى هذه النزعة النحوية الجديدة، فإن رفيقه ومواطنه أبا جعفر النحاس لم يقع بعيدا عنها، وقد اختلف مثله إلى أصحاب المبرد وفي مقدمتهم الزجاج. ولكن يظهر أنه اختلف أيضا إلى أصحاب ثعلب، بل ينص القدماء على أنه كان يختلف إلى ابن الأنباري، ولا نشك أنه اختلف أيضا إلى حلقات ابن كيسان وابن شقير وأضرابهما من أوائل البغداديين لما سنرى عنده عما قليل من مزج بين آراء البصريين والكوفيين. وبذلك يلتحم نحو المدرسة المصرية بنحو المدرسة البغدادية مع نشأتها المبكرة.
وأبو1 جعفر النحاس هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المتوفى سنة
1 انظر في ترجمة النحاس: الزبيدي ص239، والأنساب للسمعاني الورقة 555، ونزهة الألباء ص291، وإنباه الرواة 1/ 17، ومعجم الأدباء 4/ 224، وابن خلكان 1/ 29، وشذرات الذهب 2/ 346، ومرآة الجنان 2/ 311، وبغية الوعاة ص157.
338 للهجرة، أكب على النحو ودراساته في موطنه، ثم رحل إلى العراق، فسمع الزجاج وغيره من أصحاب المبرد مثل ابن السراج، كما سمع أصحاب ثعلب وأوائل البغداديين. وعاد إلى موطنه يدرس كتاب سيبويه لطلابه، وطارت شهرته، فرحل إليه الطلاب من الأندلس وفي مقدمتهم -كما مر بنا في غير هذا الموضع- محمد بن يحيى الرباحي الذي حمل عنه كتاب سيبويه رواية، ودرسه لطلابه بقرطبة.
وظل نحاة الأندلس من بعده يتوارثون رواية نسخته المضبوطة الوثيقة، مثيرين لكنوز الكتاب ومفسرين معلقين. وبذلك كان للنحاس فضل بث دراسة كتاب سيبويه في الأندلس وما رافقها هناك من نهضة الدراسات النحوية. ومما عني به "تفسير أبيات سيبويه" ويقال: إنه لم يُسبق إلى مثله، وكل من جاء بعده استمد منه.
وفي بعض المراجع أن له كتاب "شرح سيبويه" مما يدل على أنه كان له على الكتاب شرح مفرد يذلله ويحل مشاكله. وعني بالقرآن الكريم، فكتب فيه كتبا مفيدة، منها كتاب معاني القرآن وكتاب إعراب القرآن، وهما كتابان قَيِّمان، ويقال: إنهما أغنيا عما صُنف قبلهما في معناهما. وله شروح على بعض دواوين الشعر والمعلقات والمفضليات. وصنف في النحو كتاب الكافي وهو مفقود، ومختصرا أسماه كتاب التفاحة في النحو نشره كوركيس عواد ببغداد، كما صنف كتابا في الاشتقاق. ويلفتنا بين مصنفاته التي روتها له كتب التراجم كتاب "المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين" مما يدل دلالة واضحة على أنه عني باستيعاب آراء المدرستين عناية جعلته يخصهما بالتأليف.
ومن يرجع إلى مختصره الذي سماه كتاب التفاحة في النحو والذي يقع في ست عشرة صحيفة، يجده يمزج في وضوح بين آراء البصريين والكوفيين، فهو في الصورة العامة للكتيب وعرض مسائله بصري، وهو في بعض آرائه وبعض المصطلحات كوفي، وقد يختار رأيا لقطرب أو للأخفش مخالفا جمهور البصريين. ومن أول ما يلقانا في الكتيب مخالفا لهم فيه، ذهابه إلى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها معربة بحروف العلة نفسها، متفقا في ذلك مع قطرب وهشام من الكوفيين والزجاجي
من البغداديين1. ولا يلبث أن يذهب إلى أن المثنى والجمع السالم يرفعان بالألف والواو وينصبان ويجران بالياء، لا نيابة عن حركات مقدرة، وهو رأي الكوفيين وقطرب والزجاج أستاذه والزجاجي2. وذهب مع الكوفيين إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم لا مبني كما ذهب البصريون3. واختار رأيهم في أن حتى ولام الجحود ولام كي وواو المعية -ويسميها واو الظرف- وأو وفاء السببية تنصب جميعها المضارع بدون تقدير أن4. واستظهر غير مصطلح من مصطلحات الفراء والكوفيين، من ذلك تسمية النفي بالجحد5 وتسمية نائب الفاعل باسم المفعول الذي لم يسم فاعله6، وتسمية الصفة بالنعت7، وتسمية التمييز بالتفسير8.
وكان يذهب مع الكسائي إلى أن "ذو وذوو" لا تضافان إلى الضمير خلافا للجمهور لما جاء عن العرب في النثر من مثل قولهم: "إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه"9. وذهب مع الأخفش إلى أن المضاف إليه مجرور بالإضافة لا بالمضاف كما ذهب سيبويه10. كما ذهب أيضا معه إلى أن "لا سيما" من أدوات الاستثناء، وأن ما بعدها في مثل:"لا سيما زيد" مرفوع أو مجرور11. وجعل -مع ابن السراج- لا النافية من أدوات التعليق مع ظن وأخواتها مثل: "ظننت لا يقوم زيد"12. وكان يذهب إلى أن "مع" الساكنة العين في لغة ربيعة حرف13.
ولعل في ذلك كله ما يدل على أن مصر أخرجت نحويا بغدادي النزعة في
1 كتاب التفاحة في النحو ص15، وقارن بالهمع 1/ 38.
2 كتاب التفاحة ص15، والهمع 1/ 47.
3 كتاب التفاحة ص16، والهمع 1/ 15.
4 كتاب التفاحة ص19، وقارن بالهمع 2/ 7، 8، 14، 17.
5 كتاب التفاحة ص20، وقارن بمعاني القرآن للفراء 1/ 52.
6 كتاب التفاحة ص21، وانظر معاني القرآن 1/ 301.
7 كتاب التفاحة ص22، وقارن بمعاني القرآن 1/ 112، 198، 277، 2/ 145.
8 كتاب التفاحة ص24، وانظر معاني القرآن 1/ 225.
9 الهمع 2/ 50.
10 كتاب التفاحة ص18، وانظر الهمع 2/ 46.
11 كتاب التفاحة ص25 وما بعدها، وقارن بالهمع 1/ 234.
12 الهمع 1/ 154.
13 المغني ص370، والهمع 1/ 217.
وقت مبكر، فهو يمزج بين النحو البصري والكوفي، وهو ينفذ إلى آراء جديدة. ومن أهم تلاميذه أبو بكر1 الإدفوي المتوفى في العصر الفاطمي سنة 388 للهجرة، وهو منسوب إلى مدينة إدفو بصعيد مصر، وكان يروي عن أستاذه النحاس كل تصانيفه في النحو والقرآن، وعني بالتفسير فصنف فيه كتابا في مائة مجلد سماه "الاستغناء في تفسير القرآن" جمع فيه من علوم العربية ما لم يجتمع بغيره، ويظهر أن ضخامة الكتاب حالت من قديم دون الانتفاع به ومعرفة ما نثره فيه الإدفوي من آراء في العربية.
وأنبه تلامذة الإدفوي الحَوْفي، وهو علي2 بن إبراهيم المتوفى سنة 430 للهجرة، قرأ على الإدفوي وأخذ عنه وأكثر، وتصدر لإقراء النحو، وصنف فيه مصنفا كبيرا استوفى فيه العلل والأصول وصنف مصنفات أصغر منه اشتغل بها المصريون. وصنف في إعراب القرآن كتابا في عشرة مجلدات كان علماء موطنه يتنافسون في تحصيله، وصنف أيضا في تفسير القرآن وعلومه. ونرى ابن هشام يعرض لإعراب "ذلك" في قوله تعالى:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} ويقول: إنها بدل أو عطف بيان، ويقول: جوز الفارسي كونها صفة، ورد ذلك الحوفي بأن الصفة لا تكون أعرف من الموصوف3. وفي ذلك ما يشهد بأن الحوفي كان مطلعا على كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وأكبر الظن أنه اطلع على كتاباته الأخرى وكأن نحاة مصر في العصر الفاطمي من أمثال الحوفي كانوا يعنون بمعرفة آراء المدرسة البغدادية وأعلامها النابهين من أمثال الفارسي. وقد توقف ابن هشام مرارا في كتابه المغني بإزاء توجيهات الحوفي الإعرابية لبعض آي الذكر الحكيم، وأكبر الظن أنه نقلها جميعا عن كتابه الذي صنفه في إعراب القرآن، وهو تارة يرتضي توجيهه وتارة يرفضه، فمن ذلك استحسانه ما ذهب إليه في الآية الكريمة:
1 انظر في ترجمة الإدفوي: إنباه الرواة 3/ 186، وطبقات القراء 2/ 198، وطبقات المفسرين للسيوطي ص38، وشذرات الذهب 3/ 130، وبغية الوعاة ص81.
2 راجع في ترجمة الحوفي: معجم الأدباء 12/ 221، وإنباه الرواة 2/ 219، والأنساب للسمعاني الورقة 181، وابن خلكان 1/ 332، واللباب في الأنساب 1/ 239، وشذرات الذهب 3/ 247، وبغية الوعاة ص325.
3 المغني ص553.
{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} من أن {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ} مبتدأ وخبره محذوف تقديره: لهم1. ومن ذلك رفضه ما ذهب إليه الحوفي مع الفراء من أن جملة {وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} معطوفة على ما قبلها بتقدير أن الأصل: ولأنفسهم ثم حذف المضاف، وقال ابن هشام: إن هذا تكلف والواو في الآية للاستئناف2. وقد أنكر رأيه في أن الباء لها متعلق في قوله جل شأنه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} ؛ لأنها حرف جر زائد، وحروف الزيادة لا متعلق لها3. ورد ابن هشام رأيه في قوله تعالى:{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أن جواب الشرط هو {إِنَّ ذَلِكَ} وما بعدها لأنها اسمية وهي لا تكون جوابا للشرط في النثر بدون فاء، إنما يختص ذلك بالشعر، أما الآية فجواب الشرط فيها محذوف4. وارتضى رأيه في أن خبر الذين في قوله عز وجل:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} محذوف دلت عليه الجملة وتقديره: مأجورون5. وأنكر قوله: إن الباء من قوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} متعلقة بناظرة لأنها جارة لما الاستفهامية والاستفهام له الصدر6، كما أنكر ما ذهب إليه في الآية: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} من أن {سَيَهْدِينِ} جملة حالية، إنما هي اعتراضية7. ورد إعرابه لقوله جل شأنه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أن {ظُلُمَاتٌ} مبتدأ، و {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} خبر، قائلا: الصواب أن {ظُلُمَاتٌ} خبر لمبتدأ محذوف8. وتلك هي كل مراجعات ابن هشام في كتابه "المغني" للحوفي في كتابه إعراب القرآن، وكأنه لم يجد وراءها ما يرده أو ينكره، مما يشهد للقفطي في قوله عنه: إنه كان عالما بالنحو، قَيِّما بعلل العربية أتم قيام.
وكان يعاصره الذاكر9 النحوي المصري تلميذ ابن جني المتوفى سنة 440 للهجرة، وكان يتصدر بمصر لإقراء العربية، وله تعليقات مفيدة في النحو، وهو إشارة
1 المغني ص437.
2 المغني ص443.
3 المغني ص492، والهمع 2/ 108.
4 المغني ص552.
5 المغني ص554.
6 المغني ص597.
7 المغني ص 444.
8 المغني ص638.
9 انظر فيه إنباه الرواة 2/ 8.
واضحة إلى أن كتب ابن جني عُرفت على الأقل منذ عصره بمصر.
ويلقانا في عصر المستنصر الفاطمي نحوي كبير هو ابن1 بابشاذ طاهر بن أحمد المتوفى سنة 469 للهجرة، وقد رحل إلى بغداد وأخذ عن نحاتها وعلمائها، وبذلك اتصل مباشرة بنحو البغداديين، وعاد إلى موطنه فتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص مع إشرافه على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمي إلى الأطراف، وله في النحو تصانيف سارت -كما يقول القفطي- مسير الشمس، منها "المقدمة" في النحو وشرحها، وشرح الجمل للزجاجي أحد أئمة النحو البغدادي. وكانت له تعليقة كبيرة في النحو كتبها في غرفة بجامع عمرو انقطع فيها بأخرة للعبادة والنسك، ويقال: إنها كانت في نحو خمسة عشر مجلدا، وإنها ظلت تنتقل من تلميذ إلى تلميذ حتى نهاية القرن السادس، وكانوا يسمونها "تعليق الغرفة". ومن مصنفاته "شرح الأصول" لابن السراج وكتاب المحتسب بناه على عشرة أشياء: الاسم والفعل والحرف، والرفع والنصب والجر والجزم، والعامل والتابع والخط، وله عليه شروح، واختصره ابن عصفور. وتدور لابن بابشاذ في كتب النحو آراء مختلفة يتفق في طائفة منها مع الكوفيين والبغداديين والبصريين، مما يدل دلالة واضحة أنه كان يمزج بين كل تلك المذاهب، فمن ذلك أن البصريين كانوا يمنعون عمل إذن النصب في المضارع وهي مفصولة عنه بأي معمول له، وأجاز ذلك الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين، وتوسط ابن بابشاذ بين الطرفين المتعارضين فجوّز الفصل بالنداء والدعاء مثل: إذن يا زيد أحسنَ إليك وإذن -يغفر الله لك- يدخلَكَ الجنة2. وكان يجيز -مع الكوفيين والأخفش- ترخيم الاسم الثلاثي المحرك الوسط مثل: حَكَم فيقال: يا حك3. وكان يرى رأي ابن درستويه البصري القائل بأن المبتدأ في مثل: "ضربي العبد مسيئًا" لا خبر له4. وذهب مع الفارسي والسيرافي إلى أن عامل المستثنى
1 راجع في ترجمة ابن بابشاذ: نزهة الألباء ص361، ومعجم الأدباء 12/ 17، وإنباه الرواة 2/ 95، وابن خلكان 1/ 235، وشذرات الذهب 3/ 333، ومرآة الجنان 3/ 98، وبغية الوعاة ص272.
2 الهمع 2/ 7، والمغني ص16.
3 الهمع 1/ 182.
4 الرضي على الكافية 1/ 94.
ما قبل إلا معدى إليه بواسطتها1. واختار رأي الأخفش والفارسي في أن سمع قد تلحق بعلم فتنصب مفعولين مثل: "سمعت محمدا يتكلم"2. وكان يرى أن لام التعريف العهدية خاصة بالأعيان بينما الجنسية خاصة بالأذهان3. وكان يذهب إلى أن الكاف في أسماء الأفعال مثل "إليك" و"رويدك" و"مكانك" حرف خطاب وليست اسما مجرورا مع الحروف ومضافا إليه مع الظروف كما ذهب البصريون ولا فاعلا كما زعم الفراء ولا مفعولا كما زعم الكسائي4.
وتصدر لإقراء النحو بعده تلميذه محمد5 بن بركات المتوفى سنة 520 للهجرة، ويذكر السيوطي في ترجمته أن من أساتذته أيضا محمد6 بن مسعود الغزني المعروف بالزكي والعلاء بن أبي الفتح عثمان بن جني، أما الأول فاشتهر بكتاب له في النحو سماه البديع، يقول ابن هشام عنه: إنه كتاب خالف فيه أقوال النحويين في أمور كثيرة، ويذكر قولا من أقواله هو أن "الذي وأن المصدرية يتقارضان، فتقع الذي مصدرية كقول جميل:
أتقرح أكباد المحبين كالذي
…
أرى كبدي من حب بثنة يقرح
وتقع أن بمعنى الذي كقولهم: "زيد أعقل من أن يكذب، أي: من الذي يكذب"7. وأما العلاء فقد كان يروي كتب أبيه ابن جني. ومعنى ذلك أن ابن بركات تزوّد من كتابات ابن جني كما تزود من كتاب البديع لمحمد بن مسعود، وأيضا تزود من أستاذه ابن بابشاذ وخاصة من "تعليقة الغرفة" التي ورثها عنه. وكانت له تصانيف في النحو سقطت من يد الزمن.
واستوطن مصر لسنة خمسمائة كبير نحاة صقلية ولغوييها علي8 بن جعفر
1 الهمع 1/ 224.
2 الهمع 1/ 150.
3 الهمع 1/ 79.
4 الرضي على الكافية 2/ 65، والهمع 2/ 106.
5 انظر في ترجمة ابن بركات: معجم الأدباء 18/ 39، وإنباه الرواة 3/ 78، وشذرات الذهب 4/ 62، ومرآة الجنان 3/ 225، وبغية الوعاة ص24.
6 انظره في البغية ص105.
7 المغني ص602.
8 انظر ترجمته في: معجم الأدباء 12/ 279، وابن خلكان 1/ 339، وشذرات الذهب 4/ 45، ومرآة الجنان 2/ 212، وإنباه الرواة 2/ 236، والبغية ص331.
السعدي المعروف بابن القَطِّاع، وتصدر فيها لإقراء اللغة والنحو، ومن تصانيفه: كتاب تهذيب أفعال ابن القوطية وأبنية الأسماء وحواشٍ على الصحاح للجوهري، وما زال مقيما على الإفادة والتصنيف حتى توفي سنة 515 للهجرة.
وأكبر نحاة مصر لأواخر العصر الفاطمي ابن بري1 المصري المولد والمنشأ المقدسي الأصل، وقد لحق الدولة الأيوبية وامتدت به حياته حتى سنة 582 للهجرة. وهو تلميذ ابن بركات وغيره من المصريين والقادمين على مصر من الأندلس وخاصة محمد2 بن عبد الملك الشنتريني الذي قرأ عليه كتاب سيبويه، وكان للأندلسيين -كما مر بنا- عناية به منذ نقل لهم الرباحي صورة من نسخة النحاس المضبوطة الوثيقة، وتوفروا عليها بالدرس والشرح والتفسير. وعلى نحو ما كان ابن بري قيما بالنحو كان قيما باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء الفاطمي: وظيفة أستاذه ابن بركات وابن بابشاذ من قبلهما. وتصدر لإقراء النحو واللغة بجامع عمرو، وطارت شهرته في الآفاق فقصده الطلاب من كل فج، وممن قصده وقرأ عليه كما أسلفنا عيسى الجزولي نحوي المغرب والأندلس، وقد ذكرنا أنه لما قرأ عليه كتاب الجمل للزجاجي أُثيرت مسائل جمعها في مقدمته المعروفة بالجزولية، وكان لا يسيغ أن يقول: هي من تصنيفي؛ لأنها من نتائج خواطر ابن بري وتلاميذه، وقد عني بها النحاة وشرحوها مرارا. واشتهر له في اللغة حواشيه على صحاح الجوهري وكانت في ستة مجلدات، وهي أحد المصادر الخمسة التي ألف منها ابن منظور معجمه الكبير لسان العرب كما يقول في مقدمته، واسمه يتردد فيه ترددا واسعا. ومن مصنفاته: جواب المسائل العشر التي استشكلها أبو نزار الحسن بن صافي النحوي3 وأغاليط الفقهاء وحواش على درة الغواص في أوهام الخواص للحريري، وقد راجعه في أن التعبير بكلمة "صباحَ مساءٍ" على الإضافة يراد به الصباح وحده، بخلاف "صباحَ مساءَ" على التركيب، فإن ذلك يعنيهما معا،
1 راجع في ترجمة ابن بري: معجم الأدباء 12/ 56، وإنباه الرواة 2/ 110، وابن خلكان 1/ 268، وشذرات الذهب 4/ 273، ومرآة الجنان 3/ 424، وبغية الوعاة ص278، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 233.
2 انظره في بغية الوعاة ص68.
3 أوردها السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر 3/ 171.
وقال: إن هذا الفرق لم يقل به أحد، وإن السيرافي صرح بأن قولهم: يأتينا صباحَ مساءٍ وصباحَ مساءَ وصباحًا ومساءً معناهن واحد1. وكان يذهب إلى أن لولا تفيد التعليل في مثل: "لولا إحسانك لما شكرتك" وأن العرب لذلك جروا بها المضمر في مثل لولاي2، وهو بذلك يتفق مع سيبويه كما مر بنا في أنها حين يليها المضمر تكون جارة. وذهب مذهب الكوفيين والأخفش في أن إذا الفجائية حرف وليست ظرفا3، كما ذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن "ما" قد تأتي زمانية في مثل:{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم4. ومعروف أن الفعل قد يأتي للمطاوعة، وهي أن يدل أحد الفعلين على تأثير ويدل الآخر على قبول فاعله لذلك التأثير مثل: علّمته فتعلّم، وهو حينئذ يتعدى إلى واحد كما في المثال، وذهب ابن بري إلى أنه قد يتعدى لاثنين نحو: "استخبرت الخبر فأخبرني الخبر"، ومثل: "استعطيته كتابا فأعطاني كتابا"، وقال ابن هشام: ما ذكره ابن بري ليس من باب المطاوعة وإنما هو من باب الطلب والإجابة5.
وكان يعاصره عثمان6 بن عيسى البَلَطِي الموصلي نحوي دمشق المتوفى سنة 599 للهجرة، ولما ملك صلاح الدين مصر انتقل إليها فرتب له جاريا لإقراء النحو بجامعها، وكان يتعمق في دراسته ودراسة العَرُوض، ومن مصنفاته "النَّبْر" في العربية والعروض الكبير والعروض الصغير، ويقول السيوطي: إنه كان يخلط بين مذهبي الكوفة والبصرة.
ومن نحاة مصر في العصر الأيوبي سليمان7 بن بنين الدقيقي تلميذ ابن بري المتوفى سنة 614 للهجرة، وله مصنفات كثيرة في النحو واللغة والأدب، منها: شرح على سيبويه سماه "لباب الألباب في شرح الكتاب"، وكتاب الوضَّاح في شرح أبيات الإيضاح لأبي علي الفارسي، وكتاب إغراب العمل في شرح أبيات الجمل للزجاجي، وكتاب اتفاق المباني وافتراق المعاني في اللغة.
1 الهمع 1/ 197.
2 الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 277.
3 الرضي على الكافية 1/ 93، وانظر المغني ص92.
4 المغني ص335.
5 المغني ص574، 575.
6 انظر ترجمة البلطي في: معجم الأدباء 12/ 141، وإنباه الرواة 2/ 344، وبغية الوعاة ص323.
7 انظره في بغية الوعاة ص261.
ونزل مصر يحيى1 بن معطي المغربي المتوفى سنة 628 قرأ على الجزولي، ثم رحل إلى دمشق وأقرأ النحو بها مدة، ثم تركها إلى القاهرة واستقر بها وتصدر بالجامع العتيق لإقراء الطلاب النحو، وله مصنفات مختلفة منها ألفية في النحو كألفية ابن مالك، ومنها العقود والقوانين في النحو، ومنها الفصول وحواشٍ على أصول ابن السراج وشرح على الجمل. وكان يذهب إلى أن ما النافية قد تحذف في جواب القسم2، وكان يرى أنه إذا اجتمع مع الفعل المبني للمجهول مصدر وظرف وجار ومجرور كان الجار والمجرور هما نائب الفاعل لا الظرف ولا المصدر، بينما كان يرى البصريون أن لك الخيار في إقامة أي الثلاثة نائبا للفاعل3. وذهب إلى أن "أبا ويا وهيا" للمنادى البعيد وأي والهمزة للمنادى القريب4. وكان يرى رأي الزمخشري وأستاذه الجزولي في أن علل البناء خمس: شبه الحرف، وتضمن معناه، والوقوع موقع المبني، ومناسبة المبني، والإضافة إلى المبني5. ومما ذكره في كتابه الفصول أن أسماء الإشارة بنيت لشبهها بالحروف ولم يذكر ذلك غيره6، وذكر في الفصول أيضا أن "دام" لا يجوز تقديم خبرها على اسمها7.
وكان يعاصره ابن الرماح8 علي بن عبد الصمد المتوفى سنة 633 للهجرة، وقد تصدر لإقراء النحو وقراءات الذكر الحكيم، وله مجموع في النحو يتردد ذكره في الأشباه والنظائر للسيوطي، مع بعض ملاحظاته وآرائه، من ذلك قوله: إن العَلَم قد يَرِد معرفا بالألف واللام كالأجناس وذلك في باب نعم وبئس، إذ تقول مثلا: نعم العمر عمر بن الخطاب9، وكان يقول: إن أم المتصلة تفترق عن أم المنقطعة من سبعة أوجه، ومما ذكره من هذه الأوجه أنها لا تقع إلا بعد استفهام
1 راجع ترجمته في: معجم الأدباء 20/ 35، وشذرات الذهب 5/ 129، وبغية الوعاة ص416.
2 انظر المغني ص710 وقد تابعه في ذلك ابن مالك، وقابل بالأشباه والنظائر 2/ 58.
3 الهمع 1/ 163.
4 الأشباه والنظائر 1/ 304.
5 الأشباه والنظائر 2/ 24.
6 الأشباه والنظائر 3/ 4.
7 الأشباه والنظائر 3/ 5، وانظر التصريح على التوضيح للشيخ خالد الأزهري "طبع عيسى البابي الحلبي" 1/ 187.
8 انظره في البغية ص341.
9 الأشباه والنظائر 2/ 40.
وما بعدها معطوف على ما قبلها، وتقتضي المعادلة، مثل: أضربت عليا أم نهرته؟ 1.
ومن نحاة العصر الأيوبي النابهين علي2 بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى سنة 643 للهجرة، وله شرحان على كتاب المفصل للزمخشري، وشرح على أحاجيه النحويه. واسمه يدور في كتاب الأشباه والنظائر. وله ملاحظ وآراء دقيقة كثيرة، من ذلك قوله: إن باب فعيلة تحذف منه التاء والياء في النسب مثل: حنيفة وحنفي، وكأنه لما تطرق إليه تغيير بحذف التاء حذفت معها الياء بينما فعيل مثل تميم لا يحذف منه في النسب شيء3. وكان يقول: لا يدخل على المقسم به المضمر غير الباء4، وشبه الحال بالمفعول به في مجيئها بعد الفاعل، وبالظرف في انقضاء مدتها مع فعلها، وبالصفة، وبالتمييز في تنكيرها وبالخبر في فائدتها5، وكان يقول: حتى الجارة تختلف عن "إلى" في أنه لا يليها مضمر مثلها وأن فيها معنى الاستثناء وأنها لا تقع خبرا بخلاف إلى في مثل: "والأمر إليك"6. واحتفظ السيوطي له بأجوبته عن عشر مسائل نحوية ولغوية أثارها أبو نزار الحسن بن صافي النحوي، وهي تدل على سعة معارفه النحوية7. وكان يعاصره ابن الحاجب وسنخصه بكلمة أكثر طولا.
وتنشط الدراسات النحوية في عصر المماليك، بل تزدهر وتثمر ثمارا رائعة، ومن النحاة النابهين حينئذ بهاء الدين8 بن النحاس الحلبي الأصل المتوفى سنة 698 للهجرة، دخل مصر وأخذ عن شيوخها، ثم جلس لإفادة الطلاب، ولم يلبث أن أصبح شيخ الديار المصرية في علم العربية. وعليه تتلمذ أبو حيان حين نزوله مصر، وله مصنفات مختلفة من أهمها: شرح على المقرب لابن عصفور، وكان يرى أن فائدة العدل في مثل لفظة عمر الاختصار، فهي أخصر من عامر9.
1 الأشباه والنظائر 2/ 214.
2 انظر ترجمته في: إنباه الرواة 2/ 311، وابن خلكان 1/ 345، وطبقات القراء 1/ 568، وطبقات الشافعية 5/ 26، ومعجم الأدباء 1/ 65، وبغية الوعاة ص349.
3 الأشباه والنظائر 1/ 137.
4 الأشباه والنظائر 1/ 228.
5 الأشباه والنظائر 2/ 190.
6 الأشباه والنظائر 2/ 192.
7 انظر الأشباه والنظائر 3/ 158.
8 انظر ترجمته في بغية الوعاة ص6.
9 الأشباه والنظائر 1/ 31.
وأجمع النحاة أن مضافا إليه محذوف في مثل: "قطع الله يَدَ ورجلَ من قالها"، واختلفوا من أي الكلمتين حُذف من يد أو رجل، واختار رأي سيبويه القائل بأن المضاف إليه المحذوف مع رجل لا يد1. وكان يقول: لا يثنى "بعض" ولا يجمع حملا على "كل" لأنه نقيض، وحكم النقيض أن يجري على نقيضه2. وكان يختار مذهب سيبويه في أن عسى في مثل "عساي وعساك" خرجت عن بابها وعملت عمل لعل3. وكان يقول: لا يضاف من ظروف المكان سوى حيث4. وكان الجمهور يذهب إلى أن الحرف معناه في غيره، وذهب إلى أنه يدل على معنى في نفسه5. وكان يرى رأي ابن عصفور في العطف على محل الجملة في التعليق بالنصب، مستدلين بقول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا
…
ولا موجعات القلب حتى تولت
بعطف كلمة موجعات على جملة "ما البكا"6. وكان يقول: إنما كُسرت النون في المثنى لسكونها وسكون الألف قبلها7! وله تعليلات مختلفة ساق منها السيوطي أطرافا8. وكان يذهب مع أستاذه ابن مالك إلى جواز مجيء المبتدأ مؤخرا نكرة مع جملة سابقة له مثل: "قصدك غلامه رجلٌ"9 والأولى أن تكون رجل فاعلا مؤخرا. ونص على أن "لو ما" مثل لولا تماما يحذف بعدها الخبر ويذكر الجواب مثل: "لوما محمدٌ ما جئت"10.
وربما كان أنبه تلاميذ أبي حيان، ابن11 أم قاسم الحسن بن قاسم المتوفى سنة 749 للهجرة، وأم قاسم جدته لأبيه، نُسب إليها. وله شرح على المفصل للزمخشري وثانٍ على التسهيل وثالث على الألفية لابن مالك. وتحتفظ كتب النحو له بآراء مختلفة، من ذلك أنه كان يرى أن المحذوف في "إنا وأنا ولكنا" النون
1 الأشباه والنظائر 1/ 42.
2 الأشباه والنظائر 1/ 196.
3 نفس المصدر 1/ 229.
4 الأشباه والنظائر 2/ 88.
5 الهمع 1/ 4، والأشباه والنظائر 3/ 2.
6 المغني ص467.
7 الأشباه والنظائر 1/ 196.
8 انظر الأشباه والنظائر 1/ 242، 1/ 262، 1/ 270، 2/ 88.
9 الهمع 1/ 101.
10 الهمع 1/ 105.
11 انظره في البغية ص226.
الأولى لا الثانية لأنها اسم، والحروف أولى بالحذف من الاسم1. وكان يتصدى لأستاذه أبي حيان كثيرا، وخاصة حين يعارض ابن مالك، ونراه يحكي عبارته حينئذ بصيغة قيل2، ومما عارضه فيه منحازا لابن مالك أن حرًى من أخوات كاد وليست اسما منونا بمعنى حقيق3. وقد أنكر رأيه في جواز حذف العائد المتصل بليت في مثل: "جاء الذي ليته زيد"4، وأكبر الظن أنه آن أن نفرد حديثا أكثر تفصيلا لأهم نحوي مصري ظهر في القرن السابع الهجري، وهو ابن الحاجب.
ابن 5 الحاجب:
هو جمال الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر المتوفى سنة 646 للهجرة، ولد في "إسنا" بصعيد مصر سنة 570 ونشأ بالقاهرة، وأكب على الدرس والتحصيل حتى أصبح عَلَما في الفقه على مذهب مالك وفي الأصول والنحو. وكان أبوه حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، فغلبت عليه النسبة إلى وظيفته. ورحل إلى دمشق، وأقبل الطلاب يفيدون من علمه الغزير هناك، ثم عاد إلى القاهرة فدرّس النحو بالمدرسة الفاضلية، ثم نزل الإسكندرية ولم تطل إقامته بها، إذ سرعان ما لبى نداء ربه. وله مصنفات كثيرة في الفقه المالكي والأصول والعروض، ولكن شهرته طبقت الخافقين بما صنفه في النحو، وأهم مصنفاته فيه الكافية وهي مطبوعة مرارا بشرح الرضي الإسترابادي وغيره، وشرح له الرضي أيضا الشافية، وهي في فن التصريف وشرحه مطبوع. وفي دار الكتب المصرية مخطوطة من أماليه النحوية في أكثر من ستمائة وخمسين صحيفة.
ولابن الحاجب آراء كثيرة اتفق فيها مع بعض النحاة وأخرى خالف فيها جمهورهم،
1 الهمع 1/ 64.
2 الهمع 1/ 72.
3 الهمع 1/ 128 وما بعدها.
4 الهمع 1/ 90.
5 انظر في ترجمة ابن الحاجب: الديباج لابن فرحون ص372، وطبقات القراء للجزري 1/ 508، وشذرات الذهب 5/ 234، وطبقات القراء للذهبي 2/ 201، وذيل الروضتين ص160، 182، وتاريخ ابن كثير 13/ 176، وبغية الوعاة ص323.
من ذلك ذهابه -مع الجمهور- إلى أن الإعراب لفظي لا معنوي1. وكان يرى أن الأسماء "قبل تركيبها في صيغ وعبارات" مبنية2، وأن "ذان وتان" الإشاريتين وُضعتا للمثنى وليستا مثنيين حقيقيين، ومعنى ذلك أن ذان صيغة وضعت للرفع وذين صيغة أخرى وضعت للنصب والجر3، ومثلها تان. وذهب جمهور النحاة إلى أن مثل "غلامي" مبني لإضافته إلى مبني، وخالفهم ابن الحاجب فعدّه معربا مقدرا إعرابه بدليل إعراب نحو:"غلامه وغلامك"4. وذكر النحاة أن من مسوِّغات الابتداء بالنكرة أن يسبقها استفهام مثل: "أتلميذٌ في الفَصْل؟ " وقصر ابن الحاجب ذلك على همزة الاستفهام المعادلة بأم مثل: "أرجلٌ في الدار أم امرأة؟ "5 واضطرب النحاة بإزاء قول الحكمي:
غيرُ مأسوفٍ على زمن
…
ينقضي بالهم والحزن
فقال بعضهم: غير مبتدأ لا خبر له، وقال ابن جني، وتبعه ابن الحاجب: إن "غير" خبر مقدم محذوف مبتدؤه، إذ الأصل: زمن ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، ثم قدمت غير وما بعدها، ثم حذف زمن -وهو المبتدأ- دون صفته، فعاد الضمير المجرور بعلى على غير مذكور فأتى بالاسم الظاهر مكانه6، ومما اتفق فيه مع أبي علي الفارسي جواز تذكير الفعل مع فاعله إذا كان جمع مؤنث سالما، فتقول: قال الزينبات وقالت7. وكان يذهب -مع الزمخشري- إلى أن لام الابتداء هي التي تكون مع المبتدأ وحده في مثل: "لزيد قائم" ولقائم زيد، أما ما سوى ذلك فسمى اللام فيه لاما مؤكدة مثل: "إن محمدا لقائم"8. وكان يذهب معه ومع الكوفيين في الفاعل السادّ مسد الخبر مع الوصف، أن يكون اسما ظاهرا
1 الرضي على الكافية 1/ 15، وانظر الهمع 1/ 14.
2 الرضي على الكافية 1/ 14، 2/ 2.
3 الرضي 2/ 29، والمغني ص38، والهمع 1/ 42.
4 الرضي 1/ 30.
5 الرضي 1/ 79 وما بعدها، والمغني ص522.
6 المغني ص172.
7 الرضي 1/ 158، وانظر حاشية الشيخ يس على شرح التصريح على التوضيح "طبعة عيسى البابي الحلبي" 1/ 280.
8 الرضي 2/ 314، 330، والمغني ص252.
مثل: أقائم الزيدان؟ لا ضميرا مثل: أقائم أنتما؟ 1. وكان يذهب مذهبه ومذهب الكوفيين في أنه لو تلت "لو" أن المؤكدة كانت هي وما بعدها فاعلا بفعل مقدر تقديره: ثبت2. وكان يذهب إلى أن "إلا" لا يوصف بها مثل غير إلا إذا كانت تالية لجمع منكر غير محصور مثل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ومثل: "ما جاءني أحد إلا زيد" بخلاف: "له علي عشرة إلا درهما" فإنه يتعين حينئذ أن تكون إلا حرف استثناء3. وكان يذهب في تخريج المسألة الزنبورية في رواية الكسائي: "فإذا هو إياها" مذهبا بعيدا، إذ يجعل كلمة إياها منصوبة على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حُذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة، قال ابن هشام: وهو وجه غريب4. وكان يرى مع الزجاج أن المضاف إليه مجرور بتقدير حرف مثل: "اللام وفي ومن" لا بالمضاف كما ذهب سيبويه5. وكان يزعم أن من العرب من يصرف سراويل وأنكر ابن مالك ذلك عليه6. وكان يرى أن ما المصدرية قد تعمل عمل أختها أَنْ كما في الحديث: "كما تكونوا يولَّى عليكم" 7، ومما انفرد به ذهابه إلى أن المفعول المطلق قد يكون جملة، وجعل من ذلك مقول القول في مثل:"قال زيد: عمرو منطلق" وذهب إلى أن المفعولين الثاني والثالث لأنبأ في مثل: "أنبأت زيدا عمرا فاضلا" مفعول مطلق لأنهما نفس النبأ، يقول ابن هشام: "وهذا الذي قاله لم يقله أحد ولا يقتضيه النظر الصحيح8. وقد ذهب مع الزمخشري إلى أن {السَّمَاوَاتِ} في قوله عز شأنه: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ} مفعول مطلق لا مفعول به9.
وكان ابن الحاجب دقيق النظر، فخاض في تعليلات كثيرة مستنبطا منها
1 الرضي 1/ 77، وشرح التصريح على التوضيح 1/ 157، والمغني ص615.
2 الرضي 2/ 363، والهمع 1/ 138، وانظر المغني ص563 وموافقته الكوفيين في باب التنازع.
3 الرضي 1/ 225.
4 المغني ص97.
5 الرضي 1/ 225، والهمع 2/ 46.
6 أوضح المسالك لابن هشام "بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد" طبع القاهرة 3/ 142.
7 المغني ص779.
8 المغني ص737، وانظر ص489.
9 شرح التصريح 1/ 79.