الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالباء غير أنه ضُمِّن في الآية معنى الإفضاء؛ ولذلك يتعدى بإلى كما يتعدى بها الإفضاء، ومثل {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} أي: مع الله؛ لأنه في معنى من يضاف في نصرتي إلى الله، ومثل:{هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} وُضعت إلى موضع في؛ لأن ما قبلها في معنى: أدعوك وأرشدك1.
وابن جني يسند كلامه دائما بقراءات القرآن والسماع عن العرب، وقد يستشهد بالحديث النبوي، ولكن لا للاستنباط ووضع القواعد وإنما للائتناس2. وكان مثل أستاذه يعنى بالقياس عناية شديدة حتى ليمكن أن يقال: إن كتابه الخصائص إنما هو مجموعة كبيرة من الأقيسة السديدة، وبلغ من عنايته بالقياس أن كان يقول:"إن مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس"3. وقد عقد في جزئه الأول فصلا طويلا لبيان أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم وإن لم ينطقوا به. واتسع في ثنايا مصنفاته في صور التدريب على الأقيسة، ومن يرجع إلى كتابه المنصف في شرح تصريف المازني يجده يختمه بنحو ستين صحيفة في تمارين صرفية أبنيتها كلها من صنعه. ودائما يدعم آراءه وآراء سابقيه من النحاة بالحجج البينة والأدلة الناصعة، ووصف بعض أدلته بأنها كالأدلة الهندسية في الوضوح والبيان4.
1 الخصائص 2/ 308 وما بعدها.
2 الخصائص 1/ 33.
3 الخصائص 2/ 88.
4 الخصائص 1/ 60.
4-
بغداديون متأخرون:
كان ظهور الإمامين النحويين الكبيرين أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، إيذانا بأن تنزع المدرسة البغدادية نزعة بصرية قوية، وأن يسود اتجاهها في الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية والاجتهاد في استنباط آراء جديدة، وأن يتأثر بهما النحاة النابهون الذين خلفوهما في العراق والشام وإيران، ويتخذوا
نفس المنهج الذي أصَّلَاه، فلا بد من تمثُّل الآراء البصرية والكوفية وآراء البغداديين الأولين الذين كانوا ينزعون نزعة كوفية، ولا بد من تمثل آراء أبي علي وابن جني، وهو تمثل جعلهم يعكفون على مصنفات جميع أئمة النحو المتقدمين وخاصة مصنفات أبي علي وابن جني، مما جعلهم يسيرون في نفس الطريق الذي نهجاه وذللاه، ولن نستطيع استقصاءهم؛ ولذلك سنكتفي بالحديث عن أعلامهم حديثا موجزا يتفق وغايتنا من صنع هذا الكتاب، وفي رأينا أن أنبههم وأوسعهم شهرة الزمخشري وابن الشجري وأبو البركات الأنباري وأبو البقاء العكبري وابن يعيش والرضي الإسترابادي، وسنخص الزمخشري بكلمة أكثر تفصيلا.
وابن الشجري1 كان نقيب الطالبيين بالكرخ في بغداد، ولد سنة 450 وتوفي سنة 542 للهجرة، وهو أحد أئمة النحاة، ويقال: إنه لم يكن أنحى منه في عصره، وإنه ظل يدرس النحو لطلابه نحو سبعين عاما، وفي أخباره ما يدل على أنه موصول النسب العلمي فيه بأبي علي الفارسي، فقد أخذه عن ابن طباطبا، وأخذه ابن طباطبا عن علي بن عيسى الربعي تلميذ أبي علي. ويذكر ابن خلكان من تصانيفه شرح كتابي ابن جني: اللمع والتصريف. وطبع له بحيدر آباد أماليه في النحو واللغة والأدب، وهو فيها يُكثر من ذكر كتب أبي علي مثل الإيضاح والتذكرة والحجة في علل القراءات السبع، ناقلا عنها آراءه. ونراه منذ فاتحة أماليه معجبا بالبصريين على شاكلة الفارسي وابن جني وهو إعجاب جعله يقول في حجج الكوفيين:"ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من الحقيقة"2. ومن آرائه التي خالف فيها جمهور النحاة، ذهابه إلى أن لو الشرطية تجزم المضارع حين تدخل عليه لقول بعض الشعراء:
لو يَشَأْ طار به ذو ميعة
…
لاحق الآطال نهد ذو خصل3
ورُد بأن ذلك ضرورة شعرية، أو لعل الشاعر خفف نهاية الفعل يشأ، ونطقه
1 انظر في ترجمة ابن الشجري: نزهة الألباء ص404، ومعجم الأدباء 19/ 282، وإنباه الرواة 3/ 356، وابن خلكان 2/ 183، وبغية الوعاة ص407.
2 أمالي ابن الشجري 2/ 129، 147.
3 ذو ميعة: نشيط، لاحق الآطال: ضامر الجنبين، نهد: جسيم، ذو خصل: طويل الشعر.
بألف مقصورة1. وذهب إلى أن "إذ" في مثل: "فبينما العسرُ إذ دارت مياسيرُ" زائدة، وكان سيبويه يذهب إلى أنها بعد بينا وبينما نفس إذ الفجائية، وقد اختلف النحاة فيها: هل هي حرف أو ظرف؟ 2. ويظهر أنه كانت تنقصه الدقة، فقد تعقبه ابن هشام في عدة مواضع من كتابه المغني مغلطا له3، ومثبتا عليه عدم التحري في نقل آراء الفارسي وسيبويه والأخفش والكسائي4.
وأبو البركات5 بن الأنباري بغدادي، ولد سنة 513 وتوفي سنة 577 للهجرة، وهو تلميذ ابن الشجري، وبذلك يتصل نسبه النحوي بأبي علي الفارسي، ويظهر أنه كان يعكف على مصنفاته، ويدرسها لتلاميذه في المدرسة النظامية، إذ نجد بين مؤلفاته كتاب حواشي الإيضاح، وهو من أهم مصنفات الفارسي. وتوفر على دراسة وجوه الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسائل النحو، وصنف في ذلك كتابين هما: الإنصاف الذي نشره فايل لأول مرة وكتابه أسرار العربية المنشور بدمشق، ولاحظ فايل أنه ينزع في أولهما نزعة بصرية واضحة، وهي نزعة استمدها من أبي علي الفارسي ومنهجه الذي وصفناه. وقد وقف مع البصريين في جمهور المسائل التي أحصاها، ورجح -كما لاحظ فايل- مذهب الكوفيين في سبع مسائل هي: العاشرة والثامنة عشرة والسادسة والعشرون والسبعون والسابعة والتسعون والواحدة والسادسة بعد المائة. وبذلك يصبح بغداديا على شاكلة أبي علي، فهو يجري في جمهور آرائه مع البصريين، ويفتح الأبواب لاختيار بعض آراء الكوفيين. وله في علم الجدل النحوي مصنف غير منشور، ومصنف آخر في أصول النحو سماه لُمَع الأدلة، منشور بدمشق، فصَّل القول فيه في النقل والقياس والعلة، ونُشر معه مصنف له باسم الإغراب في جدل الإعراب، وهو يدور على أسئلة في الإعراب وأجوبة مسندة بالأدلة، وكتابه نزهة الألباء في تراجم النحاة معروف.
1 المغني ص300، 779، والهمع 2/ 64.
2 المغني ص88.
3 انظر المغني ص41، 62، 338.
4 المغني ص181، 682.
5 انظر في ترجمة أبي البركات بن الأنباري: إنباه الرواة 2/ 169، وابن خلكان 1/ 279، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 248، وشذرات الذهب 4/ 258، وبغية الوعاة ص301.
وأبو البقاء1 العكبري النحوي الضرير، بغدادي مثل سالفيه، ولد سنة 538 وتوفي سنة 616 للهجرة، وصلته بالشيخين أبي علي الفارسي وابن جني تتضح في شرحه لإيضاح الأول ولمع الثاني، وأيضا في مصنفاته:"الإفصاح عن معاني أبيات الإيضاح" و"تلخيص أبيات الشعر لأبي علي" و"تلخيص التنبيه لابن جني" و"المنتخب من كتاب المحتسب". وله مؤلفات مختلفة في النحو وعلله ومسائل الخلاف فيه. وكان يعنى بقراءات الذكر الحكيم ونُشر له في مصر كتاب إعراب القرآن والقراءات في جزأين، وهو من صفحاته بل سطوره الأولى يجري في إعراب الألفاظ على المذهب البصري فالمبتدأ مرفوع بالابتداء وهلم جرا، ويتوقف مرارا ليرد على الكوفيين بعض وجوههم في الإعراب، وإذا رجعنا إلى آرائه المنثورة في كتب النحو وجدناه يتبع الفارسي في كثير منها، فقد كان يرى رأيه ورأي الفراء قبله في أن "لو" تأتي مصدرية غير عاملة في مثل:{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} ويشهد لهم قراءة بعضهم: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا} بحذف نون الفعل الأخير؛ لعطفه بالنصب على {لَوْ تُدْهِنُ} وكأنها في مكان: أن تدهن2. ورأى رأي الفارسي أيضا في أن ما قد تأتي زمانية على نحو إتيانها في الآية الكريمة: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم3. وتابعه في إعراب ذلك في قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} صفة للباس، والمشهور أنها بدل أو بيان4. وكان يختار لنفسه أحيانا من آراء الكوفيين، فقد كان يمنع مثل ثعلب أن تكون منذا مركبة تركيب ماذا بحيث يمكن إعرابها في مثل: "منذا لقيت" مفعولا به، وهي عندهما مبتدأ وخبر، وذا اسم موصول، ولقيت صلته، وكان يعلل لذلك بأن ما أكثر إبهاما من أختها مَنْ، فحسن أن تُجعل مع غيرها كشيء واحد، ولأن التركيب خلاف الأصل5. وهو بذلك بغدادي من مدرسة أبي علي الفارسي، التي كانت تعول على الاختيار والانتخاب من آراء النحاة السابقين، ومن ثم كان الدكتور مصطفى جواد محقا حين اتهم نسبة شرح ديوان المتنبي المطبوع
1 انظر في ترجمة أبي البقاء العكبري: إنباه الرواة 2/ 116، وابن خلكان 1/ 266، ونكت الهميان ص178، وشذرات الذهب 5/ 67، وبغية الوعاة ص281.
2 المغني ص294.
3 المغني ص335.
4 المغني ص553.
5 المغني ص364.
باسم التبيان في شرح الديوان إليه؛ لما يردد شارحه فيه من أنه كوفي وعلى مذهب الكوفيين1.
ويعيش2 بن علي بن يعيش موصلي الأصل حلبي الدار والمولد، وكان مولده سنة 556 وأقبل على تعلم العربية منذ نعومة أظفاره، ورحل إلى بغداد ودمشق يتلقى عن الشيوخ، وعاد إلى حلب فتصدر الإقراء بها إلى أن توفي سنة 643 للهجرة. وصلته بالمدرسة البغدادية تتضح في شرحه كتاب التصريف الملوكي لابن جني. وأهم مصنفاته النحوية شرحه على مفصل الزمخشري، وهو مطبوع بالقاهرة في عشرة مجلدات، صنَّفه -كما يقول في مقدمته- في سن السبعين، وهو أشبه بدائرة معارف لآراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين، حتى كأنه لم يترك مصنفا لعَلَم من أعلامهم إلا استوعبه وتمثل كل ما فيه من آراء تمثلا منقطع القرين. ويلقانا منذ الصفحات الأولى منتصرا للبصريين، فقد انتصر لرأيهم في أن الاسم مشتق من السموّ لا من السمة كما قال الكوفيون3، ولا يلبث أن نراه يعرض آراء سيبويه والأخفش والجرمي والمازني والكوفيين في إعراب الأسماء الخمسة، ويوهن في صراحة آراء الكوفيين والمازني والجرمي زاعما أنه خُولف في هذه الأسماء القياس بحذف لاماتها في حال إفرادها؛ لأنك إذا قلت: أخ، فأصله: أخو وأب فأصله: أبو، والذي يدل على ذلك قولهم في التثنية: أبوان وأخوان
…
وكان مقتضى القياس أن تقلب الواو فيها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، إلا أنهم حذفوها تخفيفا4.
ويعرض لرأي سيبويه والكسائي في التنازع وما ذهب إليه الأول من أن في ضربني في مثل: ضربني وضرب زيدا، فاعلا مضمرا دل عليه مفعول ضربت، وما ذهب إليه الكسائي من أن ضربني لا فاعل لها، بل فاعلها محذوف، ويعلق على ذلك بأن رأي سيبويه هو الصحيح ويحتج له5. وينتصر لرأي البصريين في
1 انظر مقال مصطفى جواد في الجزأين الأول والثاني من المجلد الثاني والعشرين من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق.
2 راجع في ترجمة ابن يعيش: ابن خلكان 2/ 341، وشذرات الذهب 5/ 228، وبغية الوعاة ص419.
3 ابن يعيش على المفصل 1/ 23.
4 ابن يعيش 1/ 52.
5 ابن يعيش 1/ 77.
أن عامل المبتدأ هو الابتداء لا الخبر كما قال الكوفيون1. ويهاجم رأي الكوفيين القائل بأن عندك في مثل: محمد عندك، منصوب بالخلاف2، ويضعف رأيهم في أن الاسم الواقع بعد لولا يرتفع بها لنيابتها عن الفعل3، كما يضعف رأيهم في أنّ إنّ وأخواتها لا تعمل الرفع في الخبر وإنما هو مرفوع على حاله قبل دخول إن وصواحبها4. وعلى هذا النحو لا يزال ابن يعيش يضعف آراء الكوفيين ويقوي آراء البصريين، ويلقانا من حين إلى حين استحسانه لبعض آراء الكوفيين كاستحسانه تخريجهم لقراءة:{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} على أن إن نافية واللام بمعنى إلا، والتقدير: ما هذان إلا ساحران، يقول: وهو تقدير حسن5. وجوز رأي الكسائي في أن "حيث" قد تضاف إلى المفرد وقال: إنها لغة كقول بعضهم: "حيث ليّ العمائم"6. وذهب مع الفراء والزمخشري إلى أن لو تأتي للتمني وحينئذ تكون مصدرية مثل أن7، وكان يجوز مع الكوفيين صرف ما لا ينصرف في ضرورة الشعر8، وكان يستحسن رأي أبي علي الفارسي في أن المعطوف في مثل: قام محمد وعمر معمول لفعل محذوف من جنس الفعل الأول9، وكذلك رأيه في أن اللام الداخلة أو اللازمة مع إن الملغاة فارقة بينها وبين إن النافية10. واحتج لرأيه في أن إما في مثل: جاء إما علي وإما عمر ليست عاطفة11. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إنه كان أكثر البغداديين المتأخرين انتصارا وحماسة للبصريين.
والرضي12 الإسترابادي هو نجم الدين محمد بن الحسن، مولده ومرباه في إستراباد من أعمال طبرستان، وليس بين أيدينا أخبار واضحة عن حياته،
1 ابن يعيش 1/ 84 وما بعدها.
2 ابن يعيش 1/ 91، وقد قرر هنا مثل ابن جني والفارسي أن الظرف هو الخبر نفسه لا المتعلق المحذوف.
3 ابن يعيش 1/ 69.
4 ابن يعيش 1/ 102.
5 ابن يعيش 3/ 29.
6 ابن يعيش 4/ 90 وما بعدها.
7 ابن يعيش 9/ 11.
8 الأشباه والنظائر للسيوطي "طبعة حيدر آباد" 2/ 33، وقابل شرحه على المفصل 1/ 68 وما بعدها.
9 ابن يعيش 8/ 89.
10 ابن يعيش 8/ 71، وانظر المغني ص256.
11 ابن يعيش 8/ 103.
12 انظر في الرضي: شذرات الذهب 5/ 395، وخزانة الأدب للبغدادي 1/ 12، وبغية الوعاة ص248.
واختلف الرواة في تاريخ وفاته، ويغلب أن يكون حوالي سنة 686 للهجرة، واشتهر له شرحه على الكافية في النحو لابن الحاجب، وشرحه على مقدمته الصرفية المسماة بالشافية، وانتهاجه نهج البغداديين واضح منذ الصفحات الأولى في شرحه على الكافية، إذ نراه يقف تارة مع الكوفيين وتارة مع البصريين، وكثيرا ما يختار ما انفرد به بعض أعلامهما، وقد يختار بعض آراء البغداديين. ونحن لا نصل إلى الصفحة الثامنة عشرة من الجزء الأول في شرحه للكافية حتى نراه يذكر رأي البصريين في أن عامل الرفع في المبتدأ هو الابتداء، ويضعفه مؤثِرا عليه مذهب الكسائي والفراء في أن عامل الرفع فيه هو الخبر، إذ كل منهما صار عمدة بصاحبه.
ويذكر رأي البصريين في أن عامل النصب في المفعول هو الفعل، ويضعفه مصوبا رأي الفراء في أن عامل النصب فيه هو الفعل والفاعل معًا، إذ إسناد أحدهما إلى الآخر هو السبب في كون المفعول فضلة فيكونان السبب في علامة الفضلة وهي النصب1. ويعرض لما نُسب إلى الخليل من أن أصل المرفوعات الفاعل، والمبتدأ فرع عنه وما نسب إلى سيبويه من أن أصلها المبتدأ والفاعل فرع عنه، ويختار رأي الأخفش وابن السراج القائل بأن المبتدأ والفاعل جميعًا أصلان في الرفع وليس أحدهما محمولا على الآخر ولا فرعا عنه. ويمد ذلك في المفعول به وما قيل من أن بقية المفعولات محمولة عليه، فجميعها هي الأخرى أصول وليست فروعا للمفعول به2. وما يلبث أن يذكر المذاهب التي مرت بنا لسيبويه والكوفيين والمازني والجرمي والفارسي في إعراب الأسماء الخمسة، ويضعف الأربعة الأولى منها منتصرا للفارسي3. ونمضي معه فنراه يرجح رأي البصريين في باب التنازع واختيارهم لإعمال الفعل الثاني4، وكذلك رأيهم في أن ما بعد لولا في مثل: لولا محمد لجئت مبتدأ5، وأن الخبر محذوف في مثل:"كل عامل وعمله"6، وأن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بواسطة حرف العطف7. وعلى هذا النحو لا يزال
1 انظر شرح الرضي على الكافية "طبعة إستانبول" 1/ 21.
2 الرضي على الكافية 1/ 20.
3 الرضي على الكافية 1/ 119.
4 الرضي على الكافية 1/ 70 وما بعدها.
5 الرضي على الكافية 1/ 93.
6 الرضي على الكافية 1/ 97.
7 الرضي على الكافية 1/ 277.
الرضي يقارن بين آراء النحاة من البصريين والكوفيين والبغداديين، مختارا لنفسه منها ما تتضح علله، وكثيرا ما يضم إلى مختاره عللا جديدة، وقد ينفرد ببعض الآراء على نحو ما مر بنا آنفا من ذهابه إلى أن كل مرفوع أصل بنفسه، وكذلك كل منصوب.
الزمخشري 1:
هو محمود بن عمر، وُلد سنة 467 بزمخشر قرية من قرى خوارزم، فنُسب إليها، وبها كان منشؤه ومرباه، وقد أقبل منذ نعومة أظفاره على العلوم اللغوية والدينية، ورحل في سبيل طلب العلم إلى بخارى وإلى بغداد، وجاور بمكة حقبة طويلة، نشط فيها لتصنيف تفسيره للقرآن المسمى بالكشاف ودرس حينئذ كتاب سيبويه على أحد علماء الأندلس النابهين على نحو ما سنعرف في حديثنا عن نحاة الأندلس، وتكاثرت تصانيفه منذ هذا الحين. وعاد إلى موطنه، وشهرته قد ملأت الآفاق، والطلاب يَفِدون عليه من كل صوب وحدب يأخذون عنه معجبين مُكْبرين، حتى اختاره الله لجواره في سنة 538 للهجرة. وهو يسلك في المعتزلة وفي علماء التفسير الأفذاذ وأئمة اللغة والنحو، ومعجمه "أساس البلاغة" مشهور. ومن مصنفاته الفائق في غريب الحديث، وصنف في اللغة والأدب والعروض والنحو مصنفات مختلفة، ومن أشهر مصنفاته النحوية النموذج والمفصل، وعنيبصنع حاشية له، وشرحه ابن يعيش شرحا ضافيا على نحو ما قدمنا. وقد جعله في أقسام أربعة: قسم للأسماء تحدث فيه عن المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والنسب والتصغير والمشتقات، وقسم للأفعال وضروبها وأنواعها المختلفة، وقسم للحروف وأصنافها من حروف عطف وغير حروف عطف، وقسم للمشترك أراد به الإمالة والزيادة والوقف والإبدال والإعلال والإدغام.
1 انظر في ترجمة الزمخشري: الأنساب للسمعاني الورقة 277، ومعجم الأدباء 19/ 126، ومعجم البلدان في مادة زمخشر، وإنباه الرواة 3/ 265، واللباب في الأنساب 2/ 506، وابن خلكان 2/ 81، وأزهار الرياض 3/ 282، وشذرات الذهب 4/ 118، ونزهة الألباء ص 391، وطبقات المفسرين للسيوطي ص41، والبغية ص388.
وإذا أخذنا نتعقب آراءه وجدناه يمثل الطراز البغدادي الذي رأيناه عند أبي علي الفارسي وابن جني، فهو في جمهور آرائه يتفق ونحاة البصرة الذين نهجوا علم النحو ووطئوا الطريق إلى شعبه الكثيرة، ومن حين إلى حين يأخذ بآراء الكوفيين أو بآراء أبي علي أو ابن جني، وقد ينفرد بآراء خاصة به لم يسبقه آحد من النحاة إليها. ويكفي أن نرجع إلى المفصل فسنراه يضع كتاب سيبويه نصب عينيه، حتى ليصبح ملخصا له أحيانا على نحو ما يلقانا في باب المفعول المطلق وصوره الكثيرة، وغالبا ما يتابعه في آرائه النحوية، ونضرب لذلك بعض الأمثلة من القسم الأول من كتابه ومن صُحُفه الأولى التي شرحها ابن يعيش، فمن ذلك متابعته له في أن الفعل الثاني هو العامل في باب التنازع1 وأن مثل:"هل زيد قام؟ " تعرب فيه زيد فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور لا مبتدأ كما ذهب الكوفيون2، وكذلك متلوّ إن الشرطية في مثل:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} 3. واختار رأيه في أن متلو لولا في مثل: "لولا علي لسافرت" مبتدأ خبره محذوف4، وفي أن خبر إن وأخواتها مرفوع بها لا بما كان مرتفعا به قبل دخول إن كما زعم الكوفيون5، وفي أن الناصب للمنادى ما ينوب عنه حرف النداء وهو الفعل مثل: أريد وأدعو6. وجعله تشرب روحه للمذهب البصري يعبر عن البصريين كما عبر عنهم أبو علي الفارسي وابن جني باسم أصحابه، فهو في أغلب أحواله إما أن ينزع عن قوسهم جميعا، وإما أن ينزع عن قوس بعضهم كأخذه برأي الخليل في أن الفاعل أصل المرفوعات والمبتدأ محمول عليه، وكان سيبويه -كما أسلفنا منذ قليل- يذهب إلى العكس7، وكأخذه برأي الأخفش في أن الكاف تأتي في النثر كثيرا مرادفة لمثل، فتعرب إعرابها وتخرج عن حرفيتها، وبذلك جوزا أن تعرب في مثل:"زيد كالأسد" خبرا لزيد مضافا للأسد8، وكأخذه برأي المبرد في أن لفظ "الآن" مبني؛ لأنه استعمل من أول وضعه بالألف واللام، ولم يستعمل نكرة9، وكأخذه
1 انظر ابن يعيش على المفصل 1 /77.
2 ابن يعيش على المفصل 1/ 81.
3 ابن يعيش على المفصل 1/ 82.
4 ابن يعيش على المفصل 1/ 95.
5 ابن يعيش على المفصل 1/ 101.
6 ابن يعيش على المفصل 1/ 127.
7 ابن يعيش على المفصل 1/ 71، وقابل بالهمع 1/ 93.
8 ابن يعيش على المفصل 8/ 42.
9 ابن يعيش 4/ 103.
برأي الزجاج في أن مثل: "أكرمْ بزيد" أمر على حقيقته لكل أحد أن يصف زيدا بالكرم والباء زائدة، وكان سيبويه يذهب إلى أن الفعل في مثل هذه الصيغة ماضٍ أخرج بلفظ الأمر والباء زائدة مثلها في {كَفَى بِاللَّهِ} 1. وعلى شاكلة أضرابه من البغداديين كان يختار رأي الكوفيين أحيانا في بعض المسائل، من ذلك أنه زاد معهم في الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل فعل حدَّث كقول الحارث بن حلزة اليشكري:
إن منعتم ما تسألون فمن حُـ
…
ـدِّثْتموه له علينا العلاء2
ومما اختاره من مذهبهم جواز أن يكون البدل والمبدل منه نكرة كما قوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} ، وقوله:{مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} 3. واختار -على غرارهم- أن تكون جملة البسملة متعلقة بفعل محذوف تقديره: أقرأ لا باسم كما ذهب البصريون4. واختار مثلهم أن تكون أن وما بعدها في مثل: "لو أنك جئت" فاعلا لفعل محذوف تقديره: ثبت؛ لأن لو تتطلب أن يتلوها فعل5. ومما وافق فيه أبا علي الفارسي أن ما في مثل: "نعما محمد" نكرة تامة منصوبة على التمييز6، وأن الجملة تنقسم إلى اسمية وفعلية وشرطية وظرفية. واعترض ابن يعيش على هذا التقسيم؛ لأن الجملة الشرطية ترد إلى الفعلية لأنها تتألف من فعل الشرط وفعل الجواب، وكذلك الظرفية لأنها تقدر متعلقة بفعل7. ومما وافق الفارسي فيه أن الباء إنما تزاد مع ما الحجازية العاملة ولا تزاد مع ما التميمية المهملة، فمثل: ما محمد بقائم يتحتم أن تكون ما فيها حجازية8. ووافق ابن جني في مجيء أنْ ظرفية على غرار ما الزمانية مثل: "جئتك أن تصلي العصر" أي: زمن صلاة العصر، وخرج الزمخشري على هذا المعنى قول جل شأنه:{أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} أي: وقت أن آتاه9. ووافقه أيضا في أن الجملة تبدل من المفرد، كما جاء في قول بعض الشعراء:
1 ابن يعيش 7/ 147.
2 ابن يعيش 7/ 65.
3 ابن يعيش 3/ 68، والمغني ص508، والهمع 2/ 121.
4 المغني ص423 وما بعدها.
5 ابن يعيش 1/ 81، والمغني ص299، والهمع 1/ 138.
6 ابن يعيش 7/ 134، وانظر المغني ص328، والهمع 1/ 250.
7 ابن يعيش 1/ 88.
8 المغني ص619.
9 المغني ص756، والهمع 1/ 82.
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة
…
وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ
فكيف يلتقيان بدل من حاجة وأخرى، كأنه قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما1.
وللزمخشري بجانب اختياراته من المذاهب البغدادية والكوفية والبصرية آراء كثيرة ينفرد بها، من ذلك ذهابه إلى أن "إذ" قد تقع مبتدأ، وخرَّج على ذلك قراءة بعضهم آية آل عمران:"لَقَدْ مَنِّ الله على الْمؤمنِين إذ بعث فيهِم رَسولا" أي: وقت بعثه فيهم رسولا2، وأن أما في مثل:"أما زيد فذاهب" تعطي الكلام فضل تأكيد3، وأن واو العطف قد تفيد الإباحة في مثل: جالس محمدا وعليا4، وأن رافع الخبر هو الابتداء فقط، وكان ابن جني كما أسلفنا يرى أن رافعه الابتداء والمبتدأ5، وأنه قد يلي إلا نعت لما قبلها مفرد مثل:"ما مررت برجل إلا شجاعٍ" وجملة مثل: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه6، وجعل الجملة بعد إلا في مثل قوله تعالى:{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} صفة لقرية، وقال: إن الواو للصوق الصفة، وجعلها غيره واو الحال7. وفرق بين التعدية بالهمزة والتضعيف، فجعل التضعيف يفيد التكرار. فمثل نزّل تفيد تكرار النزول بخلاف أنزل8. وجوز أن يكون الفاعل جملة، وبذلك خرج آية السجدة: "أوَلم يَهْدِ لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون" فجعل جملة كم وما بعدها فاعل الفعل المجزوم "يهد"، ورأى ابن هشام أن الفاعل مستتر راجع إلى الله سبحانه وتعالى9. وذهب إلى أن "لن" تفيد تأكيد النفي، بل تأبيده مثل: لن أجبن10. وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أن همزة الاستفهام إذا جاءت في جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو ثم تأخرت حروف العطف بعدها لما لها من الصدارة مثل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} ، {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} وذهب الزمخشري إلى أن
1 الهمع 2/ 128.
2 المغني ص85.
3 المغني ص59.
4 المغني ص67، 396.
5 ابن يعيش 1/ 83، 85، والرضي على الكافية 1/ 87.
6 ابن يعيش 2/ 93، والهمع 1/ 230.
7 المغني ص483.
8 المغني ص578، والهمع 2/ 82.
9 المغني ص652.
10 ابن يعيش 8/ 111، والمغني ص314.
الهمزة في مكانها الأصلي، غير أن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقول: التقدير في الآية الأولى: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ وفي الآية الثانية: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا؟ 1.
1 المغني ص9.