المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ التعريفات والعوامل والمعمولات: - المدارس النحوية

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌القسم الأول: المدرسة البصرية

- ‌الفصل الأول: البصرة واضعة النحو

- ‌ أسباب وضع النحو:

- ‌ البصرة تضع النحو:

- ‌ أوائل النحاة:

- ‌الفصل الثاني: الخليل

- ‌ نشاطه العقلي والعلمي:

- ‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الثالث: سيبويه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌الكتاب:

- ‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ الأخفش الأوسطوتلاميذه

- ‌ الأخفش الأوسط

- ‌ قُطْرب

- ‌الفصل الخامس:‌‌ المبرّدوأصحابه

- ‌ المبرّد

- ‌ الزجاج

- ‌ ابن السراج

- ‌ السيرافي

- ‌القسم الثاني: المدرسة الكوفية

- ‌الفصل الأول: نشأة النحو الكوفي وطوابعه

- ‌ النشأة:

- ‌ النحو الكوفي يشكل مدرسة مستقلة:

- ‌ الاتساع في الرواية والقياس:

- ‌ المصطلحات، وما يتصل بها من العوامل والمعمولات:

- ‌الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ تأسيسه للمدرسة الكوفية:

- ‌ تلاميذ الكسائي:

- ‌الفصل الثالث: الفراء

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ بسط السماع والقياس، وقبضهما حتى في القراءات:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ ثعلبوأصحابه

- ‌ ثعلب

- ‌ أصحاب ثعلب:

- ‌ كوفيون متأخرون:

- ‌القسم الثالث: مدارس مختلفة

- ‌الفصل الأول: المدرسة البغدادية

- ‌ نشوء المدرسة البغدادية:

- ‌أبو علي الفارسي

- ‌ ابن جني

- ‌ بغداديون متأخرون:

- ‌الفصل الثاني: المدرسة الأندلسية

- ‌ النشاط النحوي في الأندلس:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية، وكثرة التعليلات والآراء:

- ‌ ابن مالك:

- ‌ أندلسيون متأخرون:

- ‌الفصل الثالث: المدرسة المصرية

- ‌ النشاط النحوي في مصر:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية:

- ‌ ابن هشام:

- ‌ نحاة متأخرون:

- ‌خاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

الشعرية ونسبة المجهول منها إلى من نظموه من العرب، وكان أول من عُنِيَ بذلك الجرمي، وفي ذلك يقول:"نظرت في كتاب سيبويه، فإذا منه ألف وخمسون بيتا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتّها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها"1. وعني بعده كثيرون بشرح هذه الشواهد وفي مقدمتهم المبرد والزجاج والسيرافي. وكان سيبويه من الثقة بحيث لم يطعن أحد في شيء مما أنشده من الأشعار المجهولة القائل ولا تعلق عليه باتهام أو إنكار، وفي ذلك يقول صاحب الخزانة: "الشاهد المجهول

إن صدر من ثقة يعتمد عليه قُبل وإلا فلا؛ ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبياتا عديدة جُهل قائلوها وما عِيب بها ناقلوها"2.

1 خزانة الأدب للبغدادي 1/ 178.

2 البغدادي 1/ 8.

ص: 63

3-

‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

يغلب على سيبويه أن يعنى في توضيح الباب الذي يتحدث عنه بذكر أمثلته التي تكشفه، يقول مثلا في باب التنازع بعد ذكر عنوانه السالف:"وهو قولك: ضربت وضربني زيد، وضربني وضربت زيدا؛ تحمل الاسم على الفعل الذي يليه، فالعامل في اللفظ أحد الفعلين، وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع، إلا أنه لا يعمل في اسم واحد رفع ونصب، وإنما كان الذي يليه أولى لقرب جواره". ويقول في باب الإمالة: "هذا باب ما تُمَال فيه الألفات، فالألف تمال إذا كان بعدها حرف مكسور، وذلك قولك: عابد وعالم ومساجد ومفاتيح وعذافر وهابيل"1. والكثرة الغالبة في أبواب الكتاب تجري على هذا النحو من تصويرها عن طريق التمثيل وذكر الشواهد، وقد يعمد إلى ذكر الأقسام المنطوي عليها الباب، كقوله في فاتحة كتابه: "الكلم: اسم وفعل وحرف، جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل"، وقوله مقسما المنادى إلى منصوب ومرفوع: "هذا باب النداء، اعلم أن النداء كل اسم مضاف فيه فهو نصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره،

1 الكتاب 2/ 259.

ص: 63

والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب"1. وقوله في باب التصغير مصورا له في أمثلته أو صيغه: "هذا باب التصغير، اعلم أن التصغير إنما هو في الكلام على ثلاثة أمثلة؛ على فُعَيل وفُعَيعِل وفُعَيْعِيل"2، ثم يذكر الأمثلة مثل جبيل وجعيفر ومصيبيح. وكأنه في كل ذلك آثر المنهج التحليلي الذي يعنى في تصوير الموضوع ببيان أقسامه وتفريعاته مباشرة. وقد يعمد إلى المنهج العقلي المجرد، فيحاول أن يحد بعض ما يتحدث عنه من أبواب عن طريق التعريف الكلي الجامع، من ذلك تعريفه للفعل في السطور الأولى من الكتاب إذ يقول: "وأما الفعل فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث "مصادر" الأسماء وبُنيت لما مضى ولما يكون ولم يقع وما هو كائن لم ينقطع"، وهو تعريف دقيق إذ جمع فيه بين دلالة الفعل على الحدث أي: المصدر ودلالته على الزمان الماضي والمستقبل والحاضر، وبذلك شمل التعريف أقسام الفعل الثلاثة: الماضي والأمر والمضارع. وتضمن التعريف مسألة دقيقة طال الجدل بعده فيها بين خالفيه من البصريين وبين الكوفيين، وهي مسألة أيهما هو الأصل: المصدر أو الفعل؟ أو بعبارة أخرى: أيهما اشتُق من صاحبه؟ وواضح من قول سيبويه: "أما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء" أن المصدر -في رأيه- هو الأصل، وأن الفعل مشتق منه. ورأى الكوفيون أن الفعل هو الأصل واشتق منه المصدر. ومن تعريفاته الجامعة تعريفه للمبتدأ بأنه "كل اسم ابتدئ به ليبنى عليه الكلام" ويعرف الترخيم بأنه "حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفا" ويقول: إنه لا يكون إلا في النداء. وكأنه هو الذي وضع في النحو فكرة التعريف للأبواب تعريفا جامعا يجمع قضاياها وجزئياتها المختلفة، وإن كان لم يتسع بذلك كما اتسع النحاة بعده.

وتتداخل نظرية العوامل في كل أبواب الكتاب وفصوله النحوية، بل لا نغلو إذا قلنا: إنها دائما الأساس الذي يبني عليه حديثه في مباحث النحو، وهي تلقانا منذ السطور الأولى في الكتاب، فقد عقب على حديثه عن مجاري أواخر الكلم الثمانية، أو بعبارة أخرى: عن أنواع الإعراب والبناء للكلمات بقوله: "وإنما

1 الكتاب 1/ 303.

2 الكتاب 2/ 105.

ص: 64

ذكرت لك ثمانية مجارٍ؛ لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث فيه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف، وذلك الحرف حرف الإعراب". فالعامل هو الذي يحدث الإعراب وعلاماته من الرفع والنصب والجر والسكون. وقد مضى يوزع الأبواب باعتبار العوامل، وبدأ بالفعل، ووزع الأبواب الأولى على لزومه وتعديه إلى مفعول واحد ومفعولين وثلاثة مفاعيل. ثم تحدث عما يعمل عمله من أسماء الفاعل والمفعول والمصادر، ونراه في الفعل المتعدي إلى مفعول واحد لا يقف عند المفعول به، بل يضيف إلى ذلك عمله في المصادر، أو بعبارة أخرى: المفاعيل المطلقة مثل ذهب الذهابَ الشديد وقعد القُرْفُصاء ورجع القهقرى، كما يضيف عمله في المفعول فيه، أو بعبارة أدق: في ظرفي الزمان والمكان1. ويذكر عمله في المجرور عن طريق الجار2، ويلاحظ هنا أن حرف الجر الأصلي قد يحذف، وينصب المجرور على نزع الخافض مثل: نُبئت زيدا يقول كذا، أي: عن زيد. ويفرق بين مثل هذا الحرف المنوي تقديره وحرف الجر الزائد، فإنه إذا حذف من مثل: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} أصبح لفظ الجلالة فاعلا، ولم تقدر باء محذوفة. ويعرض لصيغ المبني للمجهول إذا كان متعديا لمفعولين، ويقول: إن أولهما هو الذي ينوب عن الفاعل، مثل كسي عبد الله الثوب3. ويتحدث عن عمل الفعل في الحال مفرقا بينه وبين المفعول4، إذ الحال صفة للفاعل أو المفعول. ويقف عند كان وأخواتها: صار وما دام وليس وما كان نحوهن من الفعل، ويقول: إن المنصوب بعدها ليس مفعولا، وإنما هو خبر لها، وهي بذلك أفعال ناقصة، وقد تأتي تامة فتكتفي بفاعل كغيرها من الأفعال مثل كان الأمر أي: وقع، وأصبح محمد أي: دخل في الصباح، ويقول: إن ليس لا تأتي إلا ناقصة5. ويتحدث عن عمل ما النافية عند الحجازيين عمل ليس مثل: "ما هذا بشرًا" ويذكر لات

1 الكتاب 1/ 15.

2 الكتاب 1/ 17، ويسمي سيبويه هنا حرف الجر باسم حرف الإضافة.

3 الكتاب 1/ 19.

4 الكتاب 1/ 20.

5 انظر في هذا كله الكتاب 1/ 21.

ص: 65

وأنها تعمل أيضا عمل ليس، غير أنها لا تعمل إلا في الحين مع إضمار مرفوعها، وقد يرفع ما بعدها مع إضمار خبرها، ولكن الأول هو الذائع الشائع كما في الذكر الحكيم:{وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} في قراءة الجمهور بنصب {حِينَ مَنَاصٍ} 1. ويمنع هنا أن تعطف جملة على معمولين لعاملين مختلفين، فلا يقال مثلا: "ما زيد بمنطلقٍ ولا قائمٍ عمرو" بجر قائم عطفا على منطلق ورفع عمرو عطفا على زيد2، وهي صورة بينة الفساد. ويفتح بابا لبحث صورة التنازع المعروفة في مثل "قام ومضى المحمدون". وهنا تصل نظرية الفعل العامل الذروة، إذ يرفض سيبويه مثل هذا التعبير، ويحتم إعمال الفعل الثاني في كلمة "المحمدون" لقربه، ويضمر في الأول بحيث يقال:"قاموا ومضى المحمدون" حتى لا يكون الفاعل الواحد فاعلا لفعلين، فيجتمع بذلك مؤثران على أثر واحد. وكأنما العوامل النحوية تدخل في المؤثرات الحقيقية، وهو بعد في تصور خطر العامل النحوي، وقد جره كما جر النحاة بعده إلى أن يرفضوا الصورة الأولى التي جاءت فعلا عن العرب، ويضعوا مكانها هذه الصورة المقترحة3.

ويعقد بابا يصور فيه عمل اسم الفاعل واسم المفعول عمل الفعل، ويتحدث عن عمل صيغ المبالغة وأنها في ذلك تشاكل اسم الفاعل، وهي صيغ فَعُول ومِفْعَال وفَعَّال وفَعِل وفَعِيل4، ويقول: إن مفعولها قد يتقدم عليها كما يتقدم على اسم الفاعل والفعل، وقد يفصل بينه وبينها الظرف والجار والمجرور. ثم يتحدث عن المصادر، وأنها تعمل عمل أفعالها مثل:"ضربًا زيدًا" أي: اضرب زيدا5. ويفرد بابا لبيان الإعمال والإلغاء للأفعال في باب ظن وأخواتها، أما الإعمال فيتحتم إذا تقدم الفعل في مثل: "ظننت محمدا منطلقا"، وأما الإلغاء فيجوز إذا تأخر الفعل عن مفعوليه أو توسط مثل: "محمدا منطلقا ظننت"، و"محمدا ظننت منطلقا"، ويجوز الرفع في المفعولين على أنهما مبتدأ وخبر، وحينئذ يلغى عمل ظن6. وينص على أن الفعل يعمل في البدل كما يعمل في المبدل منه مثل:

1 الكتاب 1/ 29 وما بعدها.

2 هامش الكتاب 1/ 31.

3 راجع كتاب الرّدّ على النحاة لابن مضاء القرطبي "طبع دار الفكر العربي" ص27.

4 الكتاب 1/ 57.

5 الكتاب 1/ 59.

6 الكتاب 1/ 61.

ص: 66

رأيت قومك أكثرهم، ويشبِّه عمله فيه بعمله في التوكيد مثل:{فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} 1. ويفتح فصلا لاسم الفاعل الذي يجري مجرى المضارع ويعمل عمله؛ لدلالته على الاستقبال مثل: "هذا ضارب زيدا غدا" فمعناه وعمله مثل: "هذا يضرب زيدا غدا"، ويذكر أن اسم الفاعل قد يضاف إلى ما بعده، وحينئذ تحذف نونه إذا كان مثنى أو مجموعا مثل: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ} ويشير هنا إلى أنه قد يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور في الشعر2. ويتحدث عن اسم الفاعل المعرف بالألف واللام وأن ما بعده ينصب مثل: "هذا الضارب زيدًا"، وقد يضاف مثل: هذا الضاربُ الرجلِ، بكسر الرجل وجره بالإضافة، وكأن الألف واللام فيه على نية الانفصال3. ويعقد بابا للمصادر التي تعمل عمل المضارع وتؤدي معناه مثل: عجبت من ضربٍ زيدٌ عمرًا4. ويتحدث عن عمل الصفة المشبهة وأفعل التفضيل ويجعل المنصوب بعدهما في مثل: محمد حسن وجها و {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} مشبها بالمفعول به5. ويفرد بابا لتعليق ظن وأخواتها عن العمل؛ إما لكون المفعول الأول اسم استفهام أو لأن المفعولين دخلت عليهما أداة الاستفهام أو لام الابتداء مثل: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} ومثل: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} 6. ويعقد بابا لأسماء الفعل الدالة على الأمر والنهي مثل: "هلمَّ ورُوَيْدا" ويتبعها بأسماء الفعل المحولة عن أسماء المكان والزمان والجار والمجرور مثل: "مكانك وبعدك" إذا حذرت المخاطب شيئا خلفه، ومثل "عندك" بمعنى قف، و"وراءك" بمعنى تأخر، و"إليك" بمعنى تنحَّ. ويقول: إنها لا تتصرف تصرف الأفعال وكذلك لا تتصرف تصرف الأسماء فتكون مبتدأ أو فاعلا، وحكمها في العمل كحكم أفعالها فمثل "رويد" بمعنى أمهل تتعدى فيقال: رويد زيدا، بخلاف "صه" بمعنى اسكت. ويقول أيضا: إن الكاف في مثل رويدك زيدا حرف خطاب، وهي مجرورة في مثل: هلم لك7. ويذهب

1 الكتاب 1/ 75.

2 الكتاب 1/ 82-91.

3 الكتاب 1/ 93 وما بعدها.

4 الكتاب 1/ 97.

5 الكتاب 1/ 99 وما بعدها.

6 الكتاب 1/ 120.

7 الكتاب 1/ 123.

ص: 67

إلى أن الفعل يعمل في المفعول معه بواسطة الواو مثل استوى الماءُ والخشبةَ1، أما المفعول له فيعمل فيه الفعل مباشرة مثل: فعلت ذاك حِذارَ الشر2. وعنده أن العامل في الجر المضاف أو حرف الجر الذي يصل به الفعل أو يوصله إليه3. أما العامل في المبتدأ فالابتداء، وهو العامل المعنوي الوحيد الذي أثبته سيبويه4. ويعمل المبتدأ فيما بعده عمل الفعل، أي: إنه هو العامل في الخبر وكل ما يكون بعده5 من مثل الحال. ويفتح فصولا لإن وأخواتها، ذاكرا أنها عملت فيما بعدها النصب والرفع تشبها بالفعل، وكأنها بمنزلة كان للزوم المبتدأ والخبر لها، مما جعلها تعمل عمل كان معكوسا6. ويتابع الخليل في الوقوف عند دخول ما عليها وجواز إلغاء عملها ويقول: إن إنّ حين تخفف تلغى وتدخلها اللام الفارقة بينها وبين إن العاملة مثل: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} . ويذكر أن بعض العرب يُعملها وهي مخففة فيقول: "إنْ عمرا لمنطلق"7. ويقف عند صور التمييز مثل: "ما في السماء موضع كفٍّ سحابًا" و"لله دره رجلا"، ورجلا في مثل: "نعم رجلا عبد الله" وعنده أن نعم وبئس فعلان وأن التمييز يعمل فيه ما قبله8. وليست يا هي العاملة في النداء والندبة وما إليهما، وإنما العامل الفعل المحذوف، إذ التقدير في مثل: يا عبد الله، أدعو عبد الله9، وكأن المنادى عنده بمنزلة المفعول به. وتعمل لا النافية للجنس عمل إنّ ويحذف التنوين من اسمها فيكون مبنيا على الفتح10. ويتحدث عن الاستثناء وأدواته، ويفهم من كلامه أن إلا هي العاملة في المستثنى بعدها، وقد يحمل كلامه على أنها توصِّل الفعل السابق للعمل فيما بعدها مثل واو المعية في باب المفعول معه11. وعنده أن عدا في الاستثناء فعل دائما، أما حاشا فحرف يجر ما بعده دائما12. وكان يذهب إلى أن لولا إذا وليها ضمير مثل لولاك، كانت حرف جر وما بعدها

1 الكتاب 1/ 150.

2 الكتاب 1/ 185.

3 الكتاب 1/ 209.

4 الكتاب 1/ 278.

5 الكتاب 1/ 260.

6 الكتاب 1/ 279 وما بعدها.

7 الكتاب 1/ 283.

8 الكتاب 1/ 198 وما بعدها.

9 الكتاب 1/ 303.

10 الكتاب 1/ 345.

11 الكتاب 1/ 359 وما بعدها.

12 الكتاب 1/ 377.

ص: 68

مجرور بها1. ويتحدث عن نواصب المضارع وجوازمه2، وكان يرى أن إذن تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب الخليل3. ويتحدث عن أدوات الشرط وجزمها للفعلين ويفيض في صور الجزم ورفع الجواب أحيانا4، ويتحدث عن جزم المضارع في جواب الأمر والنهي، ويعود إلى إنّ وأنْ ومواضعهما في الاستعمال. وكان يرى أن أما في مثل: أما زيد فذاهب، تفيد التوكيد والشرط وأن الجار والمجرور والظرف إذا ولياها في مثل:"أما في الدار فإن زيدا جالس"، و"أما اليوم فإني ذاهب" عملت فيهما لما فيها من معنى الفعل، ومنع أن يكون العامل فيهما خبر إن؛ لأن معموله لا يتقدم بحال عليها5.

والعوامل تعمل مذكورة ومحذوفة، ويكثر حذف الفعل وبقاء عمله، مما جعل سيبويه يفرد لذلك صحفا كثيرة، حاول فيها أن يستقصي صور حذفه استقصاء دقيقا، وهداه ذلك منذ بادئ الأمر إلى اكتشاف باب الاشتغال الذي يُشغَل فيه الفعل أو شبهه بضمير أو بملابسه عن العمل في الاسم مثل:"زيدا كلمته وزيدا مررت به وزيدا قرأت كتابه". وقد جعل زيدا في ذلك كله مفعولا به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور. ومضى يستقصي صور الباب موزعا الكلام فيها على ما يجب نصبه وما يختار فيه النصب وما يستوي فيه النصب والرفع وما يختار فيه الرفع وما يجب رفعه، أما وجوب النصب فبعد حروف التحضيض وحرف الشرط؛ لأنه لا يليها جميعا إلا الأفعال، لذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول لفعل محذوف مثل:"هلا زيدًا كلمته"، و"إن زيدًا كلمته كلمك"6. ويختار النصب مع النهي والأمر، أما قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فالخبر فيه مبني على الإضمار؛ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون خبريا لا طلبيا؛ ولذلك لم يجعل سيبويه فعل الأمر خبرا عن السارق، بل جعل الخبر محذوفا تقديره: في الفرائض أو فيما فرض عليكم7. ويختار النصب أيضا إذا تلا الاسمُ همزةَ الاستفهام8

1 الكتاب 1/ 388.

2 الكتاب 1/ 407.

3 الكتاب 1/ 412.

4 الكتاب 1/ 431.

5 المغني ص59 وما بعدها.

6 الكتاب 1/ 51، 67.

7 الكتاب 1/ 71.

8 الكتاب 1/ 47 وما بعدها.

ص: 69

أو ما ولا النافيتين1 مثل: "أزيدا لقيته"، و"ما زيدا كلمته"، وكذلك إذا عُطفت الجملة التي فيها الاسم الذي شُغل عنه الفعل على جملة فعلية مثل:"ضربت زيدا، وعمرا أكرمته"، ومنه قوله جل وعز:{يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} 2. ويستوي النصب والرفع إذا عطفت جملة الاشتغال على جملة مصدَّرة بمبتدأ وخبرها فعل أو جملة فعلية مثل: "زيد أكرمته، وعبد الله لقيته"، فعبد الله يرفع إن عطفت جملته على جملة المبتدأ والخبر وينصب إن عطفت على جملة الخبر لتناسب المعطوف والمعطوف عليه في الوجهين3. ويُختار الرفع إذا تلا الاسم جملة خبرية موجبة مثل: "زيد لقيته"؛ لأننا لا نحتاج حينئذ إلى تقدير فعل محذوف4، غير أن النصب جائز، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ، وكذلك إذا فُصل بين حرف الاستفهام والاسم المشغول عنه الفعل بفاصل مثل:"أأنت عبدُ الله ضربته"5. ويجب الرفع إذا توسط بين الاسم المشغول عنه الفعل وبين الفعل أداة شرط أو استفهام مثل: "زيد إن تكرمه يكرمك" و"زيد كم مرةً لقيته" و"عمرو هل رأيته"، وكذلك إذا كان الفعل في موضع الصفة مثل: "ما شيء حميته بمستباح"؛ لأن جملة "حميته" صفة لشيء و"بمستباح" خبرها. ومما يجب رفعه أيضا أن يكون الفعل معه صلة لموصول مثل: "زيد الذي رأيته سأل عنك"، وكذلك إن أبدلت منه أو وكدته مثل:"زيد أن تكرمه خير من أن تهينه" لأن ما بعد أن الناصبة للفعل يعد من صلتها6. والرفع في كل ذلك إنما هو على الابتداء. وقال سيبويه: إن الاشتغال يكون في الأفعال الناقصة على نحو ما يكون في الأفعال التامة مثل: "أعبد الله كنت مثله، وزيدا لست مثله"7. وذكر أن اسم الفاعل والمفعول وأسماء المبالغة تجري في هذا الباب مجرى الأفعال مثل: "أزيدا أنت ضاربه" و"أزيدا أنت ضرَّابه"8. وحتَّم الرفع في مثل: "زيد أنت الضاربه"؛ لأن الألف واللام بمعنى

1 الكتاب 1/ 72.

2 الكتاب 1/ 46.

3 الكتاب 1/ 47.

4 الكتاب 1/ 42.

5 الكتاب 1/ 54.

6 الكتاب 1/ 65 وانظر 45.

7 الكتاب 1/ 52.

8 الكتاب 1/ 55 وما بعدها.

ص: 70

الذي، فضاربه من صلتها، فحكمها مع الاسم الذي شُغلت عنه حكم الفعل السالف في الصلة؛ ولذلك يجب الرفع1 على الابتداء.

ولم نعرض لكل صور الاشتغال عند سيبويه، إنما عرضنا لصوره المشهورة، وكأنما نثر كنانة اللغة بين يديه وجمع منها كل ما أراد من صور لا في هذا الباب وحده، بل أيضا في كل الأبواب التي يحذف معها الفعل. وقد استكمل صور حذفه مع المفعول به فيما وراء باب الاشتغال، من ذلك تصويره لحذفه في باب التحذير مثل: الأسدَ الأسدَ2، وإياك، وإياك والأسدَ3، وفي باب الاختصاص مثل:"إنا معشرَ العرب كرامٌ" وهو على تقدير: أعني4. ويصور حذفه جوازا، إذا قامت قرينة مثل "مكةَ" لمن رأيته قاصدا الحج أي: تريد مكة5. ويعرض لكثير من الصور السماعية التي يحذف فيها وجوبا مثل: "هذا ولا زعماتِك" أي: ولا أتوهم زعماتك6، ومن ذلك قول العرب في بعض أمثالهم:"كليهما وتمرا" أي: أعطني كليهما وتمرا7، وقول الله جل وعز:{انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} أي: ائتوا خيرا لكم8، وقولهم:"مرحبا وأهلا وسهلا" أي: أدركت مرحبا وأصبت أهلا ونزلت سهلا9، وقولهم:"امرأً ونفسه"10 أي: دع امرأ ونفسه، وقولهم:"ما لك وزيدا" أي: وتناولك زيدا11، وقولهم:"تربا وجندلا" أي: ألزمك الله أو أطعمك12.

وقد أكثر سيبويه من عقد الأبواب التي تصور حذف الفعل مع المفعول المطلق جوازا ووجوبا، وهو إنما يجب إذا جاء بدلا من فعله كقولهم في الدعاء له:"سقيا ورعيا" أي: سقاك الله ورعاك13، و"هنيئا" أي: لتهنأ14، وقولهم في الدعاء عليه:"ويلك وويحك"15، وقولهم:"حمدا وشكرا"16، وقولهم: "سبحان الله ومعاذ الله

1 الكتاب 1/ 66.

2 الكتاب 1/ 128.

3 الكتاب 1/ 138.

4 الكتاب 1/ 327.

5 الكتاب 1/ 129.

6 الكتاب 1/ 141.

7 الكتاب 1/ 142.

8 الكتاب 1/ 143.

9 الكتاب 1/ 149.

10 الكتاب 1/ 150.

11 الكتاب 1/ 155.

12 الكتاب 1/ 158.

13 الكتاب 1/ 157.

14 الكتاب 1/ 159.

15 الكتاب 1/ 160.

16 الكتاب 1/ 160.

ص: 71

وعَمْرَك الله"1. ومما اطرد فيه حذف الفعل قولهم: "ما أنت إلا سيرا"، و"ما أنت إلا السيرَ" بالنصب، و"ما أنت إلا السيرَ السير"2، وزعم سيبويه أنهم استخدموا في هذا الباب صفات مثل أقائما وقد قعد الناس3 وأتميميا مرة وقيسيا أخرى أي: أتتحول تميميا مرة وقيسيا أخرى4. ومما حذف معه الفعل المصادر المثناة مثل: لبيك وسعديك5، وحقا في قولهم: "هذا عبد الله حقا"6 وعُرْفا في قولهم: "علي ألف درهم عرفا"7. ويحذف الفعل مع قطع النعت ونصبه في مثل: "الحمد لله الحميدَ" بالنصب8، كما يحذف في باب النداء على نحو ما ذكرنا ذلك آنفا.

وليس الفعل التام وحده الذي يحذف، فكان الناقصة تحذف في مواضع منها قولهم:"الناس مجزيُّون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" أي: إن كان الجزاء خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. وأجاز أن يقال: إن خير فخير، أي: إن كان في أعمالهم خير، فالذي يجزون به خير، هكذا قدر العبارة9. ومن مواضع حذف كان قولهم: كيف أنت وزيدا وما أنت وزيدا، على تقدير: كيف تكون أنت وزيدا وما كنت وزيدا10، وإنما قدر كان في المثالين ليسبق المفعول معه فعل يعمل فيه النصب. ومن تلك "المواضع قولهم:"أما أنت منطلقا انطلقت معك"، على تقدير: أَنْ كنت منطلقا انطلقت11، فحذفت كان وانفصل اسمها وعوض عنهما بلفظة ما.

ومما يطرد معه حذف العامل، الجار والمجرور إذا كانا في موضع الحال أو الصفة أو الخبر، إذ يقدرهما متعلقين بفعل استقر محذوفا، فإذا قلت:"في الدار زيد" كان ذلك على تقدير: استقر في الدار زيد12، ومثلهما الظرف. ويطرد مع لام التعليل التي ينصب بعدها المضارع وأخواتها مثل أو والواو والفاء حذف أن الناصبة له، والخليل كما مر بنا هو الذي نبه على هذا الحذف. وتضمر رُبَّ

1 الكتاب 1/ 162.

2 الكتاب 1/ 168.

3 الكتاب 1/ 171.

4 الكتاب 1/ 172.

5 الكتاب 1/ 174.

6 الكتاب 1/ 189.

7 الكتاب 1/ 190.

8 الكتاب 1/ 248.

9 الكتاب 1/ 130 وما بعدها.

10 الكتاب 1/ 152 وما بعدها.

11 الكتاب 1/ 148.

12 الكتاب 1/ 260.

ص: 72

بعد الواو في مثل قول القائل: "وبلدةٍ ليس بها أنيس"1. ويحذف المضاف ويظل عمله أو أثره كقولهم: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة"، فبيضاء في موضع جر على تقدير إضمار كل، كأنك قلت: ولا كل بيضاء شحمة، ومن ذلك قول أبي داود:

أكل امرئ تحسبين امرأ

ونارٍ توقَّد بالليل نارا

فقد أراد: وكل نار، ومن هنا قال: إن لفظة نار مجرورة بكل أخرى مقدرة وليست معطوفة على امرئ، حتى لا تكون الجملة الثانية في البيت والمثل السالف معطوفة على عاملين مختلفين، فتكون شحمة معطوفة على "تمرة"، و"نارا" معطوفة على "امرأ"2. ويكثر حذف المبتدأ العامل في الخبر ما دامت هناك قرينة تدل عليه. وهو يضع في تضاعيف كلامه قاعدة عامة لعمل العوامل مضمرة، إذ يقول:"إذا عملت العرب شيئا مضمرا لم يخرج عن عمله مظهرا في الجر والنصب والرفع"3، ويمثل للرفع بحذف المبتدأ في قولك:"الهلال" تريد: هذا الهلال. ومما يصح أن يدخل في حذف المبتدأ قول الله تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} على تقدير: أمري طاعة وقول معروف4، وقول العرب:"الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" فقد قدر -كما مر بنا آنفا- في لفظة خير المرفوعة ومثلها شر المرفوعة أن يكونا خبرين لمبتدأين محذوفين على تقدير: فالذي يجزون به خير، وكذلك فالذي يجزون به شر5. ومن حذف المبتدأ قولك:"إنْ جزعٌ وإن إجمالُ صبر" أي: فإما أمري جزع وإما أمري إجمال صبر6، وقولهم في الخطاب:"مصاحب معان ومبرور مأجور" على تقدير: أنت مصاحب معان وأنت مبرور مأجور7. وواضح من هذا التقدير أن سيبويه لم يكن يعدد الخبر، بل يجعل لكل خبر مبتدأ خاصا به. ومن حذف المبتدأ أيضا قول الله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ} على تقدير: الأمر صبر جميل، ومثله قول بعض العرب: "من أنت

1 الكتاب 1/ 133.

2 الكتاب 1/ 33.

3 الكتاب 1/ 54.

4 الكتاب 1/ 71.

5 الكتاب 1/ 131.

6 الكتاب 1/ 135.

7 الكتاب 1/ 137.

ص: 73

زيد" أي: "من أنت كلامك زيد"، فتركوا إظهار الرافع1، يريد: إظهار المبتدأ، وقول الله جل وعز:{لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ} أي: ذاك بلاغ2. ومما يطرد فيه حذف المبتدأ النعت المقطوع لمدح أو ذم أو ترحم مثل: مررت بمحمد الفاضلُ أو اللئيم أو المسكين3. وكذلك أي الموصولة إذا أُضيفت وحُذف عائدها، أو بعبارة أخرى: المبتدأ بعدها مثل: {لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} على تقدير: هو أشد4.

وعلى نحو ما اتسع سيبويه في الحديث عن حذف العوامل على هدي ما قاله أستاذه الخليل في ذلك، اتسع في الحديث عن حذف المعمولات، فمن ذلك الخبر بعد مرفوع لولا في مثل:"لولا عبدُ الله للقِيتُك"، ويفهم من كلامه فيها أن جوابها أغنى عن الخبر5. وكذلك الخبر بعد لو في مثل:{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} فقد جعل أن وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وقال: إن المبتدأ هنا لا يحتاج إلى خبر لاشتمال صلة لولا على المسند إليه والمسند6. ويحذف الخبر في مثل: "كلُّ رجل وضيعتُه"، و"أنت وشأنك" أي: مقرونان7، وهو يحذف جوازا كلما وجدت قرينة، وجعل من ذلك {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} في أحد توجيهيه، إذ قال: من الممكن أن يكون الخبر هو المحذوف على تقدير: طاعة وقول معروف أمثل8، وكان الخليل يقول بذلك كما مر بنا في غير هذا الموضع. ومن مواضع حذفه قولهم: "ما أنت إلا سيرا" أي: تسير سيرا، وخرَّج عليه كما أسلفنا الآية الكريمة:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} أي: فيما فرض عليكم حتى لا يكون الخبر طلبيا9. ويحذف خبر إنّ مثل: إنّ ولدا أي: إن لنا ولدا، وخبر ليت مثل: "يا ليت أيام الصبا رواجعا"، أي: يا ليت لنا، وكذلك خبر لا النافية للجنس، وجعل منه: "ألا ماء باردا" أي: لنا10، وكذلك خبر لا العاملة عمل ليس مثل:

1 الكتاب 1/ 162.

2 الكتاب 1/ 191.

3 الكتاب 1/ 252 وما بعدها.

4 الكتاب 1/ 398 وما بعدها.

5 الكتاب 1/ 279.

6 المغني ص298.

7 الكتاب 1/ 151.

8 الكتاب 1/ 71.

9 انظر الكتاب 1/ 72.

10 انظر في الأمثلة المذكورة الكتاب 1/ 284.

ص: 74

من صَدَّ عن نيرانها

فأنا ابن قيس لا براح1

وتابع الخليل في أن اسم إن وأخواتها إذا كان ضمير شأن حذف كثيرا، وسبق أن صورنا ذلك في حديثنا عن الخليل. ولاحظ أن اسم "كان وليس" المضمر يكثر حذفه وعقد لذلك بابا2 مثل:"كان الناس صنفان: صالح وطالح"، و"ليس كل وقت تلقى صاحبك" وجعل إضمار اسمهما واجبا في باب الاستثناء مثل: جاء القوم لا يكون محمدا، وليس محمدا3. ويحذف المفعول به ضرورة في مثل:"زيد رأيت"، وقياسا في باب ظن حين يلغى الفعل كما مر بنا في غير هذا الموضع. ويحذف التمييز في مثل: كم صمت؟ أي: كم يوما، وكثيرا ما يحذف عائد الصلة، وحتى المؤكد قد يحذف عنده وعند أستاذه الخليل، يقول:"سألته عن: مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما" ما موضع أنفسهما؟ فقال: الرفع على تقدير: هما صاحباي أنفسهما، ويجوز النصب على تقدير: أعنيهما أنفسهما4، ويحذف البدل في مثل: ظننت ذاك، فقد جعل ذاك مفعولا مطلقا على تقدير: ظننت ذاك الظن5. ويحذف المضاف ويحل المضاف إليه محله في مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي: أهل القرية. ويخيل لمن يتابع سيبويه أن ليس في اللغة معمول لا يحذف، وحتى الجملة تحذف، ويطرد ذلك إذا اجتمع الجزاء والقَسَم في مثل: لئن فعلت ذلك لأكافئنك، فقد حذف جواب إن لدلالة جواب القسم عليه6. وكان يقدر جواب الشرط محذوفا في مثل: إن قام زيد أقوم، ويقول: إن الفعل المضارع مؤخر في هذا المثال من تقديم، وإن الأصل: أقوم إن قام زيد، وحذف الجواب لدلالة أقوم عليه7.

وأكثر سيبويه من تحليله للعبارات حتى تتّجه مع ما يراه لألفاظها من إعراب، من ذلك أن نراه يعرب المصدر حالا إذا اتجه ذلك في مثل:"ذهب به مشيا" أي: ماشيا، واشترط لذلك أن لا تدخله الألف واللام إلا ما جاء سماعا مثل: أرسلها

1 الكتاب 1/ 354.

2 الكتاب 1/ 35.

3 الكتاب 1/ 376.

4 الكتاب 1/ 247.

5 الكتاب 1/ 18.

6 الكتاب 1/ 444.

7 الكتاب 1/ 436.

ص: 75

العراك أي: معتركة1، ويمثل له في موضع آخر بقولهم:"لقيته فجاءة ومفاجأة وعِيانا"، و"كلمته مشافهة وأتيته ركضا وعدْوا ومشيا"، و"أخذت ذلك عنه سمعا وسماعا"، ثم يقول:"وليس كل مصدر وإن كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب يُوضَع هذا الموضع؛ لأن المصدر ههنا في موضع فاعل إذا كان حالا، ألا ترى أنه لا يحسن: أتانا سُرْعة، ولا أتانا رُجْلة" إذ المصدر في المثالين ليس في موضع فاعل2. وجعله إحساسه الدقيق بأن الحال يقع فيها الفعل، أو بعبارة أخرى: تقيد بزمنه، فإنك إذا قلت: جاء محمد ضاحكا، كانت "ضاحكا" صفة له مقيدة بالفعل وزمنه، وجعله ذلك يقول: إنها حال مفعول فيها3، وكأنها تقع بين النعت وظرف الزمان. وهذا نفسه هو الذي لفته إلى أن يقول: إن واو الجملة الحالية في مثل: "جاء زيد والشمس طالعة" قيد بمعنى إذ، أي: إنها تدل على الزمان4. ومن تحليلاته الطريفة في باب الحال وقد تصوره مفعولا فيه، ما عرض له في الباب الذي عنونه بقوله: "هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة ولا مصادر؛ لأنه حال يقع فيه الأمر فينتصب؛ لأنه مفعول فيه"، يقول5: "وذلك قولك: كلمته فاهُ إلى فِيّ، وبايعته يدا بيد، كأنه قال: كلمته مشافهة وبايعته نقدا، أي: كلمته في هذه الحال. وبعض العرب يقول: كلمته فوه إلى في كأنه يقول: كلمته وفوه إلى في، أي: كلمته وهذه حاله، فالرفع على قوله: كلمته وهذه حاله، والنصب على قوله: كلمته في هذه الحال فانتصب؛ لأنه حال وقع فيه الفعل، وأما يدا بيد فليس فيه إلا النصب؛ لأنه لا يحسن أن يقول: بايعته ويد بيد، ولم يرد أن يخبر أنه بايعه ويده في يده، ولكنه أراد أن يقول: بايعته بالتعجيل ولا يبالي أقريبا كان أم بعيدا. وإذا قال: كلمته فوه إلى في، فإنما يريد أن يخبر عن قربه منه وأنه شافهه ولم يكن بينهما أحد. ومثله من المصادر في أن تلزمه الإضافة وما بعده مما يجوز فيه الابتداء ويكون حالا، قولهم: رجع فلان عَوْدَه على بدئه، وانثنى فلان عوده على بدئه كأنه قال: انثنى عودا على بدء. ولا يستعمل في الكلام: رجع

1 الكتاب 1/ 118.

2 الكتاب 1/ 186.

3 الكتاب 1/ 194، وانظر 1/ 260.

4 المغني ص398.

5 الكتاب 1/ 195 وما بعدها.

ص: 76

عودا على بدء، ولكنه مُثِّل به. ومن رفع فوه إلى في، أجاز الرفع في قوله: رجع فلان عوده على بدئه. ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه الفعل، قولك: بعت الشاء شاة ودرهما، وقامرته درهما في درهم، وبعته داري ذراعا بدرهم، وبعت البر قَفِيزين بدرهم، وأخذت زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، وبينت له حسابه بابا بابا، وتصدقت بمالي درهما درهما. واعلم أن هذه الأشياء لا ينفرد منها شيء دون ما بعده؛ وذلك أنه لا يجوز أن تقول: كلمته فاه حتى تقول: إلى في؛ لأنك إنما تريد مشافهة، والمشافهة لا تكون إلا من اثنين، فإنما يصح المعنى إذا قلت: إلى في. ولا يجوز أن تقول: بايعته يدا؛ لأنك إنما تريد أن تقول: أخذ مني وأعطاني، فإنما يصح المعنى "بيد" لأنهما عملان. ولا يجوز أن تقول: انثنى عوده؛ لأنك لا تريد أنه لم يقطع ذهابه حتى وصله برجوع، وإنما أردت أنه رجع في حافرته أي: نقض مجيئه برجوع. وقد يكون أن ينقطع مجيئه ثم يرجع، فيقول: رجعت عودي على بدئي، أي: رجعت كما جئت، والمجيء موصول به الرجوع، فهو بدء والرجوع عود. ولا يجوز أن تقول: بعت داري ذراعا وأنت تريد بدرهم، فيرى المخاطب أن الدار كلها ذراع. ولا يجوز أن تقول: بعت شائي شاة شاة وأنت تريد بدرهم، فيرى المخاطب أنك بعتها الأول فالأول على الولاء. ولا يجوز أن تقول: بينت له حسابه بابا، فيرى المخاطب أنك إنما جعلت له حسابه بابا واحدا غير مفسر. ولا يجوز: تصدقت بمالي درهما فيرى المخاطب أنك تصدقت بدرهم واحد. وكذلك هذا وما أشبهه".

وواضح ما يحمله هذا التحليل من دقة الحس ودقة الفقه بأساليب العربية واستعمالاتها ودلالاتها، ومن هنا كان كتاب سيبويه لا يعلم العربية وقواعدها فحسب، بل يعلم أيضا أساليبها ودقائقها التعبيرية. وعلى نحو ما نراه في هذه الفقرة يتوقف في الكتاب مرارا لينص على ما لم يستعمله العرب ولا جرى على ألسنتهم. ودائما تلقانا في الكتاب مثل هذه التحليلات الرائعة، فهو لا يسجل القواعد فقط، وإنما يفكر في العبارات ويلاحظ ويتأمل ويستنبط خواصها ومعانيها بحسه الدقيق المرهف، ويكفي أن نقف عند أمثلة أخرى من باب فاء

ص: 77

السببية التي ينصب بعدها المضارع، وقد يأتي مرفوعا، يقول1:

"اعلم أن ما ينتصب في باب الفاء قد ينتصب على غير معنى واحد، وكل ذلك على إضمار أن، إلا أن المعاني مختلفة، كما أن "يعلم الله" يرتفع كما يرتفع: يذهب زيد، و"علم الله" ينتصب كما ينتصب: ذهب زيد، وفيهما معنى اليمين

يقول: ما تأتيني فتحدثَني، فالنصب على وجهين من المعاني، أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني أي: لو أتيتني لحدثتني، وأما الآخر: فما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي: منك إتيان كثير ولا حديث منك، وإن شئت أشركت بين الأول والآخر فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: ما تأتيني فتحدثني "بالرفع" كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني، ومثل النصب قوله عز وجل:{لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} ، ومثل الرفع قوله عز وجل:{هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} ، وإن شئت رفعت "تحدثني" على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت تحدثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:

غير أنا لم تأتنا بيقين

فنرجي ونكثر التأميلا

كأنه قال: فنحن نرجي، فهذا في موضع مبني على المبتدأ "المحذوف"

وتقول: حسبته شتمني فأثبَ عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعا، ومعناه: أن لو شتمني لوثبت عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع؛ لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعلُ".

ويدخل في هذا التحليل للعبارات وفرة الاحتمالات في إعرابها، من ذلك:"دخلوا الأولَ فالأولَ" جعله حالا مثل: دخلوا واحدا فواحدا، وجوز أن يقال: دخلوا الأولُ فالأول بالرفع، على أن الأول بدل من الضمير2. ومن ذلك قولك:"إن زيدا منطلق العاقلَ اللبيب" فقد جوز فيه النصب نعتا لزيد، كما جوز الرفع على وجهين: أن يكون العاقل بدلا من الضمير العائد على زيد في منطلق، أو يكون خبرا لمبتدأ محذوف، وكأنه جواب على سؤال مقدر، كأنه قيل: من هو؟ فأجيب بأنه العاقل اللبيب3. ومن ذلك نعت اسم لا النافية للجنس

1 الكتاب 1/ 419 وما بعدها.

2 الكتاب 1/ 198.

3 الكتاب 1/ 286.

ص: 78

مثل: لا رجل ظريفَ عندك، فقد جوز في النعت أن يكون مبنيا على الفتح غير منون مثل الاسم، وقال: لأنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحد، وجوز أن يكون منصوبا منونا أي: لا رجل ظريفًا عندك، يقول: كأنهم جعلوا الاسم ولا بمنزلة اسم واحد1.

وهدتْه هذه التحليلات وما يماثلها إلى تبين حروف الجر الزائدة، وكلما التقى بها في تعبير نص عليها، من ذلك "من" الزائدة مع الاستفهام والنفي في المبتدأ أو الفاعل مثل: هل من طعام؟ أي: هل طعام؟ وما من طعام أي: وما طعام، ومثل: ما أتاني من رجل أي: ما أتاني رجل2. ومن ذلك الباء الزائدة في حسبك مثل قولهم: بحسبك قولُ السوء، يقول: كأنهم قالوا: حسبُك قول السوء3. وكما تدخل الباء على حسبك، تدخل على المبتدأ بعدها إن قدرت خبرا مقدما مثل: مررت برجل حسبك به من رجل، فبه هنا بمنزلة هو في رأيه ورأى أستاذه الخليل4. ومن توجيهاته الطريفة أنه كان يقول: إن الواو في لغة "أكلوني البراغيث" حرف دال على الجماعة، كما أن التاء في قالتْ حرف دال على التأنيث5. وكان يذهب مع أستاذه الخليل إلى أن كان قد تأتي زائدة، أي: ملغاة في مثل قول الشاعر:

فكيف إذا رأيت ديار قوم

وجيران لنا كانوا كرام

فقد زادت تبيينا لمعنى المضي6. وكان يرى كذلك أنه تزاد أنْ توكيدا للقسم بين اليمين وفعل القسم وما بعدهما مثل: والله أنْ لو فعلتَ لفعلتُ، وأقسم أن لو جئتَ لجئتُ7. وكان يسمي حروف الجر حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء8، وعنده أن "إما" المكسورة المشددة مركبة من إنْ وما9، وأن التنوين في جوار وغواش عوض عن الياء المحذوفة10.

1 الكتاب 1/ 351.

2 الكتاب 1/ 279.

3 الكتاب 1/ 353.

4 الكتاب 1/ 230.

5 الكتاب 1/ 236.

6 الكتاب 1/ 289.

7 الكتاب 1/ 455.

8 الكتاب 1/ 209.

9 المغني ص61.

10 الكتاب 2/ 57، وانظر تعليق السيرافي في الهامش.

ص: 79