الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضرورة، وذهب ابن مالك إلى أنه لغة1، وذكر أن المضارع قد يجزم بعد لعل عند سقوط فاء السببية، مستدلا بقول أحد الشعراء:
لعل التفاتا منك نحوي مقدر
…
يمل بك من بعد القساوة للرحم2
وهو دائما على هذا النحو يذكر الشاذ ولا يقيس عليه كما يصنع الكوفيون، ولا يعمد إلى تأويله كما يصنع البصريون كثيرا. وكان رائده دائما السماع، فهو لا يدلي بحكم دون سماع يسنده. وكان عقله دقيقا ولم يستغله في تمثل آراء السالفين من النحاة واستنباط الآراء الجديدة فحسب، بل استغله أيضا في تحرير مباحث النحو وأبوابه ومصطلحاته وتذليل مشاكله وصعابه.
1 المغني ص307.
2 المغني ص167. والرحم: الرحمة.
4-
أندلسيون متأخرون:
ظلت الأندلس تتابع نشاطها النحوي في القرن السابع الهجري، على الرغم من الخطوب التي تتابعت عليها، إذ ما زال الإسبانيون المغيرون من الشمال يقتطعون منها مدينة إثر مدينة، حتى لم يعد للعرب إلا رُقْعة ضيقة هي إمارة غرناطة التي ظلت صامدة لهم نحو قرنين ونصف. وظل يضطرم بها -وخاصة في الحقب الأولى- غير قليل من النشاط النحوي، ثم لم تلبث أن توقفت آلته الكبيرة بسبب هجرة النحاة إلى المغرب والمشرق، واضطراب شئون هذه الإمارة الصغيرة.
ويلقانا في القرن السابع الهجري كثيرون من تلامذة الشلوبين، ونكتفي بالحديث عن أهمهم، وهم: ابن الحاج وابن الضائع وابن أبي الربيع، أما ابن الحاج1 فهو أبو العباس أحمد بن محمد الأزدي المتوفى سنة 651 وقد اشتهر بشروحه على كتاب سيبويه وإيضاح الفارسي وكتاب سر الصناعة لابن جني، وإيراداته على كتاب المقرَّب لابن عصفور، ومنها نقده عليه ما ذكره من مجيء "لو" للتعليق
1 انظر في ترجمته: بغية الوعاة ص156.
في المستقبل، قال: ولهذا لا تقول: "لو يقوم زيد فعمرو منطلق" كما تقول ذلك مع إن الشرطية1. وكان يحتج لرأي المبرد في أن "كان" حرف وليست فعلا قائلا: إنها لا تدل على حَدَث بل دخلت على اسمها وخبرها لتفيد معنى المضي في الخبر2. وكان يذهب إلى أن اسم الإشارة لا ينوب عن الرابط لجملته الخبرية إلا إذا كان المبتدأ اسما موصولا أو موصوفا والإشارة للبعيد، مثل {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} 3. وكان لا يشترط تقدم الفاعل على المفعول في حالة اللبس مثل:"ضرب موسى عيسى" ذاهبا إلى أن الذي التزم فاعلية الأول إنما هو بعض المتأخرين غير ملتفتين إلى أن الإلباس واقع في العربية بدليل أسماء الأجناس والمشتركات4.
وابن5 الضائع هو أبو الحسن علي بن محمد الكتامي الأبدي المتوفى سنة 680، وفيه يقول السيوطي: "له في مشكلات كتاب سيبويه عجائب.. أملى على إيضاح الفارسي، ورد اعتراضات ابن الطراوة عليه واعتراضاته على سيبويه
…
ورد على ابن عصفور معظم اختياراته. وله شرح الجمل وشرح كتاب سيبويه جمع فيه بين شرحي السيرافي وابن خروف باختصار". ونراه يرد على ابن عصفور ما ذهب إليه من أن لام المستغاث لأجله في مثل: "يا لزيد لعمرو" متعلقة بفعل محذوف تقديره: أدعوك لعمرو حتى لا تتعلق بالفعل النائبة عنه يا؛ لأنه مسلط على المستغاث باللام، والعامل الواحد في رأيه لا يصل بحرف واحد مرتين. وأجاب ابن الضائع بأنهما مختلفتان معنى، ولذلك يصح اتصاله بهما، كما في نحو: "وهبت لك دينارا لترضى"6. ورد على ابن عصفور أيضا في ذهابه إلى أن تثنية الضمير "بهما" في قوله عز شأنه: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} شاذة، قائلا: إن {أَوْ} في الآية للتنويع، وحكمها حكم الواو في وجوب المطابقة7.
1 المغني ص290.
2 همع 1/ 10.
3 المغني ص553.
4 المغني ص662 وما بعدها.
5 راجع في ترجمته: بغية الوعاة ص354، وقارن بصفحة 426.
6 المغني ص242.
7 المغني ص435.
ومما وافقه فيه أن لام المستغاث في مثل: "يا لزيد" متعلقة بفعل النداء المحذوف، مثلها مثل لام المستغاث لأجله في رأيه1. وكان يوافق السهيلي في وجوب التعاند في معطوفي لا مثل: جاءني رجل لا امرأة2. ووافق ابن هشام الخضراوي في أن لو التي للتمني في مثل: "لو تأتيني فتحدثني" لا تحتاج إلى جواب كجواب لو الشرطية3. واختار رأي أستاذه الشلوبين في أن إلا في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} بمعنى غير، التي يُرَاد بها البدل والعِوَض4.
وابن5 أبي الربيع هو عبيد الله بن أحمد الأموي الإشبيلي المتوفى سنة 688، هاجر من إشبيلية حين استولى عليها الإسبان إلى سبتة، وأقرأ بها النحو دهره، وله شرح على سيبويه وشرح على إيضاح الفارسي وشرح على الجمل للزجاجي في عشر مجلدات. وكان يذهب إلى أن "ليت" إذا اقترنت بما جاز دخولها على الأفعال، فيقال:"ليتما قام زيد"6، ورتب على ذلك أن مثل:"ليتما زيدا أكلمه""زيدا" فيه منصوب على الاشتغال، والجمهور يجعل زيدا اسما لليت؛ لأن ما لا تلغي عملها7. وذهب إلى أن {عُيُونًا} في:{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} بدل من الأرض8، كما ذهب إلى أن "لكن" مقترنة بالواو تعطف الجمل بعضها على بعض مثل:{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} 9.
وممن يلقانا من تلاميذ ابن عصفور الصفار10 وهو قاسم بن علي، وله شرح على سيبويه يرد فيه كثيرا على الشلوبين، وكان يذهب إلى جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس مستدلا بمثل قوله تعالى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} عطفا على قوله عز شأنه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ
1 المغني ص241.
2 الهمع 2/ 137.
3 المغني ص295، والهمع 2/ 66.
4 المغني ص74، وانظر بعض ضوابطه وتعليلاته في الأشباه والنظائر للسيوطي 2/ 80، 242.
5 انظره في البغية ص319.
6 المغني ص316.
7 المغني ص646.
8 الهمع 1/ 251.
9 المغني ص324، وانظر له بعض اختيارات وآراء فرعية في الهمع 1/ 224، 225، 228، 234، وكذلك في الأشباه والنظائر 1/ 206، 247، 262.
10 راجع ترجمته في: بغية الوعاة ص378.
الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} 1. ونلتقي في نهاية القرن السابع الهجري بأبي جعفر2 أحمد بن إبراهيم بن الزبير المتوفى سنة 710، يقول السيوطي: "وبه أبقى الله ما بأيدي الطلبة في الأندلس من العربية" وله تصنيف على كتاب سيبويه. وبه تخرج أكبر نحوي ظهر في الأندلس بعد ابن مالك، وهو أبو حيان، وبه نختم حديثنا عن نشاط النحو في هذا الفردوس العربي المفقود.
أبو حيان 3:
هو أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي المتوفى 745 تلميذ أبي جعفر بن الزبير وابن الضائع في النحو. وأكب بجانب ذلك على التفسير والحديث والقراءات والتاريخ، حتى أتقن ذلك كله وبرع فيه. وقد رحل عن موطنه شابا، متنقلا في شمال إفريقية، إلى أن ألقى عصا ترحاله بالقاهرة سنة 679 ولزم بهاء الدين بن النحاس تلميذ ابن مالك وأخذ عنه كتبه. وتنقل في بلاد عدة في الشام والسودان والحجاز، وعُهد إليه بتدريس النحو في جامع الحاكم بالقاهرة سنة 704 كما عهد إليه بتدريس التفسير في قبة السلطان المنصور سنة 710 وتولى منصب الإقراء بجامع الأقمر الفاطمي. وكان يقول: خير الكتب النحوية المتقدمة كتاب سيبويه، وأحسن ما وضعه المتأخرون كتاب التسهيل لابن مالك وكتاب الممتع في التصريف لابن عصفور. وقد تخرج به جيل من النحاة المصريين أمثال ابن عقيل وابن أم قاسم، وكان يعنى في دروسه بكتب النحاة الثلاثة السالفين، ويتضح ذلك مما أملاه عليها من شروح وفي مقدمتها كتاب سيبويه، وكتاب الممتع في التصريف، وكتاب المقرب في النحو لابن عصفور. وله ثلاثة
1 المغني ص535، وانظر له بعض توجيهات وآراء في ص59، 538، 600 وفي الهمع 1/ 40، 2/ 133.
2 انظر ترجمته في: بغية الوعاة ص126، وراجع تعليلا له في الأشباه والنظائر 1/ 268.
3 انظر في ترجمة أبي حيان: بغية الوعاة ص121، وطبقات الشافعية للسبكي 6/ 31، وطبقات القراء 2/ 285، والدرر الكامنة لابن حجر 4/ 302، ونكت الهميان ص280، وفوات الوفيات 2/ 352، وشذرات الذهب 6/ 145، ونفح الطيب "طبعة دوزي" 1/ 823، والنجوم الزاهرة 10/ 112، والبدر الطالع للشوكاني 2/ 289، وتاريخ الفكر الأندلسي ترجمة حسين مؤنس ص187.
شروح على التسهيل لابن مالك مطولة ومختصرة، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك. وله وراء ذلك مصنفات في النحو مستقلة، أهمها: الارتشاف وهو في ستة مجلدات، ومختصره وهو في مجلدين، ويقول السيوطي في البغية:"لم يؤلَّف في العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع ولا أحصى للخلاف، وعليهما اعتمدت في كتابي جمع الجوامع". وكان ظاهري المذهب، وانتقل بأخرة إلى مذهب الشافعي، وظل المذهب الظاهري عالقا بنفسه حتى ليروى عنه أنه كان يقول:"محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من عَلِقَ بذهنه".
وقد وصل تعلقه بمذهب الظاهر بينه وبين ابن مضاء، وحقا لم يدعُ إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، ولكنه دعا مرارا وتكرارا إلى إلغاء ما يتعلق به النحاة من كثرة التعليل للظواهر اللغوية والنحوية وجلب التمارين غير العملية، ونقل السيوطي في الهمع تعرضه لذلك في غير موضع، وأول ما يلقانا في هذا الجانب تعليقه على خلاف البصريين والكوفيين في الإعراب، وهل هو أصل في الأسماء فرع في الأفعال، أو لا؟ فقد قال:"هذا من الخلاف الذي ليس فيه كبير منفعة"1. وعلق على تعليلهم لامتناع الجر من الفعل والجزم من الاسم ولحوق تاء التأنيث الساكنة للماضي دون أخويه بأن تعليل أمثال ذلك من الوضعيات ينبغي أن يمنع لأنه يؤدي إلى تسلسل السؤال، يقول: إنما يسأل عما كان يجب قياسا فامتنع2. ويعرض لاختلافهم في معنى الصرف ويقول: إنه "خلاف لا طائل تحته"3 كما يعرض لتعليلهم ضم التاء في مثل: "كلمت" للمتكلم وفتحها للمخاطب وكسرها للمخاطبة، يقول:"هذه التعاليل لا يحتاج إليها؛ لأنها تعليل وضعيات، والوضعيات لا تعلل"4. ويقف بإزاء تعليلاتهم لتسكين الماضي وعدم فتحه حين يسند إلى التاء والنون ونا، قائلا: "الأولى الإضراب عن هذه التعاليل"5 كما يقف عند اختلافهم في همزة أل التعريفية وهل هي همزة قطع أو وصل قائلا: "وهذا الخلاف
1 الهمع 1/ 15.
2 الهمع 1/ 21.
3 الهمع 1/ 24.
4 الهمع 1/ 56.
5 الهمع 1/ 57.
لا يجدي شيئا ولا ينبغي أن يُتشاغَل به"1. ويعقب على وجوه الخلاف السبعة في رافع المضارع بقوله: "لا فائدة لهذا الخلاف؛ لأنه لا ينشأ عنه حكم تطبيقي" كما يعقب على اختلاف البصريين والكوفيين في أيهما -الفعل أو المصدر- أصل الاشتقاق قائلا: "هذا الخلاف لا يجدي كبير منفعة"2. ومرت بنا دعوة ابن مضاء إلى إلغاء القياس مستضيئا بإلغاء المذهب الظاهري له، وقد مضى أبو حيان في إثره يقدم السماع على القياس وخاصة إذا تعارضا، على نحو ما يتضح في بعض القراءات المخالفة للقياس من مثل العطف على الضمير المتصل المجرور بدون إعادة الخافض، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول3. وكان يعارض الكوفيين ومن يتابعهم أحيانا مثل ابن مالك في القياس على الشاذ والنادر قائلا: إن ذلك يفضي إلى التباس الدلالات وصور التعبير4. ونقل عنه السيوطي تقيده بالسماع وعدم القياس عليه في مواضع مختلفة من الهمع5. ومع اهتمامه بالسماع كان يخالف ابن مالك في الاعتماد على الحديث في الاستشهاد؛ لأنه روي بالمعنى، ورواه أعاجم كثيرون يفشو اللحن على ألسنتهم6.
ودائما نراه يتعبَّد لسيبويه وجمهور البصريين، مما جعله يقف في صف مقابل لابن مالك وما انتهجه لنفسه من متابعة الكوفيين كثيرا في آرائهم على نحو ما مر بنا آنفا. وليس معنى ذلك أنه رفض جميع آراء الكوفيين، فقد كان يختار من حين إلى حين بعض آرائهم، من ذلك ما ذهبوا إليه، وتابعهم فيه ابن جني، من أن عامل الرفع في المبتدأ الخبر وعامل الرفع في الخبر المبتدأ فهما مترافعان7، وكذلك
1 الهمع 1/ 79.
2 الهمع 1/ 186، وانظر 2/ 61.
3 انظر البحر المحيط 8/ 42، 4/ 229، وراجع 2/ 499، وكان يقول: ما قرئ به في السبعة لا يرد، ولا يوصف بضعف ولا بقلة "همع 2/ 55" وقال في قراءة الحسن البصري "وما تنزلت به الشياطون": إن ذلك تشبيه لزيادتي التكسير في الشياطين بزيادتي الجمع السالم، فنقلت من الإعراب بالحركات إلى الإعراب بالحروف على جهة التوهم، كما صنعوا في همز مصائب ومعائش. انظر الهمع 1/ 47.
4 الهمع 1/ 50.
5 انظر الهمع 1/ 47، 51، 87، 143، 2/ 8، 17، 49، 76، 79، 102، 118.
6 كان يتابع في ذلك أستاذه ابن الضائع، انظر الهمع 1/ 105.
7 الهمع 1/ 94 وما بعدها.
ما ذهبوا إليه مع الأخفش من أن الفعل الماضي يقع حالا بدون "قد" بدون تقدير لها كما جاء في الذكر الحكيم: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} 1. وجعله تفسيره للقرآن الكريم في كتابه "المحيط" يتعقب الزمخشري كثيرا، من ذلك قراءة الآية: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} بتنوين {كَلَّا} على أنها مصدر من الكل بمعنى الإعياء أو الثقل، أي: "حملوا كَلًّا"، وجوز الزمخشري أن تكون {كَلَّا} في القراءة هي نفسها حرف الردع ونُون كما نونت "سلاسلا" في آية: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} ورد ذلك أبو حيان قائلا: إن ذلك إنما صح في "سلاسلا"؛ لأنه اسم أصله التنوين فرُجع به إلى أصله للتناسب، أو على لغة من يصرف ما لا ينصرف2. ومن ذلك توجيه الزمخشري لقراءة المضارع بالغيبة في قوله تعالى: {وَلَا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} والقراءة المشهورة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ} فقد جعل التقدير في القراءة الأولى: ولا يحسبنهم، والذين فاعل. وتصدى له أبو حيان قائلا: إن ذلك يستلزم عود الضمير على المؤخر، وكأنه فاته أن هذا المؤخر مقدم في الرتبة3. وكان يأخذ برأي الأعلم الشنتمري في أن الإعراب معنوي لا لفظي4، ونصر ابن الطراوة في أن بناء "سحر" لتضمنها معنى حرف التعريف مثل أمس5، وكذلك نصر السهيلي في أنه لا بد من تعاند معطوفي لا مثل: "جاءني رجل لا امرأة"6. وكان ابن الباذش يجوز في مثل: "الهندان هما يفعلان" تذكير المضارع، فيقال:"يفعلان" حملا على لفظ هما، ورد أبو حيان رأيه في جواز تذكير المضارع؛ لأن الأصل رد الأشياء إلى أصولها، وأيضا لأن السماع بالتاء في مثل قول عمر بن أبي ربيعة:"لعلهما أن تبغيا لك حاجة"7. وكان ابن عصفور وتلميذه ابن الضائع يذهبان إلى أن "كلما" في مثل: "كلما استدعيتك فإن زرتني فعبدي حر" مرفوعة بالابتداء وأن جملتي الشرط والجواب خبر، ودفع قولهما أبو حيان بأنه لم تأت "كلما" في الذكر الحكيم
1 الهمع 1/ 247.
2 المغني ص208.
3 المغني ص546، وانظر في ردود أخرى على الزمخشري المغني ص39، 446.
4 الهمع 1/ 14.
5 الهمع 1/ 28.
6 الهمع 2/ 137.
7 الهمع 2/ 171.
إلا منصوبة مثل: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} وكذلك هي في الأشعار1.
وأكثر من كان يتصدى له أبو حيان ويخالفه في آرائه ابنُ مالك، فمن ذلك أنه كان يضعِّف رأيه في أن الإعراب جزء من ماهية الكلمة، ذاهبا مع الجمهور إلى أنه زائد على ماهيتها2. وذهب ابن مالك إلى أن الفعل الماضي قد يدل على الاستقبال في مواضع، هي: بعد همزة التسوية مثل: "سواء علي أسافرت أم لم تسافر" وبعد أداة التحضيض مثل: "هلا ذاكرت"، وبعد كلما مثل: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ} وبعد حيث مثل: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، وبعد الصلة مثل: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} ، وإذا وقع صفة لنكرة عامة كحديث: "نَضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" أي: يسمع. وأنكر أبو حيان هذه الدلالة للماضي، وقال: الذي نذهب إليه فيها جميعا الحمل على المضي لإبقاء اللفظ على موضعه، أما معنى الاستقبال فقد جاء من خارج، أو بعبارة أخرى: من قرينة خارجية3. وكان ابن مالك يذهب إلى أن الباء قد تزاد مع الحال، مستدلا بقول أحد الشعراء:
فما رجعت بخائبة ركاب
…
حكيم بن المسيب منتهاها
وقول آخر:
كائنْ دعيت إلى بأساء داهمة
…
فما انبعثت بمزءُود ولا وَكِل
وخالفه أبو حيان، وخرّج البيتين على أن التقدير: بحاجة خائبة وبشخص مزءود أي: مذعور، ويريد بالمزءود نفسه على حد قولهم:"رأيت به أسدا"4. وكان ان مالك يجوز حذف الضمير العائد في الصلة إذا تعين الحرف، قياسا على الجملة الخبرية كقولك: "الذي سرت يوم الجمعة" أي: فيه. ورد ذلك أبو حيان قائلا: إنه لا ينبغي أن تقاس الصلة على جملة الخبر، ولا أن يُذهب إلى ذلك إلا بسماع ثابت عن العرب5. وكان ابن مالك يذهب إلى أن حذف نون يكون
1 المغني ص222 وما بعدها.
2 الهمع 1/ 15.
3 الهمع 1/ 9.
4 المغني ص117 وما بعدها.
5 الهمع 1/ 90.
المجزومة في قولهم: "لم يَكُ" للتخفيف، ورد أبو حيان هذا التعليل ذاهبا إلى أن العلة هي كثرة الاستعمال مع شبه النون بحروف العلة1. وذهب ابن مالك إلى أن "كل" قد تأتي توكيدا مع إضافتها إلى اسم ظاهر حال محل الضمير مثل:
كم قد ذكرتكِ لو أجزى بذكركم
…
يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
وخالفه أبو حيان ذاهبا إلى أن "كل الناس" في البيت نعت لا توكيد2. ومر بنا أن ابن مالك كان يجوز -تبعا للأخفش- مجيء الحال مع المضاف إليه بشرط أن يكون المضاف جزءا منه أو مثل جزئه نحو: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، ورد ذلك أبو حيان وقال: إن {إِخْوَانًا} منصوبة على المدح و {حَنِيفًا} حال من {مِلَّةَ} أو من الضمير في اتبع، محتجا بأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها وعامل المضاف إليه اللام المقدرة أو الإضافة، وكلاهما لا يصلح أن يعمل في الحال3. ومر بنا أيضا أن ابن مالك كان يجوز -تبعا لابن جني والزمخشري- أن تبدل الجملة من المفرد كقول بعض الشعراء:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة
…
وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ
فكيف يلتقيان في رأيهم بدل من حاجة وأخرى، كأن الشاعر قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما، وقال ابن مالك: ومنه: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ
…
} فإن وما بعدها بدل من {مَا} وصلتها. ورد ذلك أبو حيان قائلا: إن البدلين جميعا استئناف4.
وله وراء ما قدمنا اجتهادات وتخريجات وآراء مختلفة ينفرد بها، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "أن المصدرية" لا توصل بالأمر، وأن "أن" الموصولة به في بعض العبارات مثل:"كتبت إليه أن قُمْ" تفسيرية، أما ما حكاه سيبويه من قولهم:"كتبت إليه بأن قم" فالباء فيه زائدة5. وكان يذهب إلى أن اللام في مثل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} هي لام الابتداء مفيدة لمعنى التوكيد، ويجوز أن يكون قبلها قسم مقدر أو لا يكون6. وكان ينكر مجيء "ما" نكرة
1 الهمع 1/ 122.
2 المغني ص212.
3 الهمع 1/ 240.
4 الهمع 2/ 128.
5 المغني ص26 وما بعدها.
6 المغني ص252.
موصوفة، أما قولهم:"مررت بما معجبٍ لك" فما فيه زائدة1. وكان سيبويه يذهب إلى أن قول بعض العرب: "ما أنت وزيدًا؟ " و"كيف أنت وزيدًا؟ " على تقدير كان محذوفة، أي: ما كنت وزيدا؟ وكيف تكون وزيدا؟ وذهب الفارسي وغيره من النحاة إلى أن كان المقدرة تامة، وذهب أبو حيان إلى أنها الناقصة، فما خبرها وكذلك كيف2. ومعروف أن الجملة الموصوف بها يربطها دائما بموصوفها ضمير إما مذكور، وإما مقدر مثل:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} على تقدير: فيه محذوفة أربع مرات، وذهب أبو حيان مذهبا بعيدا قائلا: إن الأولى أن لا يقدر في الآية ضمير بل يقدر أن الأصل: واتقوا يوما يوم لا تجزى بإبدال يوم الثانية من يوم الأولى، ثم حذف المضاف، وهو تخريج ظاهر التكلف3. واختلف البصريون والكوفيون في ألفاظ العدد المعدولة على وزن فُعَال ومَفْعَل، فوقف بها البصريون عند أُحَاد ومَوْحَد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع وخماس ومخمس وعشار وعشر؛ لمجيئها سماعا، وقاس عليها الكوفيون: سداس ومسدس وسباع ومسبع وثمان ومثمن وتساع ومتسع، وقال أبو حيان: الصحيح أن البناءين مسموعان من واحد إلى عشرة على نحو ما حكى ذلك أبو عمرو الشيباني وغيره4. وكان جمهور النحاة يجيز ترخيم العلم المركب تركيب مزج مطلقا ومنع أكثر الكوفيين ترخيم ما آخره "ويه" مثل سيبويه، وذهب أبو حيان إلى أنه لا يجوز ترخيم هذا العلم بحال5، وكان جمهور النحاة يذهب إلى أن المنصوب في مثل: أنت الرجل علما أو أدبا أو حلما، وأنت زهير شعرا، وأنت حاتم جودا، ويوسف حسنا حال، وذهب أبو حيان إلى أنه تمييز6. وذهب الجمهور إلى أن "نعم" في مثل:"نعم، هذه أطلالهم" للتذكير، بينما ذهب أبو حيان إلى أنها تصديق لما بعدها وقُدمت، قال: والتقديم أولى من ادعاء معنى لم يثبت لها7.
1 المغني ص627.
2 الهمع 1/ 221.
3 المغني ص557.
4 الهمع 1/ 26.
5 الهمع 1/ 182.
6 الهمع 1/ 238.
7 الهمع 2/ 77.