المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ إقامته صرح النحو والتصريف: - المدارس النحوية

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌القسم الأول: المدرسة البصرية

- ‌الفصل الأول: البصرة واضعة النحو

- ‌ أسباب وضع النحو:

- ‌ البصرة تضع النحو:

- ‌ أوائل النحاة:

- ‌الفصل الثاني: الخليل

- ‌ نشاطه العقلي والعلمي:

- ‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الثالث: سيبويه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌الكتاب:

- ‌ التعريفات والعوامل والمعمولات:

- ‌ السماع والتعليل والقياس:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ الأخفش الأوسطوتلاميذه

- ‌ الأخفش الأوسط

- ‌ قُطْرب

- ‌الفصل الخامس:‌‌ المبرّدوأصحابه

- ‌ المبرّد

- ‌ الزجاج

- ‌ ابن السراج

- ‌ السيرافي

- ‌القسم الثاني: المدرسة الكوفية

- ‌الفصل الأول: نشأة النحو الكوفي وطوابعه

- ‌ النشأة:

- ‌ النحو الكوفي يشكل مدرسة مستقلة:

- ‌ الاتساع في الرواية والقياس:

- ‌ المصطلحات، وما يتصل بها من العوامل والمعمولات:

- ‌الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ تأسيسه للمدرسة الكوفية:

- ‌ تلاميذ الكسائي:

- ‌الفصل الثالث: الفراء

- ‌ نشاطه العلمي:

- ‌ وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته:

- ‌ العوامل والمعمولات:

- ‌ بسط السماع والقياس، وقبضهما حتى في القراءات:

- ‌الفصل الرابع:‌‌ ثعلبوأصحابه

- ‌ ثعلب

- ‌ أصحاب ثعلب:

- ‌ كوفيون متأخرون:

- ‌القسم الثالث: مدارس مختلفة

- ‌الفصل الأول: المدرسة البغدادية

- ‌ نشوء المدرسة البغدادية:

- ‌أبو علي الفارسي

- ‌ ابن جني

- ‌ بغداديون متأخرون:

- ‌الفصل الثاني: المدرسة الأندلسية

- ‌ النشاط النحوي في الأندلس:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية، وكثرة التعليلات والآراء:

- ‌ ابن مالك:

- ‌ أندلسيون متأخرون:

- ‌الفصل الثالث: المدرسة المصرية

- ‌ النشاط النحوي في مصر:

- ‌ في اتجاه المدرسة البغدادية:

- ‌ ابن هشام:

- ‌ نحاة متأخرون:

- ‌خاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

لو وُصِل بحرف بعده، فإننا حينئذ لا نتمكن من إشباع الصوت، إذ نتهيأ للنطق بصوت الحرف التالي له. وثاني هذه الجوانب وصف الأجراس الصوتية للحروف من همس وجهر وشدة ورخاوة واستعلاء واستفال، مما يتناثر في صحف كتاب سيبويه، وجعله ذلك يقف عند أصوات الحركات وما يداخلها من إمالة وروم وإشمام. والإمالة معروفة، والروم حركة مختلسة ضعيفة، أما الإشمام فهو أن تذيق الحرف الضمة أو الكسرة بحيث لا تكاد تُسمَع وإنما تُرَى في حركة الشفة، فهو أقل من الروم همسا وخفة. وأما الجانب الثالث فهو ما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وقد عرض على هذا الجانب مادة اللغة عرضا تدافعت سيوله وأمواجه تدافعا عند سيبويه. وجعله عمق نظره في هذه الجوانب الصوتية وخاصة الجانب الثاني، يحاول أن يصوغ شكل الأصوات صياغة دقيقة، مما جعله يدخل على النقط أو الإعجام علامات للروم والإشمام والتشديد والهمزة المتصلة والمنقطعة1، واخترع علامات الضبط التي لا نزال نستعملها إلى اليوم، إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه2. وكان له في النقط والشكل كتاب اتخذه الأسلاف إمامهم مددا متطاولة من الزمن. وما زال يوالي هذا النشاط العقلي والعلمي حتى توفي سنة 175 للهجرة.

1 المحكم في نقط المصاحف للداني ص6.

2 الداني ص7.

ص: 33

2-

‌ إقامته صرح النحو والتصريف:

كان عقل الخليل عقلا فذا، كلما مس شيئا نظمه واستنبط قوانينه ودقائقه، وقد سلط هذا العقل على قوانين العربية في النحو والتصريف. فإذا هو يكتشفها اكتشافا دقيقا، وحقا لم يترك فيها كتابا جامعا، إنما ترك، إن

ص: 33

صح ما ذكره المترجمون له، كتابات فرعية كرسالة له في معنى الحروف، وثانية في جملة آلات الإعراب، وثالثة في العوامل، ويظن القفطي أنها منتحلة عليه، ورابعة لعلها من عمل غيره إذ تسمى "شرح صرف الخليل". ولكنه إذا كان لم يترك في النحو والتصريف كتابا كبيرا مأثورا يضم فروعهما وشعبهما الكثيرة، فإن تلميذه سيبويه سجل في كتابه كثيرا من بحوثه النحوية والصرفية، حتى كأنه كان موكلا بأن لا يترك له رأيا مهما يتصل بقواعد العِلْمين ومسائلهما إلا دوّنه حتى قال القدماء: إن كتابه من تصنيفه وتصنيف أستاذه الخليل وعبروا عن ذلك عبارات مختلفة من مثل قول ثعلب: "الأصول والمسائل في الكتاب للخليل"، ويقول أبو الطيب اللغوي:"عقد سيبويه كتابه بلفظه ولفظ الخليل"، ويقول السيرافي:"عامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل أستاذه، وكل ما قاله سيبويه، سألته أو قال من غير أن يذكر قائله فهو الخليل". وكل من يقرأ الكتاب يحس في وضوح بما قاله ثعلب من أن الأصول وأمهات المسائل النحوية والصرفية من عمل الخليل، وكأنه بالقياس إلى سيبويه كان الكنز الذي لا ينفد.

وحقا سبقت الخليل في النحو والتصريف خطوات مهمة، وخاصة عند ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، ولكن من الحق أيضا أنه هو الذي رفع قواعدهما وأركانهما وشاد صرحهما وبناءهما الضخم، بما رسم من مصطلحاتهما وضبط من قواعدهما، وبما شعب من فروعهما، يهتدي في ذلك ببصيرته النافذة التي أتاحت له وضع علم العروض وضعا تاما بحيث لم تستطع الأجيال التالية أن تضيف إلى صنيعه شيئا. وبالمثل تناول علمي النحو والتصريف ساذجين من أسلافه، وما زال بهما حتى استويا في صورتهما التي ثبتت على الزمن، ونستطيع أن نقول في إجمال: إن جمهور ما يصوره سيبويه في كتابه من أصول النحو والتصريف وقواعدهما إنما هو من صنيع أستاذه. ولا ينكر أحد ما لسيبويه من إكمال في العلمين وتتميم، ولكن المهم أن واضع تخطيطيهما وراسم لوحتيهما إنما هو الخليل، يتضح ذلك في محاوراته التي لا تكاد تنتهي مع تلميذه والتي تدور فيها مصطلحات النحو والصرف وأبوابهما، من مثل المبتدأ والخبر وكان وإن وأخواتهما والأفعال اللازمة والمتعدية إلى مفعول به واحد أو مفعولين أو مفاعيل، والفاعل

ص: 34

والمفاعيل على اختلاف صورها والحال والتمييز والتوابع والنداء والندبة والاستغاثة والترخيم والممنوع من الصرف، وتصريف الأفعال والمقصور والممدود، والمهموز والمضمرات، والمذكر والمؤنث، والمعرب والمبني. وهو الذي سمى علامات الإعراب في الأسماء باسم الرفع والنصب والخفض، وسمى حركات المبنيات باسم الضم والفتح والكسر، أما سكونها فسماه الوقف، وسمى الكسرة غير المنونة في مثل: مررت بعبد الله باسم الجر، كما سمى السكون الذي يقع في أواخر الأفعال المضارعة المجزومة باسم الجزم1، وكان يرى أن الألف والياء والواو في التثنية وجمع المذكر السالم هي نفس حروف الإعراب2، كما كان يرى أن أسماء الأفعال مبنية ولا محل لها من الإعراب، مثلها في ذلك مثل ضمير الفصل3.

وأدته بحوثه الواسعة في بنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة إلى أن يقسم الكلمات إلى مجردة ومزيدة، ملاحظا أن المجردة لا تزيد على خمسة ولا تقل عن ثلاثة4. ووضع للأبنية المجردة والمزيدة الميزان الصرفي المشهور، وهو شديد الصلة بميزان تفاعيله في العروض مما يؤكد أنه هو واضعه، وقد اتخذ فيه من تفعيلة الصيغة الثلاثية المجردة أصلا هو "فعل" وأضاف إليها لاما في وزن الرباعي المجرد مثل جعفر فوزنه فعلل، ولامين في وزن الخماسي المجرد مثل سفرجل فوزنه فعلَّل، أما الكلمات المزيدة فلاحظ أن حروف الزيادة فيها عشرة، وتجمعها حروف كلمة "سألتمونيها"، وقد رأى أن تنطق في الميزان بلفظها؛ ليمتاز الأصلي من المزيد، فمثلا: أكرم وزنها أفعل، وتفضّل وزنها تفعّل، واقتطف وزنها افتعل، وانكسر وزنها انفعل، واستغفر وزنها استفعل، ومثلا: إكرام وزنها إفعال، واقتطاف وزنها افتعال، وانكسار وزنها انفعال، واستغفار وزنها استفعال، ومصباح وزنها مفعال. وإليه يرجع الفضل في وضع قوانين الإعلال والقلب، ويكفي أن نذكر لذلك ثلاثة أمثلة، أما أولها فصيغة اسم المفعول من الفعل الأجوف مثل مقول ومبيع، فقد كان يرى

1 مفاتيح العلوم للخوارزمي "طبعة القاهرة 1930" ص30، وانظر شرح ابن يعيش على المفصل للزمخشري "طبع القاهرة" 1/ 72.

2 الإيضاح في علل النحو للزجاجي "طبعة القاهرة" ص130، 141، والإنصاف لابن الأنباري ص13، وكتابه أسرار العربية "طبع دمشق" ص51.

3 المغني لابن هشام "طبعة دار الفكر بدمشق" ص550.

4 الجزء المطبوع من كتاب العين ص3.

ص: 35

أن واو مفعول الزائدة هي المحذوفة من الصيغتين؛ لأن الزائد أولى بالإعلال من الأصلي، وبذلك يكون وزن الكلمتين عنده "مَفْعُل" و"مَفْعِل"، بينما يذهب بعض النحاة الذين خلفوه إلى أن عين صيغة اسم المفعول هي المحذوفة، وأن وزنهما لذلك:"مَفول"1. والمثال الثاني صيغة اسم الفاعل من الفعل الأجوف المهموز مثل جاءٍ من جاءَ، وكان يرى أنه حدث في الصيغة قلب، إذ قدمت ياء لفظة جائي على الهمزة، وذلك أن اسم الفاعل من الفعل الأجوف الثلاثي تقلب عينه همزة مثل سائل، فلو لم تقدم الياء لأدى ذلك إلى انقلابها همزة وأن تجتمع همزتان في كلمة واحدة وهو شيء تكرهه العرب في لغتها، ومن أجل ذلك قدر حدوث قلب في الصيغة، فأصبحت "جايئ": "جائي"، وأعدها ذلك لأن تعل إعلال كلمة قاضٍ، فأصبحت "جاءٍ" ودعم رأيه في هذا الإعلال والقلب بقياس كلمة جاءٍ على كلمة شاكٍ في قول طريف بن تميم العنبري:

فتعرفوني أنني أنا ذاكم

شاك سلاحي في الحوادث معلم

فإنه قدم الكاف على الهمزة في الصيغة الأصلية لكلمة "شاك"، إذ أصلها:"شائك"، فأصبحت "شاكئ" ثم أعلها فأصبحت "شاكٍ" ووزنها إذن "فالع" لا فاعل2. أما المثال الثالث فكلمة "أشياء" فإنها جاءت عن العرب ممنوعة من الصرف مع أنها جمع شيء، وصيغة جمعها وهي أفعال لا تمنع من الصرف، ومن أجل ذلك ذهب الخليل إلى أنه حدث فيها قلب، وأنها ليست على وزن أفعال كما يتبادر، فقد جُمعت "شَيْئاء" على وزن فعلاء الممنوع من الصرف مثل خضراء بعلة ألف التأنيث الممدودة، والكلمة إذن اسم جمع لا جمع، وحدث فيها قلب مكاني، إذ قدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على فائها، وبذلك أصبح وزنها "لفعاء" لا فعلاء وظلت ممنوعة من الصرف. واستدل الخليل على رأيه بأن الكلمة تجمع على "أشاوى" كما

1 الخصائص 2/ 66، والمنصف شرح تصريف المازني لابن جني "طبعة مطبعة مصطفى الحلبي" 1/ 287، والأشباه والنظائر للسيوطي "طبعة حيدر آباد" 1/ 40.

2 المنصف 2/ 52، وانظر الكتاب 2/ 129، 378.

ص: 36

تجمع صحراء على صحارى، وأصلها عنده "أشايا"، فأبدلت الياء واوا1.

وعلى هذا النحو من التحليل للقلب والإعلال في هذه الأمثلة، كان الخليل يحلل تحليلا واسعا عبارات اللغة، كما كان يحلل أدواتها وصيغها اللفظية تحليلا جعله يلتفت فيها إلى النحت، وأن من الممكن أن تكون الكلمة استُخلصت من كلمتين، من ذلك اسم الفعل "هلمّ" فإنه ذهب إلى أنه مركب من "ها" للتنبيه وفعل "لُمّ" أي: لُمَّ بنا، ثم كثر استعمال الصيغة فحذفت الألف من "ها" تخفيفا؛ لأن اللام بعدها وإن كانت متحركة فإنها في حكم الساكنة، وكأنها حذفت لالتقاء الساكنين فصارت "هلم"2. ومن ذلك تحليله للفظة "مهما" الشرطية، فقد كان يرى أن أصلها "ما" ثم دخلت عليها "ما" التي تدخل على أخواتها الشرطيات مثل أينما، واستُقبح التكرار في "ما ما" فأبدلت الألف الأولى هاء؛ لأنها من مخرجها، وحسن اللفظ بها3. ومن ذلك "لن" الناصبة للمضارع، فأصلها عنده:"لا أن"، فحُذفت الهمزة تخفيفا لكثرة دوران الصيغة في الكلام على نحو حذفها في مثل:"خذ وكل ومر وسل" ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها، أو بعبارة أخرى: حذفت لالتقاء الساكنين4. ومن ذلك تحليله لكلمة "ليس" فأصلها عنده: لا أيس، فطرحت الهمزة وألصقت اللام بالياء5، ومن ذلك كلمة إذن فأصلها عنده إذ أن6.

وكان يمتاز بحس لغوي دقيق جعله يفقه أسرار العربية ودقائقها في العبارات والألفاظ فقها لعل أحدا من معاصريه لم يبلغه، ويتوقف سيبويه مرارا لينقل عنه مثل "إن هذه العبارة أو هذه الظاهرة تكرهها العرب" أو "إن هذه الصيغة جيدة في لسانهم، أو إنهم يميلون إلى هذا الأداء رغبة في التخفيف". ومن أروع الجوانب التي يتضح فيها ذوقه اللغوي المرهف أحاديثه الكثيرة التي نقلها عنه سيبويه في الإدغام والإعلال ومواضع قلب الواو ياء والياء واوا. ومما يصور مدى حسه اللغوي الحاد ملاحظته حكاية العرب لصوت الجندب بقولهم: "صَرَّ" وحكايتهم لصوت

1 الكتاب 2/ 379، والمنصف 2/ 94.

2 الخصائص 3/ 35.

3 الكتاب 1/ 433.

4 الكتاب 1/ 407، والخصائص 3/ 151.

5 انظر مادة ليس في لسان العرب.

6 همع الهوامع للسيوطي "طبعة الخانجي" 2/ 6.

ص: 37