الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتوفى سنة 448 "ولم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها". وله أكبر معجم مؤلف حسب المعاني هو المخصَّص المطبوع بالقاهرة في سبعة عشر مجلدا، وقد صبغ مباحثه فيه بصبغة نحوية وصرفية واسعة، ويعلن ذلك في أوائله، إذ يقول:"ومن طريف ما أودعته إياه بغاية الاستقصاء ونهاية الاستقراء وإجادة التعبير والتأنق في محاسن التحبير، الممدود والمقصور والتأنيث والتذكير وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين وثلاثة فصاعدا، وما يُبْدَل من حروف الجر بعضها مكان بعض". وتعنى الجامعة العربية الآن بنشر معجمه المسمى بالمحكم المرتب حسب مخارج الحروف على طريقة معجم العين للخليل، وهو في نحو عشرين مجلدا، ويصرح في فواتحه بما أضاف إليه من مواد نحوية كثيرة، يقول: "أما ما نثرت عليه من كتب النحويين المتأخرين المتضمنة لتعليل اللغة، فكتب أبي علي الفارسي: الحلبيات والبغداديات والأهوازيات والتذكرة والحجة والأغفال والإيضاح
…
وكتب أبي الفتح عثمان بن جني كالمُعرب والتمام وشرحه لشعر المتنبي والخصائص وسر الصناعة والتعاقب والمحتسب".
وفي ذلك الدلالة البينة على أننا لا نصل إلى ابن سيده حتى ينغمس نحاة الأندلس في النحو البغدادي بجانب انغماسهم في النحو البصري والكوفي، ويكون ذلك إيذانا بأن تتضح شخصيتهم في النحو ودراساته، فقد تعمقوا في مصنفاته على مر العصور وتعمقوا في اتجاهاته.
2-
في اتجاه المدرسة البغدادية، وكثرة التعليلات والآراء:
أخذت دراسة النحو تزدهر في الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف، فإذا نُحاتها يخالطون جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، وإذا هم ينتهجون نهج الأخيرين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، ويضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين وخاصة أبا علي الفارسي وابن جني. ولا
يكتفون بذلك، بل يسيرون في اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة، وبذلك يتيحون لمنهج البغداديين ضروبا من الخصب والنماء.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن الأعلم1 الشنتمري المتوفى سنة 476 للهجرة هو أول من نهج لنحاة الأندلس في قوة هذا الاتجاه، فقد كان لا يكتفي في الأحكام النحوية بالعلل الأولى التي يدور عليها الحكم مثل أن كل مبتدأ مرفوع، بل كان يطلب علة ثانية لمثل هذا الحكم يوضح بها لماذا رُفع المبتدأ ولم ينصب، يقول ابن مضاء:"وكان الأعلم رحمه الله على بصره بالنحو، مولعا بهذه العلل الثواني، ويرى أنه إذا استنبط منها شيئا فقد ظفر بطائل"2. وكان ما يزال يختار لنفسه من آراء البصريين والكوفيين والبغداديين، من ذلك اختياره رأي السيرافي البصري في أن "مِنْ" تأتي مرادفة لربما إذا اتصلت بما، وبذلك خرّجا عبارة سيبويه في الكتاب: "واعلم أنهم مما يحذفون كذا"3. ومن ذلك اختياره رأي الفراء إمام الكوفة في أن الفاء قد تزاد في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا فقط مثل: "زيد فكلمْه" و"زيد فلا تكلمْه"4. وكان يخِّرج ما ذهب إليه الكسائي من أن العرب تقول: "فإذا هو إياها" في مثل العبارة: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي" على أن إياها مفعول مطلق، والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: "ما زيد إلا شُرْبَ الإبل" ثم حذف المضاف5، وواضح ما في ذلك من تقدير بعيد. وكان بعض النحاة يذهب إلى أن رَحْمانا في مثل: "تبارك رحمانا" تمييز، وذهب الأعلم إلى أنه عَلَم منصوب بإضمار أخص، وصوب رأيه ابن هشام6. وكان يذهب إلى أن الاستئناف مع الفاء العاطفة قد يكون على معنى السببية، فينتفي الثاني لانتفاء الأول، وبذلك خرّج قراءة السبعة: {لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} فالفاء فاء الاستئناف والفعل وراءها منفي لا مثبت7. وكان سيبويه -وتبعه المبرد وابن السراج وهشام
1 الصلة رقم 1391، ونفح الطيب "طبعة أوروبا" 2/ 471، ومعجم الأدباء 20/ 61، وابن خلكان 2/ 465، وبغية الوعاة ص422.
2 الرد على النحاة لابن مضاء "طبع دار الفكر العربي" ص160.
3 المغني ص357.
4 المغني ص179.
5 المغني ص96.
6 المغني ص514.
7 المغني ص534.
من الكوفيين- يمنع العطف على معمولي عاملين مثل: "في الدار زيد والحجرةِ عمرو"، و"في الدار زيد وعمرو الحجرةِ" بعطف الحجرة على الدار بالجر وعمرو على زيد بالرفع. وأجاز ذلك الأخفش والكسائي والفراء والزجاج من البصريين. وفصَّل القاعدة الأعلم، فقال: إن ولي المخفوض حرف العطف كالمثال الأول جاز؛ لمجيئه في السماع، ولأن المتعاطفات تعادلت فيه، وإلا امتنع كما في المثال الثاني1.
ونرى الأعلم يشرح كتاب الجمل للزجاجي البغدادي، وروايته للدواوين الستة الجاهلية: دواوين امرئ القيس، وزهير، والنابغة، وعلقمة، وطرفة، وعنترة مسندة إلى الأصمعي مشهورة. وأهم من ذلك أنه روى كتاب سيبويه عن ابن الإفليلي، وأقرأه لطلابه مبصرا لهم بدقائقه، مذللا صعابه، محللا مشاكله تحليلا واسعا. ويتوافر الأندلسيون من حوله ومن بعده على هذا الكتاب حتى يشتهر في العالم العربي أن بيئة عربية لا تبلغ بيئة الأندلس في تحرير نصه وكشف غوامضه، مما جعل الزمخشري يرحل في شبيبته من خوارزم إلى مكة لقراءته على نحوي أندلسي كان مجاورا بها هو عبد2 الله بن طلحة المتوفى سنة 518 للهجرة. وكان يعاصره ثلاثة من أعلام النحاة الأندلسيين عاشوا جميعا في عصر المرابطين، وهم: أبو محمد بن السيد، وابن الباذش، وابن الطَّرَاوة.
أما ابن3 السيد فهو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوس النحوي المتوفى سنة 521، كان يقرئ الطلاب في قرطبة ثم في بلنسية النحو، وعُني بكتاب الجمل للزجاجي، فكتب كتابا في إصلاح الخلل الواقع فيه بسبب إيجازه الشديد وآخر في شرح أبياته. وصنف في النحو كتابا سماه "المسائل والأجوبة"4. وتدور له في كتب النحاة آراء مختلفة، منها ما يتابع فيه سيبويه مثل أن ما إذا
1 المغني ص539.
2 تفسير البحر المحيط لأبي حيان 4/ 372، وانظر في ترجمة عبد الله بن طلحة: بغية الوعاة ص284.
3 راجع في ترجمة ابن السيد: الصلة 1/ 287، وأزهار الرياض للمقري 3/ 101، وإنباه الرواة 2/ 141، وقلائد العقيان لابن خاقان ص93، وطبقات القراء لابن الجزري 1/ 449، والديباج المذهب ص140، وشذرات الذهب 4/ 64، وبغية الوعاة ص288.
4 انظر في كتاب الأشباه والنظائر 3/ 73، بعض مسائل منه.
اتصلت بقلّ كفَّتْها عن العمل ولا تدخل حينئذ إلا على جملة فعلية، أما ظهور الفاعل بعدها في بعض الأشعار فضرورة1. ومنها ما يتابع فيه الكوفيين مثل أن "كأنّ" لا تفيد التشبيه إلا إذا كان خبرها جامدا مثل: كأن محمدا أسد2. وكان يتابع الكسائي في أن زيدا في مثل: "أنا زيد ضربته" يجوز فيها الرفع والنصب على الاشتغال3. وتابع ابن جني في أن الرجل في مثل: "مرت بهذا الرجل" عطف بيان لا نعت4. ومما انفرد به عن سابقيه من النحاة أن "حتى" لا تعطف المفردات فقط بل تعطف أيضا الجمل مثل: "سَرَيْت حتى تكلُّ المطايا" برفع تكل5. ومن آرائه الدقيقة أن "ما" تقع صفة للتعظيم كقولهم: "لأمر ما يسود من يسود" أي: لأمر عظيم، ومنه:{الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ} 6. وكان يكثر من التخريجات في الإعراب، من ذلك ذهابه إلى أن ما بعد إلا في مثل: "ما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا أحد" يجوز فيه أربعة أوجه: النصب على الاستثناء كما نص عليه النحويون، والنصب على الحال، وجعل الأول حالا وما يليه استثناء، والعكس7. وخطّأ من يعرب {أَنِ} في قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} مصدرية وهي وما بعدها عطف بيان من الضمير في {بِهِ} ؛ لأن الضمير لا ينعت ولا يعطف عليه عطف بيان، إنما هي في الآية تفسيرية للقول على تأويله بالأمر8.
وابن9 الباذش هو علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي المتوفى سنة 528هـ، كان ذا معرفة واسعة بعلم العربية، وصنف شروحا على كتب مختلفة للبصريين والبغداديين مثل كتاب سيبويه وكتاب المقتضب للمبرد وأصول ابن السراج وجمل الزجاجي وإيضاح الفارسي. ومما ذهب فيه مذهب سيبويه أنه
1 المغني ص339.
2 المغني ص209.
3 الهمع 2/ 113.
4 المغني ص631.
5 المغني ص136.
6 الهمع 1/ 92.
7 الهمع 1/ 228.
8 المغني ص30، 636.
9 انظر في ترجمة ابن الباذش: بغية الملتمس ص406، وإنباه الرواة 2/ 227، والديباج المذهب ص205، وطبقات القراء لابن الجزري 1/ 518، وبغية الوعاة ص326.
لا يجوز حذف المفاعيل الثلاثة في باب أعلم لغير دليل1. وكان يذهب مذهب السيرافي البصري في أن "غير" في مثل: "قام القوم غير علي" منصوبة على التشبيه بظرف المكان2. وذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن ناصب المفعول معه في مثل: "قمت وطلوعَ الشمس" هو الفعل معدى إليه بواسطة الواو3. وكان يأخذ برأي ابن جني في أن "إذ" في مثل: "فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ" ظرف عامله الفعل التالي له، وعامل بينما محذوف يفسره الفعل المذكور4. وذهب كثير من النحاة إلى أن المخصوص في مثل: "نعم الرجل محمد" يجوز أن يكون خبرا ومبتدؤه محذوف، وحتم أن يكون المخصوص مبتدأ وما قبله خبرا، ويقول ابن هشام: إنه ظاهر قول سيبويه5. ومما خالف فيه سابقيه من النحاة ذهابه إلى أن لام المستغاث لأجله في مثل: "يا لزيد لعمرو" متعلقة باسم محذوف تقديره: مدعوًّا لعمرو، وكان ابن جني يذهب إلى أنها متعلقة مع مجرورها بيا6. وكان يذهب إلى أن المضارع في مثل: "الهندان هما تفعلان" يجوز فيه التذكير والتأنيث، أو بعبارة أخرى: أن يبدأ بالتاء أو الياء حملا على اللفظ أو المعنى7.
أما ابن8 الطراوة فهو سليمان بن محمد بن الطراوة، المتوفى سنة 528هـ، وهو نحوي مدينة المرية وتلميذ الأعلم الشنتمري، كان علما في العربية لعصره وتجوَّل في مدن الأندلس معلما يقبل عليه الطلاب من كل فج، ومن مصنفاته في النحو المقدمات على كتاب سيبويه. ويبدو أنه كان يقابله كثيرا على كتب الكوفيين والبغداديين منحازا إليهما، أو بعبارة أدق: متوسعا في الاختيار من آرائهما. ومما اختاره من مذهب الكوفيين أن المعرفة أصل والنكرة فرع، وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى العكس9. وذهب البصريون إلى أنه إذا تصدرت في الجملة ظن وأخواتها لا يجوز إلغاء عملها بدون موجب للإلغاء، وجوز ذلك الكوفيون والأخفش
1 الهمع 1/ 158.
2 المغني ص171، والهمع 1/ 231.
3 الهمع 1/ 224.
4 الهمع 1/ 205.
5 المغني ص667.
6 المغني ص242.
7 الهمع 2/ 171.
8 انظر في ترجمة ابن الطراوة: بغية الملتمس ص290، والتكملة لابن الأبار ص704، وكتابه التحفة رقم 4، والمغرب 2/ 208، وبغية الوعاة ص263.
9 الهمع 1/ 55.
وتابعهم ابن الطراوة، إلا أن الإعمال عنده أحسن، واستدلوا بمثل قول القائل:
وما إخال لدينا منك تنويل1
واشترط البصريون تنكير التمييز وذهب الكوفيون وتابعهم ابن الطراوة إلى أنه يجوز أن يكون معرفة؛ لمجيء ذلك في الشعر والنثر، مثل:"وطبتَ النفسَ يا قيس بن عمرو" وقول العرب: سفه زيد نفسه2. وذهب البصريون إلى أن "رب" حرف تقليل، وذهب الكوفيون وتابعهم ابن الطراوة، إلى أنها اسم مبني؛ لأنها في التقليل مثل "كم" في التكثير وهي اسم بالإجماع3. ومما اختاره من آراء الفارسي أن أبا في قولهم "لا أبا لك" مفردة جاءت على لغة القصر والمجرور باللام هو الخبر4، وأن "على" التي ذهب الجمهور إلى أنها حرف جر هي اسم معرب؛ لأنه لا يظهر فيها علامة البناء من شبه الحرف، إذ لا حرف في معناها5. وعلى ضوء من فكرة التضمين التي أطال ابن جني القول فيها وجّه مجيء استغفر متعدية إلى مفعول واحد في قولك:"استغفرت الله من الذنب" لتضمنها معنى استتبت6. وله آراء مختلفة تفرد بها مخالفا النحاة، من ذلك أن ضمير الشأن في مثل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و"إنه محمد مسافر" حرف وليس اسما7، وأن أيا في مثل قوله جل شأنه: {لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} مبنية لاقتطاعها عن الإضافة، و"هم أشد" مبتدأ وخبر، والنحاة يجمعون على أن أيا إذا اقتُطعت عن الإضافة أُعربت8. ومما خالف فيه النحاة أن قعودا في مثل "قعد قعودا" ليست مفعولا مطلقا، وإنما هي مفعول به لفعل محذوف لا يجوز إظهاره9، وأن جواب لولا في مثل:"لولا علي لسافرت" هو خبر المبتدأ التالي لها10. وكان يذهب إلى أن عسى ليست من النواسخ11.
ويكثر في عصر الموحدين النحاة الذين عُنُوا بشرح كتاب سيبويه
1 الهمع 1/ 153.
2 الهمع 1/ 252، وقابل بالرضي على الكافية 1/ 205.
3 الهمع 2/ 25، وقابل بالرضي على الكافية 2/ 307.
4 الهمع 1/ 145.
5 الهمع 2/ 29.
6 المغني ص577.
7 الهمع 1/ 67، وقارن بالرضي على الكافية 2/ 25.
8 المغني ص82.
9 الهمع 1/ 187.
10 المغني ص303.
11 الأشباه والنظائر 3/ 6.
وإقرائه للطلاب وفكّ معميّاته مثل ابن1 الرماك المتوفى سنة 541 لأول عهد الموحدين بالأندلس، وهو تلميذ ابن الطراوة، ومثل الأقليشي2 المتوفى سنة 550 تلميذ أبي محمد بن السيد، ومثل جابر3 الإشبيلي الحضرمي المتوفى سنة 596 تلميذ ابن الرماك، وتلميذه أبي بكر محمد4 بن طلحة المتوفى سنة 618 وكان يميل إلى آراء ابن الطراوة ويحتجّ لها. وأنبه من هؤلاء أبو بكر بن طاهر وأبو القاسم السهيلي والجزولي وابن خروف، ولا نمضي في القرن السابع الهجري طويلا حتى يظهر عمر بن محمد الشلوبين، وابن هشام الخضراوي.
وابن5 طاهر هو محمد بن أحمد بن طاهر المتوفى في عشر الثمانين وخمسمائة، وهو تلميذ ابن الرماك، اشتهر بتدريسه لكتاب سيبويه، وله عليه حواشٍ اعتمدها تلميذه ابن خروف في شرحه للكتاب، وله أيضا تعليق على كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي. وله اختيارات مختلفة من مذاهب النحاة السابقين، من ذلك اختياره رأي سيبويه وابن الباذش في أنه لا يجوز حذف أحد مفاعيل أعلم بدون دليل6، واختار رأي السيرافي والأعلم الشنتمري في أن "مما" قد تأتي مرادفة لربما7، وكذلك رأي السيرافي في أنه يجوز أن يعمل الفعل في مصدرين: مؤكد ومبين مثل: "ضربت ضربتين ضربا شديدا"8. وكان الكوفيون يذهبون إلى أنه لا تقدير مع الظرف في مثل: "محمد عندك" وأنه منصوب على الخلاف بينما قدره البصريون متعلقا بفعل أو اسم محذوف، وذهب ابن طاهر إلى أنه لا تقدير فيه إلا أنه جعل ناصبه المبتدأ لا المتعلق المحذوف9. وكان يذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن نون المثنى وجمع المذكر السالم عوض عن التنوين والحركة في المفرد10،
1 انظر فيه البغية للسيوطي ص301.
2 انظر فيه إنباه الرواة 1/ 136، وبغية الوعاة ص171.
3 انظره في البغية للسيوطي ص211.
4 راجعه في البغية ص49، والمغرب 1/ 253، والتكملة لابن الأبار ص319. وروى السيوطي في الأشباه والنظائر أنه كان يذهب إلى أن المضارع المتصل بنون النسوة باقٍ على إعرابه وليس مبنيا وهو في الواقع يتابع السهيلي في ذلك. انظر شرح التصريح على التوضيح 1/ 56.
5 انظر في ترجمته بغية الوعاة ص12.
6 الهمع 1/ 158.
7 المغني ص357.
8 الهمع 1/ 188.
9 المغني ص484.
10 الهمع 1/ 48.
وكذلك في أنه إذا اجتمع معرفتان في باب كان فأيتهما شئت جعلتها الاسم والثانية الخبر1. ومما انفرد به أن الشر في مثل: "إياك والشرَّ" منصوب بفعل محذوف تقديره: احذر الشر2، وأنه إذا أضيفت "ويح" لزمت النصب، وإذا أفردت في مثل: "ويح له" جاز فيها الرفع والنصب مع قوة الأول وضعف الثاني؛ لأنها مصدر لا فعل له3.
أما السهيلي4 فهو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الضرير صاحب كتاب الروض الأنف في شرح السيرة النبوية المتوفى سنة 581 للهجرة، وهو تلميذ ابن الطراوة وابن طاهر. وكان بارعا في العربية والتفسير وعلم الكلام. ومن كتبه المتصلة بالدراسات النحوية كتابه "نتائج الفكر" واشتهر بأنه صاحب استنباطات دقيقة، وأنه كان يشغف بالعلل النحوية واختراعها على شاكلة الأعلم الشنتمري حتى ليقول ابن مضاء: إنه كان يولع بها ويخترعها ويعتقد ذلك كمالا في الصنعة وبَصَرا بها5. وتدور له في كتب النحو اختيارات مختلفة من مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين، من ذلك أنه كان يرى رأي المبرد في أن التعدية بالباء الجارة تخالف التعدية بالهمزة، فإذا قلت: "ذهبت بزيد" كنت مصاحبا له في الذهاب بخلاف قولك: "أذهبت زيدا" معديا للفعل ذهب بالهمزة6. وكان يذهب مذهب ابن درستويه البصري في أن نائب الفاعل في مثل: "مر بزيد" ليس الجار والمجرور وإنما هو ضمير مستتر عائد على المصدر المفهوم من الفعل والتقدير "مر هو" أي: المرور7. وكان يذهب مذهب الكسائي وهشام في أن فاعل الفعل الأول في مثل: "ضربني وضربت زيدا" محذوف8، وكان ينكر مع الفراء أن تأتي الحال مؤكدة وأنها في مثل: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا} مبنية لا مؤكدة9. ومما ذهب
1 الهمع 1/ 118.
2 الهمع 1/ 169.
3 الهمع 1/ 189.
4 انظر في ترجمة السهيلي: بغية الملتمس ص354، وابن خلكان 1/ 280، والمغرب 1/ 448، وابن فرحون ص150، وإنباه الرواة 2/ 162، وطبقات القراء 1/ 371، وشذرات الذهب 4/ 271، وبغية الوعاة ص298، ومرآة الجنان 3/ 422.
5 الرد على النحاة لابن مضاء ص160.
6 المغني ص107، والهمع 2/ 82.
7 الهمع 1/ 163.
8 المغني ص673.
9 الهمع 1/ 245.
فيه مذهب الكوفيين أن إِنَّ وأخواتها لا تعمل في الخبر، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها عليه، وكان يحتج لذلك بأنها أضعف من الأفعال فلا تعمل عملها1. وكأن يأخذ برأي الكوفيين والبغداديين جميعا في أن النكرة لا يجوز أن تبدل من المعرفة إلا إذا وُصفت مثل:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} محتجا بأنها إن لم توصف لم تُفِد أي فائدة مثل: "مررت بزيد برجل"2. ومن آرائه التي كان يتابع فيها سيبويه أن "أَنَّ" المفتوحة وما بعدها لا تؤول بمصدر وإنما تؤول بالحديث بخلاف أن الناصبة للمضارع فإنها تؤول معه بمصدر3. وكان ينكر أن مفعولي ظن وأخواتها أصلهما مبتدأ وخبر4، وكان يذهب إلى أن مهما قد تأتي حرفا كقول زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
…
وإن خالها تخفَى على الناس تعلم
مستدلا بأنها في البيت لا محل لها لأن "تكن" معها اسمها وخبرها5. وذهب إلى أن "لا" العاطفة إنما تقع بين متعاندين مثل: "جاء رجل لا امرأة"، بخلاف: "جاء رجل لا زيد" لصدق اسم الرجل عليه6، كما ذهب إلى أن الاستفهام التقريري في مثل: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} خبر موجب7. وكان يرى أنه يحسن عطف الاسم على الفعل مثل: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ويقبح العكس أي: عطف الفعل على الاسم8، وذهب إلى أن لا الناهية في مثل: لا تضربْ هي النافية والفعل مجزوم بلام مقدرة9، وهو تكلف واضح، كما ذهب إلى أن أصل "الذي" ذو بمعنى صاحب، يقول السيوطي:"قدر لذلك تقديرات في غاية التعسف والتكلف"10.
وعيسى11 الجزولي المتوفى سنة 607، مغربي من قبيلة جزولة البربرية، حج
1 الهمع 1/ 134.
2 الهمع 2/ 127.
3 المغني ص39، والهمع 1/ 137.
4 الهمع 1/ 151.
5 المغني ص367.
6 الهمع 2/ 137.
7 المغني ص121.
8 الهمع 2/ 140.
9 المغني ص274.
10 الهمع 1/ 82.
11 انظر في ترجمة الجزولي: إنباه الرواة 2/ 378، وابن خلكان 1/ 394، وشذرات الذهب 5/ 26، وبغية الوعاة ص369.
فلزم ابن بري نحوي مصر وعاد فنزل الأندلس وتصدَّر للإقراء بالمرية وغيرها من مدن الأندلس وتتلمذ عليه هناك جماعة منهم الشلوبين. وله المقدمة المشهورة في النحو وهي حواشٍ على كتاب الجمل للزجاجي أفادها من مباحث كانت تثار في مجلس أستاذه ابن بري، ومن أجل ذلك كان لا ينسبها إلى نفسه. وكان يذهب مع ابن السراج البصري إلى أنه لا يجوز تقدم المفعول به على الفاعل إذا حصل لبس مثل:"كلم موسى عيسى"1. وذهب مع أبي علي الفارسي وابن طاهر إلى أن نون المثنى والجمع المذكر عوض عن الحركة والتنوين في المفرد2. وكان يرى أنه يجب أن يتحول المفعول الأول إلى نائب فاعل ولا تصح نيابة المفعول الثاني3، كما كان يرى أنه يصح حذف نون الوقاية في من وعن، فيقال:"منِي وعنِي" بالتخفيف4.
أما ابن5 خروف فهو علي بن يوسف بن خروف القرطبي المتوفى سنة 609 للهجرة، كان إماما في العربية، أخذ النحو عن ابن طاهر وأقرأه في موطنه، ورحل عنه إلى المغرب، وأخذ يطوف في البلدان العربية حتى ألقى عصاه بحلب. واشتهر بمناظراته في العربية مع السهيلي، وبشرحه لكتاب سيبويه وكتاب الجمل للزجاجي. وله اختيارات كثيرة وخاصة من مذاهب البصريين. من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "ما" تأتي معرفة تامة ونقله عن سيبويه، وبذلك كان يجعلها فاعلا لنعم في مثل:"دققته دقا نِعمَّا" والتقدير: نعم الدق6. وكان يذهب مذهب سيبويه وأستاذه ابن طاهر وابن الباذش في أنه لا يجوز حذف أحد مفاعيل أعلم وأرى بدون دليل7. وذهب مذهب سيبويه والمبرد في أن نباتا في مثل: "أنبت الزرع نباتا" منصوب بفعل المصدر الجاري عليه وهو نبت مضمرا والفعل الظاهر دليل عليه8. وكان يذهب مذهب المبرد في أن لام المستغاث زائدة بدليل صحة إسقاطها فتقول: "يا لزيد لعمرو" و"يا زيد لعمرو"9.
1 الهمع 1/ 161.
2 الهمع 1/ 48.
3 الهمع 1/ 162.
4 الهمع 1/ 64.
5 انظر في ترجمة ابن خروف: التكملة لابن الأبار ص676، ومعجم الأدباء 15/ 75، وابن خلكان، وفوات الوفيات 2/ 79، والمغرب 1/ 131، وبغية الوعاة ص354.
6 المغني ص328، والهمع 1/ 92.
7 الهمع 1/ 158.
8 الهمع 1/ 187.
9 المغني ص240.
وذهب مذهب السيرافي في أن "كان" إذا بُنيت للمجهول حُذف اسمها وخبرها وأُقيم مقام مرفوعها ضمير مصدرها1، واختار رأيه في أن "ماذا" في مثل:"انظر ماذا صنعت؟ " اسم موصول بمعنى الذي2. وتبع الكوفيين وأستاذه ابن طاهر في أن ناصب الظرف في مثل: "زيد عندك" هو المبتدأ لا عامل محذوف3. وكان يذهب إلى أن "أما" التي بمعنى حقا في مثل: "أما أنه شاعر" حرف4، وجوز أن تكون الجملة التعجبية صلة للموصول مثل:"جاء الذي ما أكرمه"5. وكان يرى أن عامل الحال في الجملة الاسمية المبتدأ نحو: "هو علي شاعرا"6 وأن موضع ما خلا في مثل: "قام القوم ما خلا محمدا" نصب على الاستثناء مثل غير7، وأنه يجوز في "لا سيما زيد" أن تكون ما نكرة موصوفة، وزيد خبرا لمبتدأ محذوف والجملة صفة8 لها، كما يجوز في التمييز التالي لكأين في مثل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ} أن يكون منصوبا أو مجرورا بمن كما في الآية أو بغيرها9.
أما الشلوبين10 فهو عمر بن محمد المكنى بأبي علي المتوفى سنة 645 للهجرة، تلميذ السهيلي والجزولي. كان إمام عصره في العربية غير مدافع، أقرأ نحو ستين سنة، وبرع في تلاميذه جِلَّة من النحاة، وله تعليق على كتاب سيبويه وشرحان على الجزولية ومصنف في النحو سماه التوطئة. وهو مثل أسلافه تارة يقف مع سيبويه والبصريين وتارة يقف مع النحاة الآخرين من موطنه وغير موطنه. ونراه يحتجّ لرأي سيبويه في أن النكرة أصل والمعرفة فرع قائلا: إنه نظر إلى حال الوجود إذ الأجناس هي الأُوَل ثم الأنواع11، أو بعبارة أخرى: النكرات تكون أولا ثم تكون المعارف. وكان يأخذ برأي الرماني في أن خبر المبتدأ بعد لولا إذا كان
1 الهمع 1/ 164.
2 المغني ص33.
3 المغني ص484.
4 المغني ص56.
5 الهمع 1/ 86.
6 الهمع 1/ 245.
7 المغني ص142.
8 الهمع 1/ 234.
9 الهمع 1/ 155.
10 انظر في ترجمة الشلوبين: المغرب 2/ 129، وإنباه الرواة 2/ 332، والتكملة لابن الأبار ص 658، وابن خلكان 1/ 382، وابن فرحون في الديباج ص185، وشذرات الذهب 5/ 232، وبغية الوعاة ص364.
11 الهمع 1/ 55.
كونا عاما حذف، وإذا كان كونا خاصا وجب ذكره كما جاء في الأثر:"لولا قومكِ حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة"1. وكان يذهب مذهب يونس في أن ما بعد إلا في مثل: "محمد إلا قائم" يجوز فيه النصب مطلقا2. واختار رأي الأعلم الشنتمري في أن إياها في مثل: "فإذا هو إياها" مفعول مطلق على نحو ما مر بنا من توجيه الشنتمري3، كما اختار رأي ابن خروف في أن "ما خلا" الاستثنائية موضعها نصب على الاستثناء لا حال كما ذهب السيرافي4. وله آراء كثيرة انفرد بها، من ذلك أن إذ في مثل: "فبينما العسر إذ دارت مياسير" ظرف زمان وعاملها محذوف يدل عليه الكلام5. وكان يذهب إلى أن عيونا في مثل: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} ليست تمييزا، وإنما هي حال6. وذهب إلى أن "لو" لا تفيد الامتناع بوجه7، وأن مثل ميل وفرسخ ليس ظرفا مبهما لأن المبهم ما ليست له حدود محصورة8. وكان يرى أن الجملة المفسرة محلها محل الجملة التي تفسرها؛ لأنها عطف بيان منها أو بدل9، كما كان يرى أن أصل ليس وما لنفي الحال ما لم يكن الخبر مخصوصا بزمان، فإنهما يكونان حينئذ بحسبه من المضي والحال والاستقبال مثل:{أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} ، {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 10.
وابن11 هشام الخضراوي هو أبو عبد الله محمد بن يحيى الخزرجي الأندلسي المتوفى بتونس سنة 646 تلميذ ابن خروف، كان إماما مقدما في العربية عاكفا على تعليمها. وله شرح على إيضاح الفارسي وشرح على أبياته، وصنف فصل المقال في أبنية الأفعال، كما صنف النقض على الممتع لابن عصفور. وله آراء نحوية مختلفة في المغني والهمع يتفق في طائفة منها مع البصريين أو الكوفيين أو سابقيه
1 المغني ص302.
2 الهمع 1/ 123.
3 المغني ص96.
4 المغني ص772.
5 المغني ص88، والهمع 1/ 205.
6 الهمع 1/ 251.
7 المغني ص283، والهمع 1/ 65.
8 الهمع 1/ 199، وانظر في تعليلات له طريفة الأشباه والنظائر 1/ 53، 259.
9 المغني ص450، والهمع 1/ 248.
10 الهمع 1/ 115.
11 انظر في ترجمة الخضراوي: بغية الوعاة ص115.
من الأندلسيين وفي طائفة أخرى يستقل عنهم جميعا، فمن ذلك استظهاره أن تكون "حتى" الناصبة للمضارع مرادفة أحيانا لإلا، أخذا من قول سيبويه في تفسير "والله لا أفعل إلا أن تفعل": المعنى: حتى أن تفعل1. ومن ذلك موافقته الكوفيين في تثنية المركب المزجي مثل بعلبك وجمعه2. وكان يتفق مع الشلوبين في أن "لو" الشرطية لا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب، إنما تدل على التعليق في الماضي كما دلت "إن" على التعليق في المستقبل3. وكان يذهب إلى أن لو التي للتمني في مثل:"لو تأتيني فتحدثني" ليست شرطية، وإنما هي قسم برأسها ولا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت4. وذهب إلى أن "حتى العاطفة" يتحتم أن يكون معطوفها ظاهرا لا مضمرا كما أن ذلك شرط مجرورها5. وكان يرى أن ما في "لا سيما" زائدة لازمة لا تحذف ألبتة6. وحري بنا الآن أن نخص نحويين كبيرين هما ابن مضاء وابن عصفور بكلمتين أكثر تفصيلا.
ابن 7 مضاء:
هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي المتوفى سنة 592 للهجرة، أخذ عن ابن الرماك كتاب سيبويه، وكان حجة في الفقه الظاهري والحديث النبوي، فولاه الموحدون قضاء فاس، ثم ولوه قضاء الجماعة، وكان طبيعيا أن يحمل حملتهم على أصحاب المذاهب الفقهية: المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية لما ملئوا به كتبهم من فروع، بل لقد تحولوا بحملتهم إلى ما يشبه ثورة عنيفة. فإذا هم يأمرون بإحراق كثير من تلك الكتب وحمل الناس في دولتهم بالمغرب والأندلس على المذهب الظاهري الذي يرفض
1 المغني ص134.
2 الهمع 1/ 42.
3 المغني ص283، والهمع 2/ 65.
4 المغني ص295.
5 المغني ص135.
6 الهمع 1/ 234.
7 انظر في ترجمة ابن مضاء: الديباج المذهب لابن فرحون ص47، والتكملة لابن الأبار رقم 234، وبغية الملتمس للضبي ص192، وروضات الجنات ص82، وبغية الوعاة ص139.
القياس وما يتصل به من علل ويكتفي بالظاهر من القرآن والحديث. وقد استلهم ابن مضاء هذه الثورة لا في حملة على الفقه والفقهاء، وإنما في حملة على النحو والنحاة من حوله، إذ وجد مادة العربية تتضخم بتقديرات وتأويلات وتعليلات وأقيسة وشعب وفروع وآراء لا حصر لها ولا غناء حقيقيا في تتبعها أو على الأقل في تتبع الكثير منها، فمضى يهاجمها في ثلاثة كتب، هي:"المشرق في النحو" و"تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان" وكتاب "الرد على النحاة" وهو -وحده- الذي بقي من آثاره. وفيه1 يهاجم نظرية العامل التي عقّدت النحو وأكثرت فيه من التقديرات والمباحث التي لا طائل وراءها في رأيه، والمتكلم في الحقيقة كما لاحظ ابن جني2 هو الذي يعمل الرفع والنصب والجر في الكلام. ويفصّل القول فيما أدخلته هذه النظرية على النحو من عقد التقديرات على نحو ما هو معروف في العوامل المحذوفة مما يبعد الصيغ عن وجهها الطبيعي، ويدفع إلى تمحلات لا داعي لها كتقدير أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا أخبارا أو صلات أو أحوالا يتعلقان بعامل محذوف ولا حذف هنا ولا عامل -في رأيه- ولا عمل. ولا يلبث أن ينكر أن يكون في قام من قولك:"زيد قام" ضمير مستتر فاعل فهي فعل ولا فاعل له، كما لاحظ ذلك من قبله الكسائي في مثل "كلمني وكلمت محمدا"، فقد ذهب كما مر بنا في غير هذا الموضع إلى أن فاعل كلمني محذوف ولا فاعل لها، غير أن ابن مضاء يتسع بذلك كما في المثال السابق. ويذهب إلى أن ضمائر التثنية والجمع في مثل:"قاما وقاموا وقمن ويقومون" ليست ضمائر، بل هي علامات تدل على التثنية والجمع، وهو في ذلك يستضيء برأي الأخفش الذي عرضنا له فيما أسلفنا من الحديث. ولكي يوضح فساد نظرية العامل وأنها دفعت النحاة أحيانا إلى رفض بعض أساليب العرب ووضع أساليب مكانها لا يعرفها العرب الجاهليون والإسلاميون، دَرَسَ باب التنازع دراسة مفصلة موضحا ما جلبه فيه النحاة من صيغ معقدة عسرة لم ينطق بها العرب ولا وقعت في أوهامهم، واستضاء في ذلك بما مر بنا عند الجرمي من منعه التنازع في الأفعال التي تتعدى
1 انظر في تحليل هذا الكتاب وصلته بالمذهب الظاهري دراستنا له في مدخله، وهو مطبوع بدار الفكر العربي في القاهرة.
2 انظر الخصائص 1/ 109 وما بعدها.
إلى مفعولين أو ثلاثة، لما في ذلك من تكلف لصيغ لم تأت عن العرب. وبنفس الصورة درس باب الاشتغال مستلهما في بيان أحكام النصب والرفع فيه تحليل الأخفش لبعض صيغه على نحو ما مر بنا في حديثنا عنه. وكذلك درس باب فاء السببية وواو المعية اللتين ينصب بعدهما المضارع مصورا تعسف النحاة في التأويل والتقدير، ومستلهما رأي الجرمي الذي أنكر إضمار أن معهما كما استلهم مذهبه الظاهري الذي يرفض ما وراء ظاهر النصوص من تقديرات وتأويلات. ويتسع في استلهام هذا المذهب، فإذا هو يهاجم -مستضيئا بابن جني في إنكاره علة العلة1- العلل الثواني والثوالث، كالتعليل لعمل إن النصب والرفع، ولماذا لم تنصب الثاني وترفع الأول كالفعل، مما ليس فيه نفع ولا فائدة في ضبط الألسنة، كما يهاجم الأقيسة النحوية وما حُشد منها في جميع أبواب النحو، مما يبعد تصوره ويصعب فهمه ولا يفيد في النطق السليم بالعربية أي فائدة في رأيه. وبالمثل يهاجم القياس ملاحظا تارة ضعفه وتارة فساده، كما يهاجم التمارين غير العملية مما عرضنا له عند سيبويه والخليل كقول النحاة:"ابْنِ من البيع على مثال فُعْل" ذاهبين إلى أنه يصح أن يقال: بوع أو بيع قياسا على مثل موقن في قلب الياء واوا أو على مثل بيض وغيد بقلب الضمة كسرة. وكل ذلك -في رأيه- فضول ينبغي أن يبرَّأ منها النحو ويخلَّص تخليصا، حتى لا يكون فيه عسر ولا صعوبة.
ابن 2 عصفور:
هو أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن عصفور الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة 663 للهجرة، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، وهو تلميذ الشلوبين، تصدر لإقراء النحو بعدة بلاد في موطنه. وله في النحو والتصريف مصنفات مختلفة، منها المقرَّب والممتع في التصريف ومختصر المحتسب لابن جني، وكان له ثلاثة شروح على الجمل للزجاجي. وله آراء كثيرة تدور في
1 الخصائص 1/ 173 وما بعدها.
2 انظر في ترجمة ابن عصفور: بغية الوعاة ص357.
كتب النحاة، منها ما يقف فيه مع سيبويه والبصريين، ومنها ما يقف فيه مع الكوفيين أو البغداديين، ومنها ما يستقل به. فمما يقف فيه مع الأولين أنه كان يرى رأي سيبويه في أن لام المستغاث في مثل:"يا لزيد" متعلقة بفعل النداء المحذوف لا بيا كما ذهب إلى ذلك ابن جني ولا زائدة كما ذهب إلى ذلك المبرد1. وكذلك كان يختار رأيه في أن ما بعد لولا مبتدأ لا فاعل بإضمار فعل كما ذهب الكسائي2. وكان يذهب مذهب الأخفش في أن "إن" يجوز فيها الكسر والفتح إذا تلت مذ ومنذ مثل: "ما رحلت إلى هذا البلد مذ أو منذ أن الله خلقني"3، وكذلك في أنه يجوز نصب زيد على الاشتغال بعد إذا الفجائية في مثل:"خرجت فإذا زيد قد كلمه عمرو"4. وكان يرى رأي الزجاج في أن إذا الفجائية ظرف زمان5. واختار رأي الجرمي والمازني في أن إعراب المثنى والجمع المذكر السالم ببقاء الألف والواو رفعا وانقلابهما ياء نصبا وجرا6. واختار رأي ابن السراج في أنه يجوز حذف مفعولي ظن دون قرينة وكذلك أخواتها، مستدلا بمثل قوله عز شأنه: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} أي: يعلم، وقوله: {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} 7. واختار رأي السيرافي أن الحائط في مثل: "رأسَك والحائط" معطوفة على رأسك لا منصوبة بفعل آخر مضمر كما ذهب ابن طاهر وابن خروف8. وكان يرى رأي أبي علي الفارسي في أن الفعل لا ينصب أكثر من حال واحدة لصاحب واحد، فلا يصح عندهما: "نظرت إلى محمد جالسا قارئا"9. واختار رأي الكوفيين في عد "هَبْ" من أخوات ظن10، وفي أنه تجوز الحكاية لكلام المتكلم لا بعد قال فقط، بل أيضا بعد كل فعل يلتقي بها في معناها كناديت ودعوت مثل:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} 11. واختار رأي ابن السيد السالف في
1 المغني ص240 وما بعدها.
2 الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 187، وانظر في تعليلات له مختلفة 1/ 262، 275.
3 الهمع 1/ 138.
4 المغني ص191.
5 المغني ص91.
6 الهمع 1/ 148.
7 الهمع 1/ 152.
8 الهمع 1/ 169.
9 الهمع 1/ 244.
10 الهمع 1/ 145.
11 الهمع 1/ 157.
"ما" وأنها تقع صفة للتعظيم مثل: {الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ} 1. وله وراء ذلك آراء انفرد بها كثيرة، منها أنَ أَنْ تأتي مفسرة بعد صريح القول مثل: "قلت لهم أَنْ أنصتوا"2 كما تأتي لربط الجواب بالقسم في مثل:
أما والله أَنْ لو كنت حرا
…
وما بالحر أنت ولا العتيق3
وكان يرى اختيار المصدر نائبا للفاعل إذا اجتمع مع الظرف أو المجرور، مستدلا بمثل قوله تعالى:{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} 4 كما كان يرى لزوم "من" مع كأين مثل {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ} فلا يصح مثل: "وكأين رجلا أقدم" كما نص على ذلك سيبويه5. وكان يرى أنه لا يصح الاستثناء في العدد فلا يقال: "له علي ألف إلا خمسين" معتلا بأن أسماء العدد نصوص، فلا يجوز أن ترد إلا على ما وُضعت له6. وذهب إلى أن "لكن" في مثل: "ما قام زيد ولكن عمرو" هي العاطفة والواو زائدة لازمة7 كما ذهب إلى أن جملة "ما خلا" ونظائرها في الاستثناء مستأنفة، وليست حالا كما ذهب السيرافي، ولا منصوبة على الاستثناء كما ذهب ابن خروف8. وجوز أن يكون المحذوف في مثل "عمرك" و"أيمن الله" المبتدأ لا الخبر9 كما جوز الفصل بالظرف بين "إذن" ومنصوبها مثل "إذن غدا أكرمَك"10. وكان يرى أن "ماذا" في مثل:"انظر ماذا صنعت" لا يصح أن تكون مفعولا لانظر كما ذهب السيرافي وابن خروف والفارسي لأن الاستفهام له الصدر، إنما "ما" اسم استفهام مبتدأ و"ذا" اسم موصول خبر وجملة صنعت صلة11. ورأى أن {عُيُونًا} في مثل:{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} تمييز لا حال12. وكان يذهب إلى أن القسم إذا أجيب بماض متصرف مثبت فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد معا مثل: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} وإن كان بعيدا جيء باللام
1 الهمع 1/ 92.
2 المغني ص31 وما بعدها.
3 المغني ص32.
4 الهمع 1/ 163.
5 المغني ص203.
6 الهمع 1/ 228.
7 المغني ص324.
8 الهمع 1/ 249.
9 المغني ص684.
10 الهمع 2/ 7.
11 المغني ص333.
12 الهمع 1/ 251.