الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخط، فتراه تارة يسير سيرنا في الخط، أي: من اليمين إلى اليسار وباتجاه أفقي، وتارة أخرى يتجه من اليسار إلى اليمين. وأحيانًا من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى في أحيان أخرى، كما تراه يتخذ شكل قوس في بعض الأحيان، أو أشكالًا أخرى، كأن يمزج بين هذه الطرق بحسب رغبة الكاتب وشكل المادة التي يكتب عليها. وعلى قارئ النص لذلك الانتباه إلى هذه الاتجاهات، لمعرفة مبدأ الكلام من منتهاه.
ونجد بعض الكتابات الثمودية، وكأنها رموز أو طغراء، إذ نجد حروفها وقد تداخل بعضها في بعض، أو بعض حروف منها، وقد تشابكت بحيث يصعب على القارئ حلها. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها نوع من "الوسم"، غير أن من المهتمين بالثموديات من لا يوافقونهم على هذا الرأي، وإنما يرون أنها تمثل رموزًا دينية، أو الأحرف الأولى من أسماء كاتبيها، أو أسماء بعض الآلهة، أو ما شاكل ذلك مما كان له معنى معروف في نفوس أصحابه، وقد خفي ذلك علينا، لعدم وجود مفاتيح لدينا تحل لنا هذه الكتابات المتخذة طابع الرموز والإشارات.
ونجد الكتابات الثمودية تعاف بعض حروف الكلمات أحيانًا وتختزلها، كما في "ب"، التي تعني "ابن"، فقد تركت حرف النون واكتفت بالباء. ويستطيع القارئ إدراك معنى "ب" من القراءة. وكما في "ل" بمعنى "لنا" و"لي"، و"ب" بمعنى "بي"، أي: إنها تقطع الضمير اللاحق بحرف الجر في بعض الأحيان1.
1 Grimme، S. 34. ff.
الأبجدية الصفوية:
والأبجدية الصفوية مثل الأبجدية اللحيانية والأبجدية الثمودية، أصلها من القلم العربي الجنوبي، وهي تتألف من ثمانية وعشرين حرفًا، غير أن كتّاب هذا القلم قد تلاعبوا به كما تلاعب كتاّب القلم اللحياني والثمودي بحروف المسند، وأوجدوا لهم منها أشكالًا أخرى ميزتها عن الأصل، فأخذ الحرف الواحد أشكالًا
متعددة، تباعد أشكال بعضها تباعدًا كثيرًا عن الأصل، حتى عسرت على القارئ قراءة النص، وهذا مما أوجد مشاكل لقراء هذه النصوص في قراءتها قراءة صحيحة.
و"هاليفي" الذي هو أول من تمكن من تشخيص الأبجدية الصفوية، وأول من سمّاها بهذه التسمية لم يتوفق في الواقع إلا في معرفة "16" حرفًا من الحروف الثمانية والعشرين التي تتكون منها الأبجدية الصفوية. أما الحروف الباقية، فقد أخطأ في تشخيصها، حتى جاء "بريتوريوز" فتمكن من تشخيص خمسة أحرف أخرى، كما تمكن الأستاذ "ليتمان" من تشخيص هوية سبعة أحرف، فاكتمل العدد ثمانية وعشرين حرفًا1.
ومن الصعوبات التي تعترض قارئ الكتابات الصفوية في قراءة هذه الكتابات وفي فهمها أن للحروف فيها كما قلت آنفًا جملة رسوم، وأن بعض رسوم الحرف الواحد هي رسوم لحرف آخر. فبعض صور الباء هي أيضًا صور للظاء، ولهذا قد تقرأ "باء"، كما تقرأ "ظاء". ويتشابه كذلك رسم الخاء مع التاء، واللام مع النون، والهاء مع الصاد، وكذلك رسوم حروف أخرى، فكانت من هذا كله صعوبات كبيرة تعترض الباحث في قراءة هذه النصوص وفي تثبيت معناها. ولا سيما أن هذه الأبجدية هي كالأبجديات الأخرى خالية من الشكل ومن التشديد ومن حروف العلة في أكثر الأحيان ومن المقاطع، فلا فرق فيها في الكتابة بين الفعل والاسم والفاعل والمفعول به، وفيها مصطلحات وتراكيب نحوية غير معروفة في عربيتنا أو في اللهجات السامية الأخرى. وعلى الباحث إعمال ذكائه في كشف المعاني ومواقع الكلم في هذه النصوص.
وهناك صعوبة أخرى تعترض الباحث في قراءة النصوص الصفوية تكمن في عدم وجود قاعدة معينة للابتداء في الخط. فالكاتب بهذا القلم حر كما يظهر من
1 Semitisk، Dritter Band، Zwiter und Dritter Abschnitt، 1945، S. 213.
رينه ديسو، العرب في سوريا قبل الإسلام "ص65 وما بعدها"، "تعريب عبد الحميد الدواخلي".
الكتابات في اختيار الجهة التي يبدأ بها في الكتابة، فله أن يبدأ بكتابته من اليمين إلى اليسار، أي على نحو ما نفعله نحن في كتابتنا وعلى نحو ما فعله أكثر كتّاب المسند، وله أن يكتب من اليسار إلى اليمين، أي: على نحو ما يفعله الكاتبون بالأبجدية اللاتينية، وله أن يمزج بين الطريقتين كما رأينا ذلك في بعض كتابات المسند، كما أن له أن يبدأ بالكتابة من أعلى إلى أسفل، وله أن يعكس الوضع فيكتب من أسفل إلى أعلى، وله أن يبدأ بالكتابة من أيسر الجهة السفلى للحجر ويتجه إلى اليمين، ثم إلى اليسار وفي أي اتجاه أحبّ واشتهى، وله أن يختار العكس، أو أية جهة شاء، حتى إنك لترى بعض الكتابات وكأنها خيوط متداخلة، وعلى القارئ أن ينفق جهدًا طويلًا في استخراج رأس الخيط واستلاله للوصول إلى منتهاه.
والكتابات الصفوية مثل الكتابات الثمودية واللحيانية هي في أمور شخصية، فهي إما في بيان ملكية شيء، أو في تعيين قبر أي كتابات قبورية، أو في رجاء وتوسل إلى الآلهة. وإما تسجيل خاطر، مثل تذكر أهل أو صديق أو حبيبة أو نزول في مكان أو في تعليق على كتابة قديمة. وكتابات مثل هذه تكون قصيرة في الغالب، وقد تكون من كلمة واحدة في بعض الأحيان. ولما كان معظمها في هذه الأمور، صارت أساليبها في الإنشاء متشابهة، لا تختلف أحيانًا إلا في أسماء أصحابها. وهي لذلك لا تفيدنا كثيرًا من ناحية الدراسات اللغوية، غير أنها مع ذلك أفادتنا فائدة كبيرة في نواحٍ أخرى، من مثل الكشف عن أسماء آلهة العرب الجاهليين، أو أسماء القبائل والأشخاص والنبات والحيوان وبعض العادات وغير ذلك مما يتصل بحياة العرب قبل الإسلام.
وترى في هذه الصورة كتابة صفوية وقد كتبت على شكل ثعبان، إذ لم يسر كاتبها على طريقة الكتابة بالسطور، تكتب بعضها فوق بعض. وهي من الكتابات المؤرخة، وترى بعض الحروف مشابهة لحروف المسند، أما البعض الآخر، فقد ابتعد كثيرًا عن الأصل.
كتابة صفوية أرخت بسنة 24 المقابلة لسنة 129 للميلاد، ويرى الرقم على الجانب الأيمن من الكتابة. من كتاب: Safaitic
وفي هذه الصورة الثانية كتابة صفوية، وقد كتبت على النحو الذي نراه في الصورة، وقد تصرف كاتبها في الحروف، تصرفًا تظهر عليه روح الاختزال وتصغير حجم الحرف وهي من الكتابات المؤرخة.
يوجد هنا رسمة بالصفحة
كتابة صفوية يعود تأريخها إلى سنة 42. وقد رقمت برقم 162 في كتاب: Safaitic "ص36".
والصفوية مثل اللهجات العربية الأخرى في خلوّها من الشكل، لذلك تجابه الباحث في قراءة كتاباتها ما يجابهه قارئ اللهجات الأخرى من مشكلات في فهم الكتابات فهمًا صحيحًا واضحًا، فلا بد من الاستعانة بعربية القرآن الكريم وباللهجات السامية لفهمها فهمًا صحيحًا. ولم يحفل الكتاب بتثبيت الحروف في صلب الكتابة باعتبارها تعبيرًا عن الحركات، ولم يستعملوا المقاطع المعبرة عن الأصوات، لضبط النطق. وقد يكتب فيها الحرف مرتين في مواضع نستعمل لها الشدّة في عربيتنا.
ومادة الكتابات الصفوية، هي الحجارة الطبيعية بأشكالها المختلفة، يأخذها الكاتب فيحفر عليها بآلة ذات رأس حاد الكلمات التي يريد تدوينها. أما الورق أو المواد المشابهة الأخرى المستعملة في الكتابة، فلم يعثر على شيء منها مكتوب بهذه الأبجدية.
ويجب أن أبين أن هذه الكتابات اللحيانية والثمودية، والصفوية، لا تعني أنها خطوط "بني لحيان"، و"قوم ثمود" بالضرورة، فبين الكتابات المنسوبة إلى مجموعة من هاتين المجموعتين ما لا يمكن عده من كتابة قوم من "بني لحيان" ولا من قوم ثمود، وإنما هي من كتابات قبائل أخرى، وقد أدخلت في الخط اللحياني أو في القلم الثمودي، لمجرد تشابه الخط. وقد ذكرت أن الكتابة الصفوية، إنما عرفت بهذه التسمية، بسبب عثور العلماء عليها في "الصفاة" في الغالب، فنسبوها إلى هذا الأرض، مع أنها قبائل وعشائر مختلفة.
ويلاحظ أن التباين في أشكال الحروف داخل المجموعة الواحدة مثل اللحيانية، والثمودية والصفوية، لا يقل عن التباين الذي نراه بين صور الحروف المكونة لهذه المجموعات. فأنت ترى في هذه الصورة وقد كتب حرف الألف في الصفوية بصور متباينة، تكاد تجعل من الصعب التوصل إلى أنها تمثل كلها هذا الحرف، ثم ترى الحرف نفسه في "الثمودية"، وقد كتب بصور متباينة، ويقال نفس الشيء بالنسبة لهذا الحرف في الكتابة اللحيانية. ونجد هذا التباين في كل الحروف الباقية كذلك. أما المسند، فلا نجد فيه هذا التباين، مما يحملنا على إرجاع سببه إلى ضعف وقوة يد الكتاب، وإلى تباين القلم الذي يكتب به. فالمسند قلم، استعمل في تدوينه قلم حاد قوي، حفر الكتابة على الحجر حفرًا وبعناية، بسبب أنها وثائق وكتابات ذات أهمية بالنسبة لكاتبها، أما الأقلام الأخرى، فقد استعملت في التعبير عن خواطر في الغالب، لذلك سجلها كاتبها بأي أداة وجدها أو
كانت عنده تؤدي إلى إحداث خدش أو حفر على المادة التي وجدها أمامه صالحة للكتابة، فنقش عليها رأيه بسرعة وبغير تأنق، فظهرت الخطوط متباينة متغايرة لهذا السبب، كما ترى في هذه الصورة:
الأقلام الصفوية والثمودية واللحيانية والعربية الجنوبية والعبرانية