المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

و"سيرين" أبو "محمد بن سيرين" المشهور بتفسير الأحلام، و"أبو عمرة" - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٥

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الخامس عشر

- ‌الفصل السادس عشر بعد المئة: الفن الجاهلي

- ‌العمارة

- ‌الفصل السابع عشر بعد المئة: القصور والمحافد والاطام

- ‌مدخل

- ‌الأعمدة والأسطوانات:

- ‌الفصل الثامن عشر بعد المئة:‌‌ الخزفوالزجاج والبلور

- ‌ الخزف

- ‌الفصل التاسع عشر بعد المئة: الفنون الجميلة

- ‌مدخل

- ‌التصوير:

- ‌الفصل العشرون بعد المئة: أمية الجاهليين

- ‌الفصل الحادي والعشرون بعد المئة: الخط العربي

- ‌مدخل

- ‌الخط العربي:

- ‌الفصل الثاني والعشرون بعد المائة: المسند ومشتقاته

- ‌مدخل

- ‌أصل القلم المسند:

- ‌القلم اللحياني:

- ‌الخط الثمودي:

- ‌الأبجدية الصفوية:

- ‌الترقيم:

- ‌الفصل الثالث والعشرون بعد المائة: الكتابة والتدوين

- ‌الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس

- ‌الكتاتيب:

- ‌مواد الدراسة:

- ‌الكاتب:

- ‌الفصل الخامس والعشرون بعد المائة: الكتاب والعلماء

- ‌مدخل

- ‌الملاحن والألغاز:

- ‌الفصل السادس والعشرون بعد المائة: الفلسفة والحكمة

- ‌مدخل

- ‌الحكمة:

- ‌الفصل السابع والعشرون بعد المائة: الأمثال

- ‌فهرس الجزء الخامس عشر:

الفصل: و"سيرين" أبو "محمد بن سيرين" المشهور بتفسير الأحلام، و"أبو عمرة"

و"سيرين" أبو "محمد بن سيرين" المشهور بتفسير الأحلام، و"أبو عمرة" جدّ "عبد الأعلى" الشاعر، و"يسار" جدّ "محمد بن إسحاق" صاحب "السيرة"، و"نصير" أبو "موسى بن نصير"1، وذكر "الطبري" أن "خالد بن الوليد" وجد "في بيعتهم أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم في أهل البلاد2. وقد كان كل هؤلاء من الكتّاب القارئين للإنجيل الدارسين لعلوم الدين، فأسلموا وبرز أبناؤهم في المجتمع الإسلامي.

وفي خبر "وفد نجران" الذي قدم على الرسول، إفادة بوجود مواضع لتعليم أمور الدين، وتثقيف الناس بما يلزم من ثقافة، فقد ورد أن أسقف نجران كان حبرهم، وإمامهم، وصاحب مدارسهم "صاحب مدراسهم"3، أي: الموضع الذي يتدارسون فيه، والغالب أن يكون ذلك المكان في الكنيسة على الطريقة المتبعة في ذلك العهد، كما صار المسجد موضعًا للتعليم.

وقد كان يهود الحجاز والمواضع الأخرى من جزيرة العرب يلحقون بكنيسهم كتّابًا يعلمون به أطفالهم أصول القراءة والكتابة، كما كان أحبارهم يتخذون به مجلسًا لتعليم اليهود أمور دينهم وللإفتاء بينهم في أمور الشرع، وفضّ ما قد يقع بينهم من خلاف. وكذلك كان شأن نصارى العرب اتخذوا من كنائسهم مواضع للتدريس ولتعليم القراءة والكتابة كالذي رأيناه بين نصارى العراق. ولا أستبعد احتمال اتخاذهم مدارس في قرى البحرين، التي كانت بها جاليات نصرانية كبيرة وكذلك في اليمامة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وأصول الدين.

1 البلاذري، فتوح "248".

2 الطبري "3/ 377".

3 طبقات ابن سعد "1/ 357""طبعة صادر".

ص: 297

‌مواد الدراسة:

لم نعثر على أي نص جاهلي فيه شيء عن التدريس وعن مواد الدراسة عند الجاهليين لنستنبط منه مادة عن الدراسة عند عرب الجاهلية، غير أننا إذا ما

ص: 297

أخذنا بما جاء في الموارد النصرانية الشرقية عن التربية والتعليم عند نصارى العراق وعن مواد المعرفة التي كانوا يعلمونها للتلاميذ ولطلاب المدارس العالية، فإننا نستطيع أن نقول إن مدارس الأنبار والحيرة والقرى العربية الأخرى، لا بد وأن تكون قد سارت وفقًا لمنهج أهل العراق في تعليم أبنائهم في ذلك الوقت. من تعليم مبادئ القراءة والكتابة وإجادة الخط وشيء من الحساب والأمثال والحكم ومبادئ الدين. وهي المواد الرئيسية التي كانت تعلم في الكتاتيب في بلاد الشرق الأوسط في ذلك الوقت، والتي لا تزال تدرس في الكتاتيب القديمة حتى اليوم.

والعادة في الكتاتيب حتى الآن في تعليم الخط للأطفال، أن يخط المعلم أو "خليفته" أو من يقوم مقامه من التلامذة المتقدمين، سطرًا من الحكم والأمثال أو من الكتب السماوية، لينقش التلميذ سطورًا مثلها على لوح يحاول الإجادة جهد إمكانه في كتابتها لتقوية يده على الخط. وقد كان العبرانيون يعلمون الآية:"رأس الحكمة مخافة الرب"، "رأس الحكمة معرفة الله"، "مخافة الرب رأس الحكمة"1، في أول ما كانوا يعلمونه لتلامذتهم2. ويعلمونهم أمثال ذلك من الحكم والأمثال الواردة في التوراة. ولا يستبعد أن تكون هذه الأمثال والحكم في مقدمة ما كان يدرسه المعلمون اليهود في مستوطناتهم في بلاد العرب بتيماء ووادي القرى وقرى المدينة.

وورد أن نصارى العراق، درسوا في مدارسهم لغة بني إرم، لغة الثقافة والعلم آنذاك، درّسوا مفردات اللغة وقواعدها وأصولها، وعلّموا معها مبادئ العربية وقواعدها وآدابها في الأرضين التي كانت غالبية سكانها من العرب3. ونجد في الموارد النصرانية إشارات تشير إلى تدريس العربية في الأنبار وفي الحيرة، ولا يعقل أن يكون المراد من العربية، الكتابة والقراءة بها فقط، بل لا بد وأن يُعلم معها شيء من أصول الكتابة من كيفية قط القلم ورسم الحروف، وأنواع الخطوط، ثم الأمثال والحكم، وقواعد اللغة وآدابها، أي: منهج المدارس المقرر في الشرق الأدنى في ذلك العهد. وقد كان رجال الدين يسيرون عليه ويتبعونه في مدارسهم. وكان لهم علم بقواعد وبلغة بني إرم.

1 سفر الأمثال، الإصحاح الأول، الآية 7.

2 Hastings، p. 204.

3 تأريخ كلدو وآثور "2/ 7".

ص: 298

أما عن تعليم الأطفال في جزيرة العرب، فلا نستطيع التحدث عنه بصورة جازمة لعدم ورود شيء عن ذلك في الكتابات الجاهلية أو في روايات أهل الأخبار. ويمكن أن نقول باحتمال تعليم الأطفال في المواضع التي وجدت النصرانية إليها سبيلًا، مثل مدينة "نجران" وبعض مواضع من سواحل الخليج، على النمط الذي كان متبعًا عند نصارى العراق وبلاد الشأم من تعليم مبادئ القراءة والكتابة وتحسين الخط ومبادئ أمور الدين. ثم المعارف العالية مثل اللغة والعلوم اللاهوتية والطب وما شاكل ذلك، للمتفوقين من الطلاب من أصحاب المواهب والقابليات، وذلك لأن الكنيسة كانت تتبع نظامًا واحدًا في التعليم؛ ولأن الذين كانوا يبشرون بالنصرانية بين العرب، كانوا من أهل العراق في الغالب، وقد درّسوا عرب العراق وعرب مواضع أخرى في جزيرة العرب، وقد درسوهم على طريقة تدريس الكنيسة الشرقية، فيحتمل لذلك أن يكون التدريس على نمط واحد في مدارس الكنيسة، ولا أستبعد احتمال تدريس السريانية لهؤلاء الطلاب، باعتبار أنها لغة الدين وتساعد في فهم الأناجيل والكتب النصرانية والعلوم.

وقد ورد أن: عمر بن الخطاب، كان يقول في تربية الأولاد وتثقيفهم:"علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا، وروّوهم ما يجمل من الشعر"1. وذكر أنه كتب إلى الأمصار: "أما بعد، فعلموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحَسُنَ من الشعر"2، وأن الرسول دعا لمعاوية، فقال: "اللهم علمه الكتاب والحساب" 3. ويظهر أن هذا التوجيه في تربية النشء كان معمولًا به عند الجاهليين.

ويظهر أن الحث على تعلم السباحة، إنما ظهر في الإسلام، بعد الفتوح، وذلك بعد أن اتصل العرب، بالأنهار الواسعة العميقة وبالبحار، فأجبرهم الواقع على تعلم العوم. ونجد "الحجاج" يقول لمعلم ولده:"علِّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم"4.

1 المبرد، الكامل "1/ 155".

2 البيان "2/ 180"، "2/ 116"، "القاهرة 1932م".

3 البيان "2/ 116"، "1932م".

4 البيان "2/ 179".

ص: 299

وقد كان "عمر" يتهيب البحر، فأوصى قواد جيشه بالتأني في ركوب البحر، خشية غرق المسلمين.

والمثل والشعر من أهم المواد التي كان يعتني بها الجاهليون. وكان أهل الكتاب يعتنون بالمثل وبما ورد في الكتب المقدسة من حكم، وبالشعر كذلك في تعليم أطفالهم في الكتاتيب.

وذكر "الهمداني"، أن "عمر بن الخطاب"، قال:"تعلّمون من النجوم ما تهتدون به، ومن الأنساب ما تعارفون به وتواصلون عليه، ومن الأشعار ما تكون حِكَمًا، وتدلكم على مكارم الأخلاق"1.

ويقوم بالتعليم معلمون، امتهنوا التعليم واتخذوه حرفة لهم. ومنهم من اتخذه حرفة رئيسية له، إذ كان يمارس حرفًا أخرى، ليتمكن بذلك من إعاشة نفسه. ولما كان التعليم الابتدائي الذي يقوم على تعليم الخط والقراءة والكتابة وبعض المبادئ الأخرى شيئًا بسيطًا لا يحتاج إلى علم كبير ومعرفة، لذلك لم يشترط في متعاطيه أن يكون من أصحاب العلم، بل قام به من وجد في نفسه قابلية تعليم الأطفال من رجال الدين ومن غيرهم، على نحو ما نجده في المدارس القديمة التي تقوم بتعليم الأطفال القراءة والكتابة لهذا اليوم.

ولم يرد في الكتابات الجاهلية شيء يتعلق بأسماء المعلمين الجاهليين. لذلك لا نستطيع أن نذكر اسم معلم من معلمي الجاهلية بالاستناد إليها. أما أهل الأخبار، فقد تعرض نفر منهم لذكر بعض المعلمين الذين عاشوا قبل الإسلام، والذين أدرك بعض منهم الإسلام. فذكر "محمد بن حبيب" في الفصل الذي سماه:"أشراف المعلمين وفقهاؤهم"، اسم "بشر بن عبد الملك السكوني" أخو "أكيدر بن عبد الملك" صاحب "دومة الجندل"، فذكر أنه كان في جملة المعلمين2. وإليه ينسب أهل الأخبار نشر الكتابة بمكة على نحو ما بينت ذلك في موضوع تأريخ الخط.

وأشار "ابن حبيب" إلى "أبي قيس بن عبد مناف بن زهرة"، وهو جاهلي، على أنه من أشراف المعلمين. كما أشار إلى "عمرو بن زرارة بن عدس

1 الإكليل "1/ 6 وما بعدها".

2 المحبر "475".

ص: 300

ابن زيد"، وهو جاهلي كذلك في جملة من أشار إليهم من المعلمين. وذكر أنه كان يُسمى "الكاتب". وأشار أيضًا إلى "غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي"، وهو من المخضرمين. على أنه كان من أشراف المعلمين1. وهو من الشعراء الحكماء، إذ كان أحد حكام "قيس" في الجاهلية. وكان أحد وجوه ثقيف، وقيل إنه أحد من نزل فيه: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ، وإنه كان صاحب تجارة، وقد سافر في قوم من تجار ثقيف وقريش وعلى رأسهم "أبو سفيان" إلى العراق، للتجارة، فوصلوا إلى "كسرى" فتكلم معه باسم التجار، فأعجب به، واشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وبعث معه من بنى له أطمًا بالطائف، فكان أول أطم بني بها. وذكر أن كسرى لما كلمه ووقف على حكمته قال له: "هذا كلام الحكماء، وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك؟ قال: خبز البر، قال: هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر"2. في حديث يقصه أهل الأخبار وكأنهم كانوا شهود عيان.

ولا بد وأن يكون في ثقيف قوم كانوا مهرة في الكتابة، لهم خط حسن وإملاء صحيح، وذلك فيما إذا أخذنا بصحة الأخبار الواردة عن تدوين القرآن وجمعه من قولهم إن الخليفة "عمر" أو "عثمان"، قال:"اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف"، إذ لا يعقل النص على أن يكون الكاتب من ثقيف من غير سبب، اللهم إذا اعتبرنا الخبر من الموضوعات التي صنعت في أيام الحجاج، للتقرب إليه، ولرفع شأن ثقيف، بعد أن ظهرت أخبار في أيامه، رجعت نسب ثقيف إلى قوم ثمود، وصيرت "أبا رغال" خائن العرب إلى غير ذلك من أخبار تحدثت عنها في أثناء حديثي عن ثمود وعن قبيلة ثقيف.

وكان "جفينة" العبادي من أهل الحيرة، وكان نصرانيًّا، قدم المدينة، وأخذ يعلم بها الكتابة في أيام الخليفة "عمر". وكان ظئرًا لسعد بن أبي وقاص. فاتهمه "عبد الله بن عمر" بمشايعة "أبي لؤلؤة" على قتل أبيه فقتله3.

1 المحبر "475".

2 الإصابة "3/ 186 وما بعدها"، "رقم 6926"، الاستيعاب "3/ 186 وما بعدها"، "حاشية على الإصابة".

3 فتوح البلدان "460"، "أمر الخط"، ابن سعد، الطبقات "3 القسم الأول ص258"، الطبري "5/ 42".

ص: 301

وورد في كتب الحديث "عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أنه قال: أتانا معاذ بن جبل رضي الله عنه باليمن معلمًا وأميرًا"1. وقد أرسل الرسول معاذًا إلى اليمن ليعلمهم الفرائض وأحكام الدين. وإذا صح النص، صار دليلًا على شيوع لفظة "معلم" في ذلك العهد.

ووردت لفظة "المعلم" في رسائل "عمر" إلى عماله، ففي رسالة له "إلى أهل الكوفة":"إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا"2. وأراد بلفظة المعلم، من يعلم الناس ويرشدهم ويفقههم في أمور الدين. وكانوا يطلقون على من يعلم الكتابة في "الكتّاب": معلم كتّاب. والكتّاب والمكتب، الموضع الذي يتعلم به.

ولست أعلم شيئًا عن مدى تقدم علم الحساب عند الجاهليين. وكل ما أستطيع أن أقوله، هو أنهم كانوا يعلّمون أولادهم مع الخط مبادئ الحساب والمعرفة، وهي الجمع والطرح والضرب والتقسيم، وذلك لحاجتهم إليها في حياتهم اليومية، ولا سيما بالنسبة إلى التجار أصحاب المصالح الكبيرة، إذ تدفعهم الحاجة إلى ضبط أعمالهم وحسابهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن الجاهليين استعملوا حساب عقود الأصابع في حسابهم، فوضعوا كلًّا منها بإزاء عدد مخصوص، ثم رتبوا لأوضاع الأصابع آحادًا وعشرات ومئات وألوفًا، ووضعوا قواعد يتعرف بها حساب الألوف فما فوقها بيد واحدة. وقد أشير إلى حساب اليد في الحديث، كما استعملوا العدّ بالحصى، وبه يحسبون المعدود3. والعدّ برسم خطوط، فيدل كل خط على عدد، ومجموع الخطوط هو المعدود.

وورد في الأخبار أن الرسول دعا لمعاوية بقول: "اللهم علّمه الكتاب والحساب"4، وقد نعت بأنه كان من الكتبة الحسبة الفصحاء5، والحديث المذكور من أحاديث أهل الشأم6، ولهم أحاديث أخرى في الثناء على "معاوية"، وهي

1 إرشاد الساري "9/ 429".

2 خورشيد أحمد فاروق، حضرت عمر "116"، "رقم 207، 208، 209".

3 بلوغ الأرب "3/ 379 وما بعدها".

4 البيان والتبيين "2/ 116".

5 الإصابة "3/ 412""رقم 8070".

6 الاستيعاب "3/ 381""حاشية على الإصابة".

ص: 302

من الأحاديث التي أوجدتها العصبية السياسية، على نحو ما نجد من أحاديث في "عبد الله بن عباس" وفي العلويين. وقد روي الحديث المذكور في حق أشخاص آخرين. وقد وضعت أحاديث في مدح معاوية وبني أمية. وأرى أن الحديث المذكور وضع في مقابل حديث "اللهم علمه الحكمة"، الذي روي أن الرسول قاله في "ابن عباس"، وحديث:"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" أو "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب"، و "اللهم بارك فيه وانشر منه"، وأحاديث أخرى ذكر أنها قيلت فيه1.

وأما ما نسب إلى الرسول من قوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا" فإنه حديث ضعيف، وقد ورد أيضًا أن رجلًا قال: ما كنت أظن أن عددًا يزيد على ألف2، وهو قول ينطبق على حالات فردية لأعراب، ولا يمكن أن ينطبق بالنسبة للحضر، ولا سيما لأهل مكة الذين كانت لهم تجارة ضخمة وقوافل تذهب إلى مختلف الأنحاء، تحمل تجارة تقدر أثمانها بعشرات الألوف، فهل يعقل صدور مثل هذا الحديث من الرسول؟

وقد كان الجاهليون يتراسلون بينهم، فيكتبون كتبًا إلى من يريدون مراسلته. والكتاب هو صحيفة قد تكون من جلد، أو من مادة أخرى. وقد ذكر أن الرسول كتب كتابًا إلى "بني حارثة بن عمرو بن قريظ"، فأخذوا الكتاب وغسلوه، ثم رقعوا به دلوهم3. ويدل هذا على أن الكتاب كان صحيفة من جلد.

والرسائل من حقول التدوين المهمة عند الجاهليين. وهي رسائل قد تكون في أمور خاصة، كرسائل أب إلى ابنه أو العكس ورسائل أصدقاء وأقارب من ذوي الأرحام، وهي تتناول مسائل شخصية خاصة تهم المتكاتبين. وقد تتناول الأحداث التي يكون لها شأن عند الناس وخطر، فيكتب المتكاتبون عنها، لما فيها من أهمية ولذة بالنسبة لهم. وقد تكون الرسائل إخبارية، كأخبار عن تجارة ومعاملة أو عن حدث وقع أو غزو أو قرب وقوع حرب أو إخبار بهجوم عدو ومقدار قوته وما شاكل ذلك من أمور، ذات أهمية خاصة، بالنسبة للمرسل إليهم.

1 الإصابة "2/

".

2 الأحكام السلطانية "192".

3 إمتاع الأسماع "1/ 441".

ص: 303

ونجد في كتب أهل الأخبار صور رسائل في أمور ذات طابع إخباري. منها رسائل دوّنت بعبارات واضحة صريحة، يظهر أن أصحابها كانوا مطمئنين من عدم إمكان سقوطها في أيدٍ عدوةٍ فتقف على ما جاء فيها، لذلك كتبوها بعبارات مفهومة مكشوفة. ومنها ما كتبت شعرًا كالذي روي من إرسال شعر كتبه "لقيط بن يعمر الإيادي" لقومه يحذرهم فيه من كسرى1. أو نثرًا وقد كتبها أصحابها على شيء لا يلفت النظر، كحدوج الجمال المسافرة إلى جهة معينة، لتقرأ هناك، أو رسائل لا تلفت النظر ولكنها ذات معانٍ مفهومة عندما ترسل إليه، وقد تحمل الرسالة لرسول لينقلها شفاهًا إلى من يراد إخبارهم خبرًا، وذلك في الأمور الهامة بالطبع، التي لا يمكن الإفصاح عنها، لما لها علاقة بحروب أو غزو أو وضع أسير واقع في عذاب أسر آسريه، ويريد إبلاغ أهله بذلك ليخلصوه من وضعه السيئ.

ومن رسائل الإخبار، الرسائل التي كتبها المسلمون المتخفون أو المشركون الميالين للمسلمين على قريش، يخبرون فيها الرسول وأصدقاءهم المسلمين بأمر قريش وعورتهم واستعدادهم ليكونوا على حذر منها، والرسائل التي كتبها بعض المسلمين الذين لم يكن الإسلام قد تمكن بعد من قلوبهم، أو كتبوها شفقة لبعض أصدقائهم من المشركين عن الإسلام والمسلمين. ومنها كتاب "حاطب بن أبي بلتعة" إلى صفوان بن أمية وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. يقول فيه:"إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم". وأعطى الكتاب إلى امرأة من مزينة، وجعل لها مبلغًا من الدنانير على أن تبلغه قريشًا. وقال: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق فإن عليه حرسًا. فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها وسلكت على غير نقب، فبلغ الرسول أمرها، فأرسل من قبض على الرسالة. وتوسل حاطب إلى الرسول، بأن يعفو عنه؛ لأنه كان رجلًا ليس له في القوم أصل ولا عشيرة، فصاروا له أهلًا واعتبروه ولدًا فصانعهم فعفا عنه. ونزل الوحي في شأنه في سورة الممتحنة2.

1 ابن قتيبة، الشعر "97 وما بعدها" الأغاني "20/ 23 وما بعدها".

2 الآية 1، إمتاع الأسماع "363".

ص: 304

وفي كتب السير والتواريخ إشارات إلى مخابرات أرسلها مسلمون إلى ذوي رحمهم، يطلبون إليهم الدخول في الإسلام، وبأن الرسول سيعفو عنهم ويغفر لهم ما بذر منهم من إساءة إليه إن جاءوا إليه مسلمين، من ذلك، ما كتبه "بجير" إلى أخيه "كعب بن زهير بن أبي سلمى"، يطلب منه الدخول في الإسلام، والتوبة، وإلا فمصيره كمصير "ابن خطل" الذي كان يمعن في هجاء الرسول، فقتل1. ومن ذلك كتاب "الوليد بن الوليد" إلى أخيه "خالد بن الوليد"، يدعوه إلى الإسلام، فجاء مسلمًا2.

ويذكر أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كانوا يستفتحون كتبهم بجملة: "باسمك اللهم"، ويذكر بعضهم أن أمية بن أبي الصلت كان هو الذي ابتدع هذه البدعة. فمشت بين الناس. وصارت سنة لأهل مكة في تدوين رسائلهم. فجعلوها في أول كتبهم. فكانت قريش تكتب بها. وبها افتتح الرسول كتبه في بادئ أمره، ثم أبدلت باسم الله بعد نزول سورة هود، ثم باسم الرحمن، بعد نزول سورة إسرائيل، ثم بسم الله الرحمن الرحيم، بعد نزول سورة النمل3.

وكان من رسم الجاهليين إذا كتبوا أن يبدءوا بأنفسهم من فلان إلى فلان. ونجد هذا الأسلوب في كتب رسول الله4.

وتختم الرسالة بخاتم كاتبها أو بتدوين اسمه في نهايتها. كأن يقول: "وكتب فلان" أو "كتب فلان". وقد ورد في كتب السير، أن الرسول حين همّ بتوجيه الكتب إلى قيصر وكسرى وغيرهما، قيل له: إن الروم لا يقرءون كتابًا غير مختوم بختم صاحب الرسالة، فأمر بصنع خاتم له، ختم به كتبه، وورد أن قريشًا حين ائتمرت بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب، وكتبت بذلك صحيفة، ختمت عليها ثلاثة خواتيم، وعلقوها في سقف الكعبة5.

1 الإصابة "3/ 279"، "7413".

2 نسب قريش "324".

3 الجهشياري "12 وما بعدها"، الاقتضاب، للبطليوسي "103 وما بعدها"، أدب الكتاب، للصولي "31"، الأغاني "3/ 123"، تفسير الطبري "19/ 59 وما بعدها"، تفسير الطبري "15/ 121 وما بعدها".

4 القرطبي، الجامع "13/ 192 وما بعدها".

5 إمتاع الأسماع "1/ 25".

ص: 305

وأشير إلى الخاتم في شعر لامرئ القيس. فورد فيه:

ترى أثر القَرْح في جلده

كنقش الخواتم في الجرجس

والجرجس: الشمع، وقيل هو الطين الذي يختم به، وقيل هو الصحيفة. وبكل من ذلك فسر قول الشاعر المذكور1. ومن معاني "الجرجس" البعوض الصغير2. ويظهر أن اللفظة من المعربات، عُربت عن الإرمية. فهي تعني البعوض الصغير، إذا قيل Gargso، وهي تعني الصلصال والطين الذي يختم به إذا قيل3 Garguechto.

ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من ختم رسائله "عمرو بن هند"4. وذكر علماء اللغة أن خاتم الملك الذي يكون في يده يُسمى "الحِلق" وأنشدوا في ذلك:

وأُعطيَ مِنَّا الحِلْقَ أبيضُ ماجِدٌ

رديفُ مُلوكٍ ما تَغبُّ نوافِلُهْ

كما أنشدوا بيتًا للشاعر جرير، ذكر فيه "الحلق": حلق المنذر بن محرق إذ قال:

ففاز بحلق المنذر بن محرق

فتى منهم رخو النجاد كريم5

وذكر أيضًا أن الحلق خاتم من فضة بلا فص6. ويظهر من ذلك أن الملوك كانوا يصطنعون خاتمًا لهم، يكون دليلًا على صدق رسائلهم وأوامرهم، يحملونه معه، أو يودعونه عنه كاتم أسرارهم، وعلى ذلك جرى الأمر في الإسلام. فقد سار الخلفاء على سُنَّة الرسول من اتخاذه خاتمًا يختم به الرسائل، والكتب والأوامر، وبقي الأمر كذلك عند من جاء بعده من الخفاء.

1 ديوان امرئ القيس "102"، "سندوبي"، الاقتضاب، للبطليوسي "97" برواية أخرى، تاج العروس "4/ 118"، "الجرجس".

2 تاج العروس "4/ 118"، "الجرجس".

3 غرائب اللغة "176".

4 الاقتضاب، للبطليوسي "104".

5 تاج العروس "6/ 324"، "حلق".

6 تاج العروس "6/ 324"، "حلق".

ص: 306

والخاتم ما يوضع على الطينة وما يختم به. والختام الطين أو الشمع أو الحبر أو أي مادة أخرى تترك أثرًا يختم بها على الشيء1. وختم الأوراق والرسائل من العادات القديمة المستعملة عند الشعوب. ويقوم الخاتم مقام التوقيع في وقتنا الحاضر وختم رسالة معناه المصادقة عليها وتصديقها. واستعمل الخاتم في ختم الأوراق العامة والأوراق الشخصية والعقود والمعاملات. وكان الشخص إذا أراد إرسال رسالة ختمها، ولذلك كانوا يحملون خواتمهم معهم، إما في جيوبهم وإما في أصابعهم وقد يضعونها في سلسلة يعلقونها حول أعناقهم2.

وقد صنع الخاتم من مواد مختلفة. صنع من ذهب ومن فضة ومن معدن آخر ومن الحجر. وقد كتب على بعض الخواتم اسم صاحبه، ونقشت أمثلة وحكم وعبارات دينية أو أسماء الآلهة على بعض الخواتم. كما حفرت على بعض منها صور ترمز إلى رموز مقدسة أو صور حيوانات. وعثر على خواتم في العربية الجنوبية، وبها فصوص من أحجار ثمينة من أحجار اليمن الشهيرة. وقد كان يستعملها الناس إذ ذاك في التوقيع على رسائلهم ومخابراتهم ومعاملاتهم. ولا زال الناس يعثرون على خواتم جاهلية في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، فيستعملونها لتزيين أصابعهم بها.

وبعد أن تختم الرسالة، توضع داخل ظرف، حتى لا يطلع عليها أحد ثم يغلق، ثم يختم على موضع فتحه بالطين أو على المواضع التي يحتمل أن يفتح منها حتى تكون في مأمن تام. فلا يقف عليها إلا من أرسلت له. فإذا وصلته، ووجد أن خاتمها سليم، كسره، ليستخرج الرسالة من ظرفها. وكانت الكتب هلى هيئة لفائف. وكان من عادة الشعوب القديمة أن المكتوب إذا أريد إرساله إلى شخص من طبقة أدنى من طبقة الكاتب، أي: صاحب الرسالة، أرسل المكتوب إليه منشورًا، أما إذا كان المكتوب إلى شخص مكافئ لصاحب الكتاب أو أعلى منزلة منه، أرسل مختومًا وموضوعًا في كيس3.

ولحماية الأشياء من التطاول والتجاوز عليها لجئوا إلى طبعها وختمها، فختموا

1 تاج العروس "8/ 266"، "ختم"، اللسان "12/ 163"، "ختم".

2 Hastings، p. 833.

3 نحميا، الإصحاح السادس، الآية 5، قاموس الكتاب المقدس "2/ 253".

ص: 307