المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس ‌ ‌الكتاتيب: وفي العربية لفظة "الكتّاب"، - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٥

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الخامس عشر

- ‌الفصل السادس عشر بعد المئة: الفن الجاهلي

- ‌العمارة

- ‌الفصل السابع عشر بعد المئة: القصور والمحافد والاطام

- ‌مدخل

- ‌الأعمدة والأسطوانات:

- ‌الفصل الثامن عشر بعد المئة:‌‌ الخزفوالزجاج والبلور

- ‌ الخزف

- ‌الفصل التاسع عشر بعد المئة: الفنون الجميلة

- ‌مدخل

- ‌التصوير:

- ‌الفصل العشرون بعد المئة: أمية الجاهليين

- ‌الفصل الحادي والعشرون بعد المئة: الخط العربي

- ‌مدخل

- ‌الخط العربي:

- ‌الفصل الثاني والعشرون بعد المائة: المسند ومشتقاته

- ‌مدخل

- ‌أصل القلم المسند:

- ‌القلم اللحياني:

- ‌الخط الثمودي:

- ‌الأبجدية الصفوية:

- ‌الترقيم:

- ‌الفصل الثالث والعشرون بعد المائة: الكتابة والتدوين

- ‌الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس

- ‌الكتاتيب:

- ‌مواد الدراسة:

- ‌الكاتب:

- ‌الفصل الخامس والعشرون بعد المائة: الكتاب والعلماء

- ‌مدخل

- ‌الملاحن والألغاز:

- ‌الفصل السادس والعشرون بعد المائة: الفلسفة والحكمة

- ‌مدخل

- ‌الحكمة:

- ‌الفصل السابع والعشرون بعد المائة: الأمثال

- ‌فهرس الجزء الخامس عشر:

الفصل: ‌ ‌الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس ‌ ‌الكتاتيب: وفي العربية لفظة "الكتّاب"،

‌الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس

‌الكتاتيب:

وفي العربية لفظة "الكتّاب"، ويراد بها في عرف هذا اليوم المدرسة التي يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة. وهي من الألفاظ العربية المستعملة في العهود الأولى من الإسلام. وعندي أنها من الألفاظ العربية التي كانت مستعملة في الجاهلية، وهي في معنى بيت "ها سيفر" Beth Ha- Sepher، أي:"بيت الكتّاب" في العبرانية. وقد كان العبرانيون يطلقونها على المدارس التي تدرس القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة، تمييزًا لها عن المدارس التي تعلم الديانة والعبرانية والمعارف التي لها علاقة بالديانة ويطلقون عليها "بيت هامدراش" Beth Ha- Midrash، أي:"بيت المدراش"، و"بيت ها تلمود"، أي:"بيت التلمود" في بعض الأحيان1.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار أسماء جماعة ذكروا أنهم كانو من المعلمين في الجاهلية وكانوا من أصحاب الوجاهة والمكانة، منهم على سبيل المثال:"بشر بن عبد الملك السكوني"، أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل، و"سفيان بن أمية بن عبد شمس"، و"أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة"

1 Hastings، A Dictionary of Christ. And the GospeIs، I، p. 222.

ص: 291

و"عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد"، وقد كان يُسمى "الكاتب، و"غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي" وهو مخضرم1، مما يدل على وجود المدارس والتعليم عند الجاهليين.

وقد ورد أن الرسول أمر "عبد الله" واسمه الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية، بأن يعلم في الكتّاب بالمدينة2. كما ورد أن "جفينة"، وهو من نصارى الحيرة، جاء المدينة فصار يعلم الكتابة بها3. وورد في رواية أن "علي بن أبي طالب" اختلف إلى الكتّاب، فتعلم الكتابة به وله ذؤابة وهو ابن أربع عشرة سنة4. وورد أن رجلًا نزل بوادي القرى، وعلّم الخط بها5. وورد أن غلامًا جاء "يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث!! يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدًا"6. وإذا صح هذا الخبر، نكون قد عثرنا على كلمة "المعلم" المفهوم منها في الوقت الحاضر في الأيام الأولى من ظهور الإسلام.

وورد أن "عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية"، كان ممن أُسر يوم بدر، فأمره الرسول أن يعلم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة، ويخليه لسبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار. وكان كاتبًا محسنًا7. غير أن الموارد الأخرى، تذكر أنه كان قدم على رسول الله مهاجرًا، فقال له: ما اسمك؟ فقال: الحكم. فقال: أنت عبد الله. فغيّر رسول الله اسمه8. وتذكر أنه أمره أن يعلم الكتاب بالمدينة وكان كاتبًا. وتذكر أنه قتل يوم بدر شهيدًا. أي: إن إسلامه كان قبل يوم بدر، ولكن أكثر الروايات تذكر أن وفاته تأخرت9.

وذكر بعض أهل الأخبار، أن المدينة كانت متأخرة بالنسبة إلى مكة في الكتابة

1 المحبر "ص475"، الأعلاق النفيسة، لابن رستة "216".

2 ابن حزم، جمهرة "73".

3 الطبري "5/ 42"، ابن سعد، طبقات "3 القسم الأول ص258".

4 الفصول المختارة من العيون والمحاسن، للشيخ المفيد، النجف "2/ 66".

5 فتوح البلدان "477".

6 إمتاع الأسماع "1/ 101".

7 المشرق، السنة العاشرة "478".

8 الاستيعاب "1/ 312"، "حاشية على الإصابة".

9 الإصابة "1/ 343"، "رقم 1777".

ص: 292

والقراءة. بل ذهب بعضهم إلى أنه لم يكن في الأنصار من يحسن الكتابة1. وكلامهم هذا يصطدم مع ما ذكروه أنفسهم من أن "سويد بن الصامت" الأوسي، وسعد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأُبي بن كعب، وغيرهم ممن أشرت إليهم في مواضع أخرى من هذا الكتاب، كانوا من الكتّاب.

ويفهم من قول "الشّماخ":

كما خط عبرانية بيمينه

بتيماء حَبْرٌ ثم عرض أسطرًا

أن هذا الشاعر كان قد زار تيماء، وقد وقف على خط اليهود، ورأى أحدهم وقد عرض أسطر الكتابة ودونها بيمينه2. وقد وصف غيره كتابة اليهود وتعلمهم الخط في مدراسهم بالمستوطنات اليهودية.

وكانوا يستعينون بصبيان الكتّاب في بعض الأحيان لكتابة جملة نسخ مما يراد نشره وإذاعته أو حفظه. فورد أن النجاشي الشاعر، لما هجا "بني النجار" من الأنصار شكوا ذلك إلى حسان، فقال قصيدة في هجائه وفي هجاء قومه، ثم "قال اكتبوها صكوكًا وألقوها إلى صبيان المكاتب، فما مرّ بضع وخمسون ليلة حتى طرقت بنو عبد المدان حسّان بالنجاشي موثقًا معهم"، وذلك للاعتذار إليه واسترضائه3.

وقد كان للديانتين اليهودية والنصرانية فضل كبير على أهلهما في نشر الكتابة والعلوم بينهم إذ صارت معابدهم مدارس يتعلم فيها الناس أصول ديانتهم ومبادئ المعرفة والكتابة والقراءة لمن يرغب من الأطفال، كما أدت حاجة الديانتين إلى رجال دين يقومون بتثقيف الناس وتعليمهم أصول دينهم ونشر ديانتهم بين الوثنيين، أو بين أصحاب الديانات الأخرى، إلى تكوين معاهد خاصة لتخريج هؤلاء الرجال، ألحقت بالمعابد، درسوا فيها الكتب المقدسة وما وضع عليها من تفاسير وشروح، ومما يتعلق بشرحها من دراسة للغات وفلسفة وجدل وأمور أخرى لها علاقة وصلة بالديانات. وقد كان من بين هؤلاء الرجال أناس أذكياء ذوو نظر واسع، فلم

1 إمتاع الأسماع، للمقريزي "1/ 101".

2 ديوان الشماخ "16"، ديوان زهير "5".

3 شرح ديوان حسان "ص213 وما بعدها""البرقوقي".

ص: 293

يكتفوا بحفظ ما ورد إليهم، وبالتعصب لكل ما تلقنوه، بل تتبعوا ثقافات غيرهم وعلومهم، ودرسوا اللغات والفلسفات الأخرى، وكوّنوا لهم آراء خاصة اعتمدت على استعمال العقل والمنطق، فظهر النقد عندهم، والنقد يخلق الرأي.

والبيت هو المدرسة عند الجاهليين وعند غيرهم من شعوب ذلك الزمن، فيه يتعلم الطفل، وإليه يرد المعلم لتعليم أولاد الموسرين ما يحتاجون إليه من كتابة وعلم بأجرة تدفع إليه، وفيه قد يتعلم الطفل الكتابة من الرقيق المجلوب الذي كان له حظ من العلم. وفيه تشرف أمه على تربيته وإدارته ما دام صغيرًا، ثم يشرف عليه أبوه فيلقنه شئون الصنعة وأمور الحياة متى تجاوز الخامسة أو السابعة من عمره.

وفي البيوت والطرقات والأزقة يلعب الأطفال، أما الشبان، فقد كانوا يتبارون بالألعاب في الساحات العامة خارج المدن، والقرى في الغالب. يتسابقون بركوب الخيل وبالمصارعة وبالجري وبرمي السهام. وقد يخرجون إلى الصيد ولا يزال أطفال جزيرة العرب يلعبون بعض الألعاب التي كان أطفال الجاهلية وشبانهم يلعبونها قبل الإسلام.

وقد قامت المعابد بدور فعّال ناشط في نشر القراءة والكتابة. وإذا كنا نجهل اليوم موقف معابد الوثنيين من تعليم القراءة والكتابة بها، فإننا لا نستطيع أن ننكر موقف "الكنيس" و"المدراش""المدارس" عند اليهود، و"الكنائس" عند النصارى من تنشيط التعليم وتهيئة الأطفال لتعلم القراءة والكتابة، لخدمة الدين، أو للأغراض التثقيفية والشئون الخاصة بالحياة. وقد قام "المدراش" وقامت الكنيسة بدور فعال في تعليم الناس أمور دينهم وشرح ما ورد في التوراة وفي الإنجيل إلى المؤمنين بهما. فقد كان أحبار يهود "يثرب" وقرى "وادي القرى" يجلسون في المعابد ليفسروا للناس أحكام شريعة يهود.

والمدراس، لفظة عبرانية الأصل، هي "مدرش" Midrash، وتعني بحث وشرح نص1. وقد أطلقت على المكان الذي تدرس فيه التوراة. فصار بمثابة المدرسة، يقصده اليهود للتفقه فيه والتعلم، وقد قصده الجاهليون أيضًا ليسمعوا ما عند يهود. كما قصده المسلمون. وقد كانت لليهود جملة بيوت عبادة يجلس فيها أحبارهم للإفتاء ولشرح الكتب المقدسة لتلامذتهم وللناس. فكانت بيوت عبادة ومدارس للتعليم.

1 Hastings، p. 149.

ص: 294

وقد كان الجاهليون يسألون اليهود عن تواريخ الماضين وقصص الأولين والأنبياء والمرسلين. وعن بعض المشكلات الدينية مثل الحياة بعد الموت وأمثال ذلك مما تعرضت له اليهودية. وقد لجأ إليهم أهل مكة الوثنيون يسألونهم عن أشياء عويصة لليهود علم بها، ليمتحنوا بها الرسول1.

وقد ورد في الأخبار أن "بعض اليهود قد علم كتاب العربية. وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون"2.

وقياسًا على ما نعرفه من تخصيص الكنائس مواضع خاصة ملحقة بالكنائس لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، فإننا نستطيع أن نقول: إن الكنائس التي كانت في جزيرة العرب في نجران مثلًا أو في صنعاء أو في عدن أو في قطر، لم تكن مستثناة من هذه العادة. وإن كنا لا نملك دليلًا نستند إليه في إثبات قيام الكنائس في جزيرة العرب بتعليم الأطفال القراءة والكتابة.

أما بالنسبة لكنائس العرب في العراق، فإن لدينا شواهد بينة تثبت قيام الكنائس بتعليم الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ الدين. وتثبت وجود مكان خاص خصص بالأطفال ليتعلموا فيه. فقد جاء في أخبار "عين التمر" أن خالد بن الوليد لما دخل حصن عين التمر وغنم ما فيه وجد في بيعتهم أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل عليهم باب مغلق، فكسره عنهم3. وذكر أن تلك البيعة كانت في النقيرة من أطراف عين التمر4.

وورد في الأخبار أن من أهل الحيرة من كان يتعلم العربية، يقرأ بها ويكتب ويتفقه ويتأدب، كالذي حدث لزيد والد "عدي بن زيد العبادي"، ولابنه "عدي"، وأن منهم من كان يتعلم الفارسية، إذ فيها جماعة من الفرس، ومنهم من يتعلم الإرمية، لغة "بني إرم"، ومنهم من تعلم العربية والفارسية وأجاد بها كتابة ونطقًا، وتولى الكتابة بهما عند الفرس مثل "عدي بن زيد

1 ابن هشام "1/ 274".

2 فتوح البلدان "479"، المعارف "192"، الطبري "3/ 377"، "دار المعارف"، البلدان "4/ 807 وما بعدها"، الأغاني "2/ 101"، المجدل لعمرو بن متى "31، 35، 41، 44، 49، 71،".

3 الطبري "3/ 377""دار المعارف بمصر".

4 البلدان "4/ 807 وما بعدها".

ص: 295

العبادي" وابنه "زيد بن عدي" وغيرهما من آل "زيد" والعباديين نصارى الحيرة1.

ولما فتح خالد "الأنبار": "رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قومٍ من العرب قبلنا، فكانت أوائلهم نزلوها أيام بختنصر حين أباح العرب، ثم لم تزل عنها، فقال: ممن تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشده قول الشاعر:

قومي إيادٌ لو أنهم أممٌ

أو لو أقاموا فتهزل النعم

قوم لهم باحة العراق إذا

ساروا جميعًا والخط والقلم2

وهو شعر نسب قوله إلى الشاعر "أمية بن أبي الصلت"، ذكر أنه مدح به بني إياد3. ومعنى هذا، أن "بني إياد" كانوا قد عُرفوا بالكتابة في العراق، ولهذا وضعوا هذه القصة في كيفية نشوء الكتابة العربية، وإياد من القبائل العربية القديمة التي نزحت من البحرين إلى العراق.

وقد كان العرب في الأنبار، والحيرة، وعين التمر والمواضع الأخرى يحتمون بأبنية محصنة، يقيم بها ساداتهم، وتكون مواضع دفاعهم أيام الخطر، يقولون لها:"القصور". وقد كانت الحيرة مؤلفة من جملة "قصور"، ولا يزال عرب الفرات يطلقون لفظة "القصر" على المواضع الحصينة المقامة في البادية، لصد غارات المهاجمين، مثل "قصر الأخيضر"، و"قصر العين"، في ناحية "عين التمر". وتحتمي الكنائس وبيوت الناس بهذه القصور، ولما فتح "خالد بن الوليد""عين التمر"، بعث إلى "كنيسة اليهود، فأخذ منهم عشرين غلامًا وصار إلى الأنبار"4، وهو خطأ؛ لأن الذي نجده في الموارد الأخرى، أن "خالد بن الوليد"، لما فتح حصن "عين التمر" وجد في كنيسة جماعة يتعلمون سباهم، فكان من ذلك السبي:"حمران بن أبان بن خالد" التمري،

1 الأغاني "2/ 101".

2 الطبري "3/ 375"، "حديث الأنبار".

3 ابن هشام، سيرة "1/ 48".

4 اليعقوبي "2/ 123"، "النجف 1964".

ص: 296