الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا تلُم المرءَ على شُرْبهِ
…
رحيقَ صِرْفٍ خافضٍ شَانَه
فأنْفَسُ الناس الذي زانَهُ
…
مَلابس الفَخْرِ وإنْ شانه
قال: فلما سلمتُ من سُموم اَنزعاجهِ، وعلمتُ أنّهُ لا يفرق بينَ أبنوسهِ وعاجهِ، ملُتُ إلى تسكينِ عَجاجهِ، وتحريكِ مُجاجهِ، وطَفِقَ هو يقضِّف خَصرَ مخاصمتهِ، وينظِّفُ دارَ دأماءِ منادمتهِ، لئلا يُعمَّنا إعراضٌ، ولا يَغُمُّنا غَضَبٌ وانقراض، ولَمْ يزلْ يُسكّنُ هُوج حَردِهِ ويُثقَّفُ عوجَ لَدَدِهِ، إلى أن أزالَ استيحاشَنا، وضمَّنا مخدعُ المخادعة وإحتاشنا، ثم إنّنا عُجْنَا على تجديدِ درَيسنا، وتخديد خدودِ خندريسِنا، حتى طربَ الحزينُ، واضطربَ العقل الرزين، وجنحت النواقبُ، وملّ القلبُ الناقب ولمّا وصلَ إلى المُقَلِ نصيبُها، وحَصَلَ من سحابِ الوَسن ما كانَ يصيبُها، هَبَّ من رُقادهِ، وشكَر نشوةَ عنقادِه، فسلّمْتُ عليه سلامَ مَنْ عرَجَ في مَعارج دارهِ، ودرجَ في مدارج استهتارهِ، ثم استأذْنتُهُ في ذَهابي، مخافةَ ملل إسهابي، فرمقني بطرفهِ، ورشقني بسهام ظرفهِ، وقالَ لي: يا بنَ جِريال أتطمعُ أن تسهل بلا حَزْنٍ، أو تسكر بهذهِ الدسكرة من غيرِ وزْنٍ، لَا واللهِ حتى تزنَ ما حصك، أو ترهنَ على ثمنِ ما ارتضعتَهُ قُمْصَكَ، أو ما علمتَ أنَّ مثَلَك أرصدُ، وأننّي أحصدُ ولا أزرع، فكيف أزرعُ ولا أحصدُ، فخفِّضْ من بأسِكَ، وسَلِّ نفسَكَ في مخالعةِ لباسكِ، قالَ: فأقبلتُ أقْلبُهُ في قالبِ المزاحةِ، وأسلكُهُ في سُلوكِ الاستراحةِ، وهو يتصلبُ، ويتقلبُ ويتألبُ، إلى أن علمتُ أنَّهُ لا بدَّ من استلابي، وكسفِ بياض صَفَا مصافاتي ولابي، فسمحتُ له بصّرتي، وحسرتُ له ما بين ثنتي وسرّتي، فأبىَ إلاّ أنْ أشفعَها بأثوابي، رهنَاً على رحيق أكوابي، فألقيتُ إليهِ الصّفيَّ، وأظهرتُ له الخفيَّ، وخشيتُ أرشيةَ شرِّهِ، والنّفيَّ، وحينَ عضَضتُ كفي، وقبضت وقفي، وبايعتُ واللجُّ على قفيًّ، لعنت عقبي ذلك التخويلِ، وَذَممت طالعَ ذلك التَّحويلِ، وَجَرِعْتُ عَلْقَمَ ذيّالكَ التَّنويلِ، وخَرجتُ مِنْ بيتهِ وأنا لا أمْلك سوى السراويلِ.
المقامة الثالثة والعشرون المجدية الفارقية
أخبر القاسمُ بنُ جريال، قالَ: مِلْتُ مذ مللتُ مصاحبةَ الحلالِ، ومجانبةَ الظِّلال، ومنادمةِ البيدِ، ومسابرة الأساودِ والسِّيْدِ إلى اعتلاءِ الحشيَةِ، وامتراءِ المشيّةِ، وشراءِ الشّملّةِ الحُوشيةِ، فلم أزل مدَةَ طلب تلك الوتيرةِ، واقتناء الطنافس الوثيرة، وإصلاح السريرة، ونهوض جِحَفْلِ المريرةِ، أجانبُ المنافقينَ، وأشاورُ المرافقين، وأسترشدُ المفارقين، في استيطانِ ميا فارقين، فكلٌّ أجمعَ عليها، وحضني على الورودِ إليها، فحينَ أتختُ بها كَلْكَلَ المَرامُ، ونفختُ في مَعْمَعَةِ ذلك الإضرِام، بادرتُ إلى تحصيلِ ما لَهُ ألويْتُ، واتّصلُ بأناملِ الغَرَض البَيْتُ وكنتُ أيّانَ نشر هذا الإنابِ، وكسرِ سنِّ بابِ النوائبِ والنابِ، سَبْعتُ ستةَ سبعتْ أربابَ الجرائم، وسَعَتْ حولَ أركان كَعْبةِ بيتِ الغنائم: الطويل.
تجودُ بما تَحْوي جِزافاً وتجتَنْى
…
ثِمارَ الثّنا في كلِّ أغبرَ قاتم
ففي كلِّ فكٍّ منهمُ ألفُ خَاتِم
…
وفي كُلِّ كَفِّ منهمُ ألفُ حاتم
قال: فبينما نحنُ ذاتَ يوم نفتحُ أبوابَ جِنانَ الجَذَلِ العِراض، ونسرحُ في سرابيلِ سلامةٍ سالمةٍ من الانقراض، إذ عَطَفَ بعض أصحابهِ، ساحباً جلابيبَ اصطحابهِ، وقالَ: يا ذوي القرائح المهنديّةِ، والمحامدِ المحمديّةِ، ما لكمُ ارتضيتمُ القطيعةَ لَجاجاً، واتخذتُمْ مباعدةَ نزيلَكُم منهاجاً، واعتضتُمْ بالوَشَلِ الأجاج، عن العذْبِ الثجَّاج، وبَنْزرِ الزَّجَاج، عَنِ العَرْفِ العَجَّاج، أو ما علمتمُ أنَّ غِثْيانَ الفُضَلاءِ يوَرِثُ الثوابَ، ومقاطعةَ العلماءِ تعْقُبُ العِقابَ، فإن أحْبَبْتُمْ رَفْوَ ما خرَقْتُم، وطَفْوَ ما أفرقْتُم، فأحدِجُوا له نياقَ القيام، وأطفئوا بهِ سَوْرةَ لَهَب هذا الهُيام، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا عجمتُ أثْلَ نَيْلِ لُبانتهِ، ورأيتُ نَثْلَ نَبلٍ إِبانتهِ، قلتُ لهُ: مَن المُشارُ إليه، والممتارُ من مِيَر هذهِ النباهةِ لديهِ، فقال شيخ ظاهرُ الثطَطِ، بارزُ القَطَطِ، مرتعشُ البَنانِ، منتعش الافتنانِ، تتدفَّقُ بحارُ الحِكَم من معانيهِ، ويتخلق بأخلاقِ المفاخرةِ مَنْ يُدانيهِ، لا يُحلُّ ما لَهُ بُطونَ الرواجب، ولا يُخلُّ مَدَى الأزمنةِ بظهورِ الحَسَنِ الواجبِ، ولم ندرِ بأيِّ المدَرِ دارُه، ولا مِنْ أيِّ الشَّجَرِ خُرفَتْ ثمارهُ ولم نَمكّنْهُ مِنَ الإرقالِ، مُذْ نزلَ عن ناقتهِ المرقَالِ، فحينَ تلقَّيتُ مطائبَ طَابهِ، واستسقيتُ سحائبَ مُستَطابهِ، أيقنْتُ أنَّها صفاتُ شيخِنا المِصْريِّ، ذي المِخْلَب الصائدِ، وناصبِ المصايدِ للعصائدِ، فقلتُ لهم: انهضُوا بنا نَسيرُ، فالرأيُ فيما بهِ يُشيرُ، وأنا في حَلْبتِكُم المؤمَّلُ، والناظرُ بَرْقَ مُزْنِ الإفادةِ المؤِّملُ، ثم إنَّنا استصحَبْنَا غُبَّر الكِيْس، وسِرنا على مِثالِ الإنكيس لنلتمسَ سَلْسالَ ذاكَ النفيس، مِنْ أنفاس ذلكَ الدَّريس، ولما قطعْنا مسافةَ السِّراطِ، وانتفعنَا بسَلِّ ذيّاكَ السُّراطِ، أَلفيتُ أبا نصرِ المِصْريَّ راميَ ذلكَ البِرْطيلِ، وقانصَ صُيودِ تلكَ الأباطيلِ، فبادَرِتُ إليه قبلَ رفاقي، لِما سبقَ مِنْ سَوابقِ اتّفاقي، فعادَ انكيسنا ألحيانا، وشْمِنَا سُحُبَ المَسرَّةِ حين حيَّانا فأحيانا، ثم طفِقَ يمطرُنا بَوْسمِى آياتهِ، ويُتحِفُنَا بوليِّ حُلْوِ حكاياتهِ، حتّى أنسانا شَظفَ العَيْش العنيفِ، وشَغَلنا عن تصنيفِ ثمار التصانيفِ، وحتى مُنِحَ لألفاظه الشافيةِ، بأولِ الوافية الكافيةِ، ثم ما برحٍ يرمي بسهام المسائلِ، ويَعُومُ ببن تيكَ المسائل، لإجابةِ القانع والسائلِ، إلى أن تخلّلَ خِلالَ لَفْظِ ذلكَ الربيع، ذِكْرُ الحَذْفِ منَ صناعة البديع، فقالَ بعضُ مَنْ حضرَ حضرته، وشكرَ مناظرتَهُ: أيها الجوادُ السابحُ، والعهادُ السائح، إنّ قصارىَ ما سمِعْنا، ونَفَحَ أفهامنا فهِمْنا، حَذْفُ ما نُقطَ بوجهِ عَروس البراعةِ الدَّعْجاءِ وعكسُهُ مِن حروفِ الهجاءِ، فهلْ تستطيع بأن تمنحَنا مِنْ فائضِ فضلِك المألوفِ، كلمة تَشتمِلُ على أقلَّ مِن عِدَّه هذهِ الحروفِ، لنجعلها واسطة تِقْصارِكَ معَ اقتصارِكَ وخاتمةَ اَعتصاركَ مَعَ اختصاركَ، فقالَ لَهُ: يا هَذا لَقَدْ شِمْتَ سحاباً غيرَ خُلّب، وهِمْتَ بيَهْمَاءِ صَدْرِ قَلْبٍ قلب، فليبادِرْ مَنْ شَاء باَقتراحهِ، لأجلوَ عليهِ ما يُغْني عَن اَجتلاءِ راحهِ، فإنْ رُمُتم ببِرّةِ النثرِ جذبتُها، وإنْ شِئتمُ بشَذاةِ قاضبِ القريض قضبتُها، قال: فَهَبَّ منهم فتىً أحاطَ عِلْماً بأدواءِ السقيم، وفاقَ الحسَنَ بعلاجهِ الحَسنِ المستقيم، وقالَ له: إنْ أحببت أن أنثَّ وصفَكَ نثاً، وأبثَّ ببنَ الملأ رصفَكَ بَثاً، فانظِمْ لا اَستسمنت غَثاً، جُمْعَ قولي: خُذْ فَظ كَزّ ضِغْثاً، ولستُ في فضلكَ من الممترينَ، ولم نَزَلْ بصَفْوهِ من المسترينَ، فاطفحْ ليستهلِكَ بكَ الحَقينَ، وَعندَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليقينُ، قال الراوي: فحينَ نَضَبَ كلامُ بطاقتهِ وقضبَ قَرَن ما اَقترنَ بطاقتهِ، ضمّرَ خيول طاعتهِ، وتنَمَّرَ عندَ إهراعِ المعاني لإطاعتهِ، ثمَ جعل يُجيلُ حسامَ لسانهِ، لاستخراج نُخبِ حِسانهِ، ويُحَمْلِقُ بحركةِ إنسانهِ، لِجَلوةِ عرائس حُسّانهِ، ولما تَمَّمَ مرامهُ، وحرَّرَ ما رامَهُ، قال: دونكَم روضة الرَّاوِد، وروضةَ الواردِ، فاغتنموا ثُمر هذا الصّرام، واَستلموا حَجَر حِجْرِها
بارحاتِ الاحترام، فالأريبُ من اغتنمَ قمرَ قَدْرِها قبلَ الأفُولِ، وميز بعَيْنِ عَقْلهِ بينَ بَياض التِّجابةِ والفولِ، ثم إنّهُ لين الأفئدةَ واَستمال، وبيَّنَ لاحِبَ حَقْحَقةِ حِقاقِ المحاققةِ وقالَ بعدَ أنْ أعادَ رَبْعَ شَكِّهِ دَكّاءَ وملأ المجلسَ تململاً ومُكاءَ: الخفيف: تِ الاحترام، فالأريبُ من اغتنمَ قمرَ قَدْرِها قبلَ الأفُولِ، وميز بعَيْنِ عَقْلهِ بينَ بَياض التِّجابةِ والفولِ، ثم إنّهُ لين الأفئدةَ واَستمال، وبيَّنَ لاحِبَ حَقْحَقةِ حِقاقِ المحاققةِ وقالَ بعدَ أنْ أعادَ رَبْعَ شَكِّهِ دَكّاءَ وملأ المجلسَ تململاً ومُكاءَ: الخفيف:
خَذّ كفافاً كفاكَ إفْكَ فِظاظٍ
…
أخذَ فَذٍّ إذا أضاءَ ذَكاءَ
ذاكَ ذاكٍ زَكا ففاضَ زَكاءً
…
ذاكَ ذاكٍ ضفَا فغاظَ ذُكاءَ
فكُّ كسفاً أضافَ ألفاً إخاءً
…
كُفَّ كَفّاً أغاث إلفَاً فَفَاءَ
غِثْ فُأفٍّ إذا غَزاكَ كَزاز
…
فِضْ خَضَاضاً إذا أفاضَ غُثَاءَ
قال: فلمّا جَلَوْنا كرائمَ عيْنِها، وبَلَوْنا مَطاعِمَ معَينها، وسُفْنَا مَريْجَ صُوارِهَا، وَرشفنَا مزيج عُقارها، عَلمْنا أنه ذو الفَضْل الطافح، والبنان المُصافح، ثُمَّ إنهُّ رتَكَ إلى مِحْرابهِ، وتركَ كُلاً يَنْتَجعُ وابلَ اقترابهِ، فأرسلْنا إليهِ بهديةِ أثقَلهُ أوقُها، وامتلأتْ بها صُفَّةُ الصِّفَةِ وروقُها، فردَّها إلينا، ومَدَّ حِبالةَ القناعةِ لدينا، وقالَ: أنى أمرح لما تمنحونَ، وتلجونَ له بابَ الحِيَلِ وتفتحونَ، فلسْتُ أجنحُ لما تجْنَحونَ ولا أجْمَحُ للحِرْص الّذي إليه تَجْمَحُونَ، ولا أفرحُ بحُلْوِ الحُطام الذي به تَسْمَحَون، بل أنتمُ بهديتكُم تَفْرحونَ قال: فانطلقَ كلٌّ إلى وكرِهِ، آمناً من حبائلِ مَكْرهِ، مُفْكراً في دَلُوح غرائبهِ، متحيّراً بمَدَدِ لوح سحائبهِ، ولّما رسَخَتْ قَدمُ ساقِ المسرّةِ الريانِ وانسلخَتْ أُهُبُ الظُّلَم عنَ مرابضَ الظّيَّان أقبلنا بمنصُلِ الصلةِ الصقيلِ، معتذرينَ إليهِ من ذلكَ التثقيل، فألفيناهُ قد بلقعَ المكانَ، ودخلَ في خبرِ كانَ، تبكي له الحُجولُ، وينغَقُ لفراقهِ الأعورُ الحَجولُ، وقد أودعَ لناُ جزازةً، غادرتْ بقلوبِ مقلِّبيها حَزازةً، يقبّلُ حسّانُ حُسْنَ فيها، ويقرع حَلْقَهَ بابِها، فإذا به قد كتبَ لقولُ فيها: مَنْ خلَطَ في معاشرته اعْتَلَّ، ومَنْ تسلط علىَ علاج مرض جهالتِهِ أبلَّ، ومَنْ سلكَ سبيلَ الزللِ زَلَّ، ومنْ لَزِمَ زِمامَ بازلِ المذلةِ ذَلّ، ومَنْ ضَرَبَ بحدِّ حُسام حَسَدهِ حَلّ، ومنْ شَدَّ إزارَ أزرِه بغيرِ الأَحدِ اَنْحلًّ، ومَنْ اشتارَ شُهْدَ شافي المُشاهدةِ وسَلّ، وخَشيَ لَسْعَ إبَرِ نحل الملالةِ اَنسَلَّ، قالَ القاسمُ بنُ جِريالٍ: فحينَ حَلَلْنَا حَشاهُ، ورَحَلْنَا برَواحلِ ما أنشأهُ، مدحْنَا ما سَلَفَ مِنْ سُلافتهِ، وَحَمدْنا خَلْعَ خَلع سلطنةِ الشرَهِ وخِلافتهِ، ولم تزلْ تعترفُ لَهُ بما حَظينَ، وأضحيتُ لهم بعدَهُ الحَظينَ، إلى أن شَدَدْتُ الوَضِيْنَ، وخُضْتُ بعدَ مُضِيِّهِ الأرضين.
المقامةُ الرابعةُ والعشرونُ الحَلبيّة روى القاسمُ بنُ جِريال: قالَ: حَلَبْتُ بحَلَبِ أخلافَ العناقيدِ، أيامَ إقبالٍ البطرِ الوَقيدِ، بمُخْدع لا يُخامَرُ بخُمْرةِ هُمومٍ، ولَا يُغادِرُ تَرحاً على فؤادِ مهموم، معْ معشَر جَدعوا أنوفَ نِفاقِهم، واَعتلَقُوا بقُوىَ قَرَن وفاقِهم، لا يُكدِّرُ صَفاءَ مُصاحبتهم مَلالٌ، ولا يُغيِّر وفاءَ موافقتِهم، اختلالٌ، ولا يُلْحَقُون بمباحثةِ رجالٍ، ولا يُرهَقون بمواهقةِ ارتجالٍ، ولا يذوقون عذوفه مُحالِ، ولا يطمعون في ارتحالٍ إلى اَنتحالٍ، فبينما نحنُ نرتعُ في حدائقِ المُطارحاتِ، ونَقْطعُ بَسابسَ المناوحاتِ بالمُصافحاتِ، إذ سَنَحَ لنَا مُجانبةُ الجُدرانِ، واَجتلاء وجوهِ غَرائرِ الغُدْرانِ، بعدَ
أن مَلِلنا بياضَ الغُرَفِ العليَّةِ، ومِلنا إلى مناوحةِ عوائقِ العُرَفِ الجَليَّةِ، فحين حَصَلْنَا الوَرْدَ الجَنيَّ، ولَمحْنا الوِردَ الهَنيَّ، واَحتلسْنا البِساطَ السَّنيَّ، واختلَسْنا المكانَ السَّوْسَنيّ إرتدْنا بُقْعةً اَستكملَ سناها، واَنتثرَ بها لؤلؤ السحائب وسنَاها، ثم أَقبلْنا نتمايحُ تَمايُحَ المِفْراح، وتتغلَّبُ على جَحافلِ الإفراح بالأَفراح، تَمْنَحُنا فنونَ الشَّمائلِ، وتُصافحُنا أناملُ يمينٍ السعادةِ والشَّمائلِ: الكامل:
فكأنَّنا فيهِ البدورُ وروضهُ
…
بَيْنَ الجداولِ مُذْ جَرَيْنَ سمَاءُ
وكؤوسُنا فيها النجوم وزهْرُها
…
يَحكي المجرَّةَ والمُدامُ سناءُ
قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا غامتِ السماءُ، وعاقتْ في بِحَارِ إفصاحِها النُّدماءُ، أقبلَ علينا شيخةٌ ظاهرةُ الشَّمَطِ، مستحسنةُ النَّمَط واهيةَ الطِمْر، وافيةُ الإمْر، تَزُمُّ شيخاً اَستغنى بها عَنْ عصاهُ، ما خالفَ أبا مُرَّةَ قَطُّ ولا عَصاهُ، وتلوهما أطيفالٌ كالنَّسْرِ الطائرِ، تحت عثْير وخْدهما المتطايرِ، تَضَعُ بشعاف فرنجها وجثث بياذق شطرنجَها، فأخذوا يفحصونَ بالصعيد ويحكوَنَ سعفَ الصعيدِ، بصعيدِ ذلَك الصعيدِ، إلى أنْ وصلُوا إلى مُراحنا، واتصلوا بشمُوس رَاحِنا، ولّما قاموا لبسْطِ الكفُوف، وشَامُوا بارقَ الوكوف، وتلبَّبُوا لاقتناص القُرقُوفِ، وتأهَّبُوا للوقوفِ، تأهُّبَ العُمّال لأكلِ الوقوف، تنفَّسَ الشيخ تنفّسَ الكئيبِ، وتحرُّق تحرقَ النازح الحَريبِ، وقالَ: مجَّدَ اللهُ عَرْفَ عُرفكمَ الفائح، وقلَّدَ أعناقَ الأمم بعقودِ جُودِكم والمنائح، ونَّزه عُبابَ عَيْنِ معونتكمَ النضوبِ وضَوّعَ عَبيرَ مَضْرَبِ إفضالِكم الضافي الضرّوبِ، أفُهمكُم وأنتم أولو الأفهام، وأعلُمكِم والرَّؤيةُ كافية عن الإعلامَ، أنّني مِنْ أَشْمَخ شُنْخُوبٍ، وأبْذَخ شُؤْبوبٍ، وأفْصَح فَصيلةٍ، وأفسح وَصيلةٍ، لَمْ أَزلْ رفيعَ العِمادِ، وسيعَ الغُمادِ، مبيَّضَ المَخارق، مُقرَّظ المَرافقِ، أًعطى الطارقَ، وامتطى النّمارقَ، وأنادمُ الشارقَ، وأُصادِمُ البيارق، وأُضْرِعُ الأساودَ، وأُتْرعُ المزاودَ، وأَعْقِرُ الجِران، وأغفرُ الحِرانَ، وأَنحَرُ الرُّبابَ، وأَسْحَرُ الأَلبابَ، فحين بان نزولُ الحَسْرَةِ، وفُلولُ الجسْرَةِ، وحانَ حُلولُ العُسْرةِ، وخُمولُ الأسرةِ، نجمْتُ غُرُّةَ هذا الهلالِ، بسرابيلِ الاستهلالِ قاصداً دارَ السلام. رافلَا في سَنَوَّرِ الاستسلام، فبينا نحن نخِدُ ونَخب، ونُسْئدُ ونَدِبُّ، برزَتْ لنا كتيبةٌ وارفَة لبَصَرِ الرامقِ، متضاعفةُ الزَّردِ واليلامق، فاستدعتِ الكفاحَ، وقد تضوَّعَ تَفَلُ المحاربةِ وفاحَ، فبلتِ النُّحورَ والبنائقَ، واستأصلتِ المُقاربَ والفائقَ، وأسَرتْ مِنّا رجالاً، وصيَّرتِ النساءَ بيننا رجالاً، فلمّا حَبطَ مَنْ نَفَعَ، وهبط ما ارتفعَ، وجَزَمَ مَنْ نَصَبَ، وانجزمَ ما انتصبَ، وقطعَ مَنْ وَصَلَ وانقطعَ ما اتّصلَ، وقلَّ ساعدُ المساعدةِ وفَلَّ، وصلّ لَحُمُ لُحَم المُلاحمةِ، وضَلّ، وحلَّ حُزْنُ حزنِ المجانبةِ وجَلٌّ، وشَرقْنا بتلكَ المُصيبةِ، ورُشقنا بسِهام السَّدرِ المُصيبةِ، وتحنظلت المواردُ وتعطلتِ العوائدِ وضرَعْنا لضغم النوائبِ، وصُرِعْنَا بشدةٍ كاملة الشوائبِ، واَمتطَيْنا بطونَ الشّوامتِ، وبِتْنَا من الشامت بِليلةِ الشوامتِ، أقبلْنا نستعطفُ مَنْ سَفَلَ واعلولَى ونستوكفُ ما رَخُصَ واَغلولَى، وقد قدِمْتُ عليكم بالإفال، بعدَ إعجالِ الإجفالِ، ثِقَةً بحُسْنِ المَصيرِ، وطُول ذَلاذل الذيلِ القَصيرِ، ولظني بأنكم لِحَجِّ هذهِ الحُرَم الحَرَمُ، ومن جَودةِ جُودِكُم تعلّمَ الَكَرَم الكَرمُ، وأنتم رُعاةُ الأوان، وحُماةُ الحَرْبِ العَوان، ثُمَّ إنّهُ مادَ لَاستخراج الركَازِ، وأخذت فرائضُهُ في الاهتزازِ، وأقبلَ إقبال الصَّارم الهَزْهَازِ، وقالَ: الطويل:
ألا قاتلَ اللهُ الزمانَ لأنَّه
…
أخو جنَف ما زالَ في العَهْدِ ناكثا
يُعاندُ أهلَ الفضلِ ظُلماً ولم يَزلْ
…
كثيتَ النّثاشَثنَ الرَّبائثِ حانِثا
زَماناً به يُمسي العَليمُ مضيَّعاً
…
أثيثَ الغُثا إرْثَ الرَّثاثةِ وارثا