الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[باب المبتدأ والخبر] :
هذا باب المبتدأ والخبر:
[تعريف المبتدأ وهو نوعان] :
المبتدأ: اسم أو بمنزلته، مجرد عن العوامل اللفظية أو بمنزلته، مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفىً به.
فالاسم، نحو:"الله ربنا" و"محمد نبينا" والذي بمنزلته، نحو:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم} ، و:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم} 2، و"تسمع بالمعيديِّ خير من أن تراه3.
1 "2" سورة البقرة، الآية:184.
موطن الشاهد: {أَنْ تَصُومُوا} .
وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا مؤولا من "أن وما دخلت عليه" والتقدير: وصومكم خير لكم، وهذا جائز باتفاق؛ لأنه بمنزلة الاسم الصريح.
2 "2" سورة البقرة، الآية:6.
موطن الشاهد: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} .
وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا متصدرا من الفعل، والتقدير: إنذارك وعدمه سواء عليهم، "وسواء": خبر مقدم، وإنذارك: مبتدأ مؤخرا، وعدمه: معطوف عليه.
3 هذا مثل قاله العرب: يضرب لمن يكون خبره والحديث عنه أفضل من مرآه ومنظره، وأول من قاله، هو: المنذر بن ماء السماء، وانظر قصته في مجمع الأمثال للميداني: 1/ 129 برقم: 655.
وقد أورد الجاحظ في البيان والتبيين: 1/ 177، 237، والخزانة: 1/ 151، 2/ 442، 3/ 614، 4/ 408، 499، وأورده ابن برهان في باب "إن".
ولهذا المثل ثلاث روايات، هي:
أ- "لأن تسمع بالمعيديّ خير......" فاللام للابتداء، وأن المصدرية، ولا إشكال في هذه الرواية: لأن المصدر المنسبك من "أن وما بعدها" في تأويل المبتدأ، والحرف موجود في الكلام.
والمجرد كما مثلنا، والذي بمنزلة المجرد، نحو:{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه} 1، و"بحسبك درهم" لأن وجود الزائد كلا وجود، ومنه عند سيبويه:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} 2، وعند بعضهم:"ومن لم يستطع فعليه بالصوم"3.
ب- "تسمعَ بالمعيديّ خير..........." بنصب المضارع بـ "أن" محذوفة، وفي هذه الرواية شذوذ؛ لأن الحرف المصدري ضعيف؛ ومع هذا فقد بقي عمله بعد حذفه.
جـ- "تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه" برفع المضارع "تسمع" بعد حذف "أن"، وهذه الرواية جاءت على الأصل، حيث حذف الحرف الناصب، وزال عمله، وهنا اختلف العلماء في توجيه هذه الرواية، فذهب بعضهم إلى أن الحرف المصدري مقدَّر؛ ليسبك بالفعل، ويؤول بمصدر يقع مبتدأ؛ لأن المبتدأ لا يكون إلا اسما، وذهب آخرون إلى أن الفعل، إذا أريد به مجرد الحدث صح أن يسند إليه، ويضاف إليه، ولا حاجة عند هؤلاء إلى تقدير الحرف المصدري، ويكون من باب استعمال اللفظ في جزء معناه؛ لأن الفعل يدل على الحدث الذي هو مدلول المصدر وعلى الزمان، وقد جرد هنا من الدلالة على الزمان، واقتصر فيه على الجزء الأول الذي هو الحدث.
1 "35" سورة فاطر، الآية:3.
موطن الشاهد: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" حرف جر زائد، أي: اسم استفهام مبتدأ، و"كم" مضاف إليه. المفتون: خبر، وهذا -على رأي سيبويه وأما الأخفش، فيرى أن:"بأيكم": خبر مقدم، والباء بمعنى "في" وليست زائدة، والمفتون:"بمعنى الفتنة" مبتدأ مؤخر، وهو مصدر جاء على وزن اسم المفعول، ومنع ذلك سيبويه؛ لأن صيغة "مفعول" لم تثبت عنده بمعنى المصدر، ولأن سياق الآية يقتضي أن الاستفهام عن تعيين الشخص الذي وقعت عليه الفتنة من المخاطبين؛ لا عن مكان المفتون.
انظر شرح التصريح: 1/ 156.
3 هذه قطعة من حديث نبوي روي في صحيح مسلم، من حديث ابن مسعود، وهو =
والوصف نحو: "أقائم هذان"، وخرج نحو:"نزال"، فإنه لا مخبر عنه ولا وصف، ونحو:"أقائم أبواه زيد"، فإن المرفوع بالوصف غير مكتفىً به، فزيد: مبتدأ، والوصف خبر.
[يشترط في المبتدأ الوصف تقدم نفي أو استفهام] :
ولا بد لوصف المذكور من تقدم نفي أو استفهام1، نحو2:[الطويل]
= بتمامه: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فأنه له وجاء"، البخاري: 4/ 119، 9/ 112، ومسلم: 2/ 1018-1019.
لغة الحديث: الباءة: النكاح، وقيل القدرة على تبعات الزواج. وجاء: مصدر وجأ يجأ، والوجاء: رض عروق البيضتين، حتى تنفضخ، أي: تنفتح وتنعصر، من غير إنزال، فيكون شبيها بالخصاء؛ لكونه يكسر الشهوة.
الإعراب: فعليه: الفاء واقعة في جواب الشرط. "عليه" خبر مقدم. بالصوم: الباء زائدة، الصوم: مبتدأ مؤخر، والتقدير: الصوم واجب عليه، وهذا قول ابن عصفور، وقيل:"عليه": اسم فعل أمر بمعنى "ليلزم" وفاعله مستتر فيه وجوبا. بالصوم: الباء زائدة، الصوم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول اسم الفعل، غير أن هذا الوجه ضعيف لأمرين، الأول: من جهة الصناعة؛ لأن فعل الأمر، يكون عادة للمخاطب، لا للغائب. الثاني: لأن زيادة الباء مع المفعول غير ثابتة، في غير هذا الموضع، حتى يحمل عليها.
وانظر شرح التصريح: 1/ 156.
1 مذهب البصريين إلا الأخفش أن الوصف، لا يكون مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام، كما في المبتدأ، وذهب الأخفش والكوفيون إلى عدم اشتراط ذلك فأجازوا:"قائم" الزيدان، فقائم: مبتدأ، والزيدان: فاعل سد مسد الخبر، والشرط المذكور لاكتفاء الوصف بالفاعل عن الخبر على الأرجح، لا شرط العمل، ومعلوم أن النفي يشمل النفي بالحرف، أو بالاسم، أو بالفعل. وكذا الاستفهام، يشمل الاستفهام بالحرف، أو بالاسم.
انظر شرح التصريح: 1/ 157، وابن عقيل: 1/ 192، وابن عقيل "ط. دار الفكر": 1/ 154، ومغني اللبيب "ط. دار الفكر"723.
2 لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.
64-
خليليَّ ما وافٍ بعهدِّيَ أنتما1
1 تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إذا لم تكونا لي على من أقاطعُ
وهو من شواهد: التصريح: 1/ 157، والأشموني:"136/ 1/ 189"، ومغني اللبيب "958/ 723" وشذور الذهب "84/ 237"، وقطر الندى "38/ 159"، وشرح شواهد المغني: 303 والعيني: 1/ 516، وهمع الهوامع: 1/ 94، والدرر اللوامع: 1/ 71".
المفردات الغريبة: واف: اسم فاعل، من وفى بالعهد، أنجزه ولم يخلفه. عهدي. هو ما بين الرَّجُلَيْن من صداقة وأخوة. أقاطع: أخاصم وأهجر.
المعنى: يخاطب الشاعر صديقيه: إنكما إذا لم تكونا لي على من أعاديه، وإذا لم تقاطعا من أقاطع من الناس؛ من أجلي؛ فإنكما لم تفيا بما بيننا من عهد الصداقة والوداد.
الإعراب: خليلي: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والياء الثانية: مضاف إليه. ما: نافية. واف: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. "بعهدي": متعلق بـ "واف" ومضاف إليه. أنتما: فاعل "واف" سد مسد الخبر: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. لم: جازمة نافية. تكونا: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ "لم" والألف: اسمه. "لي": متعلق بـ "تكونا". "على من": متعلق بمحذوف خبر "تكونا" الناقص. أقاطع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، و"الجملة": صلة الموصول "من" لا محل لها، والعائد إلى الاسم الموصول ضمير نصب محذوف، والتقدير على من أقاطعه، وجملة:"لم تكونا لي على من أقاطع": في محل جر بالإضافة بعد إذا، وجواب إذا محذوف، لدلالة الكلام السابق عليه، وتقدير الكلام، إذا لم تكونا لي على من أقاطع فما واف بعهدي أنتما.
موطن الشاهد: "ما واف..... أنتما".
وجه الاستشهاد: مجيء "أنتما" فاعلا سادا مسد الخبر بعد المبتدأ الوصف "واف" المسبوق بالنفي، فهو اسم فاعل من فعل "وفى". وفي البيت شاهد آخر على أن الضمير البارز الواقع فاعلا بعد الوصف، يسد مسد الخبر كالاسم الصريح تماما، خلافا لبعض النحويين الذين لا يجوزون وقوع الضمير سادا مسدا الخبر، ومن هؤلاء الزمخشري، وابن الحاجب، حيث شرط أن يكون المرفوع اسما ظاهرا.
انظر شرح التصريح: 1/ 157.
ونحو1: [البسيط]
65-
أقاطنٌ قوم سلمى أم نَوَوْا ظَعَنَا2
1 لم ينسب إلى قائل معين.
2 تخريج الشاهد:
هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
وهو من شواهد: التصريح: 1/ 157، والأشموني:"134/ 1/ 89" والعيني: 1/ 512، وشذور الذهب:"85/ 238"، وقطر الندى:"39/ 160".
المفردات الغريبة: قاطن: "اسم فاعل من قطن بالمكان" إذا أقام فيه، ظعنا "بفتح العين": الاسم من ظعن، ومعناه: ارتحل، والظعن "بسكون العين": هو مصدر الفعل، ويقال: الساكن والمتحرك كلاهما مصدر، ويجوز أن يكون أصله السكون، وفتحت العين؛ لأنها حرف حلق، كما في البحر والشعر.
المعنى: يتساءل الشاعر: أمقيم وباقٍ قوم سلمى في مكانهم الذي أعهده؟ أم عزموا السفر والرحيل؟ ثم قال: إن يسافروا ويتركوا ديارهم ومنازلهم، فستكون حياة من يبقى ويتخلف عنهم عجيبة غريبة.
الإعراب: أقاطن: الهمزة حرف استفهام، قاطن: مبتدأ مرفوع. قوم: فاعل سد مسد الخبر. سلمى: مضاف إليه. أم: حرف عطف. نووا: فعل ماضٍ وفاعل. ظعنا: مفعول به لـ "نوى" إن: حرف شرط جازم. يظعنوا: فعل مضارع مجزوم، وهو فعل الشرط، والواو: فاعل: فعجيب: الفاء رابطة لجواب الشرط. عجيب: خبر مقدم. عيش: مبتدأ مؤخر. من: اسم موصول، مضاف إليه. قطنا: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل هو. و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، وجملة "المبتدأ والخبر" في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "أقاطن قوم".
وجه الاستشهاد: مجيء اسم الفاعل "قاطن" مبتدأ؛ لاعتماده على الاستفهام بالهمزة، فاستغنى بمرفوعه "قوم" عن الخبر، وهذا جائز بالإجماع.
فائدة: لا يجوز إعراب "قاطن" خبرا مقدما، و"قوم" مبتدأ مؤخرا؛ لأن لفظة "قوم" تدل على معنى الجمع، بسبب كونه اسم جمع، و"قاطن"، مفرد، ولا يجوز أن يأتي المفرد خبرا عن الجمع، ولا عما يدل عليه.
خلافا للأخفش والكوفيين1، ولا حجة لهم في نحو:1 [الطويل]
66-
خبيرٌ بنو لهب فلا تك ملغيا3
1 ذهب الكوفيون، والأخفش، وابن مالك في الألفية إلى أنه يجوز أن يرفع الوصف فاعلا أو نائب فاعل مكتفىً به، وإن لم يعتمد هذا الوصف على نفي أو استفهام، وعبارة الناظم:
..................... وقدْ
…
يجوز نحو: فائز أولو الرَّشَدْ
لكن المؤلف، لم يشر إلى ذلك، وقد أشرنا إلى هذا سابقا.
التصريح: 1/ 157.
2 ينسب هذا البيت إلى رجل من طيئ، ولم يعينه أحد من النحاة.
3 تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
مقالة لِهبيٍّ إذا الطير مرَّتِ
وهو من شواهد: التصريح: 1/ 157، وابن عقيل:"41/ 1/ 195"، والأشموني: "139/ 1/ 90.
المفردات الغريبة: خبير: من الخبرة. وهي العلم بالشيء. بنو لهب: جماعة من بني نصر من الأزد، يقال: إنهم أزجر قوم، وأعيفهم وأعرفهم، بما تدور عليه حركات الطير. ملغيا: من الإلغاء، يقال: ألغيت كلامه إذا عددته ساقطا.
المعنى: إن بني لهب يعلمون زجر الطير، ويعرفون مهابطه، وما تدل عليه أصواته وحركاته حين يمر، فإذا أخبرك لهبي بشيء من ذلك فصدقه، ولا تلغِ قوله.
الإعراب: خبير: مبتدأ، وقد سوغ الابتداء به، وهو نكرة، أنه عامل فيما بعده. بنو: فاعل "خبير" سد مسد الخبر، وبنو ملحق بجمع المذكر السالم. لهب: مضاف إليه. فلا: الفاء عاطفة، لا: ناهية. تكُ: مضارع ناقص مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا، واسمه: أنت. ملغيا: خبر "تك" منصوب، وفيه فاعل مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل. مقالة: مفعول به لـ "ملغيا" لهبي: مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط. الطير: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. والجملة من "الفعل المحذوف والفاعل": في محل جر بالإضافة، وهي جملة الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة السياق عليه، والتقدير، إذا مرَّتِ الطير فلا تك ملغيا. مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، والجملة مفسرة، لا محل لها.
موطن الشاهد: "خبير بنو لهب".
وجه الاستشهاد: استدل الكوفيون والأخفش بهذا الشاهد على مجيء "خبير" مبتدأ، لكونه وصفا عاملا فيما بعده، من دون أن يعتمد على نفي أو استفهام؛ لأنهم لا يشترطون ذلك، وعليه فـ "بنو" فاعل سدَّ مسدَّ الخبر، غير أن البصريين عدا =
خلافا للناظم وابنه، لجواز كون الوصف خبرا مقدما، وإنما صح الإخبار به عن الجمع لأنه على فعيل، فهو على حد:{وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} 1.
وإذا لم يطابق الوصف ما بعده تعيَّنت ابتدائيته، نحو:"أقائم أخواك"، وإن طابقه في غير الإفراد تعينت خبريته، نحو:"أقائمان أخواك"، و"أقائمون إخوتك"، وأن طابقه في الإفراد احتملهما، نحو:"أقائم أخوك"2.
= الأخفش يرون أن "خبير": خبر مقدم، و"بنو": مبتدأ مؤخر، وهذا الراجح لدى جمهور العلماء، ورد البصريون على من قال: إنه يشترط أن يتطابق المبتدأ والخبر في الإفراد والتثنية والجمع، وهنا لا تطابق بين "خبير" و"بنو" فالجواب: أن "خبير" جاءت على زنة المصدر، والمصدر: يخبر به عن الواحد، والمثنى، والجمع بلفظ واحد، وقد وردت صيغة "فعيل" مخبرا بها عن الجماعة، كما في قوله تعالى:{وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} وقول الشاعر:
هن صديق للذي لم يشب
وفي هذا، إبطال لحجة الكوفيين والأخفش، انظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: 1/ 158، وحاشية الصبان: 1/ 192.
1 "66" سورة التحريم، الآية:4.
موطن الشاهدَّ: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "ظهير" خبرا لـ "الملائكة" وجاز الإخبار بـ "ظهير" لأنه على وزن فعيل" الذي على زنة المصدر، وكما يجوز الإخبار بالمصدر، يجوز الإخبار بما يوازنه.
2 يتضح مما سبق أن للوصف مع مرفوعه ثلاثة أحوال هي:
أ- أن يتعين كون الوصف خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرا؛ وذلك إذا كان الوصف والمرفوع، إما مثنيين، نحو:"أقائمان أخواك"؟، وإما مجموعين، نحو:"أقائمون إخوانك"، والسبب في عدم مجيء الوصف مبتدأ في هذه الحال، والمرفوع فاعلا له أغنى عن الخبر؛ لأن العامل في الفاعل لا تتصل به علامة تثنية ولا جمع على الفصيح من لغات العرب.
ب- أن يتعين كون الوصف مبتدأ، والمرفوع فاعلا، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مثنى، أو جمعا، نحو: أقادم صديقاك؟ و: أذاهب أعمامك؟ والسبب في عدم جعل الوصف خبرا في هذه الحال، أنه لا يجوز الإخبار بالمفرد عن المثني والجمع.
ج- جواز الأمرين، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مفردا أيضا، فيجوز اعتبار الوصف مبتدأ، ومرفوعه سد مسد الخبر، أو يكون خبرا مقدما، والمرفوع مبتدأ مؤخرا. راجع التصريح. 1/ 158، وابن عقيل: 1/ 157- 158.
وارتفاع المبتدأ بالابتداء، وهو التجرد للإسناد، وارتفاع الخبر بالمبتدأ، لا بالابتداء، ولا بهما، وعن الكوفيين أنهما ترافعا1.
[تعريف الخبر وأنواعه] :
والخبر الجزء الذي حصلت به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور، فخرج فاعل الفعل، فإنه ليس مع المبتدأ، وفاعل الوصف2.
وهو: إما مفرد3، وإما جملة. والمفرد: إما جامد4 فلا يتحمل ضمير
1 مذهب سيبويه، وجمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالابتداء، فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجردا عن العوامل اللفظية غير الزائدة، وما أشبهها واحترز بغير الزائدة، من مثل:"بحسبك درهم" فـ "حسبك": مبتدأ، وهو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، ولم يتجرد عن الزائدة؛ لأن "الباء" الداخلة عليه زائدة، واحترز "بشبهها" من مثل:"رب رجل قائم"، لأن رب حرف جر شبيه بالزائد، فـ "رجل: مبتدأ"، وقائم: خبره"، ويدل على ذلك رفع المعطوف عليه، نحو:"رب رجل قائم وامرأة".
- والعامل في الخبر لفظي، وهو المبتدأ. وهذا مذهب سيبويه رحمه الله.
- وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، فالعامل فيهما معنوي.
- وقيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدأ.
- وقيل: ترافعا، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ، وأن المبتدأ رفع الخبر.
وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه، وهو الأول، وهذا الخلاف مما لا طائل فيه. انظر ابن عقيل: 1/ 159. وشرح التصريح: 1/ 158- 159.
2 أي: فلا يسمى خبرا وإن حصلت به فائدة مع المبتدأ؛ لأن هذا المبتدأ هو الوصف المذكور، وإنما يسمى فاعلا سد مسد الخبر.
3 المراد بالمفرد: ما ليس جملة ولا شبه جملة، فيشمل المثنى والجمع، والمركب بأنواعه المعروفة.
4 أي: غير مشتق، وهو ما لم يُصَغْ من مصدر للدلالة على متصف به، ولا يشعر بمعنى الفعل الموافق له في مادته، فيشمل أسماء الزمان، والمكان، والآلة.
المبتدأ، نحو:"هذا زيد"، إلا إن أُوِّل بالمشتق، نحو:"زيد أسد"، إذا أريد به شجاع2، وإما مشتق فيتحمل ضميره، نحو:"زيد قائم"، إلا أن رفع الظاهر، نحو:"زيد قائم أبواه"3، ويبرز الضمير المتحمل إذا جرى الوصف على غير من هو له، سواء ألبس، نحو: غلام زيد ضاربه هو"4 إذا كانت الهاء للغلام5، أم لم يلبس، نحو: "غلام هند ضاربته هي"6، والكوفي إنما يلتزم الإبراز عند الإلباس، تمسكا بنحو قوله7:[البسيط]
1 ولا يرفع كذلك ضميرا بارزا، ولا اسما ظاهرا بعده.
2 أو: قَلْب السفَّاح حَجَر، أي: قاسٍ، لا رحمة فيه، وهكذا.
3 أو رفع كذلك ضميرا بارزا، نحو: الخير أنت مقدم عليه. وفي الخبر المفرد، يقول ابن مالك:
والمفرد الجامد فارغ، وإن
…
يشتق فهو ذو ضمير مستكن
أي: الخبر المفرد نوعان، جامد ومشتق، فالجامد: فارغ من الضمير، ومشتق: فيه ضمير مستكن، أي: مستتر.
4 أي: إذا كان الوصف الواقع خبرا صفة لغير مبتدئه.
5 ضاربه: وصف في المعنى لـ "زيد"؛ لأنه هو الضارب للغلام، وقد جرى على الغلام؛ لأنه خبر عنه، فلو لم يبرز الضمير المستتر في "ضاربه" لتوهم أن الغلام، هو الضارب لـ "زيد"، فينقلب المعنى، وفي هذه الحالة، يتعين أن يكون الضمير البارز فاعلا أو نائب فاعل بحسب نوع الوصف؛ لأن جريانه على غير صاحبه، يمنع استتاره، فترجع إليه حالته الأولى، ولا يعرب توكيدا للضمير المستتر. شرح التصريح: 1/ 161- 162.
6 جرى الوصف "ضاربته" على غير ما هو له، وهو الغلام، ولكن تاء التأنيث، تدل على أن الوصف في المعنى لـ "هند" وفي هذا، يقول الناظم:
وأبرِزَنْه مطلقا حيث تلا
…
ما ليس معناه له محصلا
أي: أبرز الضمير الرابط مطلقا سواء أمن اللبس أم لم يؤمن إذا وقع الخبر بعد مبتدأ، لا يكون معنى هذا الخبر محصلا أي حاويا لمعناه، وذلك إذا كان الخبر جاريا على غير ما هو له، ويستوي في توقع الإلباس عند عدم القرينة: الوصف والفعل ماضيا أو مضارعا، نحو: محمد علي أكرمه، أو يكرمه، ففي كل من الفعلين ضمير مستتر، وآخر بارز، يصح عودهما إلى الاسمين، ومن القرائن هنا حروف المضارعة، وضمائر الرفع البارزة راجع شرح التصريح: 1/ 162، وابن عقيل، 1/ 164.
77 لم يعرف قائله.
67-
قومي ذرا المجد بانوها.......... 1
والجملة إما نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، نحو:{هُوَ اللَّهُ أَحَد} 2 إذا قُدِّر "هو" ضمير شأن، ونحو: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ
1 تخريج الشاهد: تمام البيت هو:
قومي ذرا المجد بانوها، وقد علمت
…
بكنه ذلك عدنان وقحطان
وهو من شواهد: التصريح: 1/ 162، وابن عقيل:"42/ 1/ 208" والأشموني: "143/ 1/ 93"، والعيني: 1/ 157.
المفردات الغريبة: ذرا: جمع ذروة، وذروة الشيء: أعلاه. المجد: الكرم. بانوها: اسم فاعل من البناء، وبانون أصله بانيون أعلَّ إعلال قاضيون. كنه: حقيقة ونهاية الشيء، عدنان: أبو معد. قحطان: أبو اليمن.
المعنى: يفخر الشاعر بأن قومه هم الذين أسسوا أعالى المجد والشرف، وقد علمت بحقيقة ذلك قبيلتا عدنان وقحطان، ويريد العرب جميعا.
الإعراب: قومي: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذرا: مبتدأ ثانٍ، وهو مضاف. المجد: مضاف إليه بانوها: خبر المبتدأ الثاني، و"ها" مضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث "بكنه": متعلق بـ "علمت"، وكنه مضاف. ذلك: مضاف إليه واللام للبعد، والكاف للخطاب. عدنان: فاعل علمت. وقحطان: معطوف عليه مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "قومي ذرا المجد بانوها".
وجه الاستشهاد: وقوع "بانوها" خبرا لـ "ذرا"، وهو في المعنى عائد إلى "قومي"؛ لأنهم هم البانون، ولم يبرز الضمير؛ لأمن اللبس؛ لأن "الذرا" مبنية لا بانية، ولو أبرزه، لقال: بانيها هم، حيث إن الوصف كالفعل يفرد إذا أسند إلى المثنى والجمع، ويجوز على غير الفصحى: بانوها هم، والكوفيون يجيزون عدم إبراز الضمير عند أمن اللبس فقط، كما في هذا المثال، وأما البصريون، فيوجبون إبراز الضمير في كل حال، ويعدون هذا الشاهد غير موافق لقياس، فهو شاذٌّ، ومعلوم أن الشاذَّ، يحفظ، ولا يقاس عليه، وقد أعرب بعضهم "ذرا المجد" منصوبا بوصف محذوف، يفسره الوصف المذكور، والتقدير: بانوا ذرا المجد بانوها.
انظر شرح التصريح: 1/ 162.
2 "112" سورة الإخلاص، الآية:1.
موطن الشاهد: "هو الله أحد".
وجه الاستشهاد: مجيء "الله أحد" خبرا لـ "هو" وهي عينه في المعنى؛ لأنها مفسرة له، والمفسر عن المفسر، أي الشأن الله أحد، ولما كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، وهذا، على اعتبار "هو" ضمير الشأن، وأما إذا قدر ضمير المسؤول عنه، فخبره مفرد وهو "الله" وأحد خبر ثان، أو بدل.
كَفَرُوا} 1، ومنه "نطقي: الله حسبي" لأن المراد بالنطق المنطوق به.
وإما غيره فلا بد من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مسوقة له2، وذلك بأن تشمل على اسم بمعناه، وهو إما ضميره مذكورا نحو:"زيد قائم أبوه"، أو مقدرا نحو:"السمن منوان بدرهم"، أي: منه، وقراءة ابن عامر3: "وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ
1 "21" سورة الأنبياء، الآية:97.
موطن الشاهد: {هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} .
وجه الاستشهاد: "هي" ضمير قصة "الشَّأْن" مبتدأ. وشاخصة: خبر مقدم، وأبصار الذين كفروا: مبتدأ مؤخر، وجملة "أبصار الذين كفروا شاخصة" في محل رفع خبر "هي" ومعلوم أنها عين "هي" في المعنى، والتقدير: فإذا القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، ولذا فهي لا تحتاج إلى رابط.
2 يشترط في الجملة الواقعة خبرا ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مشتملة على رابط، يربطها بالمبتدأ، وقد فصل المؤلف الكلام فيه.
الثاني: ألا تكون الجملة ندائية، فلا يجوز أن تقول: محمد يا أعدلَ الناس، على أن تكون جملة "يا أعدل الناس": خبرا عن محمد.
الثالث: ألا تكون مصدَّرة بأحد الحروف: "لكن، وبل، وحتى".
وقد أجمع النحاة على ضرورة استكمال جملة الخبر لهذه الشروط الثلاثة، وزاد ثعلب شرطا رابعا، وهو ألا تكون جملة الخبر قسمية، وزاد ابن الأنباري، ألا تكون إنشائية، والصحيح عند الجمهور صحة وقوع القسمية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد والله إن قصدته ليعطينك، كما أن الصحيح عند الجمهور جواز وقع الإنشائية خبرا للمبتدأ كأن تقول: زيد اضربه. وذهب ابن السراج إلى أنه إن وقع خبر المبتدأ جملة طلبية، فهو على تقدير "قول" فالتقدير عنده في المثال الذي ذكرناه: زيد مقول فيه: اضربه، تشبيها للخبر، بالنعت، وهو غير لازم عند الجمهور في الخبر، وإن لزم في النعت، وفرقوا بين الخبر والنعت بأن النعت يقصد منه التمييز، فيجب أن يكون معلوما قبل الكلام، والخبر يقصد منه الحكم، فلا يلزم أن يكون معلوما قبل الكلام. أوضح المسالك: 1/ 197 حا: 3.
3 ابن عامر: هو أبو عمران، عبد الله بن عامر الدمشقي، أمام أهل الشام في القراءة، وأسن القراء السبعة، قرأ على جماعة من الصحابة، وقيل: إنه قرأ على عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولد سنة 21هـ، وتوفى بدمشق سنة 118هـ.
طبقات القراء لابن الجوزي: 1/ 423، والعبر: 1/ 149.
الْحُسْنَى"1، أي: وعده، أو إشارة إليه نحو: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر} 2، إذا قدر "ذلك" مبتدأ ثانيا، لا تابعا للِبَاس.
قال الأخفش: أو غيرهما3، نحو:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين} 4، أو على اسم بلفظه ومعناه، نحو: {الْحَاقَّةُ،
1 "57" سورة الحديد، الآية:10.
قرأ ابن عمر "كل" بالرفع، وقرأ الباقون "كلا" بالنصب. تفسير القرطبي: 17/ 241، والبحر المحيط: 8/ 219.
موطن الشاهد: "وكُلٌ وَعَد اللهُ الحُسنَى".
وجه الاستشهاد: مجيء "كل" مبتدأ على قراءة ابن عامر وجملة "وعد الله الحسنى": في محل رفع الخبر، والرابط بينهما الضمير المقدر المنصوب بـ "وعد" على أنه مفعول الأول، أي: وعده الله، وأما على قراءة النصب فلا شاهد فيها.
2 "7" سورة الأعراف، الآية:26.
قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر والكسائي "ولباس" بالنصب عطفا على "لباس" المنصوب بـ "أنزلنا" وقرأ الباقون "ولباس" بالرفع على الابتداء والقطع مما قبله، وذلك: صفة أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، و"خبره" خبره، النشر: 259، والاتحاف: 223، والمشكل: 1/ 309-310.
موطن الشاهد: {لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "ذلك" مبتدأ ثانيا، و"خير" خبره، والجملة خبر المبتدأ "لباس" الرابط بينهما الإشارة إلى المبتدأ بـ "ذلك".
3 أي: غير الضمير والإشارة، كإعادة المبتدأ بمعناه، كما في الآية التالية.
4 "7" سورة الأعراف، الآية:170.
موطن الشاهد: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الذين" مبتدأ، وجملة "يمسكون بالكتاب": صلة، وأقاموا الصلاة، معطوفة على الصلة، والخبر: جملة "إنا لا نضيع أجر المصلحين"، ومعلوم أن "المصلحين" في المعنى، هم الذين يمسكون بالكتاب، ويقيمون الصلاة فأعاد المبتدأ بمعناه، وهذا هو الرابط المشار إليه، وقيل: إن الرابط محذوف، والتقدير: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، وحذف الرابط المجرور جائز باتفاق، أو الرابط العموم؛ لأن المصلحين أعم من الذين يمسكون بالكتاب، وقيل: إن الذين يمسكون في موضع جر بالعطف على "للذين يتقون". انظر شرح التصريح: 1/ 165.
مَا الْحَاقَّةُ} 1، أو على اسم أعم منه، نحو:"زيد نعم الرجل"2 وقوله3: [الطويل]
68-
فأما الصبر عنها فلا صبرا4.
1 "69" سورة الحاقة، الآية: 1-2.
موطن الشاهد: {الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الحاقة" مبتدأ، و"ما" مبتدأ ثانيا، والحاقة "الثانية" خبرا لـ "ما"، الجملة" في محل رفع خبر "الحاقة" الأولى، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه.
2 ففي الرجل عموم يشمل زيدا وغيره.
3 القائل هو: ابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، وقد مرت ترجمته.
4 تخريج الشاهد: هذه قطعة من بيت، وهو بكماله:
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر
…
سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبرا
وهو من شواهد، التصريح: 1/ 165، وهمع الهوامع: 1/ 98، والدرر اللوامع: 1/ 74 والكتاب لسيبويه: 1/ 193، وأمالي ابن الشجري: 1/ 186، 2/ 349، والعيني: 1/ 523 ومغني اللبيب "884/ 650" وشرح شواهد المغني: 296، والأغاني: 2/ 89، وزهر الآداب:717.
المفردات الغريبة: ليت شعري: الشعر مصدر شعر بمعنى علم وفطن، والشعر: العلم، والمعنى، ليتني أشعر، أي: أعلم أم جحدر: كنية محبوبته.
المعنى: يتمنى الشاعر أن يجد جوابا لسؤاله، أهناك سبيل لوصول إلى أم جحدر ولقائها؟؛ لأن شوقه إليها شديد، ولا يستطيع الصبر على فراقها، والبعد عنها.
الإعراب: شعري: اسم "ليت" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر ليت محذوف، والتقدير: ليت شعري حاصل. "إلى أم": متعلق بمحذوف خبر مقدم. سبيل: مبتدأ مؤخر. فأما: حرف شرط وتفصيل. الصبر: مبتدأ. "عنها" متعلق بـ "الصبر". فلا الفاء واقعة في جواب "أما"، لا "نافية للجنس. صبرا: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: لا صبر لي. وجملة "لا صبر لي": في محل رفع خبر المبتدأ "الصبر".
موطن الشاهد: "أما الصبر فلا صبر".
وجه الاستشهاد: مجيء "لا صبرا" خبرا لـ "الصبر" الواقع بعد "أما"، والرابط بينهما العموم؛ لأن النكرة الواقعة بعد النفي، تفيد العموم، فبقوله:"لا صبرا" نفي الصبر بمختلف أنواعه، ومنه الصبر" الواقع مبتدأ.
وفي البيت شاهد آخر على مجيء الفاء الزائدة في خبر المبتدأ الواقع بعد "أما"، وحكم اقتران الفاء بالخبر في هذه الحالة الوجوب.
[وقوع الخبر شبه جملة] :
ويقع الخبر ظرفا1، نحو:{وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُم} 2، ومجرورا نحو:{الْحَمْدُ لِلَّه} 3، والصحيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف4، وأن
1 معلوم أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق، وهذا المتعلق؛ إما أن يكون عاما، وإما أن يكون خاصا.
فإذا كان المتعلق خاصا، فإما أن تدل عليه قرينة، وأما لا، فإن دلت عليه قرينة، نحو: متى يسافر أخوك؟ فتقول: محمد غدا، وأحمد بعد غد، فسامع الكلام، يفهم أن المراد: محمد مسافر غدا، وأحمد مسافر بعد غد، وفي هذه الحال، يجوز حذف المتعلق، وأما إن لم تدل عليه قرينة، لم يجز حذفه، نحو: خالد مسافر اليوم.
وأما إن كان المتعلق عاما، سمِّي الظرف مستقرا، ووجب حذف هذا المتعلق، وسمِّي كل من الظرف، والجار والمجرور خبرا؟ ومن هذا ندرك أن "الظرف" و"الجار والمجرور". لا يقال: إنهما خبر، إلا أن يكون متعلقهما عاما، وأن هذا المتعلق العام واجب الحذف.
2 "8" سورة الأنفال، الآية:42.
موطن الشاهد: {الرَّكْبُ أَسْفَلَ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الركب" مبتدأ، و"أسفل" واقعا موقع الخبر؛ لأنه متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: والركب كائن أسفل، أو مستقر أسفل منكم.
3 سورة الفاتحة، الآية:1.
موطن الشاهد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الجار والمجرور" متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: الحمد كائن لله.
فائدة: يشترط في الظرف والجار والمجرور أن يكونا تَامَّيْن، يحصل بالإخبار بهما فائدة بمجرد ذكرهما، فلا يصح: العلم مكانا، ومحمد بك، لعدم الفائدة.
4 قيل في هذه المسألة: إن الخبر هو نفس الظرف والجار والمجرور وحدهما؛ لأنهما يتضمنان معنى صادقا على المبتدأ وقيل: إن الخبر، هو مجموع الظرف أو الجار والمجرور مع متعلقهما والمتعلق جزء من الخبر، واختار هذا الرأي المحقق الرضي، وقيل: إن الخبر هو المتعلق المحذوف، وهو ما ارتضاه المؤلف هنا، وذكر أنه صحيح.
التصريح: 1/ 166.
تقديره كائن أو مستقر، لا كان أو استقرَّ، وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور كقوله1:
69-
فإن فؤادي عندك الدهرَ أجمعُ2
1 القائل هو: جميل بن عبد الله بن معمر العذري: المعروف بجميل بثينة، يكنى أبا عمرو، أحد عشاق العرب المشهورين، وأكثر أشعاره في بثينة والغزل، وله شعر في الهجاء مع ابن قطبة ابن عم بثينة، مات سنة 108هـ.
تجريد الأغاني: 3/ 930، المؤتلف: 72، الشعر والشعراء: 1/ 434 ابن خلكان: 1/ 143.
2 تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
فإن يك جثماني بأرض سواكم
والبيت من قصيدة لجميل، مطلعها:
أهاجك أمْ لا بالمداخل مربع
…
ودار بأجراع الغديرين بلقع
والبيت من شواهد: التصريح: 1/ 166، والأشموني:"144/ 1/ 93، وهمع الهوامع: 1/ 99، والدرر اللوامع: 1/ 75، وأمالي ابن الشجري: 1/ 5، 330، وأمالي القالي: 1/ 217، وسمط اللآلي: 505، والعيني: 1/ 525، وخزانة الأدب: 1/ 190 ومغني اللبيب: "812/ 579"، وشواهد السيوطي: 286، وديوان جميل: 118، وديوان كثير: 1/ 33.
المفردات الغريبة: جثماني: قال ابن منظور: "الجثمان بمنزلة "الجسمان" جامع لكل شيء، يريد به جسمه وألواحه، ويقال: ما أحسن جثمان الرجل وجسمانه، تريد ما أحسن جسده، بأرض سواكم: "يروى بالإضافة، وبتنوين أرض، في بعض الروايات": بأرض بعيدة.
المعنى: يقول الشاعر لمحبوبته: إن كانت أجسامنا متباعدة وكنت مقيما في أرض غير أرضكم، فإن قلبي مقيم عندك لا يفارق أرضك ما بقي الدهر، ولا يغادرك، يعني أنه مقيم على حبها، ولا ينصرف عنها إذا ما ابتعد عنها.
الإعراب: فإن: الفاء عاطفة. إن: شرطية جازمة. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة. جثماني: اسم "يك" ومضاف إليه. "بأرض": متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: فإن يك جثماني كائنا بأرض
ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني1، نحو:"الصوم اليوم"، و"السفر غدا" لا عن أسماء الذوات، نحو:"زيد اليوم"، فإن حصلت فائدة جاز: كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا2، نحو:"نحن في شهر كذا"، وأما نحو:"الورد في أيار"3، و"اليوم خمر" و"الليلة الهلال"، فالأصل: خروج الورد، وشرب خمر، ورؤية الهلال.
= سواكم: مضاف إليه؛ لأن "أرض" غير منونة، وأما إذا نونت فـ "سواكم" صفة. فإن: حرف مشبه بالفعل. فؤادي: اسم "إن" ومضاف إليه "عند": متعلق بمحذوف الخبر، والكاف: مضاف إليه: الدهر: متعلق بالخبر المحذوف. أجمع: توكيد للضمير المستكن في الظرف.
موطن الشاهد: "أجمع".
وجه الاستشهاد: مجيء "أجمع" توكيدا مرفوعا للضمير المنتقل إلى الظرف، وهو "عندك"؛ لأنه، لا يصح أن يكون توكيدا لـ "فؤادي" ولا لـ "عند" ولا "للدهر"؛ لأن هذه الألفاظ منصوبة، و"أجمع" مرفوعة، والمرفوع، لا يكون توكيدا للمنصوب، وفي الوقت نفسه، فلا يجوز أن يكون توكيدا لمحذوف؛ لأن التوكيد، ينافي الحذف، فلم يبق إلا أن يكون توكيدا للضمير المستكن في الظرف الواقع متعلقه خبرا؛ لأن هذا الضمير مرفوع على الفاعلية.
وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: 1/ 166.
1 يخبر بالزمان عن أسماء المعاني؛ لأن اسم المعنى عبارة عن حركات وأفعال، وهي غير مستمرة الوجود، بل قد تحدث، وقد لا تحدث، وهي تحدث في زمان دون زمان؛ ومن أجل هذا كان الإخبار عن وجودها في زمان ما مفيدا، كقولنا: السفر غدا، ولهذا أجازوا الإخبار بالزمان عن اسم المعنى، من غير قيد؛ لأن الفائدة حاصلة دائما، وأما الإخبار بالزمان عن الذات، فاشترطوا فيه حصول الفائدة؛ وذلك لأنه لا فائدة في الإخبار بالزمان عن أسماء الذوات غالبا؛ لأن نسبتها إلى الأزمان كلها واحدة، بخلاف الأحداث التي لا بد لها من زمن.
وأما المكان، فيخبر به مطلقا عن أسماء الذوات والمعاني متى حصلت الفائدة.
2 يكون التخصص بصفة، كقولنا: نحن في يوم حار، أو بإضافة، نحو: نحن في شهر الصوم، أو بعلمية، نحو: نحن في رمضان.
وتحصيل الفائدة: إذا كان المبتدأ "الذات" صالحا، لتقدير مضاف، هو اسم معنى، نحو قول امرئ القيس: اليوم خمر، أي: شرب خمر.
3 اسم شهر رومي، من أشهر فصل الربيع، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
[لا يبدأ بالنكرة إلا إذا أفادت] :
ولا يبتدأ بنكرة1، إلا إن حصلت فائدة؛ كأن يخبر عنها بمختصٍّ مقدم ظرف أو مجرور نحو:{وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 2، و {عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} 3 ولا يجوز "رجل في الدار" ولا "عند رجل مال" أو تتلو نفيا، نحو:"ما رجل قائم" أو استفهاما نحو: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} 4، أو تكون موصوفة سواء ذكرا نحو:{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ} 5، أو حذف الصفة، نحو:"السمن منوان بدرهم"، ونحو: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
1 لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلوما، ولو إلى حد ما، وإلا كان الحكم عليه لغوًا، لا فائدة فيه، وإنما يكون، إذا كان للمبتدأ خبر، فإن كان وصفا له فاعل، أو نائب فاعل، يغني عن الخبر، كان نكرة، ولا يحتاج إلى مسوغ؛ لأن المبتدأ في هذه الحالة، يكون محكوما به، بمنزلة الفعل والفعل في مرتبة التنكير كما يقال.
التصريح: 1/ 168.
2 "50" سورة ق، الآية:35.
موطن الشاهد: {لَدَيْنَا مَزِيدٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "مزيد" مبتدأ وهو نكرة والذي جوز مجيئه مبتدأ الإخبار عنه بالظرف "لدينا" المتقدم عليه.
3 "2" سورة البقرة، الآية:7.
موطن الشاهد: {عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "غشاوة" مبتدأ مؤخرا، وهو نكرة، والذي جوز الابتداء بالنكرة الإخبار عنها بالجار والمجرور والمتقدم عليها.
4 "27" سورة النمل: الآية: 60-64.
موطن الشاهد: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "إله" مبتدأ، وهو نكرة، والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ سبقها بهمزة الاستفهام.
5 "2" سورة البقرة، الآية:221.
موطن الشاهد: {لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "عبد" مبتدأ، وهو نكرة: والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ وصفها بوصف مخصص، وهو "مؤمن"؛ لأن "مؤمن": صفة لـ "عبد" مرفوعة مثله.
أَنْفُسُهُم} ، أي منوان منه، وطائفة من غيركم، أو الموصوف2، كالحديث:"سوداء ولود خير من حسناء عقيم"3، أي: امرأة سوداء، أو عاملة عمل الفعل، كالحديث:"أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" 4 ومن العاملة المضافة كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله"5.
1 "3" سورة آل عمران، الآية:154.
موطن الشاهد: {طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "طائفة" مبتدأ، وهي نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها، كونها موصوفة بصفة محذوفة؛ لأن التقدير، وطائفة من غيركم، كما في المتن.
2 أي: أو حذف الموصوف وحده، وبقيت الصفة، فهذا عطف على قوله السابق:"سواء ذكرا"، أي: الموصوف والصفة معا، وقوله:"أو حذفت الصفة"، فالأقسام ثلاثة: ذكرهما معا، وحذف الموصوف وحده، وحذف الصفة وحدها.
3 الحديث: صيغة الحديث في المصادر التي رجعنا إليها: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". اتحاف السادة المتقين للزبيدي: 5/ 297-598، وكنز العمال: 7/ 4442، والأسرار المرفوعة للقاري:218.
موطن الشاهد: "سوداء.....".
وجه الاستشهاد: مجيء "سوداء" مبتدأ، وهى نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها كونها صفة لموصوف محذوف.
4 الحديث رواه مسلم. ونصه: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحية صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزي عن ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى".
صحيح مسلم: 1/ 499.
موطن الشاهد: "أمر بمعروف،
…
نهي عن منكر".
وجه الاستشهاد: مجيء كل من "أمر" و"نهى" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بهما كونهما عاملين في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، والمصدر يعمل عمل فعله.
5 الحديث: للحديث روايات متعددة، ومعناها واحد. صحيح البخاري: 1/ 106، وصحيح مسلم: 1/ 41، وسنن أبي داود: 2/ 130، وسنن النسائي: 1/ 230، وسنن ابن ماجة: 1/ 448.
موطن الشاهد: "خمس صلوت".
وجه الاستشهاد: مجيء "خمس" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بالنكرة كونها عاملة في المضاف إليه.
ويقاس على هذه المواضع ما أشبهها نحو: "قصَدَك غلامُه رجلٌ" و"كم رجلا في الدار"، وقوله1:[البسيط]
70-
لولا اصطبار لأودَى كلُّ ذي مِقَةٍ2
وقولك: "رجيل في الدار" لشبه3 الجملة بالظرف والمجرور، واسم الاستفهام بالاسم المقرون بحرفه، وتالي "لولا" بتالي النفي، والمصغر بالموصوف4.
1 لم ينسب إلى قائل معين.
2 تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
كما استقلت مطاياهن للظعَنِ
وهو من شواهد التصريح: 1/ 170، وابن عقيل:"47/ 1/ 224"، والأشموني:"50/ 1/ 98"، والعيني: 1/ 352.
المفردات الغريبة: أودى: ماضٍ لازم بمعنى هلك. مقة: محبة، وفعله: ومق يمق بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها أي ظهرها. الظعن: الارتحال.
المعنى: يقول الشاعر: لولا التجلد والصبر، وحمل النفس على عدم الجزع لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له.
الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود، أو حرف شرط غير جازم. اصطبار: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير: لولا اصطبار موجود لأودى: اللام واقعة في جواب "لولا" أودى: فعل ماضٍ. كل: فاعل "أودى". ذي: مضاف إليه. مقة. مضاف إليه. "كما": متعلق بـ "أودى". استقلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. مطاياهن: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، و"هن" في محل جر بالإضافة. "للظعن": متعلق بـ "استقلت".
موطن الشاهد: "اصطبار".
وجه الاستشهاد: وقوع "اصطبار" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ وقوعه مبتدأ، وقوعه بعد "لولا" وهي تشبه "ما" النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.
3 مواضع النكرة المفيدة كثيرة جدا. وقد أوصلها بعض النحاة إلى أربعين موضعا، والأصل الذي تقوم عليه الإفادة، وهذا الأصل هو المرجع الوحيد في صحة الابتداء بالنكرة.
4 أي: ألحق المصغر بالمصوف في الحكم، وجواز الابتداء به إذا كان نكرة، ووجه الشبه هو اشتراكهما في المعنى؛ لأن التصغير وصف في المعنى، ومن قال:"رجيل عندنا" كأنه قال: رجل صغير عندنا، ولما جاز الابتداء بالنكرة الموصوفة، جاز قياسا عليها الابتداء بالاسم المصغر النكرة.
وانظر بقية شروط الابتداء بالنكرة في شرح ابن عقيل: 1/ 170- 178. والأشموني مع حاشية الصبان: 1/ 204 وما بعدها.
[حالات الخبر] :
وللخبر ثلاث حالات:
[يجب تأخر الخبر في أربع مسائل] :
إحداها: التأخر، وهو الأصل كـ "زيد قائم" ويجب في أربع مسائل1:
إحداها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين، أو متساويين ولا قرينة، نحو:"زيد أخوك" و"أفضل منك أفضل مني" بخلاف "رجل صالح حاضر". و"أبو يوسف أبو حنيفة"، وقوله:[الطويل]
71-
بنونا بنو أبنائنا..........3
1 ومن المسائل الأخرى التي يجب فيها تأخير الخبر:
1-
أن يكون المبتدأ هو "مذ" أو "منذ"، نحو: ما رأيته "مذ يومان" إذا جعلت "مذ" اسما مبتدأ، وإعراب مذ خبرا مقدما -كما ذهب إليه الزجاج- غير مستقيم.
2-
أن يكون المبتدأ ضمير متكلم، أو مخاطب، مخبرا عنه بالذي وفروعه، نحو: أنا الذي عرفوني، ونحو: أنت الذي تدعى ما لا تحسنه، خلافا للكسائي، في هذه المسألة.
3-
أن يكون الخبر طلبا، نحو: زيد اضربه، وزيد لا تهنه.
4-
أن يكون المبتدأ دعاء، نحو قولك: سلام عليكم وويل لكم.
5-
أن يكون الخبر متعددا، وهو في قوة الخبر الواحد، نحو: الرمان حلو حامض.
6-
أن يقع بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل، نحو: زيد هو المنطلق.
7-
أن يكون الخبر مقترنا بالباء الزائدة، نحو قولك: ما زيد بقائم.
- حاشية يس على التصريح: 1/ 171، والنحو الوافي 1/ 492-500، والأشموني مع حاشية الصبان: 1/ 211-212.
2 هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته.
3 تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا
…
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
=
أي: بنو أبنائنا مثل بنينا.
الثانية: أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل1، نحو:"زيد قام" بخلاف "زيد قائم" أو "قام أبوه" و"أخواك قاما"2.
= وهو: من شواهد التصريح: 1/ 173، وابن عقيل "51/ 1/ 233"، والأشموني:"153/ 1/ 99"، ومغني اللبيب:"818/ 589"، وهمع الهوامع:"1/ 102" والدر اللوامع: "1/ 76"، ودلائل الإعجاز للجرجاني: 240، والإنصاف: 1/ 66، وشرح المفصل: 1/ 99، 9/ 132، وخزانة الأدب: 1/ 213، وديوان الفرزدق:217.
المعنى: إن أولاد أبنائنا، ينتسبون إلينا؛ لأنهم كأولادنا، أما أولاد بناتنا، فينتسبوا إلى آبائهم الأجانب عنا.
الإعراب: بنونا: خبر مقدم، ومضاف إليه. بنو: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. أبنائنا: مضاف إليه، و"نا": مضاف إليه ثانٍ. وبناتنا: مبتدأ أول، مضاف إليه. بنوهن مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه. أبناء: خبر للمبتدأ الثاني، الرجال: مضاف إليه. الأباعد صفة لـ "الرجال"، وجملة "بنوهن أبناء الرجال": خبر للمبتدأ الأول "بناتنا".
موطن الشاهد: بنونا بنو أبنائنا.
وجه الاستشهاد: تقديم الخبر "بنونا" على المبتدأ، وهو "بنو أبنائنا" مع تساويهما فـ التعريف؛ لأن كلا منهما مضاف إلى ياء المتكلم، وسوغ ذلك القرينة المعنوية التي تعين المبتدأ، وهي التشبيه الذي يقضي بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء، وقيل: هل من التشبيه المقلوب للمبالغة، ولا شاهد فيه، وإلى هذا، أشار الناظم:
"فامنعه حين يستوي الجزآن
…
عرفا ونكرا عادمي بيان
أي: امنع التقديم، إذا استوى المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير، وعُدِما القرينة والبيان الذي يوضح المبتدأ منهما من الخبر.
انظر شرح التصريح: 1/ 172، وابن عقيل: 1/ 182-183.
1 وذلك إذا كان الخبر جملة "فعلية"، فاعلها ضمير مستتر، يعود على المبتدأ، نحو: زيد يقوم؛ ففي "يقوم" ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ يعود على زيد؛ ولهذا يجب تقديم المبتدأ في هذه الحال، ولأننا لو قدمنا الفعل؛ لانقلبت الجملة من اسمية إلى فعلية، كما هو معلوم، والفرق واضح بين الجملتين، فالجملة الاسمية، تدل على ثبوت المسند إلى المسند إليه، ودوامه، والجملة الفعلية، تدل على تجدده، وحدوثه.
2 فالخبر في المثال الأول وصف، والفعل في المثال الثاني، رفع اسما ظاهرا، وفي المثال الثالث رفع ضميرا؛ فلهذا أمن اللبس، ولهذا فلا يجب تأخير الخبر فيهما.
الثالثة: أن يقترن بإلا معنى، نحو:{إِنَّمَا أَنْتَ نَذِير} 1، أو لطفا نحو:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} 2، فأما قوله3:[الطويل]
72-
...........وهل إلَّا عليك المعوَّلُ4
فضرورة.
1 "11" سورة هود، الآية:12.
موطن الشاهد: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} .
وجه الاستشهاد: وجوب تقديم المبتدأ، وتأخير الخبر؛ لأن الخبر محصور بـ "إلا" معنى، والتقدير: ما أنت إلا نذير.
2 "3" سورة آل عمران، الآية:144.
موطن الشاهد: {مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} .
وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "رسول" مؤخرا عن المبتدأ، وحكم هذا التأخير الوجوب؛ لأن الخبر، اقترن بـ "إلا" لفظا.
3 القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، أبو المستهل، شاعر متقدم، من شعراء بني أمية، عالم بلغات العرب وأخبارها، متعصب لمصر، ومعروف بالتشيع، يتكلف في شعره، ويسرق من غيره، عرف بقصائده الهاشميات، لقي الفرزدق، وعرض عليه شعره. ولد سنة 60 هـ مات سنة 126هـ.
تجريد الأغاني: 4/ 1793، والشعر والشعراء: 2/ 581، والجمحي: 1/ 45، والأغاني: 15/ 108.
4 تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
فيا رب، هل إلا بك النصر يرتجى
…
عليهم؟ وهل إلا عليك المعول؟
والبيت من قصيدة من "هاشمياته"، يمدح فيها بني هاشم، وأولها قوله:
ألا هل عمٍ في رأيه متأمِّلُ؟
…
وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبِلُ؟
والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 173، وابن عقيل:"52/ 1/ 235"، والأشموني:"154/ 1/ 99"، وهمع الهوامع: 1/ 102، والدرر اللوامع: 1/ 76، والعيني: 1/ 354" وليس في ديوان الكميت.
المفردات الغريبة: يرتجى: يؤمَّل، ويطلب. المعول: مصدر بمعنى التعويل والالتجاء.
المعنى: هل يطلب النصر على الأعداء، ويرتجي إلا منك وبعونك؟ وهل هنالك من سند يلجأ إليه الإنسان، ويعول عليه إلا أنت؟ والاستفهام إنكاري.
الإعراب: هل: حرف استفهام، يفيد الإنكار، في هذا الشاهد. إلا أداة حصر. =
الرابعة: أن يكون المبتدأ مستحقا للتصدير، إما بنفسه1، نحو:"ما أحسن زيدا" و"من في الدار" و"من يقم أقم معه" و"كم عبيد لزيد" أو بغيره، أما متقدما عليه، نحو:"لزيد قائم"، وأما قوله:[مشطور الرجز]
73-
أم الحليس لعجوز شهربة3
= بك: متعلق بـ "يرتجى". النصر: مبتدأ. يرتجى: مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل. "هو" يعود على النصر، وجملة "يرتجى": في محل رفع خبر. وهل: حرف استفهام، يفيد معنى النفي. إلا: أداة حصر، لا محل لها. "عليك": متعلق بمحذوف خبر مقدم. المعول: مبتدأ مؤخر.
موطن الشاهد: "بك النصر، عليك المعوَّل".
وجه الاستشهاد: تقديم الخبر المحصور بـ "إلا" في الموضع الثاني: "عليك المعول" شذوذا، وكذا في الموضع الأول:"بك النصر" إذا أعربنا "بك" خبرا مقدما، والنصر: مبتدأ مؤخرا، وأما على ما أعربناه، فلا شاهد فيه، وكان الأفصح أن يقول: "وهل النصر يرتجى إلا بك، وهل المعول إلا عليك.
فائدة: أسقط المؤلف صدر البيت: "فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى"، لاحتمال إعراب "النصر" مبتدأ، وخبره: جملة "يرتجى" كما أعربنا، على هذا، فلا شاهد فيه، ولم يذكره المؤلف.
فائدة: بعض البلاغيين، يرون أنه إذا كانت أداة الحصر "إنما" لم يصح تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه. وأما إن كانت أداة القصر "إلا" وقدم الخبر، وقدمت معه "إلا" كما في الشاهد، صح هذا التقديم؛ لكون المعنى المقصود لا يضيع؛ لأن تقدم "إلا" يبين المراد.
1 الأسماء المستحقة للتصدير بنفسها أربعة، كما ذكر المؤلف ومثل لها.
ما التعجبية، وقد مثل لها المؤلف بالمثال الأول، وأسماء الاستفهام وقد مثل لها بالمثال الثاني، وأسماء الشرط، وقد مثل لها بالمثال الثالث، وكم الخبرية، وقد مثل لها بالمثال الرابع. والأسماء المستحقة للتصدير بغيرها أربعة أيضا، وهي:
كل اسم أضيف إلى اسم استفهام، أو اسم شرط، أو أضيف إلى كم الخبرية، وكل اسم اقترن بلام الابتداء، وقد مثل المؤلف لذلك كله.
2 هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته.
3 تخريج الشاهد: بعد الشاهد قوله:
ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وقد اختلف في نسبة هذا الشاهد، فقد نسبه الصاغاني إلى عنترة بن عروس، أحد =
فالتقدير: لهي عجوز، أو اللام زائدة لا لام الابتداء، أو متأخرا عنه نحو: غلام مَنْ في الدار" و"غلام مَنْ يقم أقم معه" و"مالُ كَمْ رجل عندك" أو مشبها به، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، فإن المبتدأ هنا مشبه باسم الشرط، لعمومه، واستقبال الفعل الذي بعده، وكونه سببا، ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب.
[وجوب تقدم الخبر في أربع مسائل] :
الحالة الثانية: التقدم، ويجب في أربع1 مسائل:
= موالي بني ثقيف، ورواه الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان، ولم ينسباه. وهو من شواهد التصريح: 1/ 174، وابن عقيل:"101/ 1/ 366"، والأشموني:"266/ 1/ 141" وهمع الهوامع: 1/ 140، والدرر اللوامع: 1/ 117، واللسان "شهرب"، والمغني:"413/ 304"، "419/ 307" ملحقات ديوان رؤبة.
المفردات الغريبة: أم الحليس: كنية الأتان، وهي أنثى الحمار. والحليس: تصغير حلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكنيت به هذه المرأة تشبيها لها بالأتان. شهربه: كبيرة طاعنة في السن. من اللحم: بدل اللحم، فـ "من" بمعنى البدل.
المعنى: يصف الراجز هذه المرأة بأنها عجوز كبيرة، لا تستطيع أكل اللحم وهضمه، فترضى بدله بلحم الرقبة، لسهولة مضغه، فالمضاف هنا محذوف.
الإعراب: أُمّ: مبتدأ. الحليس: مضاف إليه، لَعجوز: اللام للابتداء، تفيد التوكيد، عجوز: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: لهي عجوز: والجملة الاسمية من "المبتدأ المحذوف وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ "أم الحليس". شهربه: صفة لـ "عجوز". وجملة "ترضى": في محل رفع صفة ثانية، وبعضهم يعرب "لعجوز": خبر المبتدأ، وفي هذه الحالة، ذهب النحاة إلى أن "اللام" المقترنة بـ "لعجوز" ليست لام الابتداء، ولكنها "زائدة" في خبر المبتدأ"، والأرجح ما ذهبنا إليه في الوجه الأول.
موطن الشاهد: "لعجوز".
وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت، لدلالة ظاهره على تأخير الخبر المقترن بـ "لام الابتداء" غير أن ما ذهبنا إليه في الإعراب، من اعتبار "عجوز" خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره لهي عجوز، وانتقلت اللام إلى الخبر، بعد حذف المبتدأ، يجعل البيت يخلو من الشاهد.
1 هناك مسائل أخرى، يجب تقديم الخبر على المبتدأ فيها، وهي: =
إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: نحو "في الدار رجل" و"عندك مال" و"قصدك غلامه رجل" و"عندي أنك فاضل"، فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بالمكسورة، و"أن" المؤكدة بالتي بمعنى لعل، ولهذا يجوز تأخيره بعد "أما"، كقوله1:[البسيط]
74-
....... وأمَّا أنني جزع
…
يوم النوى؛ فلوجدٍ كاد يبريني2
= أ- أن يقترن المبتدأ بفاء الجزاء، بعد "أما"، نحو: أما في الصف فخالد، وأما في المسجد فسعيد.
ب- أن يقع الخبر اسم إشارة إلى المكان، نحو: هنا زاهر، وهناك محمد، وثمة خليل.
ج- في نحو قولهم: "في كل وادٍ أثر من ثعلبة"؛ وذلك لأن الأمثال لا تغير.
د- أن تقترن بالخبر لام الابتداء خلاف الأصل فيها؛ لأن الأصل فيها اتصالها بالمبتدأ، نحو:"لقائم زيدا"، ففي هذه الحالة، لا يجوز تأخير الخبر المقترن بها، ولهذا عددنا اللام الداخلة على الخبر في قول الشعر:"أمّ الحليس لعجوز" زائدة، وأنها ليست لام الابتداء، وإن عددنها "لام الابتداء"، كما ذهبنا إليه في الإعراب، فإن "عجوز" ليست خبر "أم الحليس" بل خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، لهي أم الحليس، وقلنا: إنْ عددنا "عجوز" خبرا عما قبلها، واعتبرنا "اللام" للابتداء، فذاك شاذٌّ، والشاذُّ يُحفظ، ولا يقاس عليه.
هـ- أن يكون الخبر "مذ، أو منذ" في نحو قولك: ما لقيته "مذ يومان أو منذ يومان" وذلك على وفق ما ذهب إليه الزجاج من أنهما خبران مقدمان وجوبا، والجمهور اعتبروا أن "مذ ومند" مبتدأين واجبي التقديم.
وكثيرا من العلماء، يرون أن مذ ومنذ" حرفان بمعنى "من" ولكنهما يجران الأزمنة، ويكونان اسمين، إذا ارتفع ما بعدهما، وهنا الخلاف، فذهب الجمهور إلى أنهما مبتدآن واجبا التقديم ورأى الزجاج أنهما خبران وما بعدهما مبتدآن واجبا التأخير، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويستحسن العودة إلى كتاب النحو الوافي، ففيه المزيد من المسائل والإيضاحات. النحو الوافي، عباس حسن: 1/ 105- 506.
1 لم ينسب إلى قائل معين.
2 تخريج الشاهد: البيت بتمامه هكذا:
عندي اصطبار، وأما أنني جزع
…
يوم النوى فلوجدٍ كاد يبريني.
وهو من شواهد التصريح: 1/ 175، والأشموني:"157/ 1/ 101"، وهمع الهوامع: =
لأن "إن المسكورة و"أن" التي بمعنى لعل لا يدخلان هنا، وتأخيره في الأمثلة الأُوَل يوقع في إلباس الخبر بالصفة، وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو:{وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ} 1؛ لأن النكرة قد وصفت بمسمى، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة.
= 1/ 103 والدرر اللوامع: 1/ 77، والعيني: 1/ 536، وحاشية يس على التصريح: 2/ 259.
المفردات الغريبة: اصطبار: تصبُّر وتجلُّد. جزِع: شديد الخوف فاقد الصبر، وهو صفة مشبهة من جزع يجزع من باب علم. النوى: البعد والفرق. الوجد: شدة الحب. يبريني: ينحلني، من بَرَيت القلم إذا نحته.
المعنى: يقول الشاعر: إن في طبعي التجلد والتحمل لكل ما ينزل بي من مكروه، وأما جزعي يوم فراق الأحباب، فلشدة شوق كاد ينحلني ويقضي علي.
الإعراب: "عندي": متعلق بخبر مقدم محذوف، ومضاف إليه. اصطبار: مبتدأ مؤخرا. وأما: حرف شرط وتفصيل. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، والياء: اسمه، جزع: خبر "أن" والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع مبتدأ. "يوم": متعلق بـ "جزع". النوى: مضاف إليه. فلوجد: الفاء واقعة في جواب "أما""لوجد": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، المؤول من "أن وما دخلت عليه" كاد: فعل ماضٍ، من أفعال المقاربة، يعمل عمل "كان" الناقصة، واسمه: هو: يعود على "وجد"، يبريني: فعل مضارع، والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، وجملة "يبريني" في محل نصب خبر "كاد"، وجملة "كاد واسمها وخبرها": في محل جر صفة لـ "وجْد".
موطن الشاهد: "أما أنني جزع؛ فلوجد".
وجه الاستشهاد: وقوع المصدر المؤول من "أن وما بعدها" مبتدأ متقدما على خبره الواقع جار ومجرورا "لوجد"، والذي جوز تقدم المبتدأ، وهو مصدر مؤول، أمن اللبس بين "أن المفتوحة الهمزة، وإن المكسورة الهمزة لفظا، ولأمن اللبس بين "أن المفتوحة" الهمزة المؤكدة والتي بمعنى "لعل" معنى.
فائدة: لا يقع بعد "أما" التي للشرط والتفصيل "إن" المكسورة، ولا "أن" المفتوحة، التي بمعنى "لعل"، وإنما يقع بعدها "أن" المؤكدة المفتوحة الهمزة وحسب؛ لأنها تؤول مع ما تدخل عليها بمفرد، ولا يفصل بين "أما" وبين الفاء الواقعة في جوابها إلا بمفرد. وانظر في هذه المسألة: شرح التصريح: 1/ 174-175.
1 "6" سورة الأنعام، الآية:1.
موطن الشاهد: {أَجَلٌ مُسَمَّىً عِنْدَهُ} .
وجه الاستشهاد: وقوع المبتدأ متقدما، وهو نكرة؛ لأنه وصف "مسمى" فضعف طلب النكرة للظرف، وكان الظاهر في "عنده" أنه خبر لـ "أجل" لا صفة ثانية.
الثانية: أن يقترن المبتدأ بإلا لفظا، نحو: ما لنا إلا اتباع أحمدا1 أو معنى، نحو:"إنما عندك زيد".
الثالثة: أن يكون لازم الصدرية، نحو:"أين زيد"؟ أو مضافا إلى ملازمها، نحو:"صبيحة أي يوم سفرك".
الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر، كقوله تعالى:{أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} 2، وقول الشاعر3:[الطويل]
75-
....... ولكِنْ مِلءُ عينٍ حبيبُها5
1 هذا مثال من ألفية ابن مالك وتمامه:
وخبر المحصور قدم أبدا
…
كما لنا إلا اتباع أحمدا
2 "47" سورة محمد، الآية:24.
موطن الشاهد: {عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} .
وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "على قلوب" متقدما على المبتدأ "أقفال" المتأخر، وحكم تقدم الخبر هنا الوجوب، لئلا يعود الضمير "ها" المتصل بالمبتدأ على "على قلوب" المتأخرة في الرتبة؛ لأنها بعض متعلق الخبر؛ لأن الخبر المتقدم هو الاستقرار، والجار والمجرور متعلق به، ومتعلق الخبر، رتبته التأخير، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
3 هو نصيب بن رباح الأكبر، أبو محجن، قيل هو من قضاعة، وكان مولى لعبد العزيز بن مروان، وهو شاعر فحل، فصيح، مقدم في النسيب، والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، لم يشبب، أو ينسب بامرأة قط إلا امرأته.
تجريد الأغاني: 1/ 108، الشعر والشعراء: 1/ 410، الجمحي: 1/ 125.
4 تخريج الشاهد: والبيت بتمامه:
أهابك إجلالا، وما بك قدرة
…
عليَّ، ولكن ملء عين حبيبها
وقد نسبه ابن نباتة المصري في كتابه "سرح العيون" إلى مجنون ليلى في أبيات، أولها قوله:
دعا المحرمون الله يستغفرونه
…
بمكة يوما أن تُمَحَّى ذنوبُهَا
وهو من شواهد: التصريح: 1/ 176، وابن عقيل:"54/ 1/ 241"، والأشموني =
[الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير] :
الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير، وذلك فيما فقد فيه موجبهما، كقولك:"زيد قائم" فيترجح تأخيره على الأصل، ويجوز تقديمه لعدم المانع.
[حالات حذف المبتدأ والخبر] :
وما علم من مبتدأ أو خبر جاز حذفه، وقد يجب1.
= "156/ 1/ 101" والعيني: 1/ 537، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 1363، وديوان نصيب:68.
المفردات الغريبة: أهابك: من الهيبة، وهي المخافة، إجلالا: إعظاما لقدرك.
المعنى: إني لأهابك وأخافك، إعظاما لقدرك، لا خوفا من بطشك، فليس لك سلطان عليَّ، ولكن العين تمتلئ بمن تحبه، فتحصل المهابة والخوف في قلب صاحبها من ذلك المرئي.
الإعراب: أهابك: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به. إجلالا: مفعول لأجله، وما: الواو حالية، ما: نافية. "بك" خبر مقدم. قدرة: مبتدأ مؤخر. ولكن: حرف استدراك. ملء: خبر مقدم: عين مضاف إليه. حبيبها: مبتدأ مؤخر، و"ها" مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ملء عين حبيبها".
وجه الاستشهاد: تقدم الخبر "ملء عين" على المبتدأ، وهو "حبيبها"، لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدم المبتدأ، لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن رتبة الخبر التأخير، وذلك غير جائز. وإلى هذا، أشار الناظم بقوله:
كذا إذا عاد عليه مضمرُ
…
مما به عنه مبينا يخبرُ
أي: كذلك يجب تقديم الخبر، إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ الذي يخبر عنه بخبر يبين ويفسر الضمير العائد إليه، وفي عبارة الناظم مضاف محذوف، أي: عاد على ملابسه.
ويرى ابن جني في المثال السابق رأيا لا غبار عليه، وهو أن "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبره، وليس في البيت تقديم ولا تأخير؛ لأن كلا منهما صالح للابتداء به، والأصل: عدم التقديم والتأخير، فيجعل أولهما مبتدأ، والثاني خبرا.
1 وقد يمتنع حذف المبتدأ أو الخبر، وذلك فيما إذا وقعت الجملة خبرا عن ضمير لشأن، فإنه يجب ذكر الجزأين.
وكثر حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع:
الأول: في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ} وقوله جلت عظمته: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِك} ، أي هي النار: نار حامية، وهي النار.
الثاني: بعد فاء الجواب، نحو قوله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} أي: فعمله لنفسه، وإساءته عليها.
الثالث: بعد القول، نحو قوله تعالى:{قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين} . حاشية يس على التصريح: 1/ 176.
[حذف المبتدأ جوازا] :
فأما حذف المبتدأ جوازا فنحو: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} 1، ويقال: كيف زيد؟ فتقول: دنف، التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليه، وهو دنف.
[حذف المبتدأ وجوبا] :
وأما حذفه وجوبا فإذا أخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح، نحو:"الحمد لله الحميد" أو ذم نحو: "أعوذ بالله من إبليس عدو المؤمنين" أو ترحم نحو: "مررت بعبدك المسكين" أو بمصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله، نحو:"سمع وطاعة" وقوله2: [الطويل]
76-
فقالت: حنان، ما أتى بك ههنا؟ 3
1 "41" سورة فصلت، الآية: 46، 45 سورة الجاثية، الآية:15.
موطن الشاهد: {فَلِنَفْسِهِ} ، {فَعَلَيْهَا} .
وجه الاستشهاد: حذف المبتدأ جوازا في الموضعين؛ لأن التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليها، وحكم حذف المبتدأ في هذه الحالة الجواز للعلم به، وطريقة العلم به أن "عمله وإساءته" مصدران مأخوذان من فعلهما السابق، ودخول الفاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ قرينة دالة على حذفه.
شرح التصريح: 1/ 176.
2 هو منذر بن درهم الكلبي، ولم أعثر له على ترجمة وافية.
3 تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
أذو نسب أم أنت بالحي عارف؟
=
التقدير: أمري حنان وأمري سمع وطاعة.
= لم ينسب النحاة هذا الشاهد إلى أحد، وفي مادة "روضة المثري" من كتاب معجم البلدان، لياقوت قطعة نسبها إلى منذر بن درهم الكلبي، وأسند روايتها إلى أبي الندي، وفيها هذا البيت، وقبله قوله:
وأحدث عهدي من أميمة نظرة
…
على جانب العلياء إذ أنا واقف
تقول: حنان، ما أتى بك ههنا
…
أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقلت: أنا ذو حاجة ومسلم
…
فضم علينا المأزق المتضايف
والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: 1/ 177، والأشموني:"162/ 1/ 106، والكتاب لسيبويه: 1/ 161، 175، والمقتضب: 3/ 225، وخزانة الأدب: 1/ 77، والعيني: 1/ 359، وهمع الهوامع: 1/ 189، والدرر اللوامع: 1/ 163. وأمالي الزجاجي 131، وفيه برواية: "أذو زوجة أم
…
".
المفردات الغريبة: حنان: عطف ورحمة وشفقة. نسب: قرابة.
المعنى: أي شيء حملك هذه المشاق، وأتى بك إلى هنا؟ فإني أشفق عليك، وأخاف أن يراك قومي فيؤذوك. ثم أوحت إليه بحجة يحتج بها إذا رآه أحد، فقالت: ألك قرابة هنا؟ أم بينك وبين أحد في الحي معرفة وصحبة؟
الإعراب: فقالت: الفاء عاطفة، قالت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث. حنان: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أمري حنان. ما: اسم استفهام، مبتدأ. أتى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "بك" متعلق بـ "أتى". ههنا: "ها": للتنبيه، "هنا": ظرف مكان متعلق بـ "أتى" وجملة "أتى وفاعله": في محل رفع خبر "ما" أذو: الهمزة حرف استفهام، ذو: خبر مبتدأ محذوف، يدل عليه السياق، والتقدير: أأنت ذو نسب؛ نسب: مضاف إليه أم: عاطفة أنت: مبتدأ. "بالحي" متعلق بـ "عارف" الآتي. عارف: خبر "أنت" مرفوع، والجملة الاسمية "أنت عارف": معطوفة على الجملة الاسمية السابقة.
موطن الشاهد: حنان".
وجه الاستشهاد: مجيء "حنان" خبرا لمبتدأ محذوف، وحكم حذف المبتدأ هنا الوجوب، وأصل المصدر "حنان" أن يقع منصوبا بفعل محذوف وجوبا؛ لكونه من المصادر التي جيء بها بدلا من اللفظ بأفعالها، ولكنهم ربما قصدوا للدلالة على الثبوت والدوام، فرفعوا هذه المصادر أحيانا، وجعلوها أخبارا عن مبتدآت محذوفة وجوبا، وإنما جعلوا المبتدآت محذوفة وجوبا؛ حملا لحالة الرفع على حالة النصب أي: كما أنها في حالة النصب منصوبة بعامل محذوف وجوبا، كذلك تكون في حالة الرفع مرفوعة بعامل محذوف وجوبا. انظر شرح التصريح: 1/ 177.
فائدة: وجوب حذف المبتدأ في المثال السابق مشروط بقصد قيام المصدر مقام فعله، بقصد الدلالة على الثبوت والدوام، وإن لم يقصد ذلك، نحو: صبر جميل، وعيد سعيد، ونحوهما، جاز أن يكون المحذوف هو المبتدأ، أي: صبري صبر جميل، أو الخبر، أي: صبر جميل خير من غيره. انظر ضياء السالك: 1/ 199.
أو بمخصوص بمعنى نعم أو بئس مؤخر عنها، نحو:"نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو" إذا قدِّرا خبرين، فإن كان مقدما نحو:"زيد نعم الرجل" فمبتدأ لا غير، ومن ذلك قولهم1 "من أنت زيد؟ " أي: مذكورك زيد، وهذا أولى من تقدير سيبويه: كلامك زيد.
وقولهم: "في ذمتي لأفعلن" أي: في ذمتي ميثاق أو عهد2.
1 هذا أسلوب مسموع عن العرب، يقال، حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم، وقد ورد بغير مبتدأ، فوجب أن يحافظ عليه كما هو بغير زيادة؛ لأنه بمنزلة المثل، ويقدر له مبتدأ مناسب، نحو: مذمومك، أو مذكورك زيد، والأوَّل أفضل.
2 هناك مواطن أخرى يحذف فيها المبتدأ وجوبا، منها:
أ- بعد "لا سيما" إذا رفع الاسم الواقع بعده، نحو:"لا سيما زيد"، فالتقدير: لا سي الذي هو زيد، ففيه حذف المبتدأ وجوبا؛ لأنه لم يجر الاستعمال بذكره، وفيه حذف صدر صلة الموصول التي لم تطل مع كون الموصول غير "أي". انظر شرح التصريح:
1/ 177.
فائدة: الاسم الواقع بعد "لا سيما" إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة. فإن كان الاسم بعدها نكرة، جاز فيه ثلاثة أوجه، الجر، والرفع، والنصب. فالجر يأتي على أحد وجهين، أولهما: أن "لا" نافية للجنس، و"سي" اسمها منصوب و"ما" زائدة، ويوم: مضاف إليه، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: ولا مثل يوم بدارة جلجل موجود. ثانيها: أن تكون "سي" مضافا، و"ما" نكرة غيرة موصوفة مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، ويوم: بدل من "ما".
والرفع: على أحد وجهين، أحدهما: أن تكون "لا" نافية للجنس، و"سي": اسمها، و"ما" نكرة موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، ويوم: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو يوم، والجملة من "المبتدأ والخبر": لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، وخبر "لا" محذوف، وهذا الوجه، هو المراد بالتمثيل على حذف المبتدأ بعد "لا سيما".
[حذف الخبر جوازا] :
وأما حذف الخبر جوازًا فنحو: "خرجت؛ فإذا الأسد" أي: حاضر، ونحو:{أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} 1، أي: كذلك، ويقال: من عندك؟ فتقول: زيد، أي: عندي.
[حذف الخبر وجوبا في مسائل أربع] :
وأما حذفه وجوبا ففي مسائل:
إحداها: أن يكون كونا مطلقا2 والمبتدأ بعد لولا"3، نحو: "لولا زيد لأكرمتك" أي: لولا زيد موجود، فلو كان كونا مقيدا، وجب ذكره إن فقد دليله، كقولك "لولا زيد سالَمَنَا ما سلِمَ" وفي الحديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" 4، وجاز الوجهان إن وجد الدليل، نحو: "لولا أنصار
= وأما النصب، فعلى أحد وجهين، أحدهما: أن "ما" نكرة غير موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، و"يوما": مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ولا مثل لشيء أعني يوما بدارة جلجل. وثانيهما: أن تكون ما نكرة غير موصوفة أيضا، في محل جر بالإضافة. و"يوما" تمييز منصوب. وأما إذا كان الاسم الواقع بعد لا سيما معرفة، فيجوز فيه الجر والرفع بإجماع، واختلفوا في جواز النصب، فمن عده بإضمار فعل، أجازه، كما أجازه في النكرة، ومن جعل النصب على التمييز، قال: إن التمييز لا يكون إلا نكرة منع النصب في المعرفة، ومن جوز أن يكون التمييز معرفة -على مذهب جماعة من الكوفيين- جوز نصب المعرفة بعد "لا سيما".
راجع النحو الوافي: 1/ 513-518.
1 "13" سورة الرعد، الآية:35.
موطن الشاهد: {وَظِلُّهُا} .
وجه الاستشهاد: مجيء "ظلها" مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: أكلها دائم: وظلها كذلك؛ أي دائم، وحكم حذف الخبر في هذه الحالة الجواز، لدلالة ما قبله عليه.
1 أي: عاما يدل على مجرد الوجود، من غير زيادة ما.
2 المقصود بـ "لولا" الامتناعية، التي هي حرف امتناع لوجود، ومثلها:"لوما" التي تفيد الامتناع أيضا، وأما "لولا" التخضيضية، فلا يليها المبتدأ.
3 هذا حديث شريف يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة- رضي الله عنها والحديث، رواه البخاري في كتاب العلم:"لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة"، وله في كتاب الحج، وكتاب التمنى روايات أخرى. البخاري: 6/ 407، و8/ 170، ومسلم: 2/ 269، والترمذي: 3/ 614،والنسائي: 5/ 214.
موطن الشاهد: "قومك حديثو".
وجه الاستشهاد: مجيء: "قومك" مبتدأ بعد "لولا" ومجيء الخبر..... كونا مقيدا بالحداثة، وحكم ذكر الخبر في هذه الحالة الوجوب.
زيدة حموه ما سلم"، ومنه قول أبي العلاء المعري1:[الوافر]
77-
فلولا الغمد يمسكه لسالا2
1 هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد سنة 363هـ، نادرة الزمان، وأوحد الدهر حفظا وذكاء وصفاء نفس، وهو شاعر من شعراء العصر الثاني، من عصور الدولة العباسية، ولغوي، له تصانيف منها: رسالة الملائكة، ورسالة الغفران، وسقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، وغيرها مات وله 86 سنة، وذلك سنة 449هـ.
سير أعلام النبلاء: 8/ 23، إنباه الرواة: 1/ 46، الوافي بالوفيات: 7/ 49، البداية والنهاية: 12/ 72.
2 تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
يذيب الرعب منه كل عضب
وهو من شواهد التصريح: 1/ 179، والمقرب لابن عصفور: 13، وشروح سقط الزند: 104 ومغني اللبيب "493/ 360"، "942/ 702"، والأشموني:"158/ 1/ 102" وابن عقيل: "57/ 1/ 251" وشذور الذهب: "12/ 59".
المفردات الغريبة: يذيب: من الإذابة، وهي إسالة الحديد، ونحوه من الجامدات. الرعب: الفزع والخوف، عضب: هو السيف القاطع. الغمد: قراب السيف وجفنه.
المعنى: يقول المعري: إن كل سيف قاطع يذوب في غمده فزعا وخوفا من هذا السيف، ولولا أن الغمد يمسكه ويمنعه من السيلان، لسال وجرى على الأرض من شدة الخوف.
الإعراب: يذيب: فعل مضارع. الرعب: فاعل مرفوع. كل: معفول به. عضب: مضاف إليه. لولا: حرف امتناع لوجود. الغمد: مبتدأ مرفوع. يمسكه "فعل مضارع، والفعل: هو، والهاء: مفعول به و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ لسالا: اللام واقعة في جواب "لولا". سال: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل: هو: موطن التمثيل: "لولا الغمد يمسكه"
وجه التمثيل: ذكر الخبر "يمسكه" بعد "لولا" لأنه كون خاص مقيد بالإمساك، وقد دل عليه دليل؛ لأن من شأن غمد السيف إمساكه، والمؤلف يرى: أن خبر المبتدأ =
وقال الجمهور: لا يذكر الخبر بعد "لولا"، وأوجبوا جعل الكون الخاص مبتدأ، فيقال: لولا مسالمة زيد إيانا، أي: موجودة، ولحنوا المعري، وقالوا: الحديث مروي بالمعنى1.
الثانية: أن يكون المبتدأ صريحا في القسم2، نحو:"لعمرك لأفعلن" و"ايمن
= الواقع بعد "لولا" يجوز ذكره، كما يجوز حذفه، إذا كان كونا خاصا، وقد دل عليه دليل.
ويرى الجمهور: أن الحذف واجب، وأن خبر المبتدأ الواقع بعد "لولا" لا يكون إلا كونا عاما، وحينئذ، لا يقال: إما أن يدل عليه دليل أو لا، وهم يعدون بيت المعري لحنا، لذكره الخبر بعد لولا فيه.
وخلاصة القول: يذهب الجمهور إلى أن الخبر بعد لولا لا يكون كونا خاصا، بل يجب كونه كونا عاما، ويجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما؛ فهو لحن أو مؤول.
ويرى غيرهم: يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا، ولكن الأكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان عاما وجب حذفه، كما يقول الجمهور، وإن كان كونا خاصا، فإن لم يدل عليه دليل، وجب ذكره، وإن دل عليه دليل، جاز ذكره وحذفه.
ومن أمثلة مجيء الخبر كونا خاصا مذكورا بعد "لولا" قول الشاعر:
لولا زهير جفاني كنت منتصرا
…
ولم أكن جانحا للسلم إن جنحوا
وقول الآخر:
لولا ابن أوس نأى ما ضِيم صاحبه
…
يوما، ولا نابه وهنٌ ولا حَذَرُ
وانظر شرح التصريح: 1/ 179.
1 ذكر ابن أبي الربيع في رواية الحديث على الوجه الذي يذكره النحاة في هذه المسألة: "لم أر هذه الرواية بهذا اللفظ من طريق صحيح، والروايات المشهورة في ذلك: "لولا حدثان قومك"، و: "لولا حداثة قومك"، "لولا أن قومك حديثة عهد بجاهلية". ا. هـ.
وكل هذه الروايات يجري على مذهب الجمهور، فقد جعل الكون الخاص مبتدأ وحذف خبره، وهو كون عام، أي لولا حدثان بكفر موجود.
التصريح: 1/ 179.
2 بمعنى أنه لا يستعمل إلا في القسم ويفهم منه القسم قبل ذكر المقسم عليه، وبالمقابل ما يكثر استعماله في غير القسم حتى لا يفهم منه القسم إلا بعد ذكر المقسم عليه، نحو:"عهد الله" قد كثر استعماله في غير القسم كقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم} ثم إنه يفهم منه القسم إذا قلت: "وعهد الله لأفعلن كذا"؛ لأنك في هذا المثال قد ذكرت المقسم عليه.
التصريح: 1/ 179، 180.
الله لأفعلن" أي: لعمرك قسمي، وايمن الله يميني، فإن قلت: "عهد الله لأفعلن" جاز إثبات الخبر؛ لعدم الصراحة في القسم، وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو: "لعمرك لأفعلن" أن يقدر لقسمي عمرك، فيكون من حذف المبتدأ1.
الثالثة: أن يكون المبتدأ معطوفا عليه اسم بواو هي نص في المعية، نحو:"كل رجل وضيعته" و"كل صانع وما صنع" ولو قلت: "زيد وعمرو" وأردت الإخبار باقترانهما جاز حذفه وذكره، قال2:[الطويل]
78-
وكل امرئ والموت يلتقيانِ3
1 قول ابن عصفور ضعيف؛ لأن صراحة القسم تحتم أن يكون المحذوف الخبر، وهو "قسمي" ويرجح ذلك، وجود لام الابتداء في أول الاسم، فوجودها يدل على أن مدخولها هو المبتدأ لا الخبر. انظر شرح التصريح: 1/ 180، وابن عقيل: 1/ 198.
2 القائل هو: الفرزدق، همام بن غالب وقد مرت ترجمته.
3 تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى
ويروى قبله:
لشتان ما أنوى وينوي بنو أبي
…
جميعا، فما هذان مستويانِ
والشاهد من شواهد التصريح: 1/ 180، والأشموني:"59/ 1/ 103"، والعيني: 1/ 543، وليس في ديوان الفرزدق.
المفردات الغريبة: يشعب: يفرق، ويسمى الموت: شعوب؛ لأنه يفرق بين الناس.
المعنى: تمنى خصومي لي الموت الذي يفرق بين المرء وإخوانه، وما دروا أن هذا أمرا لا مفر منه، وأن كل إنسان مصيره إلى الموت.
الإعراب: تمنوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل. "لي": "تمنوا". الموت: مفعول به. الذي: اسم موصول له في محل نصب صفة لـ "الموت". يشعب: فعل مضارع، والفاعل: هو. الفتى: مفعول به و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. وكل: الواو استئنافية. كل: مبتدأ. امرئ: مضاف إليه. والموت: الواو عاطفة، الموت: اسم معطوف على المبتدأ. يلتقيان: فعل مضارع، والألف: فاعل، و"الجملة: في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه.
وزعم الكوفيون والأخفش1 أن نحو: "كل رجل وضيعته"2 مستغنٍ عن تقدير الخبر؛ لأن معناه مع ضيعته.
الرابعة: أن يكون المبتدأ إمَّا مصدرا عاملا في اسم مفسر لضمير ذي حال لا يصح كونها خبرًا عن المبتدأ المذكور، نحو:"ضربي زيدًا قائمًا"3 أو مضافا.
موطن الشاهد: "كل امرئ والموت يلتقيان".
وجه الاستشهاد: ذكر الخبر "يلتقيان" بعد الواو؛ لكونها للعطف، وليست نصا في المصاحبة والمعية؛ لأننا لو قلنا: كل امرئ مع الموت، لكان كلامنا غير صحيح، ولو كانت الواو نصا في معنى المصاحبة والاقتران، لكان حذف الخبر واجبا، كما في قولنا: كل ثوب وقيمته، وكل امرئ ونيته.
وانظر شرح التصريح: 1/ 180، وابن عقيل: 1/ 198.
فائدة: الواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، يكون ما بعدها مما لا يفارق ما قبلها، ففي قولك: كل امرئ ونيته،، فالنية لا تفارق صاحبها، فهي ملازمة له.
وهذا بخلاف قولك: "كل امرئ والموت يلتقيان"؛ لأن الموت ليس ملازما للمرء، وإنما يلقاه مرة واحدة، والواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، هي التي متى ذكرت فهم المخاطب معنى الاقتران من غير حاجة إلى النص على الاقتران، وذلك يكون ما قبل الواو وما بعدها لا ينفك أحدهما في الوجود عن صاحبه.
1 مرت ترجمته.
2 المراد بالمعية هنا مشاركة ما بعد الواو لما قبلها، بحيث يجتمعان فيه، ولا يفترقان وعلامة الواو التي تفيد الأمرين معا: العطف والمعية، وتكون نصا في المعية، إن صح حذفها، ووضعت كلمة "مع" مكانها، ولا يتغير المعنى، بل يتضح، وهي غير التي ينصب بعدها الاسم على أنه مفعول معه.
الأشموني مع الصبان: 1/ 217.
3 فـ "ضربي": مبتدأ أو مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، زيدا: مفعول به للمصدر. قائما: حال من ضمير محذوف، يفسره زيد، والخبر: محذوف وجوبا، ولا يصح أن تكون الحال المذكورة خبرا عن "ضربي" لأن الخبر وصف للمبتدأ في المعنى، والضرب لا يوصف بالقيام.
ويرى سيبويه وجمهور البصريين، وابن مالك، وابن هشام، أن الخبر محذوف، وأن الحال سدت مسد الخبر وأغنت عنه، وذهب قوم إلى أن الحال، هي الخبر نفسه، فأعطوا الحال حكم الظرف كاملا لما رأوا من أوجه الشبه بينهما، وفاتهم أن من شرط المسألة ألا يكون الحال صالحا؛ لأن يقع خبرا عن المبتدأ، وذهب آخرون إلى أن هذا الحال، أغنت عن الخبر، فلا تقدير، كما يغني الفاعل، أو نائب الفاعل عن خبر المبتدأ، إذا كان وصفا، وهذا وما قبله مذهبان ضعيفان، والصواب ما ذهب إليه سيبويه والجمهور.
انظر شرح التصريح: 180-181، والأشموني مع حاشية الصبان: 1/ 217- وابن عقيل "تحقيق البقاعي": 1/ 198.
للمصدر المذكور، نحو:"أكثر شربي السويق ملتويا" أو إلى مؤول بالمصدر المذكور، نحو "أخطب ما يكون الأمير قائما".
وخبر ذلك مقدر بإذ كان، أو إذا كان، عند البصريين، وبمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش، واختاره الناظم، فيقدر في "ضربي زيدا قائما" ضربه قائما، ولا يجوز ضربي زيدا شديدا؛ لصلاحية الحال للخبرية، فالرفع واجب، وشذ قولهم:"حكمك مسمطا"1، أي: حكمك لك مثبتا"2.
1 هذا مثل من أمثال العرب، قيل لرجل حكموه عليهم، وأجازوا حكمه. وهو من أمثال الميداني "ط. الخيرية": 1/ 143، و"تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: 1/ 212، وفي رواية الميداني: حكمك مسمط "بالرفع"، وهذه الرواية لا شذوذ فيها؛ لأنها جارية على القياس. ورواه أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال "1/ 251" بهامش مجتمع الأمثال للميداني. وفي هذه الرواية: جاء "حكمك" بالنصب بفعل محذوف، ونصب "مسمطا" على الحال، ولا شاهد فيها.
موطن الشاهد: "حكمك مسمطا".
وجه الاستشهاد: مجيء "حكمك" مبتدأ ومضافا إليه، والخبر محذوفا وجوبا، أي: لك مسمطا، أي نافذا، لا يرد، وكان القياس رفعه لصلاحيته للخبرية، ولكن نصب على الحالية والخبر محذوف كما أسلفنا وحكم نصبه على الحال الشذوذ.
فائدة: لعل رواية المثل برفع "حكمك ونصب مسمطا"، وهي الرواية الثالثة للمثل، وهي من تركيب النحاة.
2 أي: نافذا، وشذوذه من وجهين: أحدهما: النصب مع صلاحية الحال للخبرية، والثاني: أن الحال ليست من ضمير المصدر، وإنما صاحب الحال ضمير المصدر المستتر في الخبر، ولا يصح أن يكون الحال من الكاف المضاف إليها في حكمك؛ لأن الذوات لا توصف بالنفوذ، وأشذ منه قراءة عليّ كرم الله وجهه:"ونَحْنُ عُصْبَةً" بالنصب مع انتفاء المصدرية بالكلية، فعصبة: حال من ضمير الخبر، والتقدير: ونحن نجتمع عصبة.
[تعدد الخبر للمبتدأ الواحد] :
والأصح1 جواز تعدد الخبر، نحو:"زيد شاعر كاتب، والمانع يدَّعي تقدير "هو" للثني، أو أنه جامع للصفتين، لا الإخبار بكل منهما.
وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم من قوله2: [المتقارب]
التصريح: 1/ 181- 182. وحاشية الصبان: 1/ 220.
1 وذلك؛ لأن الخبر حكم على المبتدأ، وقد يحكم على الشيء الواحد بأكثر من حكم، وأما حكم التعدد، فهو:
أ- إذا كان المبتدأ واحدا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، بأن كان كل واحد مخالفا للآخر، في لفظه ومعناه، ويصح الاقتصار، عليه في الخبرية، جاز عطف الثاني، وما بعده على الأول بواو العطف أو بغيرها، نحو: المعري شاعر وحكيم ولغوي، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، كما يجوز حذف الواو، ويسمى كل واحد خبرا.
ب- إذا تعدد الخبر في اللفظ فقط، بأن كانت الألفاظ المتعددة مشتركة في تأدية المعنى الواحد المقصود والمراد، ولا يصح الإخبار بالبعض عن المبتدأ، نحو: هذا الرجل طويل قصير، تريد أنه متوسط، فلا يجوز العطف في هذه الحالة؛ لأن الخبرين في معنى خبر واحد من جهة المعنى، والعطف يقتضي المغايرة في الغالب؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، ويعرب كل منهما خبرا، ولا يصح أن يفصل بينهما بأجنبي، ولا أن يتأخر المبتدأ، أو يتوسط.
وإذا كان المبتدأ متعددا حقيقة، بأنه كان مثنى أو مجموعا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، نحو: المحمدان: مهندس وطبيب، وجب عطف الخبر الثاني، وما بعده على الأول بوساطة حرف العطف، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، وكما يكون التعدد في الخبر المفرد، يكون في الجملة، وزعم بعض النحويين أن الخبر لا يتعدد إلا إذا كان من جنس واحد، إفرادا، أو جملة. انظر شرح التصريح: 1/ 182-183 والأشموني مع حاشية الصبان: 1/ 221-222.
2 وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن ضبيعة بن ثعلبة، ويقال: إن اسمه عمرو وسمِّي طرفة ببيت قاله، وهو أحدث الشعراء سنا، وأقلهم عمرا، وأجودهم طويلة؛ كان في حسبٍ من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم، وكان ينادم عمرو بن هند، فقال فيه شعرا وتغزل بأخته، فبعث معه كتابا إلى عامله في البحرين، فقتله، وهو ابن عشرين عاما، وهو صاحب معلقة مشهورة.
79-
يداك يد خيرها يرتجى
…
وأخرى لأعدائها غائظة1
الشعر والشعراء: 1/ 185، والخزانة: 1/ 412، ومعاهد التنصيص:164.
1 تخريج الشاهد: الشاهد كما ذكر العيني في شرح الشواهد "أنشده الخليل..... وما قيل: إنه لطرفة لم يثبت" وهو من شواهد: التصريح: 1/ 182، والأشموني:"166/ 1/ 106"، والعيني: 1/ 572، وليس في ديوان طرفة.
المفردات الغريبة: يداك: مثنى يد.
المعنى: يمدح الشاعر رجلا بالكرم والجود، ذاكرا أن إحدى يديه يرتجى منها الخير والبر، ويصفه بالشجاعة، فيذكر أن يده الأخرى غيظ للأعداء؛ لأنها قوية عليهم.
الإعراب: يداك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والكاف: مضاف إليه. يد: خبر المبتدأ مرفوع. خيرها "خير" مبتدأ، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه. يُرتجى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو، و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ "خيرها"، و"الجملة الاسمية":"خيرها يرتجى" في محل رفع صفة لـ "يد". وأخرى: الواو عاطفة، أخرى: معطوف على "يد" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة. "لأعدائها" متعلق بـ "غائظة" الآتي، و"ها": مضاف إليه. غائظة: صفة لـ "أخرى".
موطن الشاهد: "يداك يد خيرها يُرتجى".
وجه الاستشهاد: أنشد ابن الناظم البيت للدلالة على تعدد الخبر لمبتدأ واحد؛ لأنه يعتقد أن "يداك" الواقع مبتدأ، هو واحد في اللفظ، وإن كان في المعنى متعددا، وعلى أن المعطوف والمعطوف عليه اثنان وأراد المؤلف أن يبين خطأه في ذلك، ووجه تخطئته: أن اختلاف العلماء في جواز تعدد الخبر إنما وقع فيما كان المبتدأ فيه واحدا في اللفظ والمعنى معا، وكان الخبر متعددا في اللفظ والمعنى أيضا، بحيث يصلح كل واحد من الخبرين؛ لأن يكون خبرا عن ذلك المبتدأ، ويصح حمله وحده عليه، ويفيد معه فائدة يحسن السكوت عليها، فأما إذا كان الخبر متعددا في اللفظ فقط، كما في قولهم:"الرمان حلو حامض"، أو عطف ثانيهما على أولهما، نحو:"إبراهيم كاتب وشاعر" فإنه لا يكون من موضع الخلاف بين العلماء، وأخيرا: بقي أن نعلم أن التعدد في الشاهد، من باب التعدد المطلق.
ومثل هذا الشاهد: قول الأحوص:
ثنتان لا أصبو لوصلهما
…
عرس الخليل وجارة الجنب
وقول الآخر:
كفاك كف ما تليق درهما
…
جودا، وأخرى تعطِ بالسيف الدما
انظر شرح التصريح: 1/ 182- 183، وأوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": 1/ 229-230.
لأن "يداك" في قوة مبتدأين لكل منهما خبر، ومن نحو قولهم:"الرمان حلو حامض"؛ لأنهما بمعنى خبر واحد، أي: مُزٌّ، ولهذا يمتنع العطف على الأصح، وأن يتوسط المبتدأ بينهما1، ومن نحو:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} 2؛ لأن الثاني تابع له3.
1 وأن يتقدما على المبتدأ على الأصح فيهما عند الأكثرين فلا يقال: حلو الرمان حامض ولا حلو حامض الرمان، وليس الثاني بدلا؛ لأنه ليس المراد أحدهما، بل كلاهما، ولا صفة؛ لامتناع وصف الشيء بمناقضه، ونقل عن الأخفش جواز كونه وصفا للأول، على معنى حلو فيه حموضة، والصفة توصف إذا نزلت منزلة الجامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، ورد بأن الصفة كالفعل، وهو لا يوصف، ولو صح هذا أي الرد لم يصح التصغير، وهو جائز بلا خلاف، ولا خبر مبتدأ محذوف؛ لأن المراد أنه جمع الطعمين، وهل في كل منهما ضمير، أو لا ضمير فيهما، أو في الثاني فقط أقوال: اختار أبو حيان أولها، وصاحب البديع ثانيها، والفارسي ثالثها، وتظهر ثمرة الخلاف في تحملهما، أو تحمل أحدهما، في نحو: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإن قلنا لا يتحمل الأول ضمير تعين رفع رمانه بالثاني، وإن قلنا إنه يتحمل، فيجوز أن يكون من باب التنازع في السَّبَبِيّ المرفوع على القول به.
التصريح: 1/ 183.
2 "6" سورة الأنعام، الآية:39.
موطن الشاهد: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} .
وجه الاستشهاد: توهم ابن الناظم في الآية دليلا على تعدد الخبر "لأن الثاني تابع بالعطف بالواو على ما قبله، والأصل: والذين كذبوا بآياتنا بعضهم صم، وبعضهم بكم، فحذف المبتدآن وبقي خبراهما، فعطف أحدهما على الآخر.
3 بينا أن كونه تابعا، لا ينافي أنه خبر في المعنى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر. هذا؛ وقد أجاز بعض النحاة تعدد المبتدأ قياسا على تعدد الخبر، فيقال: محمد، عليّ، زينب غاضبة عليه بسببه "بتعدد المبتدآت بدون ضمائر، وجعل الروابط بعد خبر الأول"، فترتب الضمائر ترتيبا عكسيا، ويكون الضمير في "عليه" راجع إلى الثاني، وهو "على"، وفي "بسببه" راجع إلى الأول، وهو "محمد".
ويقال: محمد عمه خاله خادمه مسافر "بتعدد المبتدآت وخلو الأول من الضمير وإضافة ما بعده، كلٌّ إلى ضمير ما قبله،، والمعنى: خادم خال عم محمد مسافر وفي هذا تعسف واضح.
ومن الخير والصواب عدم استعمال مثل هذه التراكيب.
حاشية الصبان على شرح الأشموني: 1/ 223-224.