الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غ- علم قوائم الكتب والفنون أو الببليوجرافيا العربية
أخذت دائرة التأليف العربي - في شتى العلوم والفنون - تتسع منذ منتصف القرن الثالث. وكان لابد من تسجيل هذا التراث وتصنيفه، على أبواب العلوم وأسماء الكتب.
ويعد ابن النديم - محمد بن إسحاق بن محمد، المتوفى سنة 438هـ أول من عنى بهذا اللون من التأليف الكتبي، أو الببليوجرافي.
ولاشك أن اشتغال ابن النديم بصناعة الوراقة، وهي نسخ الكتب وبيعها، قد أظهره على أسماء الكتب، وطرائق تأليفها، مما أعانه على إقامة عمله الرائد هذا (1) .
وقد أبان ابنُ النديم عن منهجه، في تلك المقدمة الموجزة التي صدر بها كتابه. قال:
وهذا فهرست كتب جميع الأمم، من العرب والعجم، الموجود منها بلغة العرب وقلمها، في أصناف العلوم، وأخبار مصنفيها، وطبقات
(1) انظر: النديم وكتاب الفهرست. للدكتور عبد الستار الحلوجي - مجلة كلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض - المجلد السابع ثم انظر لمعرفة هذا الفن: نشأة علم البيليوجرافيا عند المسلمين. للدكتور عبد الستار الحلوجي. مجلة دارة الملك عبد العزيز بالرياض.
و: أربعة كتب في البيليوجرافية العربية. للدكتور عبد الوهاب أبو النور.
مؤلفيها وأنسابهم، وتاريخ موليدهم، ومبلغ أعمارهم، وأوقات وفاتهم، وأماكن بلدانهم، ومناقبهم ومثالبهم، منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة ".
وهكذا اختلط هذا العلم - علم قوائم الكتب - بعلم التراجم، وإن كانت الغلبة للأول. وظهر هذا المنهج القائم على المزج بين العلمين، في كتب الببليوجرافية كلها، على اختلاف مناهجها، بسطاً أو إيجازاً.
ومن أبرز كتب هذا الفن:
1-
الفهرست، لابن النديم، الذي قدمت لك شيئاً من خبره.
2-
مفتاح السعادة ومصباح دار السيادة. لأحمد بن مصطفى ابن خليل. المعروف بطاش كبرى زاده (968هـ) .
وقد أخضع المؤلف كتابه هذا، لتقسيمات فكرية، قائمة على رأيه في العلوم العربية والإسلامية؛ نظرية وعملية، مستهدفاً تصفية النفس الإنسانية، وإيصالها إلى السعادة عند طريق الاطلاع على العلوم والمعارف.
وفي أثناء ذلك يذكر موضوع كل علم، والغاية منه، وأسماء أبرز الكتب المصنفة فيه، مع الترجمة للمؤلفين. والتراجم عنده - في غالب أمره - منتزعة من كتب المرخين السابقين، بألفاظها وسياقها، كما رأيت من اتكائه على طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي.
3-
كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون؟ لمصطفى بن عبد الله. كاتب جلبى، المعروف بالحاج (1) خليفة (1067هـ) .
وهذا الكتاب أجمع ما صنف في علم قوائم الكتب، وايسر ما ألف فيه أيضاً؛ وذلك لأن الحاج خليفة رحمه الله قد رتبه على حروف ألف باء، وأنزل الحدي عن موضوعات العلوم وأسماء الكتب، على منازل هذا الحروف. فعلم النحو مثلا يذكر في حرف النون، مع ذكر أبرز الكتب المصنفة فيه، والجبر والحساب يذكران في الجيم والحاء. وغالباً ما يذكر الكتاب مرتين: مرة في نفه، ومرة في مكانه من حروف الهجاء؛ فكتاب مثل " النهاية " لابن الأثير، يذكره في حرف الغين، في أثناء حديثه في علم "غريب الحديث" ثم يورده في حرف النون، وهو حق مكانه.
والمادة العلمية في هذا الكتاب غزيرة جداً، فقد ذكر نحو (200) علم وفن، ونحو (1500) عنوان كتاب، ونحو (9500) مؤلف (2) .
وأحب أن ألخص لطالب العلم المبتدئ، فوائد هذا الكتاب، وهي - فيما أراه - أربع:
(1)
…
(2)
…
موضوعات العلوم.
عنوان الكتب.
ج-
…
شروح الكتب. فقد حرص الحاج خليفة على ذكر كل ما يتصل بالكتاب: شرحاً أو اختصاراً، أو تذبيلا، أو نقداً.
د- وهذه فائدة رابعة، تفيد في توثيق الكتب، ونسبتها إلى مؤلفيها. وذلك ما ينقله الحاج خليفة، من خطبة الكتاب - يتحدث عنه - أو مقدمه. وقد أفادت هذه الطريقة في نسبة بعض المخطوطات لعارية من النسبة، أو المختلف في نسبتها، حين يتنازع الكتاب أكثر من مؤلف.
ومن ملاحظاتي الخاصة على هذا الكتاب، أنه أخل بشيء من تاريخ المغرب وعلومه، وكذلك ما يتصل بتاريخ اليمن وعلومه. ولذلك أسباب، ليس هنا موضع تفصيلها.
غير أن يبقى لذلك الكتاب قيمته العظيمة، في رصد حركة الفكر العربي، وتتبع مساره، منذ بداية التدوين حتى القرن الحادي عشر الهجري.
4-
أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون. لعبد اللطيف بن محمد بن مصطفى الشهير برياضى زادة (1078هـ) .
5-
إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون. لإسماعيل باشا بن محمد أمين البغدادي (1339هـ) .
فهذه مصنفات علم قوائم الكتب، أو المراجع الببليوجرافية (1) .
(1) وقد طبعت هذه الكتب جميعها، ولكنها تحتاج إلى تحقيق جديد، يقوم به نفر من العلماء الاثبات الذين يجمعون بين معرفة العلم ومعرفة الكتب.
ومن المصنفات الحديثة التي عنيت بالكتاب العربي مخطوطاً ومطبوعاً:
اكتفاء القنوع بما هو مطبوع. لإدوارد فنديك (طبع بمطبعة الهلال بمصر سنة 1313هـ - 1896م) .
معجم المطبوعات العربية والمعربة. ليوسف إليان سركيس، المتوفى سنة 1351هـ.
ج- خزائن الكتب العربية في الخافقين، للفيكونت فيليب دى طرازى، المتوفى سنة 1375هـ.
د- تاريخ الأدب العربي. للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، المتوفى سنة 1375هـ.
هـ- تاريخ التراث العربي. للعالم المسلم التركي الدكتور محمد فؤاد سزجين، مد الله في حياته
على أنه ينبغي التنبه إلى أن عناية العرب بهذا الفن، قد اتخذت شكلاً آخر، هو ما عرف بالمعاجم، والفهارس، والمشيخات، والأثبات والبرامج.
وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب. فقد جرى كثير من (1)
العلماء على أن يصنع لنفسه معجماً، أو فهرساً، أو مشيخة، أو ثبتا، أو برنامجاً، يذكر فيه شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، والكتب التي سمعها منهم، مسندة إلى مؤلفيها.
وهذا هو الملاك العام الذي يجمع تلك المصنفات، على اختلاف في مناهجها، يطول الكلام بذكره.
(1) مثل: معجم السفر، للحافظ السلفي، والمعجم المختص، للذهبي، والمعجم المفهرس لابن حجر العسقلاني، وفهرسة ابن خير الإشبيلي ومشيخة ابن الجوزي، وثبت النذرومي، وبرنامج ابن أبي الربيع.
والفهرست، بكسر الفاء وسكون الهاء، وكسر الراء، وسكون السين، ثم تاء أصلية، تكتب مفتوحة ومعقودة: كلمة فارسية، تدل عند الفرس على جملة العدد المطلق الكتب. ثم عربتها العرب، وجمعتها على: فهارس. وكل ماعربته العرب بألسنتها، فهو من كلام العرب
وقد أصبح الفهرست أو الفهرس يدل على ثلاث معان:
كتاب يضم أسماء الكتب والتقاييد، والرسائل المقروءة.
كتاب يحتوي على أسماء المشايخ المستفاد منهم، والمتلقي عنهم.
ج- قائمة في أول الكتاب وفي آخره، تتضمن ذكر أبوابه وفصوله، ومباحثه وأعلامه واستشهاداته، وكل ما يكشف عن كنوزه، ويعين على الإفادة منه. وهذا المعنى الثالث هو الشائع في أيامنا هذه.
أما "البرنامج" فهو أيضاً فارسي. وأصله " برنامه"، وهي عندهم تدل على الورقة الجامعة للحساب، أو بمعنى الزمام الذي يرسم، أو يقيد فيه متاع التجار وسلعهم. وقد استعمله العرب - وبخاصة أهل المغرب والأندلس - بالمعنيين الأولين المذكورين في معنى الفهرست.
وتدل لفظة "البرنامج" الآن، على المنهج العام الذي يضعه المرء، ليتبعه في أعماله وشئونه. مقدمة الدكتور محمد بن عبد الكريم لتحقيق كتاب الغنية - فهرست شيوخ القاضي عياض - ص12، 13.
ويقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني رحمه الله في تعريف البرنامج: "إنه كتاب يسجل فيه العالم، ما قرأه من مؤلفات في مختلف العلوم، ذكراً عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، وربما ذكر خلال ذلك، المكان الذي كان موضعاً لدرس، والتاريخ الذي بدأ فيه الدراسة، أو ختمها "(1) .
وهذا اللون من التأليف يعرفنا حياة الكتب، وحظوظها في عصر من العصور، ويكشف عن الاهتمامات العلمية، للبيئات العربية
(1) كتب برامج العلماء في الأندلس - توطئة لنشر " برنامج ابن أبي الربيع " - مجلة معهد المخطوطات. المجلد الأول ص91 - القاهرة 1374هـ - 1955م.
والإسلامية، في الأزمان التي كتبت فيها تلك المعاجم والبرامج، إلى أنه يظهرنا على العلائق والصلات الفكرية، بين مشرق العالم العربي ومغربه.
فالكتب في هذا اللون من التأليف نابضة فوارة، تتنغش بالحياة، وتمور بالحركة. وهي في الطائفة الأولى الببليوجرافية؛ قوائم صامتة، تنطق إذا استنطقتها، وتعطي إذا فاتشتها.
كما أنك ترى من حياة الشيوخ، في تلك الكتب، وخاصة أمرهم، ودقائق سلوكياتهم ملالا تراه في كتب التراجم العامة والخاصة، التي تسرد حياة المترجم سردا. وما ظنك بتلميذ يكتب عن شيخه؟
وليس يخفى أن اهتمام العلماء بذلك الضرب من التأليف، إنما هو أثر من آثار المحدثين، الذين كانوا أول من استعمل لفظ "معجم"، وجمعوا فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان، ثم انتقل الأمر من تسجيل مجموعات الأحاديث إلى تسجيل كل أنواع المرويات، في علوم الدين، واللغة، والأدب، كما انتقل لفظ "المعاجم" من المحدثين، إلى سائر الطبقات التي يترجم لها، فكانت معاجم الشعراء، ومعاجم الأدباء، ومعاجم البلدان (1) .
ومن أبرز تلك الكتب (2) :
(1) هذه الفقرة من كلام العلامة عبد العزيز الأهواني، رحمه الله، انظر المرجع السابق ص94، 95، وانظر أيضاً المقدمة الجيدة التي كتبها الدكتور محمد بن عبد الكريم، لكتاب "الغنية" السابق.
(2)
اكتفيت بذكر أشهر ما عرفته مطبوعاًَ منها. وواضح أن عناية المغاربة بهذا الفن أظهر من عناية المشارقة به. ومن مصنفاتهم المطبوعة في ذلك أيضاًَ: فهرس ابن غازي المسمى: "التعلل برسوم الإسناد بعد ذهاب أهل المنزل والناد" وفهرسة الرصاع الأندلسي، وبرنامج التجيبي السبتي، وبرنام المجاري الأندلسي.
1-
فهرسة ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير بن عمر الإشبيلي (575هـ) وهو أشهر تلك الكتب، وأكثرها دوراناً عند العلماء والمحققين، الذي يلتمسون الصلات بين المشرق والمغرب. ومن انفع ما ذكره من ذلك حديثه عن الكتب التي حملها أبو علي البغدادي القالي، ودخل بها إلى المغرب والأندلس، سنة 328هـ، في أيام عبد الرحمن الناصر. إلى فوائد أخرى كثيرة.
2-
فهرس ابن عطية - وهو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي، المتوفى نحو سنة (541هـ) وهو صاحب التفسير، المسمى: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
3-
الغنية - فهرست شيوخ القاضى عياض بن موسى اليحصبى السبتي (544هـ) .
4-
مشيخة ابن الجوزي - وهو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن محمد (597هـ) .
5-
برنامج ابن أبي الربيع - وهو أبو الحسين عبيد الله بن أحمد ابن عبيد الله القرشي الإشبيلي السبتي (688هـ) .
6-
فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات. لمحمد عبد الحي بن عبد الكبير بن محمد الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (1382هـ) .
وهو - فيما أعلم - آخر تلك السلسلة من المنصفات.
وقد جعله ذيلاً على طبقات الحفاظ والمحدثين للحافظين بن ناصر، والسيوطي، إلى زمانه في منتصف القرن الرابع عشر الهجري.
حيث فرغ م نتأليفه عام 1342هـ، وأتم تحريره وتهذيبه وتصحيحه عام 1344هـ (1) .
(1) طبع بالمطبعة الجديد بفاس، عام 1346هـ، وقد أعاد نشره، هذه الأيام الدكتور إحسان عباس.