المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم - الوسطية في ضوء القرآن الكريم

[ناصر العمر]

الفصل: ‌الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم

‌الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم

مما تقدَّم يتَّضح أن معنى الصّراط المستقيم يدلّ على الوسطيَّة في مفهومها الشَّرعي الاصطلاحيّ الذي سبق تقريره، وبخاصّة أن ما جعلته لازمًا لمفهوم الوسطيَّة وإطلاقها قد تحقَّق في معنى الصّراط المستقيم، فالخيريَّة والبينيَّة ظاهرتان في هذا الأمر.

فنجد في سورة الفاتحة لمَّا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6) عرَّفه فقال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: من الآية 7) ثم حدَّده فقال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: من الآية 7) فجعل الصّراط المستقيم طريق الخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.

وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضّالين.

ص: 85

وكذلك في سورة البقرة قال الله - تعالى -: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة: من الآية 142) فقال بعدها مباشرة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: من الآية 143) وقد تحدَّث المفسّرون عن الكاف في هذه الآية، وذكر غير واحد أن (الكاف) للرّبط بين جعلهم أمَّة وسطًا وهدايتهم للصّراط المستقيم (1) .

ونزيد الأمر وضوحًا في ذكر بعض الأحاديث التي وردت في ذلك:

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنَّا عند النبي، صلى الله عليه وسلم فخطَّ خطًّا وخطَّ خطين عن يمينه، وخطَّ خطَّين عن يساره، ثم وضع يده على الخطَّ الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} » (2) .

(1) - انظر: تفسير التحرير والتنوير (2 / 1 / 15) ، وتفسير الطبري (2 / 6) .

(2)

- أخرجه ابن ماجه (1 / 6) رقم (11) . قال البوصيري في الزوائد (1 / 45) : هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعيد. قلت: مجالد بن سعيد هو ابن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي. قال الحافظ في التقريب ص (520) : ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. اهـ. ولكن يشهد لهذا الحديث ما رواه عبد الله بن مسعود، قال: خط لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم خطًّا، ثم قال:«هذه سبيل الله» . ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال:«هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» . ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتّبعوه) . [سورة الأنعام، الآية: 163] . أخرجه أحمد (3 / 397) . والدارمي (1 / 78، 79) رقم (202) . وحسنه الألباني كما في المشكاة رقم (166) ونقل عن الحاكم تصحيحه.

ص: 86

وذكر القرطبي في تفسيره، قال: ذكر الطبري في آداب النّفوس حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصّراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد، صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثمَّ رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النَّار، ومن أخذ على الصّراط انتهى به إلى الجنَّة، ثم قرأ ابن مسعود:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} (الأنعام: من الآية 153)(1) .

وبالتأمّل فيما سبق يتَّضح لنا ما يلي:

1-

أنَّ الصّراط المستقيم: يمثل قمَّة الوسطيَّة وذروة سنامها وأعلى درجاتها، وآيتا الفاتحة والبقرة حجَّة قاطعة في ذلك.

2-

أن الوسطيَّة تعني الخيريَّة، سواء أكانت خير الخيرين أو خيرًا بين شرّين أو خيرًا بين أمرين متفاوتين، وقد سبق تفصيل ذلك.

(1) - انظر: تفسير القرطبي (7 / 138) ، والوسطية في الإسلام لفريد عبد القادر ص (23) .

ص: 87

3-

أنَّ المقياس لتحديد الخيريَّة هو الشرع، وليس هوى النَّاس أو ما تعارفوا عليه أو ألفوه، فإنَّ مفهوم الوسطيَّة عند كثير من الناس تعني التّنازل أو التَّساهل بل والمداهنة أحيانًا، حيث يختارون الأمر بين الخير والشرّ وهو إلى الشرّ أقرب في حقيقته ومآله، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا.

4-

أنَّ هناك عوامل كثيرة، وأصولا معتبرة (1) تجب مراعاتها عند تحديد مفهوم الوسطيَّة وتطبيقها على أمر من الأمور، حيث إن قصر النظر على أمر دون آخر يؤدّي إلى خلاف ذلك ومجانية للصّواب.

(1) - يختلف ذلك باختلاف الأحوال والقضايا، ولكل حالة ما يناسبها ضمن الضوابط الشرعية.

ص: 88

5-

وخلاصة الأمر: أنَّه يجب عند النظر في أيّ أمر من الأمور لتحديد علاقته بالوسطية ومدى قربه أو بعده منها دقَّة النّظر والاعتبار في حقيقة هذا الأمر دون الاقتصار على ظاهره فقط، ثم إلى أي هذه الأسس هو أقرب، مراعيًا في ذلك أمور عدَّة - كما أشرت في الفقرة السّابقة - وكلّها تنطلق من القواعد الشّرعية والضّوابط المنهجيَّة، فإذا اتَّضح قربه في حقيقته ومآله إلى الصّراط المستقيم فهو داخل في الوسطيَّة التي نتحدث عنها، أمَّا إذا كان إلى الغلوّ أو الجفاء أو الإفراط أو التَّفريط أقرب حقيقة ومآلا فليس من الوسطيَّة في شيء، وإن حسبه النَّاس كذلك، وقد زلَّت في هذه المسألة عقول وأقدام.

ص: 89

أولا: الخيريَّة

قال الله - تعالى - في سورة البقرة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: من الآية 143) وقال في سورة آل عمران: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: من الآية 110) وقد ذكرت أن من معاني الوسطيَّة الخيريَّة، قال ابن كثير رحمه الله: والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال لقريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها (1) .

وفي تفسيره لقوله - تعالى -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: من الآية 110) قال: يعني خير النَّاس للنّاس، والمعنى: أنَّهم خير الأمم وأنفع النَّاس للنَّاس، إلى أن قال: كما في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: من الآية 143) أي خيارًا (2) .

وقال الطبري: مقرّرًا خيريَّة هذه الأمَّة (أمَّة الوسط) : فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} (آل عمران: من الآية 110) ؟ وقد زعمت أن تأويل هذه الآية أن هذه الأمَّة خير الأمم التي مضت، وإنَّما يقال: كنتم خير أمَّة لقوم كانوا خيارًا فتغيّروا عمّا كانوا عليه؟!

(1) - انظر: تفسير ابن كثير (1 / 190) .

(2)

- انظر: تفسير ابن كثير (1 / 391) .

ص: 90

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنَّما معناه أنتم خير أمَّة، كما قيل:{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} (الأنفال: من الآية 26) وقد قال في موضع آخر: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} (الأعراف: من الآية 86) فإدخال كان في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأنّ الكلام معروف معناه.

ولو قال - أيضًا - في ذلك قائل: {كُنْتُمْ} (الأعراف: من الآية 86) بمعنى التَّمام، كان تأويله: خلقتم خير أمَّة، أو وجدتم خير أمَّة، كان معنى صحيحًا (1) .

وفي تفسيره لقوله - تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: من الآية 143) قال: وأمّا التّأويل فإنَّه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأنَّ الخيار من النَّاس عدولهم (2) .

وممَّا سبق يتَّضح أن الخيريَّة ممَّا فسر به معنى الوسطيَّة التي ذكرها الله من خصائص هذه الأمَّة، فما هي هذه الخيريَّة التي نعرف بها وسطيَّة هذه الأمَّة؟

قال الطبري في تفسير آية الخيريَّة:

(1) - انظر: تفسير الطبري (4 / 45) .

(2)

- انظر تفسير الطبري (2 / 7) .

ص: 91

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، إذ كنتم بهذه الشّروط التي وصفهم - جلّ ثناؤه - بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمَّة تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتُؤمنون بالله، أخرجوا للنَّاس في زمانكم (1) .

قال رشيد رضا:

والحق أقول: إنّ هذه الأمَّة ما فتئت خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، حتَّى تركت الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر.

ثم قال: وقد بيَّن الفخر الرازي كون وصف الأمَّة هنا بالأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان علّة لكونها خير أمَّة أُخرجت للنّاس، فقال:

واعلم أنَّ هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علّة تلك الخيريَّة، كما تقول: زيد كريم، يطعم النَّاس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم.

وتحقيق الكلام أنَّه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونًا بالوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الحكم معلّلا بذلك الوصف.

فهنا حكم - تعالى - بثبوت وصف الخيريَّة لهذه الأمَّة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطّاعات، أعني الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان، فوجب كون تلك الخيريَّة معلّلة بهذه العبادات (2) .

وقال القاسمي:

(1) - انظر: تفسير الطبري (4 / 44) .

(2)

- انظر: تفسير المنار (4 / 60) .

ص: 92

ثم بيّن وجه الخيريَّة بما لم يحصل مجموعه لغيرهم، بقوله:{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: من الآية 110) فبهذه الصفات فضّلوا على غيرهم ممن قال - تعالى - فيهم: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة:79){وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} (النساء: من الآية 150) .

قال أبو السّعود:

{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: من الآية 110) أي إيمانًا متعلّقًا بكلّ ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء، وإنّما لم يُصرّح به تفصيلا لظهور أنّه الذي يؤمن به المؤمنون، وللإيذان بأنَّه هو الإيمان بالله - تعالى - حقيقة (1) .

وقد وردت بعض الأحاديث التي تدلّ على خيريَّة هذه الأمَّة منها:

1-

روى الترمذي في تفسيره لهذه الآية أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال:«إنَّكم تتّمون سبعين أمَّة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (2) .

(1) - انظر: تفسير القاسمي (4 / 936) .

(2)

- أخرجه الترمذي (5 / 211) رقم (3001) . وابن ماجه (2 / 1433) رقم (4288) وأحمد (5 / 5) . والدارمي (2 / 404) رقم (2760) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه الألباني كما في المشكاة رقم (6285) .

ص: 93

2-

وقال صلى الله عليه وسلم «أُعطيت ما لم يُعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ فقال: نصرُ بالرّعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمدَ، وجعل التّراب لي طهورًا، وجعلت أمّتي خير الأمم» (1) .

فهذه الأحاديث مع آية آل عمران تبيّن خيريَّة هذه الأمَّة، التي جعلها الله أمَّة وسطًا، وقد جمع المفسّرون بين معنيي الخيريَّة والوسطيَّة، حتى جاء أحدهما تفسيرًا للآخر، كما مرَّ معنا.

ولأهمّيَّة بيان معنى الخيريَّة، فسأذكر أبرز أوجه هذه الخيريَّة، ليتَّضح لنا معنى الوسطيَّة.

(1) - أخرجه أحمد (1 / 98، 158) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 265، 266) : وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيئ الحفظ. قال الترمذي: صدوق، وقد تكلّم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميد يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت: فالحديث حسن. والله أعلم. اهـ.

ص: 94